المقالات

مرثية لأنهار من الحبر الجميل

الكلمات لا تموت، هي تقتات من الذاكرة الحية، والذاكرة تأبى النسيان، والنسيان هو حصاد الشجن، من أحضان عائلة ارستقراطية جاءنا المتعدد في واحد، راغباً في إشتهاء الحقيقة، وفي اكتناز المعنى ومحو الدهشة، يهدينا بالفصحى والعامية قصص حب تكتمل ولا تكتمل، قصصاً معفرة بتراب الأمكنة وزهور الأزمنة، ظل ظهراً من حياته هارباً متنقلاً ما بين الهنا والهناك، من السجن تارة وما بين حدود البلدان، من العراق والأهواز إلى بيروت فدمشق، ومن إرتيريا إلى اليونان ففرنسا، وما بين ليبيا وأمريكا اللاتينية حتى وافقته المنية في دولة الإمارات العربية المتحدة. مل من كثرة التنقل والانتقال فقال في إحدى قصائده:
وآه من العمر بين الفنادق
لا يستريح
أرحني قليلاً
فإني بدهري جريح
كان شعره رمحه، وسيف تخشى مضاربه وهو في غمده، وكانت قصائده الأولى له بالعامية، فنشر أولها «للريل وحمد» عام 1956، وهي تروي مأساة فتاة ريفية، وأحدثت هذه القصيدة ضجة في الأوساط الأدبية، وكانت موضع دهشة واستغراب، ترنم بها الناس طويلاً ووضعوا لها الألحان الشعبية قبل أن يلحنها الملحنون وينشدها المغنون، وقال فيها الشاعر الكبير «سعدي يوسف» بأنه: «يضع جبين شعره على أعتاب للريل وحمد»، حيث قدم في قصيدته معاني العشق والحنين والتضحية والمروءة والوطنية، وكشف واقع الظلم والفقر والحرمان في عمق الريف العراقي آنذاك:
« مرينه بيكم حمد ابقطار الليل
واسمعنه دك اكهوه
وشمينه ريحة هيل
ياريل صيح ابقهر صيحة عشك ياريل»
ويستلهم معاني البطولة في قصائده من أبطال تاريخيين أو معاصرين أو شعبيين، حيث البطولة عنده هي الجرأة والتنفيذ والاستعداد، وهي موقف فكري يمثل أعلى حالات الوعي وأشد حالات الصحو، فهي أولا وأخيرا موقف في الحياة ومنها. يؤدي شعره بطريقة غنائية فيها البكاء والشجن والقوة والعزم، يشحن الحروف بطاقة عاطفية هائلة وينقل السامع الى الأجواء الحقيقية للقصيدة، حيث يتحول ما بين التوجس والانفعال والهدوء والانفجار، وتمتاز صياغة قصائده بالمتانة والقوة واستخدام الاشتقاق والنصوص التراثية والمعاني التاريخية والفلسفية بما يخدم الفكرة ودون أن يخرج عن إطارها ودلالاتها الرمزية، كما يتفرد من ضمن الشعراء المعاصرين باستخدام الألفاظ الصريحة والتعبيرات القاسية، والألفاظ النابية والمعاني البديئة التي تخدش الحياء والحشمة، كما تتميز قصائده بوضوح ذلك النفس الملحمي حتى تبدو بعض المقاطع وكأنها فصول من مسرحية شعرية، تتعدد فيها الموضوعات، لكن يوحدها موقف وجداني واحد.
وها نحن اليوم نودع الشاعر «مظفر النواب» بعدما استطاع رسم مدرسة شعرية قائمة بذاتها، متفردة بسمات متناهية رغم تناقضها، مدفوعة بذهنية الثائر على النسق ومحملة بروح المحزون الشريد، كنتيجة لإطار ثقافي اجتماعي، أيديولوجي، أسهم في تشكيل إبداعه الشعري، والذي سيبقى بدون شك بصمة بارزة في الإرث الشعري العربي المعاصر.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى