المقالات

درجة الانهيار

سأعود لمواصلة البحث في طريقة الاجابة على اسئلة الزميل الاستاذ بداح السهلي التي طرحها علي عند استضافته لي في احدى حلقات برنامجه « لي متى» في فبراير العام الحالي ،والتي تنصب على ظروف اصدار «جريدة الانباء « الكويتية في القاهرة . وحسب علمي وقبل كل شيء فان لا احدا من اصحاب الصحف الوطنية التي كانت تصدر قبل الغزو قد رفض او اعتذر عن فكرة الصدور في المنفى ،ليس رغبة في استمرار الصدور وانما لخدمة قضية الكويت والدفاع عنها وبيان حقوقها والرد على ما كان مطروحا ومتداولا عن اسباب الازمة والحجج التي استند اليها الرئيس العراقي لتبرير الغزو. كان الوقت من ذهب وكانت الدولة في الايام الثلاثة الاولى لوقوع الكارثة تفضل من يتفاهم معها او ينصاع لارادة خدمة القضية قبل التفكير في الظروف الموضوعية او الاوضاع التي سببت ما حصل . كان وقتها خالد يوسف المرزوق الاقرب الى الامير انذاك الشيخ جابر الاحمد والى صاحب القرار في ادارة امور الأزمة والتعجيل في التحرير وهو وزير الخارجية الشيخ صباح الاحمد وساعده الايمن الشيخ ناصر المحمد الذي وان عاد الان او مستقبلا الى رئاسة الحكومة او ربما تولي الحكم عملا بمقولة الراحل الشيخ صباح الاحمد من انه سيكون الامير السابع عشر فسيكون اول رئيس وزراء بمشروع حكم واضح ،واول أمير برؤية حكم مختلفة لا تقتصر على العمل على الحفاظ على بقاء الديرة دولة غير قابلة للتآكل او الذوبان في خضم متغيرات مستقبلية متوقعة او غير مستبعدة بسبب النظام العالمي الجديد او بسبب انهيار متوقع للولايات المتحدة التي ستفقد عاجلا او اجلا قدرتها على البقاء متحكمة بامور القرار السياسي بما في ذلك حماية اسرائيل ودعمها وفرض ارادتها الحالية على دول المنطقة وتمكينها من العبث بامور سوريا والعراق وليبيا ومصر والسودان واليمن ،واثارة النزاعات والخلافات حتى بين دول مجلس التعاون الخليجي وبين المغرب والجزائر. كان الشيخ ناصر المحمد قد ارسى ثلاثة او اربعة مشاريع عملاقة في السنة الاولى لتوليه المنصب ،منها ميناء مبارك الكبير والداو كاميكال والمصفاة الرابعة « مصفاة الزور العالمية » وهذا المشروع يعد أحد أكبر المشاريع العالمية لتكرير النفط بطاقة إجمالية تبلغ 615 ألف برميل يوميا، وسيساهم في زيادة القدرة التكريرية من 936 ألف برميل إلى 1.4 مليون برميل يوميا لتلبية الطلب المتزايد على منتجات زيت الوقود ذي المحتوى الكبريتي المنخفض. وتنبع الأهمية الإستراتيجية لمصفاة الزور ليس في حجمها فحسب بل في كونها ستغذي بالطاقة المنخفضة المحتوى الكبريتي «أقل من 1%» لمحطات توليد الكهرباء في دولة الكويت ما يعتبر وقوداً بالغ الأهمية بالنسبة للبيئة، وسوف يجعل من مصافي الشركة صرحا كبيرا يحقق إستراتيجية قطاع التكرير ضمن إستراتيجية مؤسسة البترول الكويتية.
إلا أن حسابات كثيرة كانت تعد لم يأت الوقت المناسب للخوض فيها وبيانها غيرت معادلات ما كان يجري . فبعد نشر تصريح النائب القلاف على ثمانية اعمدة في الصفحة الاولى في احد اعداد جريدة «النهار» في أحد أعداد اكتوبر عام 2010 نقلا عن لسان النائب السيد حسين القلاف في تصريحه الذي ادلى به في مجلس الامة بحضور رئيس المجلس يومها الاخ والصديق جاسم محمد عبد المحسن الخرافي يرحمه الله. ودفعت ثمن نشر التصريح بالايقاف 28 يوما في مخفر «شرق» بغطاء دعوى كيدية لاعلاقة لها بالتصريح وهو ما افقدني وظيفتي وسبب لي مشاكل عائلية واجتماعية افقدتني بيتي في القطعة 10 في الجابرية .
جريدة «الانباء» مدرسة خرجت اجيالا من خيرة العاملين في الاعلام وليس الصحافة فقط . وكان كل المحررين فيها ورؤساء الاقسام من كبار الذين خدموا الصحافة الكويتية بجد وحرفية واخلاص ومحبة امثال محمد خالد القطمة ، أول مدير تحرير واهم اطراف تأسيس الجريدة بدعم غير محدود من صاحب الامتياز والمؤسس في عام 1976. و محمد ظافر القطمة احد افضل العاملين في مجال ترجمة الاخبار وهي مادة اساسية للصحف الكويتية التي اختارت ثوبا تكامليا شاملا في تعاطيها مع الاحداث والاخبار. ووجيه العجوز «سكرتير التحرير» وخليل بيضون «المحرر السياسي» وعبد المحسن الحسيني واسامة صبري ونعيم جبارة « الأخبار الرياضية » وصالح نزال وعبد الكريم ابو خضرة و« الاخبار المحلية» و كمال درويش ومحمود صلاح « الاخبار القضائية»، ورشاد بو داوود وعزم جرار، «اخبار اقتصادية» وعدنان الراشد ويوسف عبدالرحمن «الاحداث والمستجدات»، وفتحي البرقاوي وفاطمة الفقيه وبعدهما عبد الستار ناجي « الاخبار الفنية» و ليلى السائح و د. محمد المهدي « الثقافة والادب» ود. محمد دلول « المنوعات» وآخرون اعتذر منهم ومن القراء لغياب الذاكرة المثقلة بهموم كثيرة طبيعية تتراكم مع الوقت والعمر. تعلمت منهم جميعا . كان السؤال التالي للزميل السهلي الموجه لي: لماذا انت؟ من الذي اختارك لتولي مسؤولية التحرير وانت غير كويتي؟ وأين كنت يومها؟ ولماذا لم تتم الاستعانة بالصحفيين الكويتيين وهم بالعشرات وكان يمكن الاستعانة بهم ونقلهم من الكويت الى القاهرة عبر السعودية؟ وأجبت: اغلب الامور تمت بالمصادفة لكن بالاختيار . المصادفة هو لأني كنت موجودا في القاهرة اصلا وقت وقوع الغزو الغادر ،كان يفترض ان نعود انا واسرتي الى الكويت يوم الجمعة 3 اغسطس 1990 الا ان الغدر وقع الخميس 2 اغسطس يعني قبل يوم واحد من تاريخ العودة. ثانيا ان الوقت لم يكن يتقبل الانتظار لذلك تمت الاستعانة بالراحل محمد خالد القطمة وهو كما سبق واشرت احد السوريين القوميين واسهم في تأسيس 3 من الصحف الكويتية اليومية الكبرى قبل الانباء. كان يختزن الخبرة الصحفية والكفاءة الثقافية والسياسية والادبية والقدرة التفاوضية . وجيئ به من سويسرا الى القاهرة على بساط الريح فهو من متخوفي السفر جوا واحتاج الامر منه لركوب الطائرة من جنيف الى القاهرة ان يفقد الوعي تحاملا على نفسه. وقبل وصوله الى القاهرة صبيحة اليوم الثاني للغزو كان قد احيط علما بوجودي في القاهرة بعد ان كلفت بتغطية اخبار مؤتمر وزراء خارجية الدول الاسلامية الذي انعقد بدورة استثنائية قبل خمسة ايام من الغزو بطلب من الكويت للرد على مزاعم الرئيس العراقي فيما يتعلق بالنفط والحدود والنوايا الاخرى. لم يكن هناك متسع من الوقت لاستقدام صحفيين كويتيين كانوا على اتم الاستعداد والكفاءة والمقدرة لدور مثل هذا. لكن الادارة الحكومية وبرغبة عارمة كانت تريد انهاء الاحتلال باسرع وقت مهما كان الثمن لتقليل الاذى على المواطنين وللحفاظ على سيادة وسلامة الدولة وممتلكاتها. وكان هذا هو السبب الوحيد المفهوم للاستعجال باصدار « الانباء» في القاهرة وللاكتفاء بالراحل خالد قطمة في الجانب السياسي وبي شخصيا لتولي مسؤولية التحرير من اولها الى اخرها وهو ما تطلب جهدا جبارا في الاسابيع الاولى « التحرير والمراجعة اللغوية والاخراج والتنفيذ ومن ثم الطباعة». قبل ان استرسل في الاجابة على بقية الاسئلة وهي امانة تاريخية لا تتعلق بي لوحدي ، قرأت يوم امس الاول الاربعاء موضوعا مهما نشر في صحيفة “وول ستريت جورنال” على شكل تقرير حول تدهور العلاقات الأمريكية- السعودية، تساءلت فيه الصحيفة العالمية عن سبب وصولها لنقطة الانهيار، مشيرة إلى أن التحالف الذي مضى عليه عقود يواجه مخاطر بسبب خلافات حول معدلات إنتاج النفط والقلق الأمني وغزو أوكرانيا. وفي التقرير الذي أعده ستيفن كالين وسومر سعيد وديفيد أس كلاود قالوا إن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان كان يرتدي بنطالا قصيرا في قصره على شاطئ البحر حيث توقع نبرة هادئة في أول لقاء له في سبتمبر مع جيك سوليفان، مستشار الأمن القومي الأمريكي. لكنه انتهى صارخا ومعنفا سوليفان عندما طرح  موضوع قتل الصحافي جمال خاشقجي في عام 2018. وأخبر ولي العهد أنه لا يريد مناقشة الموضوع مرة أخرى، حسب أشخاص على معرفة بالحوار وأن على الولايات المتحدة تناسي طلبها بشأن زيادة معدلات النفط. الصحيفة ترى إن العلاقات الأمريكية- السعودية نزلت إلى منحدر لم تشهده من قبل حيث قال جوي بايدن في حملته الانتخابية عام 2019 إن المملكة يجب التعامل معها كمنبوذة على خلفية قتل خاشقجي. إلا أن الصدع السياسي تعمق أكثر منذ الغزو الروسي لأوكرانيا، حسبما قال مسؤولون أمريكيون وسعوديون. أراد البيت الأبيض من السعودية زيادة معدلات ضخ النفط من أجل تخفيض أسعاره والتأثير على الميزانية الروسية التي تنتفع من أسعار النفط العالية. ولم تستجب المملكة وظلت ملتزمة مع المصالح الروسية حسب الصحيفة. ويريد الأمير محمد أولا الاعتراف به كحاكم فعلي للسعودية وكملك المستقبل. وهو يدير الشؤون اليومية في البلاد نيابة عن والده الملك سلمان المريض. ولم يتحدث بايدن مباشرة معه أو يلتق به. وفي الصيف الماضي أخبر الرئيس الأمريكيين أن عليهم لوم السعوديين على زيادة أسعار النفط في محطات الوقود. كانت الكويت قبل الاحداث التي اشعلت الحراك في ساحة الارادة تقترب من انتهاج سياسة تصالحية مع اطراف القرار الدولي. اراد الراحل الشيخ صباح الاحمد نزع جلباب وصاية اي طرف دولي على القرار الكويتي فكانت حكومة الشيخ ناصر المحمد افضل من بدأ بالسير بهذا الاتجاه الذي عارضته بعض دول الخليج المتنفذة واعتبرته خروجا عن المألوف فيما يقود ولي العهد السعودي الحالي دفة الحكم بتوجيه مباشر وطاعة للملك سلمان بما يحقق ما سعت اليه الكويت قبل اكثر من عقد من الزمان. ادين بالفضل للمغفور له الشيخ صباح الاحمد لاختياري دون سواي في ظل الظروف التي اشرت اليها لتولي مسؤولية تحرير «الانباء» في القاهرة وادين له بالفضل هو والشيخ ناصر المحمد في وضع كامل ثقتهم بي في التعامل مع اصعب ظرف اعلامي مرت بها الكويت. وادين بالفضل للعاهل السعودي الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز في حث الدكتور رفعت الاسد مالك قناة «ANN» اللندنية التي تعدت حدود شهرة ونسب المشاهدة ما عداها على مدى 10 سنوات على الاقل «1997-2008» لتكليفي بتقديم برنامج حواري سياسي يومي على الهواء وفي عدم التدخل من قبل اي طرف او اي دولة في عملي لا فيمااقول ولا فيما اسال ولا فيمن اختار من ضيوف ولا في محاور مادة اي حلقة كنت اقدمها. وهي ثقة كبيربة منحني اياها الشيخ صباح المحمد السعود الصباح عندما شرفني بتأسيس قناة « صوت العرب» وفي اختيار الطاقم والاجهزة وفي رسم سياسة القناة حيال القضايا العربية والدولية وفي البرامج الحوارية التي كنا نقدمها وفي رسائل مراسلي القناة في الدول العربية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى