المقالات

ديموقراطية العم سام

تعرضت مكاتب جريدة «الأنباء» ظهر يوم 17/6/1976 لاعتداء آثم جبان، عن طريق وضع متفجرتين بينهما فاصل زمني في محاولة لسفك مزيد من دماء العاملين فيها وإحداث أكبر قدر من الأضرار في أجهزتها وممتلكاتها.
حدث الانفجار الأول قبيل الساعة 10 صباحا بقليل ،وبينما كان رجال الأمن يتفقدون الأضرار ويتابعون التحقيق، حدث الانفجار الثاني الذي تركز على مكاتب المحررين، وبعد اتخاذ الاجراءات الأمنية شكلت لجنة تحقيق في الدوافع التي أدت الى ارتكاب هذه الجريمة النكراء ومعرفة الذين وقفوا وراءها. غير انه لم تتضح الصورة بشكل قاطع ،وان كانت تلميحات الى احتمال ان يكون النظام البعثي الحاكم في العراق يومها وراء ما وصف برسائل تحذير . كانت «الانباء» ولاتزال مدرسة متميزة في عالم الصحافة . اجتهد صاحبها ومؤسسها خالد يوسف المرزوق في ان يجعل منها وسيلة اعلام غير تقليدية. كانت خامس صحيفة وطنية وكانت اغراض اصدارها وطنية بحتة بعدما تمددت الحريات الصحفية والابداع الذي تميزت به الصحف الاربع الاخرى التي سبقتها على تقاسم الاهتمام بقضايا الامة ،ماجعل من الصحافة الكويتية صحافة قومية اكثر مما هي وطنية او داخلية. هذا النفس العبق الذي جعل من احداها اقرب الى تبني الهاجس اللبناني لملمة الشمل واطفاء حرائق الحرب الاهلية والاخرى الفلسطيني والثالثة السوري والرابعة السعودي ، ولم يكن في حمل هذه الصحف التي كانت رائدة على مستوى الخليج والمنطقة العربية إلى حد ما، على حساب خطها الوطني ولا في دفاعها عن الخليج بشكل عام . إلا أن « الانباء» أعطت 90 في المئة من نهجها للعامل الوطني ولعل هذا السبب الذي جعلها تتعرض للاعتداءين الجبانين. والحقيقة أن الأمر لم يكلف الجريدة ولا أصحابها غمضة عين. كان الحدث بحد ذاته الأول من نوعه في تاريخ الصحافة الكويتية. بعد ذلك بربع قرن وكنت وقتها أعمل في لندن رئيساً للتحرير وأعد موضوعات الغلاف لمجلة «المشاهد السياسي» الاسبوعية الدولية التي كانت أولى اصدارات هيئة الاذاعة البرطانية «bbc» .تلقيت اتصالا من عبد الحليم خدام نائب رئيس الجمهورية السورية «1984-2005» وشغل منصب الرئيس لمدة سبعة ايام بعد وفاة الرئيس حافظ الاسد «10 يوليو 2000 الى 17 يوليو من نفس العام» وقبل ذلك شغل منصب نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية واشرت في برامجي التلفزيونية ومقالاتي الصحفية الى اني التقيت خدام مصادفة في ممر ادارة التحرير في صحيفة « الانباء» في مبناها القديم الذي صدرت اول مرة منه والكائن في منطقة الشرق عند دوار الصباح بجوار مكتبة ومطابع المقهوي و جريدة «الوطن» التي سبقتها في الصدور. واعتقد ان زيارة خدام للجريدة يومها كانت من باب تضامن سوريا مع «الانباء» تبنيا لموقف دمشق من التضامن والتعاطف والتحالف مع الصحف الكويتية التي كانت تجسد تطلعات الأمة بأكملها ،وانها كانت ولا تزال صحافة أهلية مملوكة للقطاع الخاص بالكامل. وهي اول من اسس لهذه الظاهرة الى حد ما بعد تجربة الصحافة اللبنانية . كانت الكويت سباقة في اعلان تضامنها مع الحق العربي كلما دعت الحاجة الى ذلك الا ان مبادرة خدام ،ربما ولا استطيع الجزم ، كانت توجها حكوميا من دمشق التي ابتعد حزبها بجناحه اليساري عن جناح البعث الحاكم في بغداد. في اتصاله بي الهاتفي بعد خروجه من الشام واستقراره في المانيا، سألني إن كنت مهتما باجراء لقاء تلفزيوني لصالح قناة«ANN» و يمكن نشره كموضوع غلاف في المجلة ؟ مبدئيا رحبت بالفكرة الا ان الامر كان يحتاج الى تشاور مني مع ادارة القناة اولا فهم سوريون واللقاء برمته سيكون بكل محاوره عن سوريا والأمة ،وبما ان مالك القناة د. رفعت الاسد كان نائبا لرئيس الجمهورية وانشق وترك بلاده او اقصي من منصبه ، كان يتوجب علي احتراماً لخصوصية العلاقة ان اناقش د. سومر رفعت الاسد مدير القناة لمعرفتي بحساسية العلاقة بين نائبي الرئيس وافتراق مواقفهما من قضايا كثيرة. كنت متيقنا من ان د. رفعت ونجله د. سومر الذي اكن له كل التقدير سوف لن يرفضا بث اللقاء لثقتهما بي وبطريقة ادارتي لمثل هذه اللقاءات ،وقبل ذلك سمحا لي مراراً بإجراء لقاءات لا تقل أهمية مع ميشال عون الرئيس اللبناني في منفاه في باريس ،وكان عون يومها احد الد خصوم الرئيس السوري.اتصلت به وسألته طالما اننا سنسجل اللقاء تلفزيونياً فهل معنى هذا انه قادم الى لندن للظهور على الهواء عند وقت البث الذي قد يتطلب اكثر من حلقة؟ الا انه قال ان مجيئه الى لندن غير وارد وان بامكاني اصطحاب فريقي «المخرج والمصور» معي ،عارضا استضافتنا في احد كبريات فنادق المانيا فاعتذرت عن قبول فكرة استضافته لي ولفريقي وهو مبدأ تعمل به هيئة الاذاعة البريطانية «BBC» لضمان نزاهة وحيدة اعمالها ،وبالتأكيد كان سيرفضه اصحاب القناة وهو أمر لم اعتد القبول به لحماية نفسي . وخلال الترتيب للسفر لاجراء اللقاء وقعت احداث الغزو الاميركي للعراق في مارس 2003 فتركت كل شيء وطرت الى الكويت لمتابعة الاحداث ودخول العراق. وعندما عدت الى لندن سألني د. رفعت الاسد عن أهم الاسئلة والمحاور التي كنت سأطرحها على خدام ، كنت قد اعتذرت عن الالتزام باجراء اللقاء تفاعلا مع تطورات مؤكدة ستأخذ أمدها في موضوع العراق لمعرفة طبيعة المشروع الاميركي وما اذا كان فعلا سيكون لصالح العراق والمنطقة. على مدى اكثر من ثمان سنوات سافرت معه بطائرته الخاصة وجلست معه اكثر من مرة اما لوحدنا او بحضور نجله د. سومر. لم أسمع من الدكتور رفعت الاسد كلمة واحدة فيها لوم أو تأنيب لبلاده سوريا . كان شرطه علي ألا أفتح الملف السوري في حلقاتي التلفزيونية وألا أسمح لأحد بالاساءة لها بأي شكل لا للحكم ولا للشعب. فالتزمت بالاتفاق مقابل ألا أتقاضى اي مرتب لا اسبوعي ولا شهري مقابل حلقاتي اليومية . على أن أتمتع بكامل الحرية في تحديد موضوع كل حلقة من برنامجي وأن أختار ضيوفي بنفسي من داخل بريطانيا أو من خارجها وألا ألزم القناة بأية مصاريف نقل أو استضافة أو تذاكر سفر أو مصاريف الجيب. وهي بدعة يعابً عليها الاعلام العربي الحديث الذي يسعى إلى شراء موقف ضيوفه وضمان التزامه بالخطوط الحمر والخضر التي يفترض ان تقال للضيف بشكل غير مكتوب. والحليم بالاشارة يفهم. كان اتفاقي مع د. سومر ان يكون لي مطلق الحق في طرح ما اشاء من الاسئلة دون العودة الى اية جهة في الادارة لطلب الاستئذان. كنت سعيداً بالاتفاق ،فلم أكن أبحث عن مقابل مادي على الاطلاق .كانت لديٌ قضية في جوهرها العراق وفي عمومها الوضع العربي بشكل عام. إلا أني كنت على قناعة بأن موضوع عبد الحليم خدام شأن مختلف يستوجب التشاور والاستفسار مع تفضيل الاعتذار ،خشية ان يسعى الى تجيير اللقاء لمصلحته فقط. ولن أضع في بالي أن اطرح مثل هذه المخاوف ولم اعتبر ذلك أمرا مسلما به ولا بد منه فقد التقيت رؤساء دول واحزاب وحكومات وادرت اللقاءات بطريقتي . لكن في اتصالاتي معه قال انه سيجيب عن كل اسئلتي وان بامكاني ان اتطرق الى اي أمر . كنت عرفته تماما بعد اللقاء المصادفة في الكويت ،وكنت آنذاك محررا في قسم المحليات في «الانباء» وتعلمت من كل الزملاء الذين سبقوني في العمل الصحفي ممن كانوا في «الانباء» . كانوا أقدم مني وأفضل مني وتعلمت منهم الكثبر . وكانت هناك نخبة ثانية من الصحافيين المبدعين في الصحف الاخرى مثل نبيل سوبدان وحسين سلامة واحمد طقشة ومحمد الحكيم وعبد الستار ناجي ومحبوب العبد الله وفتحي السواح وسمير البرغوثي ونبيل غزاوي وعبد الله القاق ونجيب عبد الهادي وعميد الشنطي وفيصل القناعي وعدنان السيد واخرين . أنا أحمد الله وأشكره على الدوام في كل وقت وادرك عن علم وفهم ودراسة ودراية وعقل ومنطق وخبرة في الحياة أن فضل الله على البشر وعلى كل شيء نعي وندرك ونسمع ونتعلم عنه ، أكبر مما نعرف . وان الخالق عز وجل قد رتب كل شيء وان لا شيء يتم مصادفة. في اثصالاتي معه سألت خدام : اكيد انك تتابع الموضوعات واللقاءات التي اعملها . قال : لم اسمع بك من قبل ان اراك في «ANN» وان كنت قد عرفت بعد السؤال عنك انك صحفي كويتي أو كويتي الهوى بسبب حياتك الاسرية ومعيشتك في الكويت لكني الآن أعرفك من خلال هذه المجلة ومن خلال موضوعات الغلاف. كنت اتلمس حذره مني اكثر من توجسي الحذر منه . وخلال احد الاتصالات لم يظهر ارتياحا لملاحظتي فاكتفى قائلا: قد لا يكون بامكاني ان ازور لندن لذلك يفضل ان تختار الوقت المناسب لك للمجيئ الى المانيا. قال : سانتظر منك اتصالا او رسالة بالبريد الالكتروني للاتفاق على موعد الزيارة . قلت: شكرا. كنت أمضيت ثلاث سنوات على الاقل رئيسا لتحرير المجلة ،وكنت من يكتب افتتاحيتها ويجري موضوعاتها الرئيسة ،ولم اكن بحاجة إلى إذن من احد فيما لو فكرت باجراء لقاءات لموضوع الغلاف ،وهو ما سهل لي اجراء الحوارات مع امين عام حزب الله اللبناني السيد حسن نصر الله ومع الزعيم الدرزي وليد جنبلاط ومع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ومع الرئيس الجزائري عبد العزيز بو تفليقة ومع رئيسة مجلس النواب الاميركي نانسي بيلوسي ومع الاب الروحي لحركة حماس الشيخ احمد ياسين ومع زعماء فلسطينيين كبار ،امثال جورج حبش ونايف حواتمه ومع الزعيم الليبي معمر القذافي واخرين. في الطائرة الى الجزائر سألني الدكتور رفعت الاسد ان كنت قد اجريت اي حوار صحفي او تلفزيوني قبل عملي في قناته «ANN» مع عبد الحليم خدام فاجبت بالنفي، الا انه قال ان خدام يعرفني وانه اثنى علي وعلى مهنيتي الصحفية ، قلت ربما إلا أني لم التقه وجها لوجه في حوار او حديث اقتصر علي وعليه. لذلك سألته في أخر مكالمة لي معه قبل الاجتياح الاميركي للعراق إن كان يمانع في اجراء اللقاء في لندن ليكون البث حيا نابضا بالمصداقية في حال اتفقنا على حرية الاسئلة التي اضعها. . قال :مثل ماذا؟ قلت :لو قدر الله واصبحت رئيسا لسوريا بانقلاب اميركي، هل سترضى لنفسك ان تكون اميركيا؟ للحديث بقية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى