المقالات

«AB»

استوقفتني حادثة الكاتب البريطاني الهندي الأصل المرتد سلمان رشدي صاحب كتاب «آيات شيطانية» ذلك أنه ما حدث أمر مؤلم بالفعل ليس الاعتداء عليه وانما حجم الاهتمام به. فهذا الكاتب المدعي اختار الاساءة للذات الالهية والدين الاسلامي السمح وسيلة للشهرة. فلماذا كل هذا الاهتمام والتعاطف الغربي مع رجل حتى كلمة نكرة أكبر من حجمه ومن عقله . ومن فكره . ومن معتقده أياً كان هو ومن هم مثله؟ ومثل هذه النكرة كثيرون ممن يتباهون بالالحاد أو الارتداد أو الكفر أو افتعال الخصومة مع الخالق أو مع الدين الحنيف. غير أنهم جميعا في واقع الحال وفي ميزان تراتبية أماكن البشر في مجتمعاتهم أساساً ومن ثم في المجتمع الدولي قياساٍ، لا مكانة مشهودة لأي منهم فهم ليسوا من أصحاب النظريات العلمية او الفلسفية التي يستند البعض الى علميتها او منطقيتها من وجهة نظرهم مثل الانكليزي تشارلز داروين عالم التاريخ الطبيعي «1809-1882» الذي نشر في عام 1859 نظرية التطور مع أدلة دامغة في كتاب «أصل الأنواع» متغلباً على الرفض الذي تلقاه مسبقاً من المجتمع العلمي على نظرية تحول المخلوقات، مع ان داروين خالف الاديان الا انه في 1870 تقبل المجتمع العلمي والمجتمع عامة نظرية التطور كحقيقة.. في حين ان الخالق عز وجل يوضح في محكم كتابه الكريم في سورة «البقرة « كيف عاقب قوماً من بني إسرائيل فمسخهم إلى قردة وخنازير، عندما عتوا عن أمر ربهم، وخالفوا شرعه: «ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين» . وإذ ان المجتمع العلمي في العالم اليوم من غير المسلمين ممن يمتلكون ناصية البحث والابداع والاختراع والتقييم فانهم لن يترددوا في تغليب ما يعتقدون أنه منطق العلم على الدين خصوصاً في القرآن الكريم . ومثل داروين يمنح أو يرشح لنيل جوائز نوبل قي الاداب أو الفلسفة أو الفكر أو العلوم والفيزياء والطب حسب اختصاصه. لكن مثل سلمان رشدي هذا الذي لاشيء ،لا يستحق كل هذا الاهتمام حتى من العرب والمسلمين الساخطين عليه. التقيته مرة مصادفة في أواخر التسعينات في لندن في متاجر «Selfridges» البريطانية الشهيرة في شارع أوكسفورد وكان معي انسان عزيز علي هو الراحل د. عبد الله عبد العزيز الرشيد رئيس الجمعية الطبية الكويتية واشهر من عمل في هذا المجال واحد ابرز اطباء الاطفال وهو خريج احدى كليات طب المانيا، ومعنا رجل أعمال هندي عرفني عليه الدكتور عبد الله في مطلع التسعينات وادخلته معي شريكاً في عملي التجاري في 1994 مقابل خبرته إلا أننا لم نتوافق في العقلية ،فقد فتحت ابواب المطعم والوكالة العقارية ووكالة السفريات ومحل الصرافة ومحل مبيعات الصحف والمجلات وتذاكر الباصات والنقل العام وقطارات الانفاق والسجائر والحلويات ، امام العرب وبقية الزبائن عامة والكويتيين تحديداً ، ثم انشغلت في قضية متابعة مصير الأسرى الكويتيين لدى صدام متعاوناً مع د. غانم النجار ود. ابراهيم ماجد الشاهين و الوزير والنائب احمد باقر والشيخ سالم صباح السالم والاخ والزميل في الصحافة خالد الذياب العضو الفاعل في اللجنة الوطنية لشؤون الأسرى التي كان يرأسها الشيخ سالم الصباح قبل وفاته ،فيما كان الشاهين أبرز وجوه النخبة العاملة فيها وباقر رئيس اللجنة البرلمانية المعنية. وأشهد للتاريخ انهم عملوا المستحيل يومها وقدموا الغالي قبل الرخيص في مهمتهم فيما كان النجار رئيساً للجنة الأهلية التي عملت تطوعاً وعلى نفقتها وبدون ميزانية حكومية. وخلال تلك الفترة وفي منتصف التسعينات التقيت الأمير الراحل النسخة غير المكررة من حكام العالم «عالمنا وعالم الآخرين» الشيخ صباح الاحمد ، التقيته في لندن مرتين على الأقل في شأن موضوع الأسرى وكان وزيراً للخارجية إلا أنه صاحب القول الفصل في الداخل والخارج منذ عرفته في منتصف السبعينات ، وبعض الناس يولدون هكذا بتميز وقوة ارادة ودهاء ومكر وذكاء وبعد نظر وقدرة على المواجهة والصبر والتماسك في أحلك الظروف، وسألته عن موضوع الاسرى وامكانية دعم اللجنة الاهلية التي كان يقال انها غير مستحبة من قبل الجهات الحكومية ،ما جعل النجار يركز على عمله من لندن لعامين تقريباً قابل خلالهما أمين عام الامم المتحدة ودخل عشرات الدوائر والاماكن المهمة، فكان رد الشيخ صباح الأحمد يومها أن خزائن الكويت مفتوحة أمام أي ثمن يطلب لانقاذ ارواح ابنائها المختطفين والمفقودين ، وان ما يسري على اللجنة الحكومية المعنية يسري على اللجنة الاهلية اذا تأتى لها ان تصل الى نتيجة في هذا المجال . فكان جل تركيزي مع النجار اولا ومن ثم مع الذياب الذي كان نسخة مكررة من اصالة ونشاط وعقل وخبرة عمه حسين الذياب مدير مكتب صاحب السمو الحالي الشيخ نواف الاحمد الذي كان وزيرا للدفاع في عام 1990 وهو الذي رتب لي من واقع معرفتي به ومعرفته بعملي الصحفي هو ومدير مكتب الشيخ سالم الصباح اولا فيصل الداود آخر لقاء صحافي مهم اجريته في الكويت قبل الغزو وكان مع الشيخ نواف في مكتبه بوزارة الدفاع . وقال لي يومها أن الكويت وان كانت دولة صغيرة مسالمة يهم امرها العالم كله من خلال اعمال الخير التي تساهم بها والمساعدات التي تقدمها ودورها المعروف في تاسيس مجلس التعاون الخليجي وقبل ذلك في بناء المستشفيات والمدارس والجامعات ودور العبادة والمساكن وشق الطرق والابار في اغلب دول المنطقة من خلال هيئة الجنوب والخليج العربي ثم دورها الدولي الفاعل من خلال الصندوق الكويتي للتنمية، الا انها لن تتردد في الدفاع عن سيادتها وسلامة شعبها وعن استقرارها بكل ما يتأتى لها من قوة وقدرة بعون الله. واكد يومها ان الجيش الكويتي سيكون قدوة ومثلا يوؤازره الحرس الوطني متمنيا الا تواجه الكويت تجربة مثل هذه ولا اختبارا لا تتمناه. الا ان شريكي الذي اختصر علي اجراءات تأجير واعادة تجهيز المحلات في اجور رود، مل ونفض يده بعد ان انشغلت عنه في قضية الاسرى وتحجج بالخوف من المخابرات العراقية في بريطانيا او توابعها او المتعاونين معها الذين يعتقد انهم من زرع القنبلة اليدوية الصنع خلف المكتب الذي كنت ادير اعمالي فيه والتقي ضيوفي ومنهم مسؤولون عرب وافارقة في وقت ما ومعي بالطبع مكتب شريكي. انفجرت القنبلة بليلة رأس السنة الميلادية في اليوم الاخير بالطبع من عام 1996 ولم تحدث اي اصابات او خسائر، فقد وقع الانفجار قرابة الساعة الثالثة فجرا ولم تعرف الشرطة الفاعل ولم تتهم احدا ولم تسجل الكاميرات الامنية اي وقائع دالة ،فقد كان المكان موقفا للسيارات ومكانا لتجميع القمامة من المحلات والمطاعم ومن نزلاء شقق الجزء الخلفي من المبنى. وحرصت يومها على الا يعلم احد من مسؤولي لجان الاسرى بما حصل فقد كانت لدي قناعة بانهم هم المستهدفون وانا معهم طبعا لان بعض اتباع النظام العراقي السابق ومتعاونين او عاملين مع مخابراته وكانوا في البداية كثرا في لندن ، قد افتروا علي زاعمين بان مالي الخاص الذي اسست به تجارتي انما هو تمويل من المخابرات الكويتية , وهو اتهام تكرر فيما بعد حتى في الامارات عندما انتقلت لادارة قناة الفيحاء اول قناة عراقية حوارية بثت برامجها بترخيص من المنطقة الاعلامية الحرة في دبي . ولم اعلم ولم اسمع يومها ان للكويت جهاز مخابرات ولم يكن ذلك من شأني ولا اعتقد ان للكويت مثل هذا الجهاز حتى الان. وباستثناء د. النجار كانت اللقاءات مع الشاهين وباقر وحتى الشيخ سالم الصباح عابرة ووقد لا يتذكرها الشاهين وباقر وسط زحمة انشغالهم في ذلك الوقت وسعيهم يمينا ويسارا شمالا وجنوبا من اجل انقاذ ما يمكن من ارواح الابرياء الذين اختطفهم الغزو الغاشم من احياء الكويت وطرقها بقدون ذنب. في متاجر Selfridges وفي الدور الرابع تحديدا وهو المكان المفضل للعرب ،واشرت مرة الى لقائي بحاكم دبي السابق الشيخ مكتوم بن راشد ال مكتوم فيه ومع مسؤولين عرب اخرين وكويتيين نافذين في تلك الفترة. كان سلمان رشدي يجلس مع سيدة بريطانية في مثل عمره وسط حراسة مدنية مشددة ،واستغربنا يومها ان تسمح له الجهات الامنية البريطانية بارتياد هذه المحلات التي يكثير فيها العرب والمسلمون ، الا ان شريكي الهندي توقع ان يكون قد حضر للتوقيع على كاب جديد له في قسم الكتب والاصدارات الجديدة وهو ركن مهم جدا في السيلف ردجز . ثم اقترح هذا الشريك علي بعد ان استاذن من د. الرشيد في ان اجري لقاءا تلفزيونيا مع رشدي . فلم اتردد في الموافقة على ذلك وكان برنامجي التلفزيوني اليومي الحوار المفتوح في قناة شبكة الاخبار العربية «ANN» الاكثر شهرة عربيا لانه يبث من لندن ولانه يومي وليس اسبوعيا ولانه كان مجردا من اية غايات استعداء او نفاق لاي نظام سياسي عربي وللموضوعية التي كان يتم الحوار فيها مع الضيوف وللمهنية التي يتم اختيار مادة ومحاور واسئلة كل حلقة . كان موضوع الوضع العراقي الصعب ودوامة المغامرات والحروب والعقوبات والحصار والقسوة المفرطة في التعامل مع المعارضة وملف الكويت والاذى البالغ الذي وقع عليها من الغدر الذي تعرضت له واستمرار محنة الاسرى والمفقودين. فكان طبيعيا ان استضيف اسبوعيا معارضين عراقيين من المقيمين في بريطانيا او في الولايات المتحدة او اوروبا او احاور البعض منهم عبر الهاتف على الهواء مع عرض صورهم وان استضيف كذلك محاورين كويتيين ومصريين وخليجيين اخرين عندما يتعلق الامر بالمأزق الذي سببه الغزو العراقي للكويت للامة وللعراقيين العامة وللكويتيين والحرج والارق المتواصل في المنطقة . ذهب شريكي الهندي الى سلمان رشدي بعد ان استاذن من الحماية المرافقة وابرز لهم جوازه البريطاني وبقية اثباتات شخصيته ولم يمض سوى دقيقتين الا وعاد لي ليبغني بانه موافق ومتحمس للقاء وانه يريد الجلوس معي اولا للاتفاق على المحاور ، وان الفريق الامني الذي يتولى حراسته يشترطون الا تطول المقابلة الفورية الشفوية عن خمس دقائق. ذهبت مع شريكي وتعمدت الا امد يدي للمصافحة ولم يمد يده هو ايضا مع ان شريكي الهندي صافحه اول الامر. قال انه يرحب بتسجيل اللقاء في بيته لاستحالة حضوره الى قناة عربية قد يتعرض خلال تواجده فيها الى ما لا تحمد عقباه وقد لا توافق الجهة الامنية البريطانية على السماح له بالتواجد في مكان يسهل الوصول اليه خلال مدة الحلقة وهي ساعتان على الهواء. لم اكن اريد استضافته على الهواء بالطبع حتى لا اعرض نفسي للخطر والمحطة للدمار والعاملين فيها للموت . لكني رفضت مبدأ الاتفاق على محاور وابلغته بأني لن اتعاون معه في خداع الراي العام لا من المشاهدين ولا من سواهم بالاتفاق على اسئلة محددة تتيح له ايضاح وجهة نظره او استغلالي والبرنامجي للمجاهرة بالالحاد والفجور والاساءة للذات الالهية والدين الحنيف. سألني :ماهي طبيعة الاسئلة التي تريد ان توجهها اذن؟ فقلت: سيكون بامكانك ان تعرف ذلك ونحن نسجل الحوار وليس قبل ذلك. فقال :لا مانع بشرط ان تعطيني نماذج من سؤالين او ثلاثة على الاقل. قلت له :بصراحة نعم لدي اسئلة مفخخة ولدي اسئلة بقنابل صوتية غير قاتلة ولدي حجج ولدي منطق احاورك به واتفوق فيه عليك. ضحك باستهزاء ربما. قال :طيب لنسمع منك سؤالين او ثلاثة. قلت وانا اعمل حسابا للوقت حسب طلب الشرطة او المباحث الموجودة التي كانت تسجل ما يجري من حوار وهو اعتقد غير مؤكد لكنه استنتاج منطقي. قلت له: غير المسلمين الذين آلمتهم بكتابك، هل وصفك احد من غير المسلمين من الكتاب والمفكرين والمثقفين بالسذاجة او الحماقة او الجهل او الغباء؟ هل حصل ان شخص احدهم مرضك؟ انتفض ثم تمالك نفسه قائلا :لست مريضا. قاطعته بالسؤال الثاني: هل ان فكرة الكتاب ومغزى محتواه نبعت من دار النشر التي مولته طوال فترة جمع مادة الكتاب ام انهم مجرد شركاء لك في ترويج الهدف من تأليف كتاب مثل هذا؟ لم يجد رشدي في طريقة اختياري لنماذج الاسئلة التي اثق وادرك ايضا انه استنتج ان الحوار سيقودني الى طرح اسئلة اكثر وضوحا وصعوبة واحراجا بالنسبة له فقام واعتذر قائلا: شكر لندع امر اللقاء الى ظروف افضل .وغادر المتجر فيما كان بعض العرب يحدقون فيه يتمنون افتراسه الا ان الدكتور الرشيد وكان اكثر منهم غضبا ونفورا من سلمان رشدي قال لهم :ان رشدي ان وافق على اللقاء التلفزيوني فانه سيتخلى عن اخر اوراق التوت التي تحمي عورته وانه سيندم في اخر المطاف خلال اللقاء على تجرئه على الخالق واساءته للذات الالهية . توفي د. عبد الله وهو من كتب رثاء الشهيد فهد الاحمد بدموعه وسلمه لي في مكتبي في الدور الثالث بمبنى جريدة الاهرام المصرية العملاقة عندما كنا نصدر جريدة الانباء ايام الغزو الغادر . وبقي شريكي واسمه الطريف «AB» ولا اعرف ان كان لايزال حيا لأنه شاهد آخر على العصر . ولم اعرف اسمه الكامل قط ،وان عرفت اسرته الكريمة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى