المقالات

الإبداع الاصطناعي: خيال تحقق

التطورات الحديثة في تقنيات الآلة، إضافة إلى انفجار البيانات من هواتفنا الذكية وأجهزة الكمبيوتر والزيادات الهائلة في قوة الحوسبة، مكنت برامج تعلم الآلة من أداء مجموعة متزايدة من المهام بشكل جيد «إن لم يكن أفضل» بقدرة أي إنسان: تفسير عمليات المسح بالأشعة، وقيادة الطائرات، وتحديد الصور والتعرف على الكلام «ما عليك سوى أن تسأل برنامج سيري».
هزيمة تكنولوجيا مماثلة من شركة غوغل لاثنين من أفضل لاعبي اللعبة الصينية جوGo القديمة والمعقدة بشكل جهنمي في عامي 2016 و2017 أسرت أيضا الجمهور العالمي.
فبمجرد أن تتجاوز الآلات فائقة الذكاء المستوى الفكري للإنسان، عندئذ ستكون هي نفسها قادرة على ابتكار آلات أفضل بكثير من الإنسان، ما يتركنا متخلفين بمسافة بعيدة وراءها.
يقول «بايرون ريس» في كتابه «الجيل الرابع»: «إن كان الكون أحادي الطبيعة، فيمكن لأجهزة الكمبيوتر أن تكتسب وعيًا وتتمكن من استبدال كل ما يقوم به البشر، لكن إن كان ذا طبيعة ثنائية، فستترك الآلات لنا بعض الوظائف، لأن طبيعة الآلات ستكون بذلك مختلفة عن طبيعة البشر». والأحادية نظرية فلسفية تفترض عدم وجود فرق بين المادة والفكر. يتبني «ستيفن هوكينغ»  وجهة النظر الأحادية عن طبيعة العالم، فيعتقد بـ «عدم وجود فروقات عميقة بين ما يمكن تحقيقه بواسطة الدماغ البيولوجي وما يمكن للكمبيوتر بلوغه، وبذلك يمكن لأجهزة الكمبيوتر من الناحية النظرية أن تحاكي الذكاء البشري- بل وتتجاوزه».
فإن كان ذلك صحيحًا والكون أحادي بالفعل، فستحل الروبوتات والخوارزميات عاجلًا أم آجلًا محل البشر وتستبدلهم في وظائفهم بشكلٍ تام كلما تطورت خوارزمياتها، لتقوم في النهاية بكل ما يمكن للبشر القيام به، بدايةً من العمل في المصانع وتقديم الطعام إلى ابتكار أعمال فنية وتأليف الكتب.
وقد كتب «يوفال هراري» في كتابه «21 درسًا للقرن الحادي والعشرين» بأنه: «على المدى الطويل، لن تكون هناك أي وظيفة في مأمن من الميكنة»، حتى الوظائف المعتمدة على المشاعر كالفن مثلًا، وذلك لأنّ العواطف ليست بظواهر غامضة-بل نتيجة لعمليات كيميائية حيوية.
لم ننتظر كثيرا لتحقق تلك النبوءة، ففعلا ظهر مصطلح «الأدب الاصطناعي» وتم تصميم روبوت قادر على إنتاج الشعر الاصطناعي، وفي نهاية عام 2019 أصدرت مجموعة شعرية حملت عنوان «فن الشعر الاصطناعي»، كتبتُ في ثلاث ساعات فقط، أما اسم المؤلف على غلاف الكتاب فقد كان Robot Newman وهو اسم الروبوت الذي أنتج الديوان الشعري.
وقبل أيام، نشرت Springer Nature، دار النشر الكبرى في العالم، كتاباً جديداً عن آخر المستجدات في نطاق البحث العلمي الخاص ببطاريات الليثيوم. لكن الملفت في الأمر، هو ليس محتوى الكتاب، إنما مؤلفه، إذ إنه أول كتاب من تأليف الذكاء الاصطناعي في العالم، والكاتب هو الروبوت «بيتا».
كما أن بعض برامج الذكاء الاصطناعي تكتب منذ فترة تقارير إخبارية لوكالات كبرى في الولايات المتحدة.
تقول وكالة بلومبيرغ الإخبارية إن نحو ثلث محتواها يكتب بمساعدة مراسلين آليين.
وإذا سلمنا بإمكانية تزويد الآلة بالمدخلات اللازمة لإنتاج صناعة أدبية، فأين الموهبة من هذه المعادلة؟ بالطبع لا يمكن لأحد – حاليا- أن يزعم أن الآلة أو البرمجية تملك موهبة ذاتية، لكن ما رأيكم في روبوتات شركة الفيسبوك «بوب» و «أليس» التي اخترعت لغة للتواصل فيما بينها والاستجابة بناء عليها بالرغم من برمجتهم للتحدث بالانكليزية ما عجل من القائمين على المشروع بتدميرهم وسط ذهول من سرعتهم في التعلم الذاتي، وهو ما يعزز فرضية قدرتهم على الابداع.
فتخيلوا ما يمكن أن يفعله الذكاء الاصطناعي في عالمنا خلال السنوات المقبلة!
الا أن أقصى مخاوفنا أن نكون مثل تلك المرأة التي تتمنى طفلًا أبيض كالثلج، وأحمر كالدم، فتحصل عليه. ولكنها تموت، ويُسلم الطفل إلى زوجة أب. ولكم اخاف أن يكون الطفل هو نتاج ابداع انساني متراكم عبر التاريخ، يعزز في شكل آلة، لترعاه فيما زوجة الأب التي هي الذكاء الاصطناعي، بعيدا عن أي دور أساسي أو هامشي للإنسان.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى