المقالات

خريف إنسان

الرابعة ظهراً بتوقيت العزلة، انسحب الجميع إلى منازلهم، لاوقت إلا للوحدة مع الذات، إنه اعتزالٌ للحركة، هروبٌ من الحياة نحو الصمت، تراقب مدينة الفراغ، إخلاءٌ عام لأماكن هجرَتْها أرواحنا لتستظل بفيء أسقف البيوت والشرفات.
تنشد وحدتك دائماً، عالمك السري المختبئ في غرفتك، كونك الخاص الحميمي بعيداً عن أنظار العابرين والمتطفلين، تخلق لنفسك هالةً معنوية، غلافاً تقي به ذاتك من فيروسات الزمن وأوبئة عصر العولمة المفتعَلَة.
تستنهض ذاكرتك، صورٌ ومشاهد قديمة، تسحب حبال التاريخ لتحضره إليك مكبلاً على قيد الحياة، تغلق أبواب الحاضر لتنفرد بعطر التذكار، لأنك لا تملك سوى أرشيف لسنوات عمرك، أوراق صفراء مؤرَّخة ، ملفاتٍ خاصة في مكتبك الالكترونية، مجلداتٍ تضم بين ذراعيها لحظات موثَّقة،انتزعتَها من أحضان يومياتك.
تدرك أنك بحاجةٍ لفترة كهذه، لتقلِّبَ صفحات العمر والوجدان، لتنأى عن كل ما يعكر هدوء استقرارك، ولكن تشتاق كثيراً لمطالعة وجوه الآخرين، لتلقي السلام عليهم وتبتسم، لتمسك بيدٍ تعانقها بشدة، خشية أن ترحل مبكراً، قبل أوانها، تنشدُ عزلتك ، وينتابكَ حنينٌ للقاء إنساني.
ثمة طيرٌ يجول خارجاً، خلف قضبان النافذة، تفكر مليَّاً، من منكما الحر الطليق؟! تلك أدوارٌ انقلبت، أنتَ في قفصه تصارع ضجرك، وهو يلهو في شمس الأيام ويتهادى بين ذرات الهواء، بعيداً عن قسوة الإنسان وسطوته.
ربما علينا أن نتصفَّح دفاتر سلوكنا، ونعيد النظر في أمزجتنا وأهوائنا، فالزمن يعلمنا أننا ضعفاء مهما فعلنا، وقوتنا تكمن في إدراك ما نقوم به، أن نكون صادقين أمام مرآة قلوبنا، أصحاء العقل والتفكير، مفعمين بالإنسانية، متفائلين بالأمل.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى