جريدة الشاهد اليومية

السبت, 18 مايو 2019

طقوس

جالساً أمام طاولته، متكئاً على الذكريات، تنزف الشموع المشتعلة قربه دموعاً من سهر وأرقٍ مستمرين.
في غرفته تتعانق الأشياء، تشعر وتحيا، لكنها لا تتكلم, هو من يهبها الروح والجمال، بأناقةٍ مفتعلة محافظة، كونه يخشى من العبث والفوضى الملعونة ، كأنه يرتب أثاث نفسه ويوضب أغراض ذاته لتأخذ مكانها المناسب ، قياساً بجميع ما حوله من تداخلات حياتية وشظايا أحداث تخترق جسد يومياته.
على جدرانها ترى الموسيقا معلقة على بياض ملامحها، والدفء يضم أركانها لفرط الحميمية الوجدانية المكتنفة في أحشاء هوائها .
ثمة ما يجول في خاطره كل ليلة، كلمات وأفكار وحبر يسيلُ فوق أرض أسطره غير المرئية ، فراغٌ منتظرٌ لملء عطشه وسد رمقه ببعض الحروف الموشحة بالليل ، يعانق قهوته الساكنة في قاع فنجانه اليتيم كأنه يسقي روحه بالسواد ليمررها نحو أنامله ساكباً قسوة قلمه المرّ على هيئة ظلالٍ مستقرة ثابتة تغفو على سرير الحلم .
لا طبيعة من حوله يستقي منها ، ولا جبال يطالعها ، أو حتى نافذة يطل منها ليرتوي بعينيه ماء الإلهام والإلحاح الأدبي اللحظي.
لاشيء سوى مرآة ذاكرته، لغته المبحوحة بغصة العمر وحرقته ، موسيقا تعبر ذهنه تحرض قلبه على التذكار وعينيه على النظر داخلاً ، صوب أعماقه وشجرة النشوة المزروعة في رحم الزمن الكسيح.
عند شرفة عمره، يطل طفلٌ بسنواتٍ لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة ، وكهلٌ عصفَ الوقتُ به حتى التعب من فرط الخيبة والانكسار المسلولين على عنقه.
هو العاشقُ دوماً ، لذلك العالم السري الموحل بطين خطواته فوق سجادة الرحيل ، لصلصال قلبه المحترق صنعاً كآنيةٍ تحبس المطر ابتهاجاً ، تسقيه بوحاً ومداداً من قطرات الفكر والمعنى ، لايريد أن يصحو من حلمه الواعي ، يدرك ما يفعل ، لأن الكلمات لم تخذله رغم صقيع الأيام.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث