المقالات

على سبيل الألم!

على سبيل الألم، هل جربت أن تحادث صورة أبيك المتوفي في بروازها الفضي؟ هل جربت أن تهديه كل صباح قبل الخروج، قبلة على الجبين، وتسمع دعواته تتردد حول إطار الصورة؟ هل جربت أن تبادله أطراف الحديث عصرا، رفقة الشاي المنعنع حول أيامه في الغربة؟ هل جربت أن تشتاق أكثر من إذن الغياب، وتسامر روحا صعدت الى السماء، وتتمنى أن يصير المحال ممكنا، والممكن واقعا معاشا؟ هل جربت الندم على الأوقات التي أهدرتها بعيدا عنه، والأفعال التي نسيت أن تتقاسمها معه، والمشاعر والأحاسيس التي دفنتها ولم تبح بها له، والحسرة على غضبك المتجهم في الجهالة بسبب نصائح مشخصة رفضت الأخذ بها؟ هل جربت مزج كل من الخيال بأحلام التمني؟ هل جربت ألم الفراق والتذكر؟
ففي مشهد حياته، خارج برواز الصورة، وفي غربته الكبيرة، كان أبي، يواسي الوقت بالكد والحنين، يغزل الاشتياق برسائل شهرية، أو تلك المكالمة المحددة سلفا عند العطار -المالك الوحيد للهاتف الثابت في الحي-، يذيب تلك المسافات في عطله الأسبوعية بزيارة الأخوة والأصحاب، وكان حرصه على صلة الرحم يقابل في بعض الأحيان ببرودة الاستقبال، فلا يوجد تناسب في الأفعال والأعمال، وصدق النوايا ورزايا النفوس، وتدور الأيام في رحاها، وتمر السنون والفصول، ويدرك سهوا في عطله الصيفية، أن الصغير أضاف لقامته شبرا، وماعاد يسير مبتل السراويل.
وهنالك في الزاوية القصية من البيت، غرفته، أشياؤه، مذياعه، عطره، مسباحه، وحتى خاتمه الذي أضعه اليوم، طيفه الذي يؤنس المشهد، ذكراه المنسوجة في غزل السجاد، وهنا على الطريق مشيته التي تختال بها الدروب، وكرسيه عند اسكافي الحي، ونظرته تلك التي لم تكن لحظ غياب، بل لحن حنان.
كل هذا التذكر يثقل كاهلنا بأحلام التمني، فغياب أبي، جعلني أدرك بمنطق وجودي، أن عنف الموت يجعلنا هواة حياة، وأن الألم لا يعالج الا بالألم، وبأنني كذلك لم أكبر، أحدهم دفعني.
لقد أدرك الأطباء القدامى منذ زمن وقبل معرفة السبب، أن الألم يجب أن يحارب بالألم، حيث وجد علماء الآثار من ضمن المتعلقات الشخصية داخل مقبرة صينية عمرها 2100 عام، تسع إبر تستخدم للعلاج.
الأمر جد بسيط، صفيف من الإبر يخدر ذراعك ليعمل قلبك ورئتاك بشكل صحيح، إبر في قدميك تُهدئ الأرق والإجهاد، قليل من الألم هنا، ويحس بتأثيره في مكان آخر، ذات مرة، غرس فريق من المستكشفين علما في القطب الجنوبي، إبرة في كعب الكرة الأرضية، في مكان مقفر، وقبل أن تتم المهمة، كانت قد اندلعت حرب عالمية، أحس بتأثير الإبرة في رأس العالم، في الفص المسؤول عن العنف.
لا يوجد استمرار بدون ألم، ولا أعلم أين يوجد في جسم الانسان الموضع المسؤول عن تخدير الذاكرة، أين نضع الإبر حتى تمسح الذاكرة أو على الأقل تصاب بأعطال في التذكر؟ لا نعلم الجواب، لكن الأكيد أن أبي قد رحل، وأنا لم أقل له :وداعا.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى