جريدة الشاهد اليومية

الأربعاء, 03 أكتوير 2018

الوادي الآخر

لأول مرة أرى فيها الرئيس الفلسطيني محمود عباس بهذه القوة. لم اشكك يوما بوطنية ولا قومية الرجل الا اني لم أر فيه ذئباً مفترساً مثل ياسر عرفات. لولا خطيئة عرفات الكبرى بموقفه المعيب من الغزو العراقي للكويت، لدخل التاريخ على نحو انظف وأفضل. تعاملت معه على مدى سنوات في لندن عن قرب وحاورته مرات عدة لصالح مجلة «المشاهد السياسي» أول الإصدارات العربية لهيئة الاذاعة البريطانية «BBC»، ثعلب ماكر لا يعرف احد بم يفكر. اعرف زعيماً عربياً واحداً بهذا الدهاء العقلي والحكمة والبلاغة والقوة غير المعلنة . عباس احد تلاميذ عرفات واحتفظ لنفسه بالكثير من الاوراق الخاصة . واختار الدورة الحالية للجمعية العامة للامم المتحدة ليشن اعنف واعقل هجوم على الولايات المتحدة الاميركية ممثلة بشخص رئيسها دونالد ترمب. رفض الرئيس الفلسطيني كل مواقف ترمب وعاب عليه حتى في قواه العقلية دون ان يشير الى ذلك صراحة عندما قال انه يعرقل اعمال الامم المتحدة وسعيها لايجاد حل عادل مقبول  للصراع العربي الاسرائيلي. اعتقد ان عباس انطلق من قاعدة ان الشاة المذبوحة لا يهمها السلخ في التفنن في صياغة عبارات وتلخيص مواقف خالدة، اثق تماما ان المؤرخين لن يبخسوا قدر هذا الرجل في تعاطيهم مع تاريخ اضعف واسوأ موقف عربي باستثناء الموقف الكويتي الذي استغربته حتى واشنطن وكأن ليس من حق الدول الحرة ان يكون لها مواقف حرة منتصرة للحق. الرئيس الفلسطيني اختار منبر الامم المتحدة لايصال صوت شعبه وحقوق قضيته الى العالم كله عندما اتهم ترمب بالانحياز لاسرائيل متهما اياه بتقويض حل الدولتين. صمت طويلا واعطى انطباعات بأنه سهل المنال بالنسبة لاسرائيل الا انه في كلماته الواضحة وضوح الشمس رفض اي جدوى من وساطة اميركية منفردة، معتبرا ان قرار الرئيس الاميركي الاعتراف بالقدس العربية المحتلة عاصمة لاسرائيل ونقل سفارة بلاده اليها من تل ابيب  يمثلان إنحيازاً كاملاً لإسرائيل وقضاء على نزاهة الوسيط عباس في قلب الامم المتحدة ومن منبرها كرر ما تمسك به عرفات ودفع اسرائيل الى تسميمه عندما قال ان «القدس الشرقية» عاصمة الدولة الفلسطينية وليست «في القدس» في اشارة الى ابو ديس التي تريد اسرائيل بدعم من الولايات المتحدة اعتبارها عاصمة للدولة الفلسطينية بدلا من القدس الشرقية . كان عرفات قد رفض في مشروع كامب ديفيد 2 ان تكون ابو ديس بديلا عن القدس الشرقية  الا انه لم يعلن ذلك من خلال منبر الامم المتحدة. عباس يدرك ان الدورة الحالية ربما تكون آخر مشاركة له في مناسبة مثل هذه بسبب تطورات حالته الصحية وبسبب التهديدات التي تلقاها من الحكومة الاسرائيلية بتصفيته وتهديدات اميركية باستبداله ففاض به الكيل ووضع وأظهر كل ثقة فيما تطرق اليه، فسجل موقفا مشرفا، وواضحا ولا يقبل التأويل في وثائق ووقائع جلسات الجمعية العامة للمنظمة الدولية . فاذا رحل الرجل فقد رحل بطريقة مشرفة جدا لقضية عادلة ومشرفة وتستحق ان تظل وسائل المقاومة مشروعة دفاعا عنها. قال عباس خطبته في وقت صعب للغاية فلسطينيا وعربيا ودوليا في ظل الادارة الاميركية الحالية وعقلية سيد البيت الابيض. من المهم احيانا ان تظل قويا حتى الرمق الاخير حتى وانت تشعر بانك في واد والاخرون في واد اخر.

د. هشام الديوان

د. هشام الديوان

بين السطور

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث