المقالات

بين السطور موسيقى الحروف

أحلى ما يمكن أن اكتب وأهم ما كتبت في حياتي، لم يكتب ولم يُنشر بعد . فقدتُ في زحمة انتقالات العمل بين لندن ودبي والكويت والقاهرة والعودة للكويت الأم الكثير من الابحاث والدراسات وديواني شعر نثري ربما فيهما أجمل وألطف ما كتبتهُ نثراً عن مشاعري حتى الآن ،فضلاً عن الموضوعات السياسية الأهم التي لا ادري ما اذا كان سيتأتى لي أن أكتبها ام لا ،وإذا ما كتبتها هل ستجد طريقها إلى النشر أم لا؟. ظروف كثيرة هي أضعاف ما كانت عليه المصاعب من قبل. فقد كانت الحاجة أولاً إلى دار نشر تتبنى أي مشروع معد للطباعة قصة ، رواية ، ديوان شعر، أبحاث ، توثيق ، اطروحات مترجمة وهكذا . أو أن الأمر مرتبط برمتهِ بالإمكانات المادية للكاتب إن تعذر إيجاد دور للنشر وأحياناً بلد يقبل النشر فالرقابة السياسية في الكويت مثلاً وهي لاتزال أفضل الدول العربية قاطبة في كل شيء يتعلق بالمعيشة والحرية والعلاقة بين الحاكم والانسان أياً كان مواطنا أو مقيما ، الرقابة فيها ذاتية بالدرجة الأولى يحكمها قانون وإن ظل موضع خلاف بين أطراف العلاقة « الدولة والمجتمع» إلا أنه قانون نظيف إلى حد ما مقارنة بكل القوانين والتشريعات المماثلة ، أى رقابة دينية تفرضها التجمعات والكتل الاسلامية التي تبالغ أحياناً في التعسف بمعارضة ما تعتقد انه مخالف للشرع أو مسيء للمجتمع أو متعارض مع الأعراف أو محرض على الخطيئة أو حسب قراءات تحتاج إلى وقفة مراجعة . لا شك أن احترام الارادة الربانية في اطار طاعة الرحمن ومخافته، مسألة واجبة لا جدال فيها لكن المشكلة تكمن في طبيعة تفسير وفهم وحكم من يملك سلطة اتخاذ قرار ضد هذا الكتاب أو ذاك ،أو موقف رجال الدين من هذا المؤلف أو ذاك أو مدى توافق محتوى الكتاب أدباً أو سياسة أو شعراً او حتى في الاقتصاد مع ما يجوز او مالا يجوز نشره. مشكلة النشر الان تختلف فقد اختفت او افلست او انتفت الحاجة الى عدد غير قليل من دور النشر ومن المكتبات ايضا وهي مصيبة في واقع الامر وليست مشكلة ،وسببها تراجع او اندثار ثقافة القراءة لدى النشئ ولدى الكبار على السواء ،ما جعل دور النشر عديمة الفائدة فاقدة للدور الذي تفترض ان تقوم به لتوعية المجتمع. ومع اندثار واقع القراءة وغياب وسائل النشر وتضخم تكلفة الطباعة ، سيكون من الصعب جدا حتى مع اتساع نطاق النشر الالكتروني ، تعميم مبدأ كفاية الثقافة لدى المجتمع. القراءة وحدها لا تعلم الفرد بالوقائع التاريخية ولا تروي غليل القارئ من المعرفة والفلسفة والفكر والأدب وروائع المبدعين في كافة المجالات العصرية ،إذ لعبت أدوات التواصل الاجتماعي والشبكة العنكبوتية «النت» وبقية وسائل الاتصال الحديثة ومحركات البحث مثل» «Google» وسواها دوراً في الاستحواذ على حفظ وتخزين الارث العلمي والأدبي والثقافي البشري بكل اللغات ،فضلاً عن الميزة الأهم وهي سرعة الاستجابة للطلب على نحو لا يكلف الطالب او الباحث شيئا غير توفير وسيلة الاتصال على النت ، دورا جوهريا اساسيا في تغيير أسواق النشر وتبادل المعلومات وأغنت عن أغلب ادوات التوزيع التقليدية المعتادة وهي بعض مهام ووظائف دور النشر والمؤسسات الصحفية والاعلامية بشكل عام والبريد بكل انواعه ودرجاته بما في ذلك الاكثر عراقة في تاريخ هذه الوظيفة الانسانية بالغة القيمة مثل البريد البريطاني الذي ظل قرابة سبعة أو ثمانية عقود الأفضل والأكثر أمانة ودقة وكفاءة في تاريخ المهنة الحديث إلى أن قضت خدمة النت والبريد الالكتروني على أهم متطلبات تميزه . لم تعد الكتابة مهنة يعيش منها المؤلف ولا أقصد كتاب الأعمدة مثلي فلم يعد هناك قدر كاف من القراء ولا من المهتمين بشراء الكتب ولا مجتمعات تهتم بالادباء والكتاب ولا هيئات ومجالس متخصصة تهتم بهؤلاء وبالجديد في عالم الرواية والقصة والأدب والشعر والفكر والعلم أكثر مما تهتم بموظفيها وبمناصب وامتيازات قادتها والمسؤولين فيها ،ولم تعد هناك جهات حتى بعض الحكومات ممن لا تخشى ردود أفعال بعض المتنفذين في المجتمع دستورياً أو دينياً أو اجتماعياً ممن يغالون في التفسير ليميل إلى هواهم أو ممن يمعنون في منع خصومهم أو من يختلف معهم في الرأي أو الفكر أو الدين أو الفهم مع انهم كلهم لاعبون في ساحة واحدة. ولم تعد هناك حكومات تهتم بتنمية القراءة والفكر والثقافة بعدما القت هذه المسؤولية على المجتمع وأصحاب المنافع فيه لا أصحاب الموهبة والنشطاء الانسانيين والاجتماعيين و المندفعين في خدمة المنفعة العامة ممن نذروا أموالهم وأنفسهم وأوقاتهم ووظفوا أنفسهم لمهنة مثل هذه ،كان آخر مطاف البعض الراقي والرائع والمهم والمفيد منها أن بيعت محتوياتها مجاناً لمن يريد بعد أن صارت الايجارات ومرتبات العاملين وتكلفة الطباعة على غير قدرة اهل العزم . والأمر ان هناك كتبا لاقيمة لها بدون محتواها . وهذا المحتوى قد يودي بارواح المؤلفين والكتاب .ومنهم على سبيل المثال المؤرخ البريطاني ديفيد آيرفنغ الذي تراجع في العشرين من فبراير 2006 قبل دخوله إلى مبنى المحكمة في النمسا عن مواقفه المشككة في صحة ما يقال وينشر عن الهولوكوست « المحارق اليهودية» التي أُتهم ادولف هتلر المستشار الألماني بارتكابها ضدهم. فقد أبلغ رسمياً قبل مثوله أمام القضاء في فيينا ان انكار وقوع محرقة اليهود وما يقال عنها من قبل من يزعمون أنهم من ضحاياها أو من اقارب ضحايا او من المنظمات اليهودية العالمية الكبرى التي تتاجر بهذا الأمر وتستغله لفرض العبودية على أكبر المؤسسات السياسية الحاكمة في العالم وعلى كبريات المصارف ودور النشر وشركات انتاج افلام السينما وسواها قد تصل الى السجن ما بين عشر سنوات والمؤبد. الا ان ذلك لا يمنع من الاشارة الى ان هناك فريقا يؤيد صحة وقوع الهولوكوست ولكن ليس على يد النازيين بل على يد اليهود أنفسهم لأنهم يرون أن النازية خدمت اليهودية كثيراً وأكثر المتنفذين في السلطة النازية من اليهود وهم الذين كانت لهم اليد الطولى في محرقة اليهود والسبب في ذلك رفض كثير من اليهود ترك أوطانهم القومية والانتقال إلى البلد الجديد لليهود وهي إسرائيل وخاصة من لهم وظائف أو أعمال في أوروبا ،ما دعا المتنفذين في الداخلية النازية في ذلك الوقت إلى تخويف اليهود في أوروبا وطردهم من وظائفهم ومدارسهم وإغلاق محلاتهم واعتقال أعداد منهم لتحدث بداية الهجرة اليهودية إلى أرض الميعاد إسرائيل ،لتكون زيادة سكان إسرائيل وحتى يحصل التجمع اليهودي واتخذوا في ذلك أساليب توهم الناظر في المحرقة إلى أنها اضطهاد نازي وذلك لإخفاء الهدف الأساسي والذي كان السبب في بداية الهجرة اليهودية من أنحاء أوروبا إلى إسرئيل… وقد واجهت مطبا مثل هذا حال دون تأييد اهليتي واستحقاقي مرتين «في 1998 و 2002» لتولي منصب رئيس القسم العربي في هيئة الاذاعة البريطانية بعد أن عارض متنفذون بريطانيون يهود وجود اسمي على قائمة المرشحين للمنصب مستندين إلى مواقفي الشخصية وإلى اللقاءات الصحافية والتلفزيونية التي أجريتها مع عدد من القادة والسياسيين وأصحاب الرأي ،ومنهم المفكر المصري المعروف د. عبد الوهاب المسيري الخبير في الشؤون اليهودية والاسرائيلية وكان عضواً مؤسساً للحركة المصرية من أجل التغيير «كفاية» وأحد قادتها البارزين. والمسري قيمة ثقافية عربية واسلامية كبيرة وأحد المراجع الرئيسية فى الدراسات الاسرائيلية. ومن أبرز انجازاته موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية والتى استغرقت منه حوالي ربع قرن ونشرت تحت عنوان «موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري جديد» وهي مكونة من ثمانية مجلدات صدرت عام 1999وكانت مادة الموسوعة هي مناسبة حواري التلفزيوني المطول معه في لندن. وصدر للمسيري عدة مؤلفات في موضوع الصراع العربي – الاسرائيلي من أهمها «البروتوكولات واليهودية والصهيونية» عام 2003. ولا أعتقد ان لعلاقتي بالرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ولا باقرب مستشاريه ووزير الخارجية الأسبق نبيل شعث ولا باقرب معاوني عرفات يومها جبريل الرجوب أو من المحيطين به أيضاً في تلك الفترة «1994-1998» ومنهم محمد دحلان وصائب عريقات كبير المفاوضين الفلسطينيين ولا بالشيخ الشهيد أحمد ياسين المؤسس الروحي لحركة حماس ،ولا نايف حواتمة زعيم الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين وهو وياسين من بين اكثر من حاورت صحافياً عبر الهاتف من لندن لنشر موضوعات الغلاف في مجلة « المشاهد السياسي» الاسبوعية اللندنية أولى اصدارات هيئة الاذاعة البريطانية «BBC» عندما كنت رئيساً لتحريرها أو في برنامجي التلفزيوني اليومي «الحوار المفتوح» الذي كان يبث يومياً وعلى الهواء مباشرة بما لا يجعل مجالاً في ذلك الوقت لتلافي رد فعل أي ضيف مسؤولاً كان أو خبيراً أو مفكراً أو أياً كان على طبيعة ووقع السؤال الموجه له و بمعدل ساعتين لكل حلقة . ليست هناك صحافة حرة في العالم ربما كانت في فترة ما إيحاءات بتوفر مساحات أكبر أو هوامش لحرية الرأي في الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا من خلال واشنطن بوست ونيويورك تايمز والوول ستريت جورنال ولوس انجلوس تايمز و«CNN» والتايمز اللندنية والاندبندنت والفاينانشال تايمز والغارديان والديلي ميل البريطانية والفيغارو الفرنسية واللو موند والليبراسيون ومع كل هذا مؤسسات وادوات هيئة الاذاعة البريطانية «BBC» . إلا أن أيا من هذه المؤسسات لم يعد حراً لا تقيده القوانين ولا المؤسسات الحكومية بقدر ما تديره وتتحكم به الأجهزة الأمنية والاحزاب الحاكمة والأطراف النافذة التي تتحكم بالاقتصاد والصناعة. وفي وقت ما اتهمت الصحافة رؤساء اميركيين مثل نيكسون وبوش الاب والإبن وبيل كلينتون بالكذب ،كما تفعل اليوم بشكل غير مباشر في التعامل والسخرية ونسج القصص عن الرئيس السابق دونالد ترامب، إلا أن الذين يقودون حملات مثل هذه لا يستهدفون الحقيقة وأنما الاساءة والنيل ممن تطالهم حملاتهم ،كما حصل ويحصل مع رئيس الوزراء البريطاني العمالي الأسبق توني بلير ورئيس الاركان ووزير الخارجية الاميركي كولن باول و ديك تشيني نائب الرئيس في عهد جورج بوش . هناك فضائح وجرائم وفساد لا حدود له يرتب بممارسات وسلوك شخصيات نافذة في العالم ليس بمقدور الاعلام الخوض فيها . وتعرض عشرات الصحافيين والاعلاميين للإبادة أو السجن أو الاقصاء أو التشهير بسبب اشاراتهم لبعض ممارسات الكبار« 55 صحفيا قتلوا في عام 2021– اليونسكو» . وليس بالضرورة أن تكون العقوبات قد صدرت باوامر مباشرة ممن يعنيهم الأمر أو أصحاب السلطة وانما من شركائهم ووكلائهم والمنتفعين منهم ممن يخشون على أنفسهم وعلى مصالحهم. في مقالي السابق « الألم والفرح» المنشور في العدد رقم 4827 بتاريخ « 26 اغسطس 2022» وقعت جملة أخطاء في الاسماء جراء تسرعي في كتابة المقال ورداءة جهاز الاحرف «Key Board» وضعف نظام المراجعة اللغوية ،ما يقتضي الايضاح والتصحيح والاعتذار. إذ ورد اسم العزيز د. فرج العارضي «غرج» واسم نجله د. فهاد « فها» ناقصاَ الدال « الحرف الأخير من الاسم» و اسم مجلة اليقظة « اليئظة» وعام 1999 بدلا من عام 1989 وهي سنوات زمالتنا في العمل في صحيفة « الوطن» انا والدكتورة المبدعة فوزية الدريع التي كانت معلوماتي ناقصة وغير دقيقة لعدد مؤلفاتها المطبوعة التي تكاد ان تكون قد اختفت من المكتبات للاقبال الكبير عليها ،فقد اشرت في المقال الى انها ما بين 9 و10 كتب وربما كان هذا الرقم صحيحاً لغاية 1992 عندما كنت أتواصل معها هاتفياً إلا أن عدد المطبوع من مؤلفاتها ربما تعدى 30 كتابا . وأياً كان فهم أو موقف الآخرين لها فهم أحرار في حكمهم وتقييمهم لي ولسواي. كما وردت أخطاء اخرى كان يجب أن تصحح في مرحلة المراجعة ، فعذراً للقراء وعذر موصول للأفاضل ممن طال أسماءهم الخطأ غير المتعمد بالتأكيد.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى