جريدة الشاهد اليومية

الإثنين, 09 أبريل 2018

بالسّفح من لبنان لي... قمر منازله القلوب

السفح هنا أصل الجبل وأسفله، وما دام صاحب البيت ذكر السفح واتبعه بلبنان، فالمقصود ان سكنى هذا القمر جبل لبنان، وبه أجمل قرى ومدن لبنان، ولو تأملت بيت الشعر لسألت نفسك في حيرة: لماذا نزل هذا القمر كل القلوب، ولم ينزل قلب هذا الشاعر فقط؟ والحقيقة ان المعنى أبعد مما نظن، فالشاعر هنا أشار إلى جمال هذا القمر، وليس جمالاً متعارفاً عليه وانما جمال يفوق الوصف، حتى ان القلوب ترنو لرؤيته وتتعلق به بمجرد ظهوره، فكيف بقلبٍ أحبه؟ لنر الأبيات ونتحدث عن شاعرها:
بالسفح من لبنان لي
قمر منازله القلوب
حملت تحيته الشمال
فردّها عني الجنوب
فرد الصفات غريبها
والحسن في الدنيا غريب
لم أنس ليلة قال لي
لما رأى جسدي يذوب
بالله قل لي يا فتى
ما تشتكي قلت الطبيب
دعونا نتعرف على هذا الشاعر المولود في عكا فهو محمد بن نصر بن صغير بن داغر، الخالدي، ابو عبدالله شرف الدين بن القيسراني، والقيسراني نسبة الى قيسارية في ساحل الشام نزل بها فنسب اليها، والخالدي نسبة الى الصحابي والقائد الفذ خالد بن الوليد، رضي الله عنه، على الرغم من ان كثيراً من النسابين قالوا ان نسل خالد انقطع في القرن الثالث الهجري، ولد ابن القيسراني عام 478هـ وذكر ابن خلكان نسبه فقال: محمد بن نصر بن صغير بن داغر بن محمد بن خالد بن نصر بن داغر بن عبدالرحمن بن المهاجر بن خالد بن الوليد المخزومي الخالدي الحلبي.
الشاعر المشهور، من الشعراء المجيدين، والأدباء المتفننيين فكان هو وابن منير الطرابلسي شاعري الشام في ذلك العصر، وابن القيسراني صاحب البيت المشهور:
وأهوى الذي أهوى له البدر ساجدا
ألست ترى في وجهه اثر الترب
وبالاضافة الى انه شاعر عصره، كان متقناً للهندسة والحساب والنجوم والهيئة.
واتصل ابن القيسراني بكثير من سلاطين عصره ومنهم: عماد الدين زنكي وولده نور الدين محمود، ووصف معاركهم ضد الصليبيين في شعره، كما مدح الملك العادل نور الدين حينما انتصر على جوسلان الثاني واستولى على تل باشر فقال:
ليهن دمشقا ان كرسي ملكها
حبي منك صدرا ضاق عن همه الصدر
وانك نور الدين مذ زرت ارضها
سمت بك حتى انحط من نسرها النسر
خطبت فلم يحجبك عنها وليها
وخطب العلى بالسيف ما دونه ستر
جلاها لك الإقبال حورية السنا
عليها من الفردوس أردية خضر
وقد توفي ابن القيسراني سنة 548هـ، أما منافسه ونده ابن منير الطرابلسي، فهو ابن الحسين مهذب الدين احمد بن منير بن احمد الملقب «عين الزمان» المولود عام 473هـ بطرابلس ثم رحل الى دمشق بعد حصار الروم لطرابلس، وهناك اشتهر بالهجاء اللاذع، حتى كاد يقطع لسانه صاحب دمشق، فهرب منها خوفاً من ذلك وعاد لها بعد مدة، ومع ما ذكرت كان ابن منير افضل شعراء دمشق هو وابن القيسراني الذي خاض معه سجالاً طويلاً في قصائد الهجاء حتى شبها بجرير والفرزدق، ومن شعره الفائق قوله:
عذبت طرفي بالسهر
وأذبت قلبي بالفكر
ومزجت  صفو مودتي
من بعد بعدك بالكدر
ومنحت جثماني الضنى
وكحلت جفني بالسهر
وجفوت صبا ماله
عن حسن وجهك مصطبر
يا قلب ويحك، كم تخادع
بالغرور وكم تغر؟!
قال قاضي القضاة ابن خلكان أيضا في حقه: الشاعر المشهور كان أبوه ينشد الاشعار في أسواق طرابلس، حفظ القرآن الكريم وتعلم اللغة والآداب، وقال الشعر، وذكر ابن خلكان له أبياتا جميلة يقول في بعضها:
واذا الكريم رأى الخمول نزيله
في منزل فالحزم ان يترحلا
كالبدر لما ان تضاءل جد في
طلب الكمال فجازه متنقلا
وكان ابن منير كثير الهجاء له قصائد كثيرة في مثالب الناس وتجاوز ذلك الى شتم الصحابة رضوان الله عليهم - رآه خطيب حماة أبو محمد عبدالقاهر بن عبدالعزيز بعد وفاته «رواية الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق»، قال: رأيت أبا الحسين ابن منير الشاعر في النوم بعد موته وانا على غرفة في بستان مرتفع، فسألته عن حاله وقلت له: اصعد اليًّ، فقال: ما اقدر من رائحتي!! فقلت: تشرب الخمر؟ فقال: شرا من الخمر يا خطيب، فقلت له: ما هو؟ فقال: أتدري ما جرى علي من هذه القصائد التي قلتها في مثالب الناس؟ قلت: ما جرى عليك منها، قال: لساني قد طال وثخن حتى صار مد البصر، وكلما قرأت قصيدة صارت كلابا تتعلق في لساني، «يقول أبومحمد ايضاً»: ابصرته حافيا عليه ثياب رثة، الى الغاية، وسمعت قارئاً يقرأ من فوقه «لهم من فوقهم ظلل من النار...» ثم انتبهت مذعوراً «انتهى» توفي ابن منير في جمادى الآخرة سنة ثمان واربعين وخمسمئة بحلب وذكر من رأى قبره انه مكتوب عليه:
من زار قبري فليكن موقنا
ان الذي ألقاه يلقاه
فيرحم الله امرءا زارني
وقال لي يرحمك الله
رحمه الله وعفا عنه، دمتم سالمين.

مشعل السعيد

مشعل السعيد

كلمات لا تنسى

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث