جريدة الشاهد اليومية

السبت, 17 أغسطس 2019

تراتيل أنثوية

لقد كبرت صديقتي التي كنا ننبذها في الإعدادية ونسميها باللعوب, كبرت ورسمت الحياة تعابير وجهها الحقيقية.

صديقتي الآن أعظم أم ,وألطف أنثى ,وأوفى صديقة ,وأجمل زوجة..
على صفحات كتاب كل أنثى يمر فصل؛ من أشد الفصول محاكاة للانسانية في حياتها؛ يؤسس مجدها أو يهدم صرحها؛ فصل مهما طوت الأيام التالية صفحاته يبقى هو الأقرب لتفاصيلها الأنثوية ولحقيقتها حتى النهاية.
تخوض الأنثى منذ مطلع شمسها حروباً كثيرة؛ لكن أشد هذه الحروب ضراسة حربها مع نفسها ومحيطها الاجتماعي؛ يرسل لها هذا المحيط تراتيل تبقى معها طيلة حياتها ككتاب مقدس، ألا وهي قوانين الجماعة , مقدسة حتى أكثر من وجودها ,فإن أطاعتها فقد تعيش بسلام ,وإن عصتها فلحياتها الانهيار.
هذا القالب الاجتماعي الذي يجعل من كل أنثى خارجة عنه, ثائرة منبوذة غير مرحب بها, ومكانا لتفريغ عقد المجتمع النائمة ,والانتقاد والتنمر.
صديقتي كانت تحب ارتداء الكعب العالي، وتصفيف شعرها ,ووضع مساحيق التجميل؛ لم يفهم المجتمع منها إلا أنها فتاة خارجة عن طبيعته , مع أن قلبها من نور تلاشى مع انتقادات مجتمع أجبرته الحروب اللاحقة على تغيير مفاهيمه, وإعادة ترتيب حياة صديقتي في أوروبا ,فهي لم تعد على هامش الحياة وضمن تراتيل تربيتها النفسية, ووجدت نفسها أمام أنثى تماثلها تعمل وتكد وتنجب دون أن يقتص من حقوقها.
قد تكون مجتمعاتنا تهيئ الأنثى منذ نعومة أظفارها ومنذ تخرجها في  «kindergarten» تلبس فستانا أبيضا كالعروس, وتعمى الأمهات عن حقيقة ما تغرس في روح بناتها, بأنها لا يمكن أن يكون لها حياة دون شريك, فتعيد تاريخ استعبادها ,ثم وفي كل فرح تقلد العروس في لباسها وهي طفلة لا تكاد تعي ما ينتظرها وكأن الأبيض يوم سعدها, ولكن عندما وصلت للغرب تخلصت من شريكها ليس كرهاً به , ولكن تعلم في قرارة نفسها أنه كان شركاً دون حماية منه ولا من مجتمعها.
الرجل يستمتع مقدماً بهدية أمه له, ولكن فوجئ في بلاد الاغتراب , بأن هذه الهدية لها أفكارها وحريتها ووقع ما لم يحتسبه.
ولا تزال صديقتي تضع المساحيق ولم تتغير
وإنما أعادت لملمة روحها وأطفالها ولا تزال عاشقة تحب طليقها..
ولكن استعادت أنوثتها لنفسها ولم تعد تسمع أو ترى أحداً ينتقدها أو يعاكسها ,فالأمر في الغرب واحد سواء تبرجت أو لا قيمتها كإنسان دون مآرب, وما يختص بالمآرب فهذه حرية شخصية تحددها خصوصيات عقولهم ,أما في العموم فالحقوق الاجتماعية محفوظة دون منازع, مما أذاب في عقل صديقتي التبرج واللبس المبهرج لجعله في نطاق رغبة عابرة وخاصة بها, فالمرأة إنسان قبل كل شيء.
تغيرت تراتيل هذه الأنثى وربما مثلها كثيرات , ولا تزال هذه التراتيل تمارس مع حجابها وطريقة عرضه المتبرج والمغاير لقوانين دينها وقناعاته, ومجتمعنا للأسف لا يرى ذلك إلا على المرأة السافرة ويحاسبها ويزيح عنها اختيارها لحريتها بلسانه السليط ولا يرى تبرج الكثيرات من محجبات عصره..
وتبقى مصالح الأنثى وأنوثتها فوق كل المعايير.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث