المقالات

ذواتنا والحياة

الأسئلة الحقيقية هي تلك التي تستفز مخزون المعرفة والوعي والادراك، تلك التي لا إجابات موحدة حولها ولا اتفاق معلنا أو ضمنيا فيها، ومن ضمن تلك التساؤلات التي شغلت أذهان وأفكار مدمني الحرف والسؤال، المنتشين بقلقهم المعرفي وهمهم التساؤلي، سؤال، الفهم الحقيقي للحياة.
وهو ما يدفعنا الى طرح آراء حول معيقات فهم الحياة الانسانية، فهي تتمثل في الجهل حسب «سقراط»، الخوف حسب «الأبيقورية»، التذمر حسب «الرواقية»، الأهواء الحزينة حسب «سبينوزا»، الاستلاب حسب «ماركس»، غرائز الانحطاط حسب «نيتشه»، دوافع الموت حسب «فرويد»، الوجود الزائف حسب «هيدجر»، نمط التملك حسب «إريك فروم»، الانضباط المجتمعي حسب «باكونين»، وهكذا دواليك إجمالًا، حياة جيدة تعني حكامةً جيدةً للذات المُعرضة على الدوام للوهم، والألم، والمرض، والملل، والشقاء، والفناء، وهي بعد ذلك، غالبًا ما تلوذ إلى ما يسميه «شوبنهاور» بالعزاءات الكاذبة.
وفي أحد المشاهد الأكثر قوة في رواية «الطاعون» مشهد الطفل الصغير الذي ظلَّ يصارع مخالب الموت الشرسة في ظروف مأساوية مروعة، كان تصوير “ألبير كامو” للمشهد مذهلًا وشاملًا لأدق التفاصيل، وقد استغرق صفحات طويلة من الرواية، استطاع فيها أنّ يلامس نبرات الألم والصراخ والأنين بدقة لا متناهية، وصولًا إلى حرقة السؤال الأشدّ إيلامًا، ما الذي يبرر هذه المأساة؟ بحيث تبدو الإجابة الأكثر صدقًا هي إجابة «كامو» نفسه: لا تحمل المأساة أي معنى لأنّها من صميم الحياة التي بدورها لا تحمل أي معنى، تلك هي الحقيقة الوجوديّة كما عرّاها صراخ ذلك الطفل المحتضر، وهناك فكرة أساسية، إنّ كانت مشاهد مآسي الأطفال لا تُحتمل فلأنّها لا تقبل أي تبرير.
ففي عالم يضيق بنا، يكون البحث عن معنى الحياة ملاذا لمن ضاق عليه واقعه ولم تضق أحلامه، والسؤال في أحد معانيه هو استنطاق للوجود غير هذا الوجود، وعلى قدر سِعة المعرفة يزداد حجم السؤال، وتتوالى الأسئلة في رحلة تتسم بالعصوبة وتتوشح بالتعقيد لتجاوز أوضاعنا التي تبدو حتمية وخارجة عن أيدينا وتُشعرنا بضآلتنا ومحدودية اختياراتنا في الحياة.
ففي فترة الشباب تدخل الرغبة في العيش في حالة كمون جراء الخوف من المستقبل، والذي يندرج ضمن الخوف من المجهولات؛ وفي فترة الشيخوخة قد تُستنزف القدرة على الحياة بفعل الحنين إلى الماضي، والذي يندرج ضمن الحزن على المفقودات.
إن التوازن في حياتنا يتحقق بالرضا عن ذواتنا، عن طريق تأديتنا لواجبنا في ثلاثة نطاقات، العمل والحب ومساعدة العالم، فإذا مارسنا عملنا بشكل منتظم وإيجابي، وكانت علاقاتنا مع الآخر صحية وهادئة، وعملنا على استثمار بعض الوقت والجهد والنقود في عمل الخير، فإن ذلك يجعل لحياتنا معنى نقدّره، ننام في آخر اليوم الطويل ونحن -رغم كل شيء قاس، قد حدث في هذا اليوم- راضون عن حياتنا. 
لذلك فالعيش يستلزم وجود الفكرة، والفكرة تأسس لمنهج وخطة وهدف، يجب علينا أن نبقي أنفسنا مشغولين دائما في البحث عن أسباب السعادة، بالعمل أو البحث أو القراءة أو مجرد التأمل، أو الانخراط مع الآخرين في أحاديث، فالتحدث إلى العامة، بالإضافة إلى كونه سمة ذاتية يمكن أيضًا من خلالها التعبير عن قضية اجتماعية معينة، والأشخاص الذين يعزفون الجيتار كشيء يعزي أرواحهم وذواتهم يمكن أن يكون أيضا أداة البهجة لمستمعيهم.
فحتى ليو تولستوي وأثناء أزمته الوجودية الشاقة التي كان يعانيها كان عزاءه في الاستمرار هو على حد تعبيره «قطرتي عسل، محبتي لعائلتي وللكتابة» وهو ما ساعده على الاستمرار في العيش رغم ما كان يعانيه.
فما علينا نحن البشر ونحن على أعتاب سنة جديدة سوى إيجاد الطريق الذي يعبر عن ذواتنا المستقلة، فعندما تجد ترياقك الفريد المعبر عن مضمون دوافعك يمكنك السماح للنجاح والسعادة بمعرفة طريقهم إليك، وبالضرورة ستكون محملة بالمعنى العميق لوجودك في الحياة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى