المقالات

من واقع الى واقع

ليس بمقدور اي جهة أميركية أو دولية أياً كانت أن تضمن إمكانية بقاء الولايات المتحدة متمتعة بالسطوة والهيمنة التي فرضتها على العالم للعمل بسياسة ومصالح القطب الواحد منذ سقوط الاتحاد السوفيتي السابق الذي بدأ بالفكك من 26 ديسمبر عام 1991 وحتى الآن. وليس بمقدور الولايات المتحدة وحكوماتها وقادتها والبيت الأبيض ولا عائلة روتشيلد الصهيونية التي تحكم اقتصاد العالم وتتلاعب بالمقدرات ، أن تضمن عدم سقوط البناء الاميركي الحالي او عدم تفتته او عدم تعرضه لحروب اهلية داخلية سببها النزاع على المصالح والخيرات المشتركة او موضع الاستفادة المشتركة الحالية في ظل النظام الفيدرالي . احداث او كرانيا التي بدأت منذ منتصف ابريل الماضي وحتى الان ، غيرت وستغير بشكل متواصل الكثير من ادوات النظام العالمي و ستقلم اظافر اميركا الحالية وتسقط عنها هالات عدة جعلتها الحاكم بأمر العالم بدون منازع. مشكلة اميركا انها دولة تابعة ومسيرة من قبل العائلات اليهودية الكبرى في العالم وبالتالي فهي ليست الدولة القائد المتنمر التي تلعب دور الديكتاتور برداء الديموقراطية وحقوق الانسان والقانون الدولي والعدالة الاجتماعية كما تدعي وكما توحي ،والتي لا تقبل شركاء وانما تستخدم العالم الموالي لها مثل الاتحاد الاوروبي و حلف شمال الاطلسي و الامم المتحدة ومنظمات وهيئات دولية عالمية اخرى مثل منظمتي الصحة العالمية والتجارة. انه حكم التاريخ والمتغيرات الطبيعية في كل شيء في الحياة . قد لا تسقط الولايات المتحدة ولا تعود مستعمرة من قبل اي قوة عظمى او اتحاد كما كانت عليه في فترة االاستعمار البريطاني لها الذي بدأ في 1607 وانتهى في اواخر القرن الى ان استقلت الدولة الاميركية بعد الحرب الاهلية . وبالتالي فأن اقتراب فترة زوال عنصر استعمار الولايات المتحدة للعالم بفعل عوامل عدة وثقت ولاتزال الحركة اليهودية العالمية « الصهيونية جزء منها» لم تتعد النصف قرن ،واذا ما بدأ الحساب عن تنامي النفوذ الاميركي في العالم من عام 1948 نتيجة دخولها الحرب العالمية العظمى ضد المانيا فانه لن يتعدى القرن إلا أنها اي الولايات المتحدة خضعت لاستعمار متعدد لاكثر من 354 سنة في التاريخ المكتوب والموثق « 1492- 1776» . المشكلة الأكيدة أن الشعوب المهاجرة التي كونت أميركا وفي لبها مكونات الصهيونية العالمية والنظام اليهودي العالمي تعلمت الكثير وهي ترزح تحت الاحتلال الا انها لن تتعلم ولم تستفد من فترة حكمها او استعمارها للعالم. هذه الحقائق وحتمية المتغيرات المقبلة هي التي تجعل اصحاب المصالح الذين يحكمون العالم وعلى راسهم عائلة روتشيلد والعوائل الصهيونية الكبرى التي تستحوذ على اقتصاد العالم وتجارته والعديد من مصانع انتاج ادوات الذكاء ووسائل الاتصال والسلاح والأدوية والأغذية والنقل ، تحارب بكل الوسائل المتاحة لها لإبطال الصحوة الروسية وإفشال مشروع الرئيس الروسي الحالي لاستعادة ادوات قوة الاتحاد السوفييتي في اوكرانيا. عمليا يشترك العالم الغربي في مواجهة روسيا داخل اوكرانيا وفي اسواق المال والطاقة والمحافل السياسية وعلى رأسها الامم المتحدة « الجمعية العامة ومنظماتها ومجلس الامن» . وهي كلها اي العالم الغربي مسيرة هي الاخرى من قبل القرار والنفوذ الاميركي الخادم المطيع والتلميذ الوفي لارادة اصحاب نبوءات ال صهيون الذين يعتبرون انفسهم سادة العالم والذين يزعمون ان الخالق عز وجل عناهم دون سواهم عندما قال في القرآن الكريم « كنتم خير أمة أخرجت للناس» سورة آل عمران الآية 110.
ان ما يحدث في أوكرانيا الآن ليس صراعا روسيا اوكرانيا وانما صراع اميركي روسي تسعى واشنطن من خلاله الى تجنيد العالم « عدا الصين» وتوظيفه لمحاربة روسيا واجبارها على وقف مشروع اعادة رسم سياسة المصالح الجديدة باقتطاع ثاني أهم واخطر جزء أوروبي بعد ألمانيا ،يمكن ان يؤدي تفاهمه او تحالفه مع روسيا الى التعجيل في انزال الولايات المتحدة عن عرش الاستفراد في حكم العالم واذلال البشر.
ليس سهلا لأي أمة او قوة او جهة او تحالف ان يقبل التنازل عن ميزة سيادية عظمى كالتي حصلت عليها الولايات المتحدة على مدى العقود الاربعة الاخيرة. إذ أن حكم عالم ضعيف فقير متواضع الامكانات مفتت بنصف وعي وباقل قدر من ادواة قوة الفناء واسلحة الدمار الشامل واقل من 1 في المئة من الامكانات المادية الهائلة التي تتكون لدى المجتمع الدولي من خلال تعاملاته التجارية وانفاقه اليومي ودخله القومي وودائعه في البنوك ، لاكثر من قرن من الزمان لا تعادل قيمة حكم يوم واحد في عصرنا الراهن. فالعالم اليوم ليس أكثر ثراء بمليارات المرات عن السابق وانما بعدد سكان مضاعف ومركب وبقدرات شرائية عالية على مستوى الافراد والمجتمعات والدول وباسواق ذات عوائد خيالية . كانت الدول الكبرى التي سبقت الاسلام ومن ثم تلته تبحث عن التمدد الجغرافي والعظمة الاسطورية في العدة والعتاد واستغنام العبيد على خلف العهود الاسلامية التي بنيت على عامل نشرة الدعوة واشاعدة العدالة والمساواة بين الناس والاستفادة من علوم الاولين وترجمة كتبهم . لذلك شتان بين أهمية وقيمة ودوافع الاستعمار القديم والحديث ، وعندما استعمرت بريطانيا وفرنسا أجزاء من الولايات المتحدة وكندا، وحتى عندما دخل الاسلام الى اوروبا عن طريق الأندلس، لم يكن البشر آنذاك بنفس وعي وامكانات وثقافة الناس اليوم. ومع أن ليس بالامكان تعميم مبدأ ان البشر في عهد الاستعمار القديم تمتعوا بقدر اقل من الادراك والشمول في التعامل مع ادوات ومفاتيح العلم عن الانسان في عصر الاستعمار الحالي الحديث في زمن المركبات الفضائية والحاسبات الالكترونية والغواصات النووية ومفاعلات انتاج الطاقة ووسائل الاتصال وتبادل المعلومات، إلا أنه يمكن الجزم علمياً بأن العالم اليوم غير الأمس وان الانسان اليوم غير ماكان عليه بالأمس وسيكون في المستقبل على غير ما هو عليه اليوم . هناك امور اختفت وامور تغيرت وامور تطورت وامور انتفت الحاجة اليها . وهناك وسائل الان يجري تحديثها واخرى تفعيلها بالعلم وغيرها باسناد ادوار ومهام جديدة لها. وبالتالي فانه حتى الانسان الذي تغير عن ذي قبل سيتغير نحو الاحسن ربما صحيا وبدنيا وعقليا ،إلا أنه من الصعب ضمان أن يظل هذا التغير إيجابياً ولن يجرد البشر من المزيد من الموروثات الأخلاقية الحميدة والتصرفات المتزنة والافعال الخيرة . هناك من يعتقد او يتفق مع من يقول ان من حق الولايات المتحدة او من يحكم الولايات المتحدة طوعا او كرها خدمة لهم من خلال البيت الابيض والكونغرس والبنتاغون والمخابرات المركزية والمجلس الفيدرالي وادوات اخرى أن يلجأوا الى كل الطرق « على طريقة أعلى ما في خيلك اركبه» في التعامل مع روسيا وذلك للحفاظ على ريادة اليهود والفكر الصهيوني المرابي للعالم على طريقة تعامل شايلوك في مسرحية وليم شكسبير تاجر البندقية « Merchant of Vince» التي يبيح فيها المرابي اليهودي دم الانسان واستقطاع لحم من بدنه مقابل فوائد الرهونات . وهؤلاء يتعمدون التغافل عن حق بقية البشر في الدفاع عن ارواحهم وسلامتهم وممتلكاتهم وكراماتهم واعراضهم ومعتقداتهم .
نجحت الصهيونية العالمية او هكذا تخيلت او اعتقدت انها استعادت ارض الميعاد بعد ان سلبت اجزاء واسعة من اهلها الفلسطينيين . وافرطت في استخدام القوة في التنكيل بالفلسطينيين اصحاب القضية وفي التمثيل بهم واضطهادهم في محاولات فاشلة لترويعهم ودفعهم الى الهرب . استخدمت كل وسائل الابادة والايذاء البدني والنفسي والتمييز والفصل العنصري والتعذيب والاعتقال وتجاوز عدد من اعتقلتهم من الرجال والنساء والاطفال في عام 2021 نحو 8 الاف اسير وخلال 5 اشهر من العام الحالي 4600 اسير . وقدر عدد الاسرى الفلسطينيوم من عام 1948 « عام النكبة» وحتى الان بنحو نصف مليون أسير بينهم عدد غير قليل من النساء. وتجاوز عدد الشهداء 53 الف شهيد وفقا للارقام المتاحة . ومع ذلك لم يتكلم العالم ولم يتفق على مواجهة العدو الاسرائيلي وممارسات التهويد والقتل بدماء باردة والتشريد والاعتقال وتغيير المعالم التاريخية وتزوير الحقائق وتضليل الرأي العام ، كما متفق الآن على مواجهة روسيا التي لاتزال وحدها في مواجهة العالم المسير صهيونيا بالاكراه او التعاطف او الوهم . إذ ان الموقفين الصيني والهندي وهما وبعض الدول الاوروبية مثل المانيا وفرنسا أكثر الدول او القوى العظمى المستفيدة عمليا من الخلل الذي سببه التحرك الروسي في اوكرانيا بالولايات المتحدة وحكومة الظل الصهيونية في العالم . قد لا تتحرك الصين لا ستعادة تايوان وقد لا تنتهز الهند فرصة حاجة العالم الى القمح الهندي ،وقد تقتصر دعوة المستشار الالماني اولاف شولتس لبناء اقوى جيش في اوروبا على الكلام فقط مع ان المانيا أكثر دولة استُعمرت « بضم التاء» واستُعبدت «بضم التاء أيضاً» تعرضت الى الاهانة والتشهير والاذلال من قبل اليهود ومن قبل الولايات المتحدة وخصوم اليهودية العالمية في أوروبا عندما خسر أدولف هتلر الحرب العالمية الثانية وأقدم على الانتحار في 30 ابريل 1945 . وهذه الاطراف مجتمعة وليست روسيا وحدها ومعها اليابان، يفترض ان تكون في مركب واحد او محطة الخلاص من التسلط الاميركي الذي لا يراعي اي شيء لاقانوني ولا انساني طالما يتعارض بشكل او آخر مع المعتقدات الصهيونية او المصالح الاميركية او الغربية او ايا كانت طالما ان وراءها حكومة ظل العالم او العوائل اليهودية الكبرى. لكن في كل الاحوال ، التغيير واقع لا محالة والعالم سيتغير وهناك قوى كبرى ستأخذ مداها وما تعتقد انه حق لها بحكم وزنها واهميتها . وقتها ستحل ثقافة جديدة محل الثقافة الحالية وما فشلت وسائل الاعلام الكبرى كطوال العقود السابقة في الترويج له للتأثير على المفاهيم والقيم او تغيير الامزجة والتوجهات، قد تفلح الاغذية الجينية المطعمة والفيروسات المخلقة على غرار جيل الاوبئة الاخير من وهو معروف بسلالته التي كشف الكثير عن اسرارها في المختبرات الاوكرانية واخرها كوفيد 19 و جدري الخنازير والبرامج الاعلامية الموجهة نفسيا وعلميا من خلال ادوات التواصل الاجتماعي وهي في حقيقة الأمر اوبئة وفيروسات مخلقة هي الاخرى وقادرة على بث المرض واشاعة الفوضى والتشكيك بالحقائق ونقض المعتقدات الدينية والتحريض على الفجور. إلا أنها قطعا وعلى الرغم من الاذى المتوقع منها والتبعات التي ستخلقها وردود الافعال التي تثيرها والارباك الذي تولده أقل أذى وتكلفة وخطورة من استمرار الولايات المتحدة في حكم العالم ومن استمرار تسيير الصهيونية العالمية للبيت الأبيض والكونغرس ووزارتي الخارجية والدفاع الأميركيتين والمخابرات المركزية وقوات الاحتلال الاسرائيلي . ولغيرهم نقول:
حسبت إنك تصونين الامانة
حسبتك بالوفا مثلاتي أنا
حسبت الطيب بعيونك يبين
حسبت زرع زرعته في مكانه.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى