المقالات

فلسفة السعادة

لكل قارئ مكين متبحر في متون الارث الانساني الكتابي والشفهي، فلسفة خاصة في الحياة، تأخد عليه منافذ فكره ومسارب حسه، يراجع بها قراراته وخطواته وينسج بها طموحاته وآماله، بحثا عن شيء واحد ووحيد وهو السعادة، لكن إذا لم تكن عناصر السعادة موجودة في نفس المرء فإن كل ما في العالم من جمال ومشاهد وملذات ومبهجات لن تستطيع أن تهبها له، فأكثر ما تتوقف عليه السعادة إنما هو ضبط المرء لأفكاره وقيادته لها متجنباً ما هو مؤلم، مستعيداً أجمل الذكريات، يقول شوبنهور: «يرى أحدهم العالم قاحلاً مظلماً حقيراً، ويراه الآخر غنياً مبهجاً مملوءاً بالمعاني.» فالسعادة شيء يحتاج إلى المران كالعزف بالكمان.
الحياة يمكن أن تقدم إلى عشاقها الغنى والقوة والشهرة والحياة الطويلة، ولكنها لا تستطيع أن تجعلهم سعداء، إذ يجب أن يعتمدوا في ذلك على أنفسهم، يقول فرانكلن: « اتبع السرور يتبعك»، لذلك لا تفكر كثيراً فإذا كان اليوم مظلماً فأضئه، ولا تدع الشمس تغرب على غضبك.
ان فرصا كثيره للسعادة تفوتنا لأننا نتوهم أننا سنصبح سعداء، حينما نستطيع ان نحيا مع شخص معين، أو حينما تنتهي سنون دراستنا، حينما نحصل على وظيفة افضل، حينما نتزوج، حينما نرزق أطفالا، حينما نشفي، حينما نسدد ما علينا من ديون، حينما نمتلك سيارة او رصيدا كبيرا في المصارف، حينما ينتهي واجب ثقيل كلفنا بأدائه، حينما نتحرر من قيد ينتقص من حريتنا.
والواقع اننا نأخذ سعادتنا او شقائنا معنا حيثما توجهنا ومهما اقتنينا أو فعلنا… والطريق الوحيد الذي يمكن ان نضمن به السعادة، هو ان ندرب أنفسنا على ان نكون سعداء، لا بسبب الظروف التي تحيط بنا وما تهيئه الحياة، وانما بالرغم من ما يفرضه القدر علينا من ظروف وملابسات. يقول سقراط: «خير الرجال من يسعى لضبط نفسه، وأسعدهم من يشعر بأنه ضابط لها».
أتذكر في هذا المتن ما قالته الكاتبة الانجليزية « جين أوسان» صاحبة رواية «ايما»، بما مضمونه أن الانسان الذي يظن أنه يستطيع أن يكون سعيدا طوال أيام حياته، هو انسان مجنون، فنحن جميعا نعرف أن الدليل الوحيد على تمتعنا بكامل قوانا العقلية، يكمن في قدرتنا على الشعور بالتعاسة عندما نفاجأ بحدث يعكر صفو حياتنا، ان الحياة الحقيقية هي السعادة التي نشعر بها بعد حزن، هي في صفاء النفوس بعد خلاف، هي في اللقاء بعد أن طال امد الفراق، هي في النجاح بعد الفشل، هي في الأمل الذي يملأ صدورنا بعد ان نكون قد يئسنا الحياة، هي هذه السعادة وهذه فلسفتها.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى