جريدة الشاهد اليومية

الثلاثاء, 02 يوليو 2019

وزائرتي كأن بها حياء فليس تزور إلا في الظلام

هذه الزائرة التي لاتأتي إلا في الظلام زائرة من نوع خاص، فهي غير مرغوب بها، إلا أن الإنسان ضعيف لايستطيع ردها، فتستقر في بدنه، إنها الحمى أعاذنا الله وإياكم منها، جاءت تزور هذا الشاعر. على استحياء، شبهها بالفتاة الخجولة التي لاتأتي إلا في منتصف الليل وكأنها خائفة من أعين الرقباء، ثم يقول بعد ذلك :
بذلت لها المطارف والحشايا
فعافتها وباتت في عظامي
لقد قدم لهذه الزائرة كل شيء ضم ثيابا فاخرة وفرشا ناعمة وثيرة إلا أنها رفضت كل ذلك واستقرت في جسدي وعظامي، ثم يتابع قصته مع الحمى فيقول :
يضيق الجلد عن نفسي وعنها
فتوسعه بأنواع السقام
وهنا يذكر ان جسده لايتحملها ولا يتسع لها ومع ذلك تصر على المكوث فيه ونشر أوجاعها وآلامها في كل أنحائه ولا يستطيع فعل شيء معها فهي أقوى منه، ويقول أيضا :
أبنت الدهر عندي كل بنت
فكيف وصلت انت من الزحام
يخاطب الحمى قائلا :
يابنت الدهر أيتها المصيبة التي حلت بي ورماني بها الزمان ، كيف استطعت الوصول الى جسدي من بين الكثير من المصائب والآلام التي أصابتني؟ ثم يختم قائلا :
جرحت مجرحا لم يبق فيه
مكان للسيوف ولا السهام
لقد أصابتني إصابة بالغة، فبات جسدي منك ضعيفا رغم ما به من الجراح حتى ان جسدي لم يبق فيه مكان لضربة سيف او رمية سهم، وبعد هذا الشرح تعالوا الى شاعر هذه الأبيات الذي يكاد يكون اشهر شاعر عربي على الاطلاق أبو الطيب المتنبي احمد بن الحسين بن الحسن بن عبدالصمد الجعفي الكندي الكوفي رحمه الله تعالى،وقد تحدث الكثير عن المتنبي ولو كان في عصر أوائل الشعراء لكان له شأن عظيم بينهم وقد ولد عام ثلاثمئة وثلاث من الهجرة ولم يعمر طويلا إذ قتل ولم يتجاوز عمره الثالثة والخمسين، ومع هذا العمر القصير وصف بأنه نادرة زمانه وأعجوبة وقته ويعد من مفاخر الأدب العربي وليس من قصيدة له إلا وتجد بها أمثالا سائرة، ولم يكن كغيره من الشعراء يرضى بالقليل بل كان صاحب إنفة وكبرياء وشجاعة وطموح لايقف عند حد، عربيا صرفا، وهو أيضا غزير الإنتاج له معاني لم يسبق عليها، وما اجمل قوله :
بأبي الشموس الجانحات غواربا
اللابسات من الحرير جلاببا
المنهبات قلوبنا وعقولنا
وجناتهن الناهبات الناهبا
الناعمات القاتلات المحييات
المبديات من الدلال غرائبا
وقوله ايضا :
عيد بأية حال عدت ياعيد
بما مضى أم بأمر فيه تنكيد
أما الأحبة فالبيداء دونهم
فليت دونك بيدا دونها بيد
وتظهر شجاعة المتنبي وحبه للمغامرة في قوله :
الخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والرمح والقرطاس والقلم
صحبت في الفلوات الوحش منفردا
حتى تعجب مني القور والأكم
ولأن المتنبي شجاع قتل في المعركة وهو يستطيع الهرب فاحتوشته سيوف ورماح اعدائه وهو في طريق عودته من عضد الدولة الديلمي  ولا أخال إلا أن عضد الدولة دس له من يقتله خوفا من ان يهجوه المتنبي كما هجا كافور الإخشيدي، وكان قتله في مكان يسمى الصافية بالقرب من النعمانية ودمتم سالمين.

مشعل السعيد

مشعل السعيد

كلمات لا تنسى

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث