المقالات

طريق الحرير

لن تكون واقعة اطاحة الولايات المتحدة الاميركية برئيس وزراء باكستان عمران خان الشخصية الاسطورية في بلاده ، مجرد حكاية ولن تكون الاولى ولا الاخيرة . إذ أن واشنطن تخلصت هذه المرة من شخصية سياسية نافذة في دولة اسلامية مهمة هي الاكبر عددا بالسكان والاكثر قوة عسكرية بين مجموعة دول المؤتمر الاسلامي ، بطريقة الاسقاط السياسي او سحب البساط من تحت رجلي رئيس وزراء رفض الانصياع لاوامرها بالابتعاد عن التحالف مع الصين في مشروع طريق الحرير الذي ستكون قيمة مروره برا بباكستان معادلة لنصف قيمة المشروع برمته لأهمية الموقع الجغرافي لباكستان المجاورة للهند وافغانستان وايران. وبذلك تكون الولايات المتحدة قد ابقت الابواب مواربة لعودة خان الى منصبه مستقبلا لحاجتها اليه صديقا مطيعا منصاعا لارادتها ان لم يكن عميلا ،إذ أن معارك أميركا مع الصين لم تبدأ . وعلى الرغم من ان خلاف واشنطن الحالي مع عمران خان الذي اطاح به البرلمان الباكستاني بسحب الثقة منه ومن حكومته بضغط اميركي بدأ باجبار رئيس المحكمة الاتحادية العليا في اسلام اباد على ابطال قرار رئيس الجمهورية بحل البرلمان بعد ان اخفق في الجولة الاولى في الاطاحة بحكومة خان واقصائه من واجهة الحكم ،ومن ثم الزام رئيس المحكمة بالسماح باجراء تصويت جديد للبرلمان على سحب الثقة من رئيس الحكومة.
ربما كان عمران خان الاكثر ثقافة عالمية بين رؤساء الحكومات الباكستانيين الذين سبقوه باستثناء ذو الفقار على بوتو وابنته بنازير بوتو . الا انه اي عمران خان الشخصية الرياضية الاسطورية التي حققت لباكستان الحصول لاول مرة على لقب بطولة كأس العالم بلعبة الكريكيت الاكثر شهرة اسيويا ولدى بعض الدول الاوروبية التي سبق ان استعمرت الدول التي تتمتع اللعبة فيها بشعبية واسعة مثل الهند وباكستان واستراليا، اقل رفعة من بوتو وابنته وربما يكون اكثر قبولا بلعبة التجابات مع الغرب والولايات المتحدة تحديدا . وربما لهذا السبب قبل خان المناورة ضد اميركا وليس من باب المبادئ او المصلحة العامة الاكبر لبلاده . فقد سبق ان تخلى عن زوجته اليهودية البريطانية شميما التي اسلمت لتتزوج منه مع انها ابنة ملياردير يهودي بريطاني صاحب نفوذ ليس في بريطانيا وانما في عموم العالم الغربي ، جرت عادة الولايات المتحدة على الخلاص من خصومها او عملائها الذين يتمردون عليها او الذين تنتهي مهامهم ولم يعد بامكانها الاستفادة منهم او الاعتماد عليهم كما فعلت في عالمنا العربي على الاقل مع الرئيس جمال عبد الناصر والرئيس انور السادات الذي يقال «حسب رواية محمد حسنين هيكل» انه من اعد قدح القهوة الذي فارق عبد الناصر الحياة بعده. ومحمد حسني مبارك الذي كان يجلس بجوار السادات في حادث المنصة الذي شهد اغتيال السادات ،وسؤال مبارك لحظة فتح عينه بعد اطلاق النار على السادات «ان كان قد اغمضها اصلا» امال الريس فين؟. وتبع ذلك تصفية الاسرة الهاشمية الحاكمة في العراق على يد عبد الكريم قاسم واغتيال او اعدام الاخير على يد صدام حسين واغتيال عبد السلام عارف المشارك في الانقلاب على العهد الملكي وعلى عبد الكريم قاسم ،والخلاص من احمد حسن البكر ومن ثم اسقاط واعدام صدام حسين . وفي عواصم عربية اخرى اغتيال الملك فيصل بن عبد العزيز بعد ان رفع شعار المقاطعة النفطية ضد الدول التي دعمت اسرائيل في حرب اكتوبر 1973 ،واغتيال ثلاثة رؤساء جزائريين والرئيس الليبي العقيد معمر القذافي والرئيس اليمني علي عبد الله صالح وقبلهم اشهر رئيس تونسي «الحبيب بورقيبة» ووريثه الذي اطاح به زين العابدين بن علي ،وفي السودان الاطاحة بجعفر النميري والصادق المهدي وسوار الذهب ،ولبنان وفيق الحريري وقبله خمسة رؤساء حكومات الصقت تهم الخلاص منهم بسوريا وحزب الله فيما بعد مع ان من الصعب بديهيا في عالم تحكمه المخابرات المركزية الاميركية وتتحكم بلاعبيه البارزين وتحركهم كقطع الشطرنج، ان تغفل عن اي تحرك او تخطيط او تآمر او ترتيب للخلاص من احد من قبل خصوم داخليين مالم تتطابق مصلحة اميركا مع مصلحة من يخطط لعمل مثل هذا. وتدمير الصومال واالقضاء على رئيسه محمد سياد بري . وفي العراق تصفية عبد العزيز الحكيم في العراق واحمد الجلبي واقصاء حيدر العبادي وعادل عبد المهدي . وخارج نطاق العالم العربي : الخلاص من محمد مصدق. ومن خصم محمد مصدق الشاه محمد رضا بهلوي ومن علي بوتو وابنته بنازير ومن انديرا غاندي ومن عشرات الشخصيات السياسية البارزة الاقل مستوى من القادة الذين ورد ذكرهم . لذلك لا اعتقد ان دور عمران خان قد انتهى وان واشنطن بحاجة له اكثر مما هو بحاجة اليها ،إلا أن مشكلة خان سبق أن واجهها قادة عرب لم يعرف الاتحاد السوفيتي سابقا قبل سقوطه قيمتهم ولا روسيا التي ورثت منه أهم واكبر معقل للبلاشفة والشيوعيين والقوميين الروس ، ولا حتى الصين عرفت أهمية نفخهم وحمايتهم كما تفعل اميركا مع عملائها واتباعها خلال فترة ولائهم لها او فترة حاجة واشنطن اليهم. وواقع الحال ان الولايات المتحدة لاتزال تتمتع بشكل او اخر بميزة الهيمنة على العالم كل العالم بما فيه روسيا والصين وكوريا الشمالية ، ولم تفقد بعد شعرة معاوية التي تبقيها قادرة على فعل ما تشاء على الاقل حتى الان .
في وقت مبكر من صباي كنت احرص على متابعة الافلام التي تعرض في السينما الصيفية في حي الجمهورية الذي ولدت فيه في محافظة البصرة ،كانت البصرة متصرفية ثم تحولت الى محافظة ،وكانت الجمهورية الفيصلية وهي واحدة من كبريات مدن الجنوب ولم تبق حيا شعبيا صغيرا وانجبت نجوما من لاعبي العراق في الكرة وشعراء وفنانين تشكيليين على مستوى العالم ورياضيين مبدعين من حملة الارقام القياسية في العاب القوى والقفز العالي ومن الادباء والفنانين الى ان داهمت الحرب العراقية الايرانية البصرة فقضت على نصف اهلها وعلى طليعة المتميزين من ابناء الجمهورية التي كان افضل لها لو ظلت الفيصلية، إذ أن 90 في المئة من ابناء جيلي من المرحلة الابتدائية الى ما بعد الجامعة ممن قضت عليهم الحرب المجنونة بين شهداء سقطوا في مواجهات الثمان سنوات التي لم ترحم احدا من الجانبين او ممن وقعوا في الاسر وتم اعدامهم او ماتوا تحت التعذيب او بفعل الجراح او القهر او ممن اعدموا داخل العراق لرفضهم الانخراط في الحرب ،او انضمامهم لحزب الدعوة المعارض لصدام او للبعث عموما والمؤيد والموالي حتى اليوم لايران .
من ضمن افلام بالمئات شاهدتها في السينما الصيفية فيلم الكاوبوي الاميركي النهر الاحمر (Red River) من بطولة جون واين اشهر نجوم السينما الاميركية في ذلك الوقت ،وكان الفيلم قد انتج في عام 1948 اي قبل ولادتي الا انه استغرق عقدا ونصف العقد قبل عرضه في العراق وفي سينما الجمهورية الصيفي تحديدا. ما يدفعني للعودة الى هذا الفيلم الان مقطع ورد فيه بطل الفيلم وهو يواري احد من ارداهم من خصومه قتيلا حيث يقتبس من الانجيل نصا يقول ما معناه : الاكيد اننا لم نأت الى الدنيا بشيء معنا ولن نغادرها بشيء، الله اعطى والله اخذ. ليت قادة الاحزاب الدينية الشيعية تحديدا والسنية ومعهم الاكراد وكلامي عن الطبقة السياسية في العراق يعون ماذا قال الممثل الاميركي . منذ سقوط العهد الدكتاتوري بل منذ الغزو الاميركي للعراق في 2003 ومنذ اكبر سرقة في تاريخ هذا البلد عندما استولى اول حاكم مدني اميركي الجنرال جي غارنر على قرابة 60 مليار دولار اميركي سائلة تمت سرقتها من مبنى البنك المركزي العراقي بحضور احمد الجلبي الذي يقال انه اخفى بعد ذلك عربة في المطار بداخلها 400 مليون دولار خشية ان تواجه نفس مصير دفعة ثانية من الاموال العراقية التي تمت سرقتها من قبل بول بريمور هذه المرة ثاني حاكم مدني للعراق من بنك الرافدين. ويقال ان الجنرالات الاميركيين ومعهم ديك تشيني نائب الرئيس الاميركي انذاك هم من طاروا بالمال في الحالتين الى البنوك الاميركية وتقاسموه مع عدد اخر من كبار المتنفذين ومنهم الرئيس وعائلته ،في حين تمت تصفية الجلبي بحجة المرض للخلاص من مطالباته بحصته من المال وبتهديده لهم بفضح الامر اعلاميا . وكان محمد علي الزبيدي اول من عين من قبل الاميركان مديرا للبلدية في بغداد واعطى لنفسه صفة الحاكم المدني للعراق قد انشق عن حزب المؤتمر الوطني بعد ان قال انه صدم لتورط الجلبي في الاستيلاء على المال العراقي لصالح الاميركان. واستضفت زوجة عراقية غير مسلمة هي الثانية من نساء الزبيدي في واحدة من حلقاتي « الحوار المفتوح» في قناة «ANN» اللندنية هددت فيها الجلبي والاميركان بنشر تسجيل فيديوي لجريمة السطو الاميركي على المال العراقي مالم يتم الافراج عن زوجها الذي اعتقل بعد ساعات من مطالبته بالكشف عن مصير المال واعادته الى الخزانة العامة للدولة العراقية ،الا ان ضباطا اميركيين قالوا ان الزبيدي طالب بحصة له من المال وهو ما نفته زوجته التي قالت انه تعرض للتعذيب والايذاء للضغط عليه لتسليمهم التسجيل التلفزيوني لعملية السرقة . في العراق الان مالايقل عن 30 مليارديرا من العرب والاكراد اغناهم الاكراد وزعماء الاحزاب الشيعية وتصل ملكية البعض منهم من 30 الى 50 مليار دولار مودعة في بنوك لا اعتقد انهم سيطالون منها في نهاية المطاف شيئا باستثناء مجمعات عقارية سكنية غالية وعقارات مكلفة يمتلكونها في لندن ومدن ومقاطعات بريطانية اخرى وعواصم اوروبية مثل باريس تحديدا.
في حقيقة الامر عمران خان اقل اهمية من اي من الزعماء العراقيين المعنيين . الا ان باكستان في الظروف التي نشأت جراء ازمة اوكرانيا اكثر أهمية حتى من العراق بالنسبة لاميركا. تخلصت واشنطن من خان وتابع الرئيس الاميركي الحالي جو بايدن تلفزيونيا تصويت البرلمان الباكستاني على اسقاط خان وصاح بايدن «WE got it» ابتهاجا باقصاء من رفض طلبهم ادانة روسيا . بعد سنتين من الغزو الاميركي للعراق زارت النائبة نانسي بيلوسي «Nancy Pelosi» الرئيسة الحالية لمجلس النواب الاميركي، المنطقة واجربت لقاء مع «موضوع غلاف لمجلة المشاهد السياسي اللندنية اولى اصدارات BBC باللغة العربية» وسألتها: هل تعون خطورة العصابات الشرهة للمال على حساب القيم والمبادئ التي خلفتموها وراءكم في المنطقة وفي العراق تحديدا؟ قالت: «نعم ولدينا ملفات بكل سرقاتها و اموالها التي تقوم بغسيلها في المنطقة وفي اوروبا.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى