جريدة الشاهد اليومية

الثلاثاء, 21 مايو 2019

الموسيقى

هي صوت الأشياء المعبِّر عن مكامن جمودها وصمتها بإيقاع زمني متتال يتخلله مساحات لونية من الخيال والخروج عن المحدود والمرئي.
أنين الخشب والمعادن والأدوات المعبرة اذا ما لُمِسَتْ أو طُرِقَتْ برقة أو عنف، صارخة بعذوبةٍ رهفة، غير متكلفة، تبوح بحزن وجودها ومزاج الطبيعة التي خرجت منها.
على الرغم من أن الموسيقى تحتاج إلى حاسة سمعية فقط لإدراكها لكنها في نفس الوقت تخلق بداخلنا عوالم من الحواس الجديدة وكأنها تعيد هيكلة تكوين أجزاء روحنا ببعثرتها وترتيبها بشكل لائق إنسانياً كونها تنقلنا إلى فضاء شعوري مختلف وتمنحنا فرصاً للابحار والسمو برقيّ وجداني، والتفكير الجمالي بما حولنا.
هي ترياقٌ نفسي لتذويب استعصاءات حياتية تشغلنا، تعلو بنا بخفةٍ لنلامس نجوماً استحال الوصول اليها، ذلك السياق اللحني المتواصل بتباطؤ وتسارع متفاوتين تبعاً لسير النغمات وزمنها.
بالنسبة لموسيقانا الشرقية فهي الأكثر قرباً وجذباً لمزاجنا السمعي، لانطوائها على مقدار هائل من الشجن والعصف اللحني الممتع، لغناها بالنغمات المتعددة والمقامات الموسيقية المتفرعة عن الأصل، لأننا نصعد السلم الموسيقي بخطوات مترنحة،حالمة، متباطئة بزهدٍ صوفيّ شجيّ، ويعلو نبض الآلات،فرح الإيقاعات ورعشة الوتر.
هو الاحساس كفيلٌ بإدراكها، تلك الصور والمواقف والذكريات تجتمع لتكوِّن مشهداً انطباعياً يتلاءم وطبيعة اللحن المتراقص حولنا، العابر لمسافات لاتقدر بالقياس، وزمن هاربٍ من زنزانة الوقت، جامحٍ كحصانٍ عصي على الترويض.
تهبنا صورة مشهدية لحركة الحياة ونشاطها، بشكلٍ سمعي ملوَّن، كأننا نكتشف هوية الطبيعة المرئية بأصوات مجسمة نراها بإدراكنا المستشعر للعذوبة واللذة والحزن ونشوة الحياة.
لاتجسيد للموسيقى الا بجسد الصوت اللامرئي، ولا احساس بها الا اذا تحركت خلايا وجداننا طرباً وفرحاً بالآتي، ترسم ملامح الطرقات بين غيوم الوقت والسماء، لنصعد أدراجاً من الضوء بخفة التحليق ولهفة المسافة، نغتسل بماء عذوبتها ونور شمسها الدافئ.
للموسيقى أناملٌ ضاغطة بحنوٍ على لحم أفئدتنا كي توجعنا بصقيع عصفها ونار خشبها المتقد جمراً في كانون العمر.
ذلك الفن التجريدي المخلوق من طين الشعور، المفضي إلى اللغة السمعية الناتجة كتمثال صامت معبر بإيماء مسرحي أو لوحةٍ زيتية حية ناطقة بألوان الطبيعة، بحروف من الماء وتعبيرٌ دراماتيكي يوجز ابداع الانسان على هذه الأرض وحكايته المدهشة.
هي إيقاع الزمن المتفاوت في إطالة النغمات واستقرارها لتصير لحناً مستمراً لإرضاء كلمات جافة وحادة وتمريرها بمرافقة النغمات بمنحها جواز سفر لعبور أرواح العامة وذهنيتهم.
بتلك الرموز المنقوشة على ورق مُسطَّر كأنها مفاتيحٌ تشرع بها نفوس البشر وأحلامهم، كونها تبوح بهم على هيئة صوت، وما الصوت سوى صدى الصراع الجدلي في متاهات الكون الساكن فينا.

الأخير من كنان فواز حمَّاد

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث