جريدة الشاهد اليومية

السبت, 29 يونيو 2019

مزاجات ديكتاتورية

شهدنا في الأشهر الماضية جدلا واسعا عن الحريات العامة والخاصة ومدى تطابقها مع الشريعة الإسلامية، وامتد النقاش ليشمل الموسيقى والغناء والفنون التعبيرية الأخرى، حيث يعتقد البعض بأنها رجس من الشيطان وعلى الجميع أن يتجنبوه ويحرموه، ولكي نتوصل لأحكام موضوعية لابد لنا أن نفرز بين كل الألوان وعلى مختلف انتماءاتها ونقترح حلولا وسطية هي المقبولة والمنسجمة مع معطيات الدستور الذي يكفل الحريات ولا يتقاطع مع مبادئ الشريعة.

إن المادة 38 الدستور كفلت المجتمع أن يتفاعل ويستخدم بحرية كاملة كل وسائل التعبير والترفيه وفي مقدمة ذلك الفنون الموسيقية والغناء والرقص والتمثيل والنحت والفنون التشكيلية، ولابد أن ينطلق هذا التعبير إلى أقصى مداه ليعبر عن روح الإنسان وتطلعاته، وفي ذات الوقت أن لا يتجاوز الأعراف والتقاليد الاجتماعية، وهو بذلك يصبح حاجة ضرورية للإنسان والمجتمع ولا يمكن الاستغناء عنها مطلقا، وهذه الفسحة اعتادت عليها كل الشعوب التي تتفاخر بثقافتها وفنونها.
ولهذا فان رعاية الفنون والآداب وفتح الجامعات والمعاهد لها تعد علامة حضارية وخطوة  إلى الأمام لتنمية الذوق الإنساني والإحساس بالجمال، وهذا الأمر لا يتقاطع مع روح الدين بل يتقاطع مع الفكر المتطرف.
نعم نحترم الشريعة ونطبقها ولكن بأساليب تثقيفية وطوعية وليس قمعية، ولا تمليها علينا  أفكار غير قانونية، ولعل الشعار الذي يقول إن الدين لله والوطن للجميع ينطلق من إدراك المواطن لواجباته الشرعية إزاء الدين ، وهذه العلاقة الخاصة يجب أن لا يتدخل بها كائن من كان ويبقى هذا المواطن نفسه يتمتع بحريته لأنه شريك في هذا الوطن ولا يتقبل الوصاية من أحد أو من أي نوع من أنواع السلطات.
نقول إن هذه الحقوق والحريات يجب ألا تخضع لاجتهادات، مثال على ذلك قد أصدر أحد الوزراء السابقين تعليمات بإيقاف تدريس الموسيقى والغناء ، وكاد أن يمنع اختلاط الطلاب مع الطالبات ثم جاء وزير آخر تلاه في المنصب فحلل هذا الحرام وفي كلتا الحالتين فإن المواطن كان ملغيا ومهمشا لا صوت له في كل ما جرى وكأن سحب الحرية ومنحها قضية خاضعة لاجتهاد أو مزاج ، وكأننا بلد بلا قانون ولا دستور.
فمتى يصبح المواطن سيد نفسه وله الحق في ممارسة شعائره دون أن يرغم غيره على أدائها أو يمنع الآخرين من سماع الموسيقى وسهر الليالي في إطار الآداب العامة واحترام حرية الآخرين بدون مزاجات ديكتاتورية.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث