المقالات

مشهد من المحال

لكل منا حكاية خاصة، تتقاطع فيها الشخوص والاحداث والكلمات، لكن الأكيد أنها تتشابه في متونها مع حكايات أخرى، لأناس أخر، في مناطق جغرافية متباعدة أو متقاربة، حكايات حقيقية أو متخيلة، لكنها تأكد كم نحن قريبين من بعضنا.
ومن تلك الحكايات التي نتقاسمها ما يلي:
لم أعد الى بلدي منذ ثمان سنوات، لكن حين هبطت الطائرة في المطار ونبذتنا جميعا الى خارجها، اجتاحني شعور بأنني لم أكن هنا منذ زمن بعيد. واكتشفت أن الدقائق التي يقضيها المرء في لعبة السفر والاغتراب كافية بأن تلغي لديه مسألة الوقت والذاكرة، رأيت شبابا عجائز، يرتدون ملابس قديمة وجديدة في نفس الوقت، رأيت سجادة زرقاء تبدو جديدة مع أنها متسخة ومستهلكة من كثرة الدوس عليها، رأيت كبائن من الزجاج الأصفر وأفراد شرطة شبابا لكنهم عجائز ينظرون الى جوازات السفر بارتياب وأحيانا يختمونها وأحيانا لا، حتى جواز سفري كان يبدو قديما وحين أعادوه لي انتابني شعور بأنهم يسلمونني نبتة ميتة، بدون أي أمل في عودتها الى الحياة، رأيت شابة ترتدي بلوزة قصيرة وتعطي من يمر شريحة هاتف بالمجان. الذاكرة حينها لم تكن تسعفني على التدوين، والتدوين هو مأساة الحنين.
حين وصلت بيت والدي، لم يكن أحد هناك. كان البيت باردا ورطبا مثل سمكة تحسست أنا بطنها ذات مرة قبل أن أعيدها الى الماء عندما كنت طفلا. لم أشعر بأن هذا البيت كان بيتي، هذا الشعور القديم بأن مكانا ما هو بيتك قد تبخر للأبد، وشعرت بالخوف من أن يعتبر البيت وجودي بداخله إهانة له. تركت حقيبتي على العتبة وسرت في اتجاه الغرف كمتلصص. على رف غرفة أبي، كان ثمة كتاب لم أنظر فيه، ونظارة وعلبتان أو ثلاث علب لدواء وأقراص. حين رأيت ذلك قلت لنفسي :بيني وبين أبي شيء مشترك رغم كل شيء، لا يزال يربطنا بالحياة خيوط غير مرئية من الأقراص والروشتات والحنين. دخلت غرفتي التي كانت في الطابق الأخير من البيت، كل شيء فيها قد تضاءل، المنضدة صارت أصغر مما أتذكر، النافذة صارت ضئيلة، والكتب لم تكن كثيرة، بالإضافة الى أن كتابها لم يعودوا يثيرون اهتمامي.
دخلت أمي البيت وبدت جد متأثرة برؤيتي، لكن الدهشة أصابتني حين رأيتها نحيفة جدا وهزيلة، وحين نهضت واقتربت هي لتعانقني رأيت لها نظرة بوسعها أن تطرد الشياطين من جهنم، وتساءلت إن لم تكن تلك النظرة كافية لمداواة أبي، لتخفيف ألم ومعاناة كل مرضى المستشفى الذي يحتضر به، لأن تلك النظرة كانت نظرة الإرادة التي تواجه كل عناصر الحياة. شرحت لي أمي ما حدث، وحين انتهت ذهبت الى غرفتها لتبكي بمفردها، اما أنا فقد رفعت رأسي الى السماء في استجداء صامت.
كان اخوتي واقفين في الممر حين وصلت الى المستشفى، شرعت أختي في البكاء ما إن رأتني، كأني جئت لأبلغها بخبر فظيع أو أنا نفسي هذا الخبر وقد عدت مبتورا بشكل مرعب من حرب طويلة.
كان أبي يضطجع تحت شبكة من الاسلاك مثل ذبابة بين خيوط العنكبوت، كانت يده باردة وكان محياه ساخنا، لكني لم ألحظ ذلك الا حين دنت يدي الى وجهه لأجفف عرقه. كنا جميعا محاطين بضجيج المستشفى وبهذا الهواء المعبأ برائحة المطهرات والآمال الكاذبة وهو أحيانا أسوأ من المرض أو الموت.
هذا مشهد من الحياة، عشناه أو عايشناه أو تجاوزناه، لكنه يؤكد حقيقة واحدة أن معاناتنا مشتركة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى