المقالات

كلمات من ذهب.. «لو لم أكن مصرياً لوددت أن أكون مصرياً» «3-3»

وفي محبته للعلم، عندما تأسست لجنة في مصر للاكتتاب من أجل تأسيس جامعة أهلية مصرية على إثر حملة قادها الزعيم مع ثري مصري هو مصطفى كامل الغمراوي وأرسل إلى الشيخ علي يوسف صاحب جريدة المؤيد برسالة يدعو فيها إلى فتح باب التبرع لمشروع الجامعة، وأعلن مبادرته إلى الاكتتاب بخمسمائة جنيه لمشروع إنشاء هذه الجامعة، وكان هذا المبلغ كبيراً في تلك الأيام، فنشرت الجريدة رسالة الزعيم الكبير في عددها الصادر في 30 سبتمبر 1906م ولم تكد جريدة المؤيد تنشر رسالة مصطفى كامل حتى توالت خطابات التأييد للمشروع من جانب أعيان الدولة، وسارع بعض الكبراء وأهل الرأي بالاكتتاب والتبرع، وتوالى التأييد العام للمشروع وسارع بعض الكبراء والعامة بالتبرع، وكان على رأس المتبرعين مصطفى كامل الغمراوي والأميرة فاطمة إسماعيل وحسن بك جمجوم وسعد زغلول وقاسم أمين وبالطبع مصطفى كامل وقد نجحت الجهود في إنشاء الجامعة المصرية، وأتمت لجنة الاكتتاب عملها ونجحت في إنشاء الجامعة المصرية يرأسها الملك فؤاد الأول آنذاك.
بعد نهاية رحلته العلمية كما أشرنا أعلاه، عاد إلى مصر وعمل بالمحاماة فترة قصيرة، ثم تفرغ للنضال الوطني، وحينما أراد الخديوي عباس أن يستقل بالسلطة عن سيطرة الإنكليز، بدأ مصطفى كامل في تأليف لجنة سرية للاتصال بالوطنيين المصريين، من أجل الدعاية لقضية استقلال مصر، وفي فرنسا بصفة خاصة، وقد عُرفت باسم «جمعية أحباء الوطن السرية»، ليلتقي بأحمد لطفى السيد، وعدد من الوطنيين بمنزل محمد فريد، وتم تأليف «جمعية الحزب الوطني» كجمعية سرية، رئيسها الخديوي عباس، كان مصطفى كامل لسان حال الجمعية، فسافر إلى بعض الدول للدعاية للقضية المصرية واستقلال مصر، غير أنه أدرك حقيقة مهمة، وهي أن أسلوب الدعاية للقضية المصرية في أوروبا لا يكفي لحدوث الاستقلال، وأن العبء الأكبر يجب أن يقع على عاتق المصريين، ورغم ذلك استدعى مصطفى كامل من أوروبا حتى تتوقف حملاته الدعائية ضد الإنكليز، ولكن مصطفى كامل رفض، فبدأت العلاقات بينهما تأخذ طابعاً غير مستقر، تحكمه مواقف الخديوي ومصالحه، وحسم مصطفى كامل أمره وكتب رسالة إلى الخديوي قال فيها: «رفعت إلى مقامكم السامي أن الحالة السياسية الحاضرة تقضي علي أن أكون بعيداً عن فخامتك، وأن أتحمل وحدي مسؤولية الخطة التي اتبعتها نحو الاحتلال والمحتلين».
عانى مصطفى كامل كثيراً من أزماته الصحية، واشتد به المرض عام 1905، وكان يتلقى العلاج في فرنسا، عاد مصطفى كامل إلى مصر وهو في مرض شديد، وألقى خطبة من أقوى خطبه، سماها «خطبة الوداع»، معلناً فيها تأسيس الحزب الوطني الذي ضم برنامجه السياسي المطالبة باستقلال مصر، كما أقرته معاهدة لندن 1840، وإيجاد دستور يكفل الرقابة البرلمانية على الحكومة وأعمالها، ونشر التعليم، وبث الشعور الوطني، وكان الجلاء والدستور أهم مطلبين للحزب، في العاشر من فبراير/ شباط 1908، تُوفي مصطفى كامل بعد حوالي 4 أشهر من إعلانه عن تأسيس الحزب الوطني، تاركاً خلفه تاريخاً وطنياً ناصعاً، يظل فخراً لكل الأجيال، ومثالاً يُحتذى في الوطنية وعشق الأوطان إذا عاش عمره كاملاً يناضل من أجل حرية بلاده حتى الرمق الأخير من حياته، وهو المنادي: إن من يتهاون في حق من حقوق أمته، يعش أبد الدهر مزلزلَ العقيدةِ سقيمَ الوجدان.
وتكريماً لجهوده العظيمة، تم إنشاء متحف يضم بعض المتعلقات والوثائق الخاصة بالزعيم مصطفى كامل، وقد افتتح المتحف رسمياً في شهر أبريل عام 1956.
سيرة الزعيم مصطفى كامل، مدرسة متكاملة، حافظت على حب الوطن والولاء للوطن والدين في آن معاً، الزعيم مصطفى كامل يجب أن يكون ملهماً لزعماء اليوم من محبي السلطة على حساب الشعوب، فما كتبت ليس إلا جزءاً يسيراً من نضال قصير عمره ثماني سنوات كلنه حفر في ذاكرة التاريخ، على عكس زعماء اليوم برحيلهم تطوى ملفاتهم في أدراج النسيان.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى