المقالات

تداعيات الحروب تعصف بالبلدان الأكثر فساداً

ما إن اندلعت الحرب الروسية الأكرانية حتى وجدت كثير من دول العالم نفسها أمام مشكلة توفر رغيف الخبز، نتيجة لتوقف صادرات القمح من البلدين المتحاربين، إضافة إلى أزمة في الطاقة ومشتقات البترول، والحقيقة كانت تداعيات هذه الحرب على بعض البلدان أكثر منها على الإقليم الذي تجري فيه الحرب «أوروبا»، حيث وصلت الأزمة في بعض البلدان البعيدة عن الحرب إلى الدرجة التي انعدم فيها الأمن الغذائي والأمن العام، نتيجة الاضطرابات والاحتجاجات وعجز هذه الدول عن توفير الأساسيات، مع ما رافق ذلك من هبوط في القيمة الشرائية للعملات المحلية أمام الدولار.
ولو نظرنا إلى الدول التي عصفت بها هذه الحرب أو كادت لوجدناها بمعظمها تعاني أساساً من الفساد، حتى يمكن أن نسمي هذه الحرب بالكاشفة لأنها عرت اقتصاديات كثير من الدول، فلأول مرة تتسبب حرب إقليمية محدودة بكل هذه التداعيات الاقتصادية والسياسية؛ فسريلانكا تشهد الآن ثورة شعبية مكتملة الأركان واحتجاجات غير مسبوقة بسبب النقص الحاد في الغذاء والسلع الأساسية وانقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة، وارتفاع أسعار الوقود، ولأن الشعب السريلانكي يعرف أن الفساد نخر مؤسسات الدولة، استهدف المتظاهرون أعضاء من عائلة راجاباكسا – عائلة الرئيس وعددا من كبار المسؤولين – وأصبح الوزراء والمسؤولون ونواب البرلمان هدفاً للناس الغاضبين، يلاحقونهم في الشوارع ويحرقون بيوتهم، وأصبحوا مادة للتندر والسخرية، وكثير من البلدان ومنها بلدان عربية تبدو للمراقبين على هذه الطريق، فالوضع في لبنان ليس بعيدا عن ذلك، إذ عمّقت هذه الحرب من مأساوية الأوضاع المتردية أصلاً، وكذلك تونس التي تقف على حافة أزمة اقتصادية، والواضح أن البلدان الأكثر فساداً هي الأكثر تأثراً.
ما يحدث في هذه البلدان مثال حي على الآثار المترتبة على الفساد، فهذا الأخير ينخر في المؤسسات الاقتصادية والسياسية والخدمية للدول التي يستشري بها، حتى تصبح واهية متداعية ولو بقي ظاهرها متماسكاً، فهي لا تستطيع أن تتحمل أيا من التغيرات الاقتصادية أو الدولية والإقليمية، ومع أول هزة تتداعى وينعطف بها التاريخ لتصبح في طابور الدول الفاشلة التي لا تتقن سوى صناعة الجوع والمرض والبؤس والجريمة وتصدير المشكلات للشعوب من حولها.
التاريخ واضح، وقوانينه ومساراته لا تتغير، وتجارب الشعوب ما هي إلا منارة للشعوب الأخرى لتدرسها وتتعلم منها، وعلينا في الكويت أن ندرس هذه التجارب وأن ندرك أن الثروات الطبيعية والوفرة الاقتصادية لم تنقذ دولة في التاريخ استشرى بها الفساد، بل بالعكس تصبح كل نقاط القوة هذه نقاط ضعف، لأنها تتحول بسبب الفساد إلى محركات تساعده على ابتلاع الدولة وحرف اتجاهاتها إلى الهاوية، وذلك من خلال سيطرة قيم الفساد وإعلاء المصلحة الخاصة على حساب مصلحة الوطن، فيتدهور التعليم وتتدنى الخدمات ويسيطر الفاسدون على مفاصل المؤسسات، لتدخل هذه البلدان في دائرة من الخراب تغذي نفسها على حساب حاضر الناس ومستقبل الأجيال القادمة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى