المقالات

صناعة الأمل

في أحد مؤتمرات منظمة «اليونسكو»، وقف المدير العام السابق للمنظمة، السيد «ريني ماهو» ليقول: «علينا أن نكف عن انتاج الفنانين…دون استخدامهم…علينا أن نستخدم الفنان، ونستفيد من إمكاناته»، وبعدها بفترة قصيرة تم الاقتراح أمام الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة، من طرف لجنة متخصصة من «اليونسكو»، بإضافة مادة جديدة الى الإعلان العالمي لحقوق الانسان تنص على ما يلي: «لكل مواطن الحق في الاستمتاع ببيئة فنية جمالية، وعلى كافة دول العالم تأمين هذا الحق…».
فالفن رسالة، موقف، فرح مبهج وسخط وإدانة، الفن حياة، وهو ذلك الفهم الإبداعي للعالم المحيط والحياة من قبل شخص موهوب. ثمار هذا الفهم لا تخص صانعيها فحسب، بل البشرية جمعاء، والعمل الفني هو تمظهر لموقف الفنان من الحياة، سواء المظهر الطبيعي ببنائه اللوني كما يقترحه الفنان الانطباعي أو ببنائه الهندسي كما يقترحه «سيزان»، أو ببنائه النسبي كما يقترحه «بيكاسو» والرسامون التكعيبيون، أو بالتعبير عن مشاعر الفنان وعواطفه شأن «فان غوخ» والرسامين التعبيريين، أو بالتعبير عن عالم «اللاشعور» كما يقترح ذلك الرسامون السورياليون وعن عالم «الروح» شأن التجريديين.
لقد عمل مؤرخ الفن «جون أرمسترونغ» مع الفيلسوف «آلان دو بوتون» لصياغة كتاب «الفن كعلاج»، وتكمن مركزية طرحهما في أن غرض الفن الرئيسي هو تعويضنا عن الشعور بالنقص النفسي، وإسكات هواجس عدم الكمال، فالفن أداة معقدة تملك إمكانية توسيع قدراتنا، وتعزيزها، إن معظم الأعمال الفنية الشهيرة والمحبوبة في العالم تصور الأشياء الجميلة والمعاناة الإنسانية، والأشخاص المتحمسون والتعساء والسعداء؛ لكنها تصف نظرة الرسام للحياة من خلال التفاصيل، ففي التفاصيل تكمن عسر الإجابات، مثال ذلك:

  • لوحة العشاء الأخير والموناليزا للفنان الإيطالي «ليوناردو دا فينشي».
  • لوحة لاعبي الورق للفنان «بول سيزان».
  • لوحة الصرخة للفنان النرويجي «إدفارت مونك».
  • لوحة غرنيكا للفنان الإسباني «بابلو بيكاسو».
  • لوحة إصرار الذاكرة للفنان الاسباني «سلفادور دالي».
  • لوحة ليلة النجوم للفنان الهولندي «فينسنت فان غوخ».
  • لوحة الطفل الباكي للفنان «جيوفاني براغولين».
    ان العمل الفني في جوهره هو موقف انساني، تعبير شامل عن الحياة تحكيه صورة، حيث تذوب الطبيعة والكائنات الحية في وحدة عاملة تقضي على الحدود الفاصلة بين الأشياء، حيث يختفي بذلك موضوع الصورة الشخصية والمنظر الطبيعي ليحل محله الموضوع العام كمنظر «الموكب» و»السوق» و»الجموع» و»الميادين»، وتختلط خلال ذلك مظاهر الأشياء وذواتها، وينسج الزمان والمكان والأحياء والأموات في صيرورة واحدة.
    الفن تعبير عن موقف الفنان من العالم، وعن عمق غوره النفسي في نفس الوقت. فليس اللون في اللوحة هو عنوان الثوب أو المنضدة أو البشرة الإنسانية، ولا هو انفعال الرسام: ثورته أو جنونه ولا هو من أحلامه وعالم لا وعيه، ولكنه لبنة واحدة من جدار يمثل الحياة من نظرة واحدة، فهو حقيقة الضوء والظل وهو عنوان الشيء وانفعاله ولاوعيه معا، مفعم بشتى الاعتبارات، فالغموض والوضوح وغنى التعبير وبساطته وشموله وعفويته ورمزيته، إنه بكل بساطة فلسفة الفنان للحياة، ذلك الفنان الذي ربما يقول لسان حاله: رغم المأساة نحاول بالرمز واللون والتعبير صناعة الأمل.
    فالحياة قصيرة والفن أبدي.
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى