جريدة الشاهد اليومية

الخميس, 09 أغسطس 2018

أسعى لرزق في البلاد مشتّت ومن العجائب أن يكون مقتّرا

مسكين هذا الشاعر يسعى وراء رزقه في أماكن متفرقة، ومع هذا السعي الدؤوب لا يجد إلا ما يسد رمقه فقط، وبيته هذا على الضد من قول عروة بن أدينة:
لقد علمت وما الإسراف من خلقي
أن الذي هو رزقي سوف يأتيني
اسعى له فيعنيني تطلبه
ولو جلست أتاني لا يعنّيني
ولا بأس في السعي وراء الرزق قال تعالى: «هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور» «الملك 15»، صاحب هذا البيت ابن عُنين الشاعر، أبوالمحاسن محمد بن نصر بن الحسين بن عنين الأنصاري شرف الدين، الكوفي الأصل، الدمشقي المولد، الشاعر المشهور.
قال ابن خلكان في حقه: خاتمة الشعراء، لم يأت بعده مثله ولا كان في عصره من يقاس به، ومع ذلك فشعره لا يقتصر على اسلوب واحد، غزير المادة من الأدب، مطلع على معظم اشعار العرب، إلا أنه مولع بالهجاء وثلب أعراض الناس، فلما اكثر هجاء الناس نفاه السلطان صلاح الدين من دمشق فقال في ذلك:
فعلام أخرجتم أخاثقة
لم يجترم ذنبا ولا سرقا؟
انفوا المؤذن من بلادكمُ
ان كان يُنفى كل من صدقا
طاف البلاد متغربا بين العراق والجزيرة وأذربيجان وخراسان وغزنة وخوارزم وما وراء النهر ثم دخل الهند وعاد الى اليمن فالحجاز، والديار المصرية، ولما مات السلطان صلاح الدين وتولى الملك العادل سيف الدين أذن له بالعودة، وكان قد أرسل له قصيدة يقول في بعضها:
ماذا على طيف الأحبة لو سرى
وعليهم لو سامحوني بالكرى
أسعى لرزق في البلاد مشتت
ومن العجائب أن يكون مقترا
وأصون وجه مدائحي متقنعا
وأكف ذيل مطامعي متسترا
اشكو إليك نوى تمادى عمرها
حتى حسبت اليوم منها أشهرا
لا عيشتي تصفو ولا رسم الهوى
يعفو ولا جفني يصافحه الكرى
أضحي عن الاحوىالمريع محللا
وأبيت عن ورد النمير منفرا
ومن العجائب أن يقيّل ظلكم
كل الورى ونبذت وحدي بالعرا
ومن أجمل أبيات هذه القصيدة قوله في فراق دمشق:
فارقتها لا عن رضا وهجرتها
لا عن قلى ورحلت لا متخيرا
ومع ما عرف به ابن عنين من الهجاء، كان اظرف الناس واخفهم روحا واحسنهم مجونا، وله بيت عجيب يصف توجهه الى الشرق يقول فيه:
أشقّق قلب الشرق حتى كأنني
أفتش في سودائه عن سنا الفجر
كان ابن عنين وافر الحرمة عند الملوك، تولى الوزارة بدمشق آخر دولة الملك المعظم عيسى، ومدة ولاية الملك الناصر ابن المعظم، ثم لما تولى دمشق الملك الاشرف، اقام في بيته ولم يباشر الخدمة، وكانت ولادته في دمشق يوم الإثنين التاسع من شعبان، سنة تسع وأربعين وخمسمئة للهجرة، وتوفي عشية نهار الإثنين لعشرين من شهر ربيع الاول سنة ثلاثين وستمئة بدمشق.
وسئل عن أصل أسرته فقال: من الكوفة، قرب موضع يعرف بمسجد بني النجار، وأنه من الانصار، ذكر ابن خلكان ان قبر ابن عنين بالقرب من قبر بلال بن رباح، رضي الله عنه، دمتم سالمين.

مشعل السعيد

مشعل السعيد

كلمات لا تنسى

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث