جريدة الشاهد اليومية

الأربعاء, 20 مارس 2019

رثاء

نعلن اشتياقنا لكل من رحلوا، غابوا واندثروا، من تفصلنا عنهم أحلام، رؤى، مشاعر، وجرعات زائدة من الكبرياء، سُحُب المسافات الممتدة عمراً.
ألنا أن نشعل فتيلاً يقودنا اليهم؟ فحبال الوقت الممزقة تقطعت من شدة النوى القسري الأبكم.
لا يتعلق الأمر بالزمن فحسب، ولكن تلك الذاكرة المحشوة ببارود العمر الجاف، شارفت على الصراخ ألماً، على كل من خرج وترك الأبواب نصف مواربة، أملاً بدروب ذات مسارين محتمين، ولكن الحياة بحكمتها لاتمنحنا سوى درب معبد بأحلامنا البكر تقودنا إلى أماكن ظننا أنها ملاذنا وخلاصنا من هول مامررنا به ومر بنا.
نحن المتهمون بالهروب من واقع أخرق، بتذبذب مترنح، قدمٌ هنا وأخرى هناك.
تؤلمنا تلك الغصة العالقة بين شرفتي أنفاسنا، تضيق الخناق رويداً رويداً على صدر الحقيقة، وتعبث بمجرى الأمل السالك أحياناً والمغلق غالباً.
ثمة كثافة بصرية لذاكرة ترمقهم من بعيد، تشتاقهم جميعاً، من تركنا على جدران قلوبهم نقشاً من حياة ومنحونا ندبة حنين تجمِّل أرواحنا.
يسحقنا ماضٍ يلقي تحية المساء، يرفع قبعته ويمضي، دون أن يكترث لأمر احتراقنا بلهيب الزمن، كيف يعود دونهم؟ ما قيمة الزمن بلا وجودهم؟
هم من سيعطي للأيام قيمتها، حين نحشو الساعات والدقائق بكلماتنا المشتركة وهواجسنا، بفرحنا وحزننا، بدموعنا وابتساماتنا الملونة.
أولئك من تربطنا بهم صلة الروح، وربما الدم، من قاسمونا خبز الذاكرة وملح شجوننا، من لامست أيديهم زجاج قلوبنا الشفاف وأدركوا معالم الكوارث التي حلَّت بنا يوماً، وأصبحوا هم فاجعتنا الكبرى عند توقُّد الشعور.
نشيِّع رفاتهم، جثثهم المعنوية، نصلي فوق تراب غيابهم، نستجدي حضور كلماتهم، عطر وجودهم، وسحر ضحكاتهم المرسومة على وجنة العمر.
نستحضرهم بوجداننا، نستجدي عودتهم من غياهب الأيام، نزورهم كلما ضاقت بنا الدنيا، نتسلل نحو أسِرَّتهم لنطمئن على راحتهم واستمرار تنفسهم من أوكسجين الوقت المحموم بهم، نغطيهم بمخمل عاطفتنا لنمنحهم الدفء والهناء في ليالي الشتاء الزاخمة بهم.
أيدٍ تمتد نحو تاريخ أرواحنا، لتمسح غبار الصور المدفونة في رمال الذكرى، لقد تجمَّد الزمن عندهم، صاروا ضمن حدود اطارٍ خشبي لصورة حفظناها في أدراج النسيان.
لا يفصلنا عنهم سوى زجاج مرتاحٌ فوق وجوههم، ومسافات ضوئية من حسرة وعتب ونوى، أشواكٌ صوتية، ودموع لا تنتهي.
منهم من رحل، خلف الأفق، كشهب الفضاء لن يعود، وآخرون مازالوا على قيد الوجدان، يفصلنا عنهم بضعة أرقام يختبئون خلفها داخل هواتفنا النقالة وفي صفحات وسائل التواصل اللاجتماعي.
لابد أن نلتقي بهم قبيل المضي في شوارع القدر، لنشاركهم الذكرى مجدداً، نحن أسرى بعضنا البعض، لانحيا الا في زنزانة حضورهم.

الأخير من كنان فواز حمَّاد

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث