المقالات

متى يكون الحديث واهياً؟ «2-2»

ومن المعروف أن العصر العباسي اشتهر بكثرة أهل البلاغة والفصاحة، وعلى كثرتهم، كان لبعضهم سقطات، كأن تتوقف العظة أو القصة عند حدود معينة، ومنعاً للإحراج يقوم القاص أو المذكّر بنسب ما قاله لصحابي ما، أو تابعي، وهنا نجد أن الوضاعين من الوعّاظ تجدهم ينسبوها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فجملة «تفاءلوا بالخير تجدوه» اشتُهرت على أنها حديث نبوي، لكن لا أصل لذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، هذا ما رواه الخطيب في تاريخه عن عائشة رضي الله عنها بإسناد واهٍ، بمعناه مرفوعاً، لكن في حقيقة الأمر هذا الإسناد لا يمكن القول عنه إنه واهٍ، لأننا إذا قلنا ذلك، فمعناه أننا خففنا ضعفه، بالتالي، الخطيب أخرج هذا الحديث بإسناد منقطع وفيه ضعفاً، بمعنى أن هذا الإسناد ساقط، بالتالي، هذه الرواية لا إسناد لها.
عندما يكون الإسناد من مبتدئه أي من قبل الراوي ضعيفاً وأرسل فروى عمّن لم يلقه أو يعاصره بالتالي، هنا انقطاع في الإرسال، دل ذلك على أنه نسب روايته لذلك حتى لو كان هناك انقطاع في الإرسال، فإذا نُسب هذا الحديث إلى النبي فهو موضوع، وإذا نُسب إلى صحابي فلا يعتد به.
وللزاد المعرفي، الحديث الموضوع يعني: الكلام الذي اختلقه وافتراه أحد الناس ونسبه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا القسم لا يحل لأحد أن يرويه منسوباً إلى النبي، مع علمه بوضعه.
وللإشارة، هذا الأمر لا يمكن نسبه إلى الحفّاظ، لأنه من غير الممكن أن يقعوا في هذا المطب، وعليه من الممكن القول، من قد يقع في هذا الخطأ بعض أهل العلم، إذ يعتبرون الإسناد الذي يضم علتين أو ثلاث علل أنه إسناد ضعيف، ما يعني أن الحديث ضعيف، أو بطريقة يعتبرون أن هذا الحديث فيه أكثر من علة، وعليه الحديث واهي، وهذا خطأ شائع، والصحيح أن الإسناد الذي فيه أكثر من علة يُنظر في علله، فإذا كان فيه راوٍ متهم بالكذب، فالإسناد حكماً ساقط، وإذا كان فيه راوٍ شديد الضعف، وقد أرسل «أي روى عمّن لم يلقه أو يعاصره» فقد خرج إرساله من التدليس، وخرج إرساله من الإرسال الخفي، بالتالي، أصبح لدينا إرسال ظاهر قريب إلى الكذب، فيكون هذا الإسناد تالفاً، وإذا كان الإسناد تالفاً لا يمكن تسمية الحديث واهٍ، هذا ما أكد فيه منهج الإمام عبد الرحيم العراقي، زين الدين المصري، «الحافظ وشيخ الحديث 1325 – 1403»، كان يعتبر هذا مما لا أصل له وهذا نجده في تحقيقه للإحياء.
من هذا الشرح المبسط من الممكن القول، ومن خلال قراءتي لأحد الكتب وجدت بعض الأمثال الشائعة التي يُقال عنها إنها أحاديث على غرار «تفاءلوا بالخير تجدوه» وحين بحثت واستقصيت ملياً وجدت ضالتي التي ودت مشاركتها مع كل مهتم في هذا المجال، للتمييز بين ما هو شائع على مبدأ الحِكم والعظات، وبين ما هو حديث، بالتالي، لتبيان الحقيقة إن الفيصل فيها هو علم التحقيق وعلم الرجال وعلم الجرح والتعديل، كذلك الغوص في أسانيد المقولات التي تُنسب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو لشخصيات إسلامية ما، وهنا تكون فائدة علم الإسناد.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى