المقالات

دعوا الخلق للخالق.. «إن رحمتي وسعت كل شيء» «2-2»

بالتالي، نحن المسملون يجب أن يكون لدينا معيار متوسط، بين من جوّزوا الترحم لأن ذلك يعتبر من الثوابت الشرعية ولا يجوز أن نخرج عما قاله العلماء، وبين الذين منعوا الترحم، فيجب ألا يؤثروا على الفريق الآخر، لأننا نملك عقول ونملك قضايا اليوم لم تكون أساساً موجودة لدى أسلافنا، فأسلافنا لا علاقة لفتواهم بفتوانا المعاصرة، لذلك ننتقي من بين هؤلاء العلماء، من نستعمل له لفظاً شرعياً مناسباً والجدير بقولنا، عن المتوفى من غير المسلمين الذي هو إنسان خدم الأمة بكل مكوناتها، بأن نقول «اللهم عامله بما أنت أهله، ولا تعامله بما هو أهله»، فالله تبارك وتعالى أهل للعدل وللعفو والرحمة، معيار العمل منوط بالخالق عز وجل، بالتالي، الرحمة هي عبارة طيبة وليست مخزية، فمن قضى وهو يخدم قضايانا هو ابننا وهي ابنتنا، وإخوتنا في الله وإن اختلفت دياناتنا، فما يجمعنا رابط العروبة والرباط في خندق واحد ومشتركات كثيرة أخرى، فينبغي أن يكون لدينا ضابط لمثل هكذا حالات.
ففي بلادنا الكثير من النصارى واليهود الذي يعيشون معنا وهم مسالمون، لكن هؤلاء متفاوتون، فمنهم من يحتفظ بجميع مبادئه وعقائده، ومنهم من يدعو إلى مبادئه ومعتقداته ويحيي مناسباته الدينية، وذلك من خلال ما أجازته الشريعة له من ممارسة طقوسه ضمن الحقوق الممنوحة له، ومنهم من يعيش معنا وكأنه غير مخالف لنا، لا يظهر معالم دينه أو معتقده ولا يدعو لها، ويحاول قدر الإمكان أن يعيش معنا واقع واحد، لا تستطيع معرفة أصلاً أنه غير مسلم، الفارق الوحيد أن لا نراه في المسجد معنا، او نسمع منه الشهادة لكن بطبيعة الحال هو ودود، فهؤلاء الذين مثلهم لهم ميزات، حتى إن الفقهاء قديماً وتحديداً في القرن الأول، أي فقهاء الصحابة والتابعين، أجازوا تعزية أهل الكتاب، وهذا الأمر أي جواز التعزية فيه إشارة إلى أن جانب المجاملة للمتودد من المخالفين لنا في الدين، جانب المجاملة موجود، ومن المعروف أن تعزية الصحابة والتابعين كانت «أخلف الله عليكم بخير» وإذا كان للميت ولداً يقولون له «كثر الله لك ولدك»، فما هو الخطأ من وصل الود الذي يكسبك الأجر؟
هذا الأمر ذكرني بكتاب «العرب ظاهرة صوتية» للمفكر الكبير «عبدالله القصيمي»، يقول فيه: «العربي ليرفض الصعود الى الشمس ممتلكاً لها ان كان ذلك بصمت ليختار التحدث بصراخ ومباهاة وعن صعوده الى القمر وامتلاكه له اي بلا صعود ولا امتلاك. أن ليظلون يتحدثون بضجيج وادعاء عن أمجادهم وانتصاراتهم الخطابية حتى ليذهبون يحسبون ان ما قالوه قد فعلوه، وأنه لم يبقَ شيء عظيم أو جيد لم يفعلوه لكي يفعلوه».
بالتالي، تأليه الناس أو عدمه هذا أمر لا يجوز، هذا أمر بيد الله تبار وتعالى، مع إيماني القاطع بقوله تعالى: «إن رحمتي وسعت كل شيء»، فلم نسلم من الأحياء وخلافاتنا كبيرة جداً، حتى نتجادل بهذا الشكل حول الأموات، فلنسا مخولين لإدخال هذا الجنة وذاك النار، «فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر»، فكما ذكرت آنفاً من يريد التبحر بما يجوز ولا يجوز وقد ذكرت بعضاً من آراء العلماء الموجودة وكما هي، وبمتناول كل من يريد بذل القليل من العناء قبل أن يحدث جدلاً يصرف الناس عن القضايا الجوهرية، كوني «متخصص في الشريعة والقانون» فمقاصد الشريعة لم تترك صغيرة أو كبيرة إلا وذكرتها وبينت جواز استخدامها وفي أية مواضع، ولأن تُستخدم في إطارها الصحيح لا في إطار الادعاءات، وشخصياً ومع وجود الآراء المختلفة للسادة العلماء، لا أسقطها على أي شخص، بهكذا أمور، لأن هذا أمر بيد الخالق تبارك وتعالى، مع ذكر رأي الشرع بحسب فهمي المتواضع، لكن ما أتمناه حقيقة أن يتأدب الجمهور فيما يكتب، لأن للموت هيبة ورهبة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى