المقالات

للحقائق مظاهر مضحكة

عام 2021، من الأعوام التي يصعب علي شخصيا أن آخذها على محمل الجد، فلم يكن لديه تقريبا أي شيء ذي قيمة ليقوله، لذلك تجاهلته عمدا كما تجاهلنا، التفاؤل يُعدّ تحديًّا كبيرًا أمام كل ما نعيشه حاليًا من ظروف. فالمناخ مستمر بالتغير بسرعة في كل مكان، الجائحة لاتزال تتمدد وفق متحوراتها المتعددة مع ظهور متغيرات «دلتا» و»أوميكرون»، أعمال الشغب في الكابيتول تحطم أوهام الديمقراطية على الطريقة الأمريكية، جنوح سفينة حاويات في قناة السويس يكشف هشاشة الاقتصاد العالمي، تزايد السباق ما بين الاقتصاديات الكبرى مرة أخرى على استكشاف الفضاء، الانسحاب الأمريكي المفاجئ من أفغانستان وصعود طالبان، تجدد تدهور العلاقات بين روسيا والغرب وسط خلافات عميقة، اجتماع «غلاسكو» في بريطانيا الذي انتهى بتوقيع اتفاقية عالمية جديدة للتصدي لتغير المناخ، السودان وأزمة الحكم، أولامبياد طوكيو وسط رحى الجائحة، ألمانيا والاتحاد الأوروبي واختبارات في حقبة ما بعد ميركل، هذه من ضمن أبرز عناوين عام 2021.
فعلى الرغم من كل التقدم الذي قد نعيشه، سطوة الآلة والذكاء الاصطناعي، لا يزال التفاوت العالمي منتشرا إلى حد كبير، في أوروبا مظاهرات لرفض التطعيم الاجباري، وفي افريقيا نسبة وفيات أكثر بسبب نقص التطعيم، من لديهم القدرة على رؤية حقيقة الأشياء يدركون جيدا عجزنا النهائي عن رؤية الصورة الأشمل للأمور، ما يقودنا إلى التعامل مع فكرة المعنى غير المؤكد لكل شيء واحتمال عدم وجود أي معنى لأي شيء.
فإزاء اختبار الجائحة، على ماذا بات يحرص العالم، أكثر من تنظيم تفككه بكيفيات أفضل؟ فالمجهول هو ما صرنا نعيشه آنيًا، لا ما ننتظر حدوثه مستقبلًا.
في رواية ليو تولستوي «موت إفان اليتش» يصل بطل الرواية إيفان الى كل ما نسعى إليه ونحاول تحقيقه: التعليم، المكانة الاجتماعية، الاستقرار المالي، والنجاح المهني. يكتب تولستوي أن حياة إيفان «كانت بسيطة للغاية وخالية من الأحداث»، «ومع ذلك فهي الأكثر فظاعة»، بعد أن أصابه مرض غامض في مقتبل العمر، أدرك إيفان أن حياته، المليئة بمواكبة المظاهر والاهتمامات التافهة، لم تمنحه الوقت للتفكير بجديّة في يوم وفاته، وأنه لن يكون بمقدوره السيطرة عليه.
لذلك، فإن أحد الأسباب التي تتجلى بوضوح لنا لضرورة التفكير أكثر في الجانب القاسي للحياة هو أننا لا نستطيع حقيقةً تجنبه، فإن للحقائق طريقة مضحكة لفرض نفسها علينا. ولن يساعدنا أي شيء من التقدم أو الثروة بتجاهل تلك الحقائق إلى الأبد. في النهاية، فإن عدم رغبتنا في رؤية الواقع على حقيقته سيؤدي إلى أشكال إضافية من المعاناة كنتيجة لتعاملنا مع انتكاساتنا بطريقة منحرفة كأزمات منتصف العمر والتي تدفعنا دائما للسعي وراء الأهداف الخاطئة، أو نوبات الذعر على فراش الموت مثل ما حدث مع إيفان.
لن نستطيع أبدا القضاء كليا على الخسارة والانحلال والمعاناة والموت في هذا العالم. ولا يمكننا تعديل مخرجات عام 2021، لكن الأكيد والمؤكد أنه كان عاما مليئا بالمعاناة، مكبّل بالموت والفوضى، وكذلك بشكل لا يمكن إنكاره، مليئ بالجمال والعجائب وفرص الحب والرحمة، تماما مثل حياة إيفان مابين مظهرها الخارجي وعمقها الداخلي.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى