المقالات

الكتابة والخذلان

هذا الصدر ما عاد يتسع لكل ما يدور في خلده من كلام، هذه النفس يا صديقي مخذولة جدا ما عادت تستسيغ رتابة هذه الأيام، هناك فجوة بيني وبين الناس كلما اقتربت لأكلم أحدهم أتراجع، لقد خسرت يا صديقي لغة التواصل، لذلك أريد متسعا من الوقت لي وحدي، حتى أفهم تلك الشجون جيدا، ونعيد تأسيس قواعد جديدة لما تبقى لنا من أيام.
بالقراءة والكتابة يمكننا أن نتجاوز خذلاننا لحظيا فقط، وبالكثير من الايمان يمكن أن نتجاوزه كليا، يقول المخذول بهاء طاهر في روايته «الحب في المنفى»: «إنه في الواقع يا صديقي، حتى بدون هذا الشعر من يحتمل هذه الدنيا؟ من يتحمل غطرسة المتكبرين، والانتظار الطويل، وهزيمة الرقة أمام الوحشية، وكل تلك الأنانية، وكل ذلك الظلم ،من يحتمل هذه الدنيا؟».
إن ألمنا الشخصي ليس أثقل من الألم الذي نعانيه مع الآخر ومن أجل الآخر وفي مكان آخر، ألم يضاعفه الخيال وتردده مئات الأصداء؟ لذلك يا صديقي أفضل شخصيا الكتابة، فبالرغم من أنها تعكس مستوى عالي من الرفاهية العامة، تسمح للإنسان بالتفرغ لنشاط غير ذي جدوى، فإنها بالمقابل تكون نتيجة تفتت الحياة الاجتماعية، ومن ثمة درجة عالية من عزلة الأفراد، فالعزلة قد تولد الهوس بالكتابة، وهوس الكتابة المعمم بدوره يقوي العزلة ويفاقمها.
فالكتابة هي إحاطة النفس بكلمات كما لو كان الشخص منا يحتمي بجدار من المرايا لا ينفذ منه أي صوت من الخارج، وكما عبر عن ذلك المخذول ميلان كونديرا في كتابه «الضحك والنسيان» بأننا « نألف الكتب لأن أبناءنا لا يهتمون بنا، نخاطب عالما مجهولا لأن زوجاتنا تغلقن آذانهن عندما نكلمهن.» العالم أصبح خاويا تتردد فيه كلماتنا بلا مجيب، وحده الصدى يعيد على مسامعنا ما قلناه.
لذلك لا جدوى يا صديقي من ترميم ما تبقى منك سوى بالكتابة، فنحن نكتب لنشعل بكلماتنا ومشاعرنا شموع الأمل في ليل أمتنا الطويل، نكتب تألما وشكوى مما يثور في أعماق وجداننا، وفي أحيان أخرى نكتب نيابة عمن يشاركنا ما نعانيه في صمت، نكتب للتنفيس وإراحة لضمائرنا المثقلة والمتعبة، نكتب اعترافا ببشريتنا وضعفنا وزلاتنا، وأملا في الهروب من ثقل الأغلال.
نكتب لنحادث غيرنا مدعين القدرة على قراءة أفكارهم، ونحاول عبثا مداواة خيباتنا بالغوص في همومهم وأحزانهم.
نكتب لنؤثر ونتأثر، نكتب إعلانا لعصياننا وتمردنا على تلك القيود والسلاسل، نكتب تظلما، لنري العالم أثر قيد الضيق في أرواحنا الكبيرة، نكتب لنرتاح من الألم مرة واحدة، ولعلنا نكتب مرات ومرات رغبة في المزيد من الألم الملهم، نكتب عزاء لذواتنا، وترميما لبقايا حطام يعز علينا ترسبه في الذاكرة.
نكتب لنستعيد بعض إحساسنا وشعورنا، ونحرر دموع حارة سجنتها بلادة الطبع، وسذاجة الروح، نكتب لنغازل الفرح ونراقص الأمل، نكتب توجعا على فقدان ولادة وزرياب والناي والأندلس، وحدادا على سقوط الأقنعة مرة بعد مرة، ونرفع بكلماتنا علم الكبرياء، لندفع به ذلا لا يليق بنا، ونطلب صدق العيون وشفافية القلوب.
كتاباتنا رؤى نهرب على اجنحتها من مرارة الحاضر، نكتب للنسيان، نكتب ولابد أن نكتب، فكلماتنا صرخات مخنوقة تؤلمنا وتعذبنا، ولا تهدأ ولا تستقر حتى تسمع، نكتب هربا من الوحدة القاتلة الى صحبة القلم المؤنس الذي يسافر بنا الى بلاد بعيدة، كل شيء فيها جديد ومثير، لم نعهده من قبل، نهرب على صهوته من صمت الذات الى حفل صاخب، وأحاديث مطولة مع صديق قديم، لم نره منذ زمن.
والكتابة كذلك يا صديقي تمنعنا من أن نشيخ، فهناك من الناس من يدب الهرم في قلوبهم أولا، ومنهم من يدب الهرم الى عقولهم، ومنهم من يشيخون في ربيع الحياة، على حد تعبير عميد المخذولين فريدريك نيتشه في كتابه الملحمي « هكذا تكلم زرادشت».
نكتب لأننا سئمنا الكلام الذي سرعان ما يتبخر في الهواء، نكتب لأننا عقلاء ملوا عقولهم، واشتهوا بعض شطحات الجنون، واختراق المستحيل، نكتب لأننا نعشق الزهور ونخاف عليها من الذبول، نتلمس روعات لوحات «فان غوخ» ونتأسف على انتحار فنان كبير كان فقط يحتاج الى حضن طويل.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى