المقالات

الحب ما بين «يانكيليفتش» و«محمد بن لعبون»

في توابيت الذاكرة تكمن الحياة الأخرى، تلك التي أردناها لأنفسنا فخذلها الحاضر، ولم تنبت كما كان متأملاً يقطينا أو سنبلاً، تلك الحياة التي نسجها الأمل في لحظة صفاء وردي، فصدمتها في لحظة تجل سراديب الواقع، نسافر إمعاناً في واقع غير الذي نعيش، نحو أحلام كانت تتسيد مستقبلا حتميا، نحو افق من اللازورد، ومدفئة تعكس نضارتها حمرة الورد.
تتموج حولنا وحوالينا الحياة بدفتيها، تمازحنا بلعبها الخشن، وننتظر، فما حياتنا إلا سلسلة من ردود الأفعال ما بين الذاتي والموضوعي، الأساسي والثانوي، الثابت والمتغير، غير أن القلم اليوم لم يعد يطيق الانتظار، خار من حزنه وثار، وفاض مداده على هذا المقال، وأنا بدوري أتبرأ منه، فلست محرضاً أو مؤازرا أو فاعلاً، هو القلم وليس غيره صاحب الذنب الأكبر.
أطلعني صديقي وهو رجل صادق وحالم ونبيل قبل أيام على قصيدة للشاعر النبطي محمد بن لعبون والتي يحكى أنها رثاء في زوجته، وغناها الفنان المبدع صالح الحريبي، المتأمل لتلك الأبيات لا يملك غير التمعن المتلحف بالإعجاب، والانبهار بذلك السرد الشعري الحكواتي المتزن والمرصع بلآلئ من الصور البلاغية والتشبيهية التي تتجاوز القدرات المكتسبة. ركام من المشاعر الحسية تأخذك لسبر أغوار الحب بآليات لغوية لا يمكن لها إلا أن تنبع من قلم ومشاعر صادقة، لذلك فهي تدخل للقلب بدون مقدمات وبدون سلام أو كلام أو استئذان.
أن تصمد أمام شاعر مثل محمد بن لعبون يمتلك ويوظف باحتراف وسائله المعرفية والإبداعية لهو البطولة بعينها، فهو شاعر يغمس ريشته في البحر لا في المحبرة، وأشعاره كجلمود صخر حطه السيل من عل! ليؤكد لنا في كل لحظة وحين وبخطاب شعري سلس المعضلة الفلسفية القائلة بأن: الحب هو أكثر مهامنا الأخلاقية صعوبة. لا يختلف عنه الفيلسوف «يانكيليفتش» كثيراً حيث يرى أن الحب هو الثابت لجوهرنا الوجودي، وأن الحب هو مقام من مقامات التجلي العاطفي ولئن كان «للنفري» معارجه الخاصة لغة وتشوقاً فيما يعتريه من شطح، فإن لفلاديمير يانكيليفتش أيضا معارجه ولغته فيا يعتريه من تفلسف، فالحديث عن الحب عند يانكيليفتش وبن لعبون هو حديث عن تجربة إنسانية قديمة قدم الإنسانية نفسها، وقدم اللغة التي حملته شعراً ونثراً وفكراً، ولكل مدخله الذي يستمد منه فرادة التعبير، مكابدةً وتأملاً ومعيشاً، فالحب عندهم هو وقفة الأصل والكينونة، تقودها الفكرة أحياناً وتستنطق المعنى حينا آخر، وفي هذا وذاك لا تلبس على الرائي في محكية الرؤية، ما دام للقلب عين، وما دام الكلام في الحب حب.
ما بين بيئة بن لعبون العربية الصحراوية وبيئة يانكيليفتش الأوروبية الباردة، يتجسد الحب بأرقى مباهجة في تحوير متعمد للكوجيطو الديكاريتي «أنا أحب إذن أنا موجود»، بما يعني الخروج بالأنا»المفكرة» من ضيق التجريد إلى رحابة التجريب في إطار عاطفة معطاءة في جوهرها.
لقد تأسست فلسفة الحب عندهم على أرض خصبة، تنهل من فيوض معرفية عدة، فالحب خلاق، وفعله التأسيس، إن لم يبدع عالما فهو يفتح بيتا، وهذا ديدنه منذ بدء الخليقة، وهو المسؤول وحده عن استمرارية الحياة، لأنه الجسر الذي يؤمن ألقها وصيرورتها.
فما بين ساكنة القبر بتلعات الحجازي وتأملات مدرس في براغ، يقف الحب كتتويج سرمدي للبهاء، رغم المسافة والسور والباب والحارس على حد تعبير محمد عبده في رائعة الشاعر بدر بن عبد المحسن.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى