جريدة الشاهد اليومية

الإثنين, 07 مايو 2018

نظام كوني

تجبر الحروب الناس على التكيف مع متطلباتها لتجنب العوز والفاقة والنقص في الموارد في مواجهة الآلام والمآسي التي تنجم عن فقدان الابناء او الاباء او الاقارب من جراء استمرارها أو نتيجة القصف المتبادل. خلال حرب السنوات الثماني استعان العراق بسبعة ملايين مواطن مصري للعمل في ادارة امور القطاعين الخاص والعام بعد ان استهلكت الحرب المجنونة المال والبشر. كان بالمقدور الاقتراض لشراء السلاح والعتاد والدواء ودفع بعض المرتبات . الا ان الحروب لا تستهلك المال فقط. خلت البيوت من الابناء الا ما ندر ومن الاباء وحتى الاجداد. تجربة قاسية، ظالمة، ملعونة جرت على المنطقة بأكملها كوارث وويلات لا حصر لها.  لذلك عمل حتى بعض  اساتذة الجامعات العراقية  وغيرهم من نخب الطبقة الوسطى في كل مجال تأتى لهم ان يحصلوا منه بشرف على ما يقلل من حاجتهم وعوائلهم الى تكاليف المعيشة ولو بنصف المستوى الذي تعودوا عليه. كانت الميزانية العامة للدولة وعائدات النفط وبعض المحاصيل الزراعية التي تصدر، توظف بأكملها للحرب. وهكذا وعلى مدى ثماني سنوات من ميزانية الحروب، كان من الصعب دفع المرتبات للموظفين لا كما كانت تدفع ولا بنصف مقدارها.  وعلى طريقة الفنان المصري الرائع  صلاح ذو الفقار الذي عمل دهانا خارج الدوام الرسمي كمدير عام  حسب دوره في الفيلم،  لتوفير مبلغ متطلبات زواج ابنته. لذلك رفضت منطق سؤال المذيعة الاميركية وقلت لها وكنا في تظاهرة في مصر قرب السفارة الكويتية ، ضد الغزو عندما التقتنا، سألتنا بغصة، كيف يستنجد الكويتيون الذين ينعمون بخير لا ينعم به الاميركان؟ وأقصدها هي. وواصلت: في بلد لا فقر فيه «الكويت» هو الاكثر رفاهية وضمانا لكرامة الانسان وحتى حارس المدرسة والسائق فيه لديه بيت وسيارتان وخادمة أو اثنتان على الاقل  وفيه حقوق سياسية وانتخابات وإعلام حر ورقابة وديوان محاسبة. قاطعتني كأي اعلامي قائلة: لكنكم انتم الكويتيين معروف عنكم انكم تبالغون في الاطراء على الحكم. قاطعتها بدوري قائلا: انا لست كويتيا. هذا اولا. انا عراقي ثانيا وانا اتحدث عن بلد وعن شعب لا اتحدث عن حكم  هو الافضل عربيا. سالتني هي هذه المرة بحدة : «Wait wait what do you mean؟» أجبتها بهدوء هذه المرة. الحكم في الكويت حالة نادرة . لا شيء يشابهه، النفط موجود لدى اغلب دول المنطقة، الا ان الحياة في الكويت تختلف بسبب العلاقة المباشرة والثقة المتبادلة  بين الحاكم والمحكوم. وقتها امسكت بكتفي قائلة: « Are you joking؟». اجبتها: لا. انا اقول الحقيقة. . عادت لتسأل: «You said you are Iraqi»  قلت: نعم . اكتفت وقتها بكلمة واحدة  «Great». وذهبت والمترجم معها لتحاور آخرين. بعد ايام من ذلك بدأنا العمل من الدور الثالث في جريدة الاهرام العتيدة العملاقة . كانت مهمتي انا والمرحوم الاستاذ محمد خالد القطمة اصدار جريدة «الانباء» الكويتية من القاهرة لتكون صحيفة الحكومة الشرعية والناطقة باسمها. وكان معنا المرحوم الاستاذ عبد الله الشيتي الا ان ظروفا دفعته للسفر يومها قبل الاعداد للصدور بيومين . كنت وحدي في التحرير للجريدة بأكملها فسألني سكرتير التحرير الفني يومها في الاهرام وكان يساعدني في العمل بالاشراف على عمل المخرج: هل ستعود الكويت؟ قلت له نعم ستتحرر وستعود دولة ولا شك لدي في ذلك ولا قيد أنملة. للحياة رب يحميها و للآخرة ميعاد محفوظ ولن يتسبب افراد او دول أو حكام على شاكلة هتلر أو نتنياهو أو البغدادي بفناء البشرية لان الله حافظ وعده. ولان للكون نظاماً ربانياً.

د. هشام الديوان

د. هشام الديوان

بين السطور

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث