المقالات

الشوق منك وفيك وإليك

في سجن الفاشي «موسوليني» سيئ الذكر، كان المفكر «غرامشي» يطوي أيامه ما بين حصص التعذيب والحبس الانفرادي، بكتابة رسائل مفصلة الى أمه تذيب عنه مرارة الحبس وتمده بجرعات الأمل، بعدها بسنوات صدح صوت «مارسيل خليفة» بقصيدة «محمود درويش» قائلا بصوته الجهوري المنساب من القلب: أحن الى خبز أمي وقهوة أمي ولمسة أمي.
أما أنا، وحتى أحفل بالقلم أشجاني، فأمي لم تكن لها ابتسامة مألوفة، بل مأهولة، مكتنزة وحبلى بعطف السنين، حركاتها، سكناتها، نظاراتها الطبية التائهة دائماً في أركان البيت، زاويتها المعتقة برائحة المسك الأبيض والبخور السنهاري، هالاتها الموشومة في ضنى السنين.
لا لغة تناسب مقاسك، ولا أفعال أو أسماء تناسب قدرك، أنت فوق العلا وما بين الثرى والثريا، أنت عشق دامغ أبقى مما خطه آشور في جبال كنعان، وأبقى من ترانيم ملحمة الإلياذة والأوديسة، وأبلغ مما قاله قيس في عبلة.
يا لفقر اللغة، وبلادة الكلمات وعسر الصياغات، حينما لا تتسع لملأ جزء صغير من مناقبك، ولأن الحنين لا ينمو دائماً أعلى من خيالنا، فقد تركت للريح مهمة إلقاء التحية عني، علها تزيح عن كاهلي عناء الرحلة، وتعيد ولو للحظات ألفة الأسرة، ودفئ الجلسة وطعم العناق.
لا مكان يحتضن رأسك في زمن الهجير، ذلك الزمن العصيب حيث أختفت عن تخوم المدينة كل الجبال وكل الغيوم، وغابت عن السماء تلك السحابة التي كانت في طفولتي تغني بألوانها فرحتي. أمك ليست هنا، وأنت بعيد، تحاكي بالرسائل شوقها وبالحب يأتث يومك دعواتها.
صفصافة البيت هي أمي، ذلك الألق المتوهج، ملجأي كلما لفحتني سهام الضر أو تكالبت علي الرزايا والمواجع، فأنسى وأنسى، عندما أضع رأسي على ركبتيها تأخذني اللحظات إلى دنيا الأحلام، حيث أرى الناس في صورة أحلى، وشجراً ليس يبلى، وأودية لا تحصى، أرى مدناً لا غبار فيها، وألمح في قطرات الندى وجه أمي، لست وحيدا وقد شيدني حبها، فضاء من الحنان والذكريات، كلما ضاقت الأرض بي واحتواني دخان الحياة.
وحتى لا يهيج بنا الشوق في مواسم الذكرى، يجب ان نعبر لها في كل آن وحين بنشيد حبنا لها، وعرفاننا بجميلها، فلقد لبثت – أطال الله في عمرها – أنهل من حنانها، وأحيا بحبها وإيثارها، وألقي على كاهلها متاعب كفاحي، وهموم طموحي، واثقال دنياي، حتى أدركت مجازا أن الشقاء في حضورها ليس الا وهما، وأن الألم ليس الا خيالا ودلالا.
وأتعجب وانا البعيد – القريب ممن يشكو وله أم، لقد قال رسولنا الكريم عليه أفضل الصلوات أن الجنة تحت اقدام الأمهات، وعندما سئل من أحق الناس بحسن صحابتي قال أمك وكررها ثلاثا، فالله سبحانه وتعالى يكرمنا لأجلها، وإذا ماتت فإنه يقول :ماتت من كنا نكرمك من أجلها،
ويكون قول رسولنا كالوتد في أضلاعنا بقوله صلى الله عليه وسلم: «رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة».
تلك هي الأم، الوطن والملاذ والمستقر والملجأ.
حفظ الله جميع الأمهات.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى