المقالات

شوكت… الحكيم

كلهم كانوا يسموني «أبو عمار» إلا هو، فقد كان الوحيد الذي يناديني باسمي «محمد» بلهجته اللبنانية الأنيقة، فتقع الكلمة في قلبي كالرذاذ المنعش.
شوكت الحكيم، مدير تحرير السياسة، عملت معه طيلة سبعة عشر عاماً، تعلمت منه أصول الصحافة، وفنون الكلمة، وكيف تكتب العبارة الرشيقة، ويصاغ المانشيت المؤثر، والويل لمن يعك في عنوان أو يلخبط في عبارة، إذ يأتيه التعليق الساحق الماحق: لك يا خيي شو هالبزرميط؟
ما دخلت يوماً مكتبه إلا وجدته مكباً على الأوراق، يدقق وينقح، فقد كان يتابع كل صغيرة وكبيرة، يساعده في ذلك سعة اطلاعه، وغزارة معرفته، وقدراته اللغوي وتمكنه من العربية، حتى اننا كنا نتحاشي الوقوع في الأخطاء التي نسميها «الشوكيات» اذ حدد لنا محاذير لغوية عدة يقع فيها الكثيرون، اما في «السياسة» فقد كانت من المحظورات والمحرمات.
أمس، وصلني خبر نعيه، فاستعرضت ذكريات سنوات طويلة معه، وعلى هامشها ذكريات أناس رحلوا، وآخرين مازلوا يمخرون عباب الحياة.
قلت له ذات يوم، وأنا اتسلم اجازتي للسفر الى سورية: استاذ، وصيني على شغلة من الشام، فقال: هات لي طاسة الرعبة. وللأمانة، لم أكن أعرف ماذا يعني طاسة الرعبة، لكني قلت في نفسي: اسأل عنها في الشام وسأعرفها حتماً.
وفي سوق التحف والانتيكات في الحميدية، بجانب الجامع الأموي، دخلت احد المحلات وقلت لصاحبه: بدي طاسة الرعبة. فأحضرها لي، طاسة ثقيلة من النحاس، وبداخلها مكتوب آية الكرسي، قلت في نفسي: الحمد لله ان داعش لم يسمعوا بهذه الحكاية، وإلا كانوا سيقطعون رأسي ورأسه، فهل كانوا سيسامحوني لإهدائي مسيحياً آية الكرسي؟
انهم يتساقطون كحبات الندى، وتظل هذه الدفاتر مفتوحة للفرح… والحزن… والذكريات.
وكنا وإياكم نزور مقابراً
فمتم وزرناكم… وسوف نزار
وداعاً… يا أبو هادي.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى