المقالات

تحلم

يحكى أن فقيراً معدماً، قصد أحد العرافين المشهود لهم بصدق التنبؤات، وطلب منه أن يكشف له عن «بخته المنيل» لعل في المستقبل ما يحمل بشارة فرح للخروج من هذا الوضع المزري.
أمسك العراف بكف صاحبنا، وتأمل فيه ملياً، ثم هز رأسه وقال بصوته المتهدج: سوف تعيش عشرين سنة في فقر شديد وعوز عنيد. لمحت في ذهن أخينا ومضة أمل وسأله بلهفة: هاه، وماذا بعد العشرين سنة؟
قال العراف بنفس اللهجة الوقورة: سوف تتعود على هذا الوضع بقية حياتك… يا ولدي.
يبدو – والله اعلم – ان حالنا نحن العرب يشبه تماما حال ذلك الفقير البائس، فبعد عشرين سنة وأكثر لن ننهض من كبواتنا السياسية العسكرية وبمعنى أدق، لن نحرر شبرا واحدا من أراضينا العربية المحتلة، ولن نستعيد مقدساتنا التي ينتهك الصهاينة حرماتها كل يوم.
وبعد عشرين سنة، لن تصفو نفوس الأشقاء العرب على بعضهم بعضا، ولن تقام سوق عربية مشتركة، ولن تتوحد العملة، ولن تزول الحدود التي ندعي انها مصطنعة وأن الاستعمار الغاشم هو الذي وضعها ليمزق أشلاء أمتنا العربية الواحدة الموحدة.
وبعد عشرين سنة لن يزدهر اقتصاد العرب، ولن يتطور تعليمهم، ولن يتغير خطابهم الاعلامي او الديني، ولن يحترم الناس اشارات المرور، ولن يكترث الموظفون بمواعيد الدوام، ولن يترك صانعو البوظة عادتهم في غش الحليب.
بعد عشرين سنة لن يكتشف العرب دواء جديداً، ولن يبتكروا جهازا ينفع البشرية، ولن يكف الجمهور العربي عن ترديد هتافات الشتائم المقذعة في الملاعب .
بعد عشرين سنة، يا سادة يا كرام، لن تزدهر مراكز الابحاث العلمية، ولن نقرأ عن جامعة عربية احتلت مركزا متقدما بين جامعات العالم الراقية، ولن ينطلق قطار كهربائي بين بلاد العربان غير مكترث بالحدود والحواجز ونقاط التفتيش.
والختمة الشريفة لن يتغير من هذا الواقع المخزي شيء، ولن تكف فنانات العرب وحسناواتهم عن التقاط الصور… الخلفية.
كتبت ذات يوم:
تحلم… ما بيفيد سياج
مين قدّا جيوش الحجاج
ونحنا شعب يعد جدود
وحاكم… ما خلّص مساج
حواج وجحشين وخرج
وخرج و حواج وجحشين
وجحشين وخرج وحواج

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى