جريدة الشاهد اليومية

الخميس, 05 أبريل 2018

«شربنا على ذكر الحبيب مدامة…. سَكِرنا بها من قبل أن يخلق الكرم» (1-2)

المدامة التي ذكرها هذا الشاعر في شطر بيته الأول، فسرها بالشطر الآخر «بالكرم» وهي كذلك، يقول الفارس الشاعر عنترة بن شداد العبسي:

ولقد شربت من المدامة بعدما
ركد الهواجر بالمشوف المعلم
والعرب في الجاهلية يفتخرون بشرب الخمر، ولها عندهم اسماء كثيرة، منها الراح، القهوة، الرحيق، السلاف، القرقف، الشمول، الخندريس، العقار، الصهباء، المشعشعة، الطلاء، الحباب، السلافة، وغيرها.
وكلها محرم بنص القرآن الكريم «يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون «90» انما يريد الشيطان ان يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون «91»» «سورة المائدة» ولنذهب الى هذا البيت الغريب عنوان هذا الموضوع.
عندما تتأمل هذا البيت تصاب بالحيرة والدهشة.
شربنا على ذكر الحبيب مدامة
سكرنا بها من قبل ان يخلق الكرم
عندما يقول شربنا على ذكر الحبيب مدامة، فالأمر غير مستغرب، فما أكثر الذين شربوا المدام عند ذكر من يحبون حتى ثملوا ونسوا اسماءهم، ولكن الغريب ان الذي شربه وأسكره ليس خمرا، بل انه مخلوق قبل ان يخلق الخمر! ترى ما هو هذا الشيء الذي يسكر وليس هو الخمر؟ أهو لغز ام ماذا؟
ليس الامر لغزا وانما هو شعر صوفي، وبيت الشعر هذا مبني على اصطلاح الصوفية، وهي عندهم شراب المحبة والشوق لله عز وجل، فهو الحبيب والمحبوب والطالب والمطلوب، والمدامة التي ذكرها ابن الفارض، المعرفة الالهية، وقوله «سكرنا بها» اي طربنا وانتشينا على سماع «ألست بربكم» فقد غاب لذة وطربا عن كل ما سوى الحقيقة، من خلال التأمل العميق في القدرة الالهية المعجزة.
اذاً فالخمر والسكر مصطلحات ورموز تشير الى حالة الحب الشديد لله تعالى. دون خوف او طمع، يقول ابن الفارض سلطان العاشقين رحمه الله:
«شربنا على ذكر الحبيب مدامة
سكرنا بها، من قبل ان يخلق الكرم
لها البدرُ كأسٌ وهيَ شمسٌ يديرها
هِلالٌ وكم يبدو إذا مُزِجَتْ نَجمُ
ولولا شذاها ما اهتديتُ لحانها
ولولا سناها ما تصوَّرها الوهمُ
ولم يُبْقِ مِنها الدَّهْرُ غيرَ حُشاشَة ٍ
كأنَّ خَفاها في صُدورِ النُّهى كَتْمُ
فإنْ ذكرتْ في الحيِّ أصبحَ أهلهُ
نشاوى ولا عارٌ عليهمْ ولا إثمُ
ومنْ بينِ أحشاءِ الدِّنانِ تصاعدتْ
ولم يَبْقَ مِنْها، في الحَقيقَة ِ، إلاّ اسمُ
وإنْ خَطَرَتْ يَوماً على خاطِرِ امرِىء ٍ
أقامَتْ بهِ الأفْراحُ وارتحلَ الهَمُ
ولو نَظَرَ النُّدمانُ ختْمَ إنائِها
لأسكرهمْ منْ دونها ذلكَ الختمُ
ولو نَضَحوا مِنها ثَرى قَبْرِ مَيتٍ،
لعادَتْ إليهِ الرُّوحُ، وانْتَعَشَ الجسْمُ
ولو طرحوا في فيء حائطِ كرمها
عليلاً وقدْ أشفى لفارقهُ السُّقمُ
ولوْ قرَّبوا منْ حلها مقعداً مشى
وتنطقُ منْ ذكري مذاقتها البكمُ
ولوْ عبقتْ في الشَّرقِ أنفاسُ طيبها
وفي الغربِ مزكومٌ لعادَ لهُ الشَّمُّ
ولوْ خضبتْ منْ كأسها كفُّ لامسٍ
لما ضلَّ في ليلٍ وفي يدهِ النَّجمُ
ولوْ جليتْ سرَّاً على أكمهٍ غداً
بصيراً ومنْ راو وقها تسمعُ الصُّمُّ
ولو أنّ ركْباً يَمّمَوا تُرْبَ أرْضِها
وفي الرَّكبِ ملسوعٌ لما ضرَّهُ السمُّ
وهي أبيات كثيرة من أجملها:
يقولون لي صفها فأنت بوصفها
خبير أجل! عندي بأوصافها علم
صفاء ولا ماء ولطف ولا هوا
ونور ولا نار وروح ولا جسم

مشعل السعيد

مشعل السعيد

كلمات لا تنسى

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث