جريدة الشاهد اليومية

الأحد, 17 مارس 2019

عذوبة «3-3»

من الشرور في مجتمعاتنا السخية في التربية اللاأخلاقية، هو بيع الكبير للصغير، والقوي للضعيف، تلك الخيانة التي تنسل إلى صميم الأسرة، وتقع بين الأم وأولادها أو الأب لأولاده أو الولد لأبيه، حسب النفوذ والقوة، فتراها تتكرر على باب الزمن بمنوال واحد، وهو تسليم الضعيف لفك الحياة.
لن أتطرق إلى أمثلة، فهي مؤلمة بحق البشرية، عندما يبيع الأب ابنته ويدعي الشرف، أو تبيع الأم ابنتها كذلك، أو التخلي الذي يدخل على قائمة تلك النوائب.
خيانة الأسرة لبعضها تأتي من حب المال.. والمال ما مالت النفوس إليه، تتسلط النفس على البصيرة وحتى البصر، فلا ترى إلا ما تجمع من مال، والحقائق مؤلمة كما ذكرت، فالأسرة عندما يُباع ويُشترى ذووها لبعضهم تُفكك مجتمعاً بأكمله.
لا يمكننا عندما يحل الفساد الأخلاقي فيها، أن نتوارى خلف السلطة والمال لنقول: إن مجتمعنا آمن، هنا في هذه الخيانات تلعب النفس دوراً كبيراً في حب السلطة والجاه والمال، وإذا كانت هذه الخيانات في مجتمع فقير، فتلك مصيبة أكبر نعلم منها أن النفس مجرم كبير إن لم توضع خلف القضبان الأخلاقية، فبالمجتمع الفقير لا مال ولا سلطة ولا جاه ليس إلا رغبات وتسلط وتمني؛ للوصول إلى المال والجاه والسلطة، وكأن أحدهما بنية للآخر يتغذى كلاهما على نفسٍ واحدة كالخير والشر لا يقوم هذا إلا بهذا ولا يوجد ذاك إلا بذاك.
المجتمع خلية إنسانية تشبه النحل والعنكبوت، والإنسان لا يتوقف عن فعل أي شيء وبأي طريقة حتى يكاد يصل في مجتمعنا إلى البطر، لأنه عاش بشتى الوسائل والطرق، ففقد الرغبة والجموح وأصبح كل شيء بالنسبة له معروفاً ومتوارثاً وسهلاً.
وكل هذا يبدأ عندما يقف الإنسان أمام مرآة نفسه وذاته فيخونها قبل أن يتحرك نحو الآخرين، ولا صدق يتأتى عنا إلا بمسيح جبار لا يتبعونه، قد خلت الإنسانية من الصبر والصدق وأصبحت بلا ضمير يؤلمها، ولا شيء سيشعل هذه الضمائر، ولذلك أصبحنا نرى الحروب نتيجة لفشل أول مجتمع وأول بنية فيه.. الأسرة، وكل انهيار حدث أو لم يحدث ناتج عن الخيانة التي نستهتر بها ونستعذبها.
ناهيك عزيزي القارئ عن خيانة الأصدقاء، الند للند والواحد للواحد فما العذوبة فيها؟!
ومن سر القلب أنه الناظر والحاكم في كل هذه الخيانات، فالقلب لا يخون ولا يطغى عجباً منه! ولا يُشترى ولا يباع ولا ثمن له سوى الحياة أو الموت.
فهل سألت نفسك إن كان لك روحان.. روح للجسد وروح للقلب أو روح واحدة، وهل تعلم أن لكل إنسان ثمناً، ولا بد وإذا تعفف فإن ثمنه عالٍ، وهل تعلم ينبغي أن نموج بين الجسد والعقل والقلب لنعلم ثمن كل إنسان ولنمارس كل الضغوط وأحياناً لا نضطر إلى أي منهم يكون ثمنه واضحاً.
لماذا يبيع الإنسان نفسه وهل في مرحلة ما يتوقف؟!
الخيانة والبيع اسمان بحقيقة واحدة، نحن لا نطالب إذاً بأن نكون أنبياء أو ملائكة، إن كنت بشراً عادياً ستتعرض لكل هذا، وسوف تتعلم وترتقي وقد لا ترتقي، فقلبك الحاكم أن تكون أخلاقياً وكاملاً أو منغمساً إلى أذنيك بكل شيء، وإذا حكمَ بالانفلات الأمني بكل سجاياه فعش متوقعاً أي شيء وإذا حكمَ باللاانفلات فعش مسجوناً تراقب الآخرين.
لا قانون.. فكما ذكرنا أن الإنسان سيذهب إلى كل الأبعاد وإلى كل التجارب، لا قانون سيوقفه، فلمَ نتعب؟ ولمَ نحاسب أنفسنا؟ ولمَ نحد من طاقاتنا؟ فما نسجنه في داخلنا سيأتي يوم يحرره أحدهم، وكأننا نعيش في عالم عشوائي غير منظم، ومنظم في نفس الوقت، فلا بد أن ندخل المتاهة ولا بد من أن ندخل الطريق المستقيم ولا بد من كل شيء أن يحدث، ولا يعلم أحدنا على أي مدى سيذهب بنا هذا القلب، قد يُغير في ليلة وضحاها ويصبح منطلقاً غير كتوم ثائراً، لا عجب في أي أمر ولا في أي خيانة.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث