المقالات

بوح ذات معتلة

«…كلماتك في رسالتك البائسة تلك، تعبِّر عن حلولِ موسمِ القحط، وهو موسم يطول وأنت ابن الأرض، لكن لا داعي للجزع، فأنا أدرك جلياً حجم الألم الذي تتأبطه خلف ذلك الجسد النحيل، وذلك السواد الهلامي تحت عينيك، أعلم أسراره جيداً، طريقتك في الكلام والمشي، عدم اكتراثك لأي شيء، تساوي الممكنات لديك، هو طرح المخذول.
لا عليك يا صديقي، هل تعلم أن الفكرة هي الإرادة الوحيدة التي تدفع الإنسان إلى التضحية، فالجسد لا يحلُّ في مكان إلا ويتسرَّب إليه اليقين – واليقين هو زواج الحكمة بالمعرفة – ويتمدد فيه دونما انقطاع، إنه المكان حيث يكون فيه التأمل حاملاً لجدوى الرؤية والتجلي، ولما كان للجسد قدرة محدودة فهو يورث ذاكرة محدودة لا تحتمل النص فتكسبه رذيلة النسيان المتهورة، والوهم المضطرب، والكذب البغيض.
نحن يا صديقي لسنا سوى أحد مظاهر الجسدانية التي تصيب المشاعر، تبدأ معها الخسارة في بداية افتعالها، لكنها تدل على ورع المُحِبِّ وولع مجاراته للجسد والمكان، حجراً وشجراً وماءً، فالمنُسَابُ منها على حافَّة الحقيقة هو أجمل الرؤى الشفيقة، وأن الحديث عن الخذلان وأبديته القديمة، يشبه الحديث عن مستقبله المبني على جفاف الفصول القادمة.
صديقي إن ما يفسد على الجسد متعته وعلى المخيلة إبداعها هو ركونها المستمر لحاجات المجتمع ومتطلباته، ولحاجات التاريخ ومتطلباته، ولحاجة الثقافة ومتطلباتها، فيصبح الجسد مباحاً للنقد، وتصبح المخيلة جزءاً لا يتجزأ من أجزاء حُلمٍ حضاري لن يتحقق.
وكلما تخفف في الشكل ظهر له المعنى جلياً، لكن الواقع له رؤية أخرى، وفي ذلك يقول المخذول إريك فروم في كتابه (الإنسان بين الجوهر والمظهر): «نحن نعيش في مجتمع مكرَّسٍ لحيازة الأملاك وتحقيق الربح، لذلك يندُرُ أن نرى أي شاهد على وجود أسلوب الكينونة في الحياة، ولا يرى أغلبية الناس إلا أسلوبَ التملُّك بوصفه الأسلوب الأكثر طبيعية للوجود، بل يرونه الأسلوب المقبول الوحيد للحياة، ولهذا يصعب على الناس فهم المقصود بأسلوب الكينونة». والتملك مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمظهر والإطار الشكلي العام، إنَّ الشكل يجتهد في المحتوى ويلتهم أشباحه، تجدنا دائماً نبحث عن المعنى في الشكل، على يأسنا الفظيع منه، وحيث إن المعنى له متعة في ابتكار الكلمة، ومتعة في تكرار مخيلتها، فإن الشكل له متعة مناسبة للحواس، لما لها من هفوات تسقط على مدار السمعي البصري، تؤثر في ذائقة اختياراتنا المسلوبة بالصورة وتحرف مآلاته الدقيقة.
صديقي، أستطيع اليوم إضافة تجربتي إليك، وإلى جسدك حيث أرتَحِل، وأستطيع في هذا الزمن المتأخر تصور ما مضى، وما سيمضي، لكن ما سينقصني هو الكمال في الارتحال، والمشاعية في التلقي، وما سأعوزه هو التمام في الطلب، والاكتمال في النقص، ولقد توصلت من قبل أني من أجل الاستمرار، كان على الصمود في وجه حزني، كما أنا الآن صامد في وجه فقدي. لا أنكر أنني أعاني نوبات كآبة متفرقة، وأجبر ذاكرتي على النسيان، أخنقها لكي تقترب من موت أردته لها، ولكنني المضطر أُجْبِرُها على التذكر كي لا تصحب معها بقايا روحي.
نعلم بأن هناك شيئاً ما يحدث للذين لا يعودون من خذلانهم ناجين، فعند كل فقد يندرج موت يخلخل معرفتنا بالحياة، ويصنع تلك المعرفة العميقة من أجل أن تفي به وبعباراته التي سيطلقها الإنسان لوصفه، فإذا كانت المصالحة مستحيلة مع النفس، فإن الموت أنسب ما يرضيه من الأقدار.»
• هذا المقال مقتطف من كتابي « بوح الذات المعتلة»، الذي صدر مؤخرا عن دور النشر «أوستن ماكلاي»، والمندرج ضمن أدب التأمل الذاتي.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى