جريدة الشاهد اليومية

الأحد, 07 أبريل 2019

شغف شرقي

جالس في مقهى عصري، خشبي التكوين، بأثاثٍ عتيق وحميمية ساحرة دافئة تبعث على الهدوء النفسي والضوضاء الفكرية حيث تتصادم العبارات في خوالجه، وتتصارع الحروف في حلبة تفكيره.
ثمة قهوة يطلبها كعادته، بسُكَّرٍ خفيف، كونه يعتقد أن الحزن الكامن فيها سيشوبه نصاعة بياضه وفجاجة مذاقه ، فبعض الأشياء تصبح أقل سمواً حين يضاف لها ما يجعلها بطعمٍ طفولي، وفرح مستساغ. 
يُخرِج أوراقه من حقيبة جلدية، يرتبها فوق المنضدة الخشبية، يمتشق قلمه الأسود ليشرع بالكتابة، تأتيه موسيقى من الجدران المزودة بمكبرات الصوت بنقاء عالي الجودة، وسحرٍ خاص يشعر به عند تغلغلها في مسامعه.
ينظر من وراء زجاج المقهى نحو الخارج، تنزلق فوقه قطرات المطر العالقة على وجه لمعانه، المارة يعبرون بخطىً عجلة، خيالاتهم تجري هرباً من قسوة الماء على ثيابهم، والرصيف مبتلٌ برذاذ الروح.
تهرب عيناه إلى موقد في الزاوية المقابلة، يطالع النار الهادرة في جوفه، إنه اكتمال الضدين ، البرد والدفء ، النار والمطر، كل شيء يحمل نقيضه في عالمنا.
رُوَّاد المكان، منشغلون بالاستمتاع بالحديث والطقوسية الروحية برفاهية يصنعها مزيج من المشاعر والراحة والسعادة في الهروب من زحمة المدينة وفوضى الحياة.
يغمض عينيه ، لتمر هي في باله،كآخر القادمين من السفر، بانتظار طال لسنوات غابت عنه ، بعد أن سرقت لوحة وجهها ورحلت نحو المجهول.
ماذا سيكتب؟! إن أتت هي مرةً إلى شارع الذكريات، يفتقدها، يشتاق إليها ، والعمر سرق عطر وجودها ، أي قدرٍ حطم حلمه الغض، وأسقط راية الحب عن ظهر قلبه ، هو من علقها وساماً على صدر كلماته، ونثر الورود فوق شعرها المشتعل كنار الموقد أمامه.
لقد بللَتِ الذاكرة أزقة حاضره، غارقاً برطوبة عينيه المكتظتين بالحسرة ، يفتحهما ليرى ضباباً من طيفها ، شاهداً على حضورها تجلس على طاولته متكئةً على أحلامه المحترقة، وهو عاجز عن الفصل بين الحقيقة والخيال.
ربما كانت هي، يمد يده ليدركها ، ولكن لا شيء هنا، سوى الفراغ وقليل من عزف منفرد آتياً من وحشة الوحدة والخوف من العزلة.
عصفَتْ به في شتاء مفعم بالحنين، لقد أتت دون أن تأتي ، حضَرَتْ بلا استئذان، تقرع باب نفسه ، لتدخل متسللة إلى طقسه الوجودي بلا رحمة.
كما رحلَتْ، تركَتْ باب الصدفة مفتوحاً ، علها تراه يوماً في طريق يعرفهما جيداً، ووجوهاً رأتهما معاً ، حيث كانت الضحكات تزهر فوق ثغورهما، والأمل ماطر كغيوم واعدة بالخير والجمال.
قالتها يوماً : «إلى اللقاء»، ولم تقل وداعاً ، تلك المواربة الجميلة في الإبقاء على نصف حلم، ونصف حقيقة، ونصف حب ....

الأخير من كنان فواز حمَّاد

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث