جريدة الشاهد اليومية

هشام الديوان

هشام الديوان

الثلاثاء, 18 أبريل 2017

من كل شيء سببا

نكتب لنعالج أمراضنا ونصلح ما سببته الأخطاء ونداوي الجراح، وما كتبته عن وزر دفع العرب إلى تجويع مصر والتآمر عليها لم يكن بدافع الدفاع عن مصر فقط وانما للحيلولة دون تكرار مثل هذه الأخطاء الاستراتيجية التي اوقعت مصر في المحظور وجردتها من قوتها التاريخية ليس في مجال إدارة امور الأمة وانما في الدفاع عنها، تعلمنا كل النافع والمفيد من مصر ونتعلم الآن كل الأخطاء التي سببتها الأزمة التي دفعنا مصر اليها وهي الفقر بالدرجة الاولى التي ادخلت مصر في متاهات سمحت للآخرين بأن يعيثوا بالعرب الآن، لو كانت مصر بما كانت عليه من قبل لما سمحت بغزو الكويت ولا بضياع العراق وسوريا واليمن وليبيا ولبنان وتقسيم السودان وربما دول عربية اخرى، وحملت وانا اتحدث عن نفسي، العرب مسؤولية التخلي عن العراقيين شيعة وسنة وعربا واكراداً وهو ما دفعهم إلى المرور بجوازات سفر ايرانية إلى بقية العالم فكان لابد ان تترتب عليهم تكاليف واجبة السداد فلا شيء مجاني في هذا العالم الآن، هي لم تجبرهم الا أنهم لم يجدوا ساحة اخرى ولا بوابة ينفثون منها ولا بتسهيلات تقدم اليهم من سواها، وفي الاول من ابريل الحالي كشف رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، عن انخفاض نسبة الانخراط في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي بنحو 90 % عما كان عليه سابقاً وقال هذا الكلام خلال احتفالية «يوم الشهيد» بمكتب رئيس التحالف الوطني عمار الحكيم واعتبر ان «قوات بلاده وضعت حداً لحلم تنظيم داعش الإرهابي بتشكيل دولة»، وما يهمني هنا هو ما قاله عن انخراط عراقيين في صفوف داعش وان نسبة هذا الانخراط تراجعت بنحو 90 % وهذا اقرار من رئيس الوزراء العراقي ان هناك من تطوع أو تجند في صفوف التنظيم الإرهابي لكنه لم يشر إلى الاسباب التي دفعت هؤلاء إلى مثل هذا التصرف المنافي للاخلاق والوطنية والإنسانية والاعراف الاخرى حتى وان كان معارضا للوضع الحالي الطائفي بامتياز تحججا بمرارة الماضي وهي حجة غير مقبولة لا من الحكم ولا من معارضيه الذين انخرطوا في صفوف داعش، الا ان هذا الامر يفتح الابواب واسعة للخوض في اسباب ارتماء الشيعة في احضان ايران للاستقواء بها على حساب دولهم وولائهم لاوطانهم وهي لم تجبرهم على ذلك بل انها مستعدة لتزويدهم بترسانة من السلاح للدفاع عن اوضاعهم لا لغزو دول اخرى، وهو نفس المنطق الذي يتحجج به بعض السنة افرادا وهيئات ودولاً في دعم داعش أو الانخراط في صفوف التنظيم الإرهابي، ايام الزرقاوي كان الاحتلال الاميركي في ذروته في العراق خلط الاوراق واسقط القيم والمبادئ واغرى الكل بالمال واسقطهم في مستنقع الفساد وسرق كل شيء واختطف الامل والتعايش، فوجد البعض دافعا للانخراط في صفوف الزرقاوي حتى من لم يتفق معه في أي شيء، المتخوفون من تبعات الدور الايراني في العراق أو الصفة المذهبية للحكم في العراق والمحاصصة الطائفية والعرقية في تركيبة الحكم «رئيس الجمهورية كردي، رئيس الوزراء شيعي ورئيس البرلمان سني» فضلا عن خارطة الاقاليم التي يراد لها ان تصبح حقيقة واقعة للتقسيم، كلها مبررات لدفع الآخرين إلى دعم داعش وحتى عزرائيل اذا لزم الامر للدفاع عن حقوقهم واوضاعهم ودولهم، الا يكفي ما يجري في العراق وسوريا واليمن وليبيا ولبنان وفي غزة ايضا لاثبات فشل الشيعة والسنة على السواء في اختبارات سهلة، الطمع في الحكم والاستئثار بالسلطة والتفرد بالمناصب ونهب الثروات وقمع الآخرين وتكفير الطرف الآخر، الطرفان يبالغان في استخدام الدين وبتعسف في ايذاء خصومهم، كل طرف استقوى بما اعتقد انه سيحقق له اغراضه، انها مصيبة الجهل والامية والتطرف، انه أمر مؤلم ومسيء جدا ومخجل، لقد بات الفساد والجهل شهادتين داميتين لهما رواج في اسواق يفترض ان تكون الابعد وان يحرم المسلمون على انفسهم السقوط في دوامة الإرهاب.

الإثنين, 17 أبريل 2017

حدود المسؤولية

يعاني العالم العربي من مشاكل لا حصر لها، سياسية واقتصادية وأمنية واجتماعية وحتى في مجالات الثقافة والفنون والرياضة، والكل يتحمل مسؤولية فوضى المشاكل في المجتمع العربي، حكومات وشعوب وبرلمانات ومجالس وهيئات ومؤسسات نافذة ومؤثرة، تطور العالم وتقدم اقتصاديا وعلميا وتقنيا وصناعيا، وعدنا إلى الوراء، نختلف عن الماضي فقط بما يتأتى لنا من صنع الآخرين، لا شيء لدينا من صنع شعوبنا إلا ما ندر، لسنا وحدنا من مر بمثل هذه المأزق، إلا ان الآخرين مروا عليه مرور الكرام فكانت التكلفة اقل وطأة وثمنا، لدينا اسباب كثيرة للتخلف اولها الجهل والأمية والفهم الخاطئ للدين، ولديهم اسباب كثيرة للتقدم والتفوق علينا، واكثر المستفيدين من كل هذا هي اسرائيل، وسبق ان اشرت إلى ان إيران استفادت من اخطاء العرب وخلافاتهم المذهبية والسياسية والحدودية، لذلك باتت موجودة في العراق وهي التي تحكمه وموجودة في سوريا على نحو قريب الشبه وكذلك في اليمن وفي لبنان، وفي وقت ما وربما لاتزال في غزة ايضا، العرب لم يتعلموا من تجاربهم ولم يستفيدوا من تجارب الآخرين، عندما تعامل الحكومات والجهات النافذة في المجتمع الناس على اساس الانتقاص من اهليتهم الدينية وتكفرهم وتبيح دماءهم وتنتقص من درجات مواطنتهم وتحرمهم من الحقوق، من الطبيعي ان يقع من يتعرض لمثل هذه المعاملة في اخطاء كثيرة، صدام حسين خاض حربا لمدة ثماني سنوات ضد إيران، وعندما وقع في خطأ غزو الكويت وهي المصيدة التي اوقعت العراق والمنطقة الآن في فخ أو وهم ما يسمى بالربيع العربي، اضطر إلى نقل طائراته المدنية والحربية إلى إيران عدوته لحمايتها من القصف الاميركي، لانه لم يجد ابوابا عربية تفتح له، صدام فرد كان يمكن ان يموت بأي طريقة إلا ان طائرات العراق وامواله ومواطنيه والعراق كدولة، يدفع الثمن الآن، لأن صدام لم يقبل التكفير عن سيئاته ولم يقبل بمنطق الاعتذار ولا الاستعانة بعدد من القادة لاطفاء بقايا نيران ما فعل، راح العراق وها هي سوريا تدفع الثمن الآن وها هو اليمن يمر بنفس المأزق وها هو سعد الحريري رئيس وزراء لبنان يحذر من اقتراب بلاده من كارثة، في يقيني ان العراقيين ليسوا سعداء، حتى من يحكمون العراق الآن، وكلهم ممن يرتبطون بعلاقات ولاء وليس صداقة فقط مع إيران، وتصريح رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي لقناة الحرة الاميركية يوم الجمعة 31 مارس بأن هناك انطباعا لدى السعودية بان العراق يتبع إيران يقابله انطباع لدى العراقيين بأن السعودية تدعم الإرهاب، قريب جدا من الواقع والحقيقة، وهو نفس الامر في سوريا، لذلك قال رئيس الشؤون الاستراتيجية في معهد الدراسات السياسية والدولية التابع لوزارة الخارجية الإيرانية مصطفى زهراني ان بلاده لا تمتلك استراتيجية خروج من الحرب في سوريا قائلا ان الرئيس السوري بشار الأسد أدار ظهره لطهران، وكنت قد اشرت في مقالات سابقة إلى لقاء صحافي صريح للغاية اجريته لمجلة «المشاهد السياسي» الدولية اللندنية في عام 1999 أو 2000 مع امين عام حزب الله اللبناني السيد حسن نصر الله وسألته: كم تقبض من إيران؟ وهل تتصور ان إيران ستظل تدفع لك؟ وعلى ماذا تنفق ما تدفعه لك طهران؟ فقال ان إيران تساعد في سد احتياجات الارامل والايتام عوائل شهداء المقاومة وتساعد في توفير الخدمات الصحية والتعليمية وانه لا يرى مانعا ابدا في ان تساهم اي دولة عربية في هذه المجالات فلا ينسب الفضل في عمل الخير إلى طرف واحد بعينه، ونشر الموضوع في لندن وعدد «المشاهد العربي» كان يوزع في كل الدول العربية ويصل إلى سفاراتها ايضا.

الأحد, 16 أبريل 2017

ثقافة الفضائيات

مثلما كانت لندن ملعباً للمعارضات العربية الموجهة والمصطنعة والمشكلة في الغرب والممولة من اجهزة مخابرات وأمن وإدارات سياسية لها اجندات تتعارض في حقيقتها مع المصالح والحقوق العربية وان اتفقت في الشكل مع أحزاب المعارضة، كانت هناك فرصا متاحة لاطلاق فضائيات تلفزيونية تخدم افكار ومشاريع وبقية اطروحات أحزاب المعارضة أو رموزها السياسية بما ينسجم مع ترددات واحداثيات ونوايا ومشاريع الممولين في مخابرات الدول الكبرى وإسرائيل، وفي هذا الشأن كان الغرب يدير لعبة الإعلام التلفزيوني على طريقة دس السم بالعسل، فعن طريق واحدة من اشهر الفضائيات العربية، باتت إسرائيل موجودة في الاخبار اليومية المتداولة على مدار الساعة باستخدام اسلوب الإعلام النفسي باللجوء إلى تكرار بث الاخبار التي تحمل قدرا كبيرا من الانتقاد والاستنكار لإسرائيل واعمالها المخالفة لكل القوانين إلا ان الاكثار من ذكر اسمها واسماء رؤساء حكوماتها ووزرائها اوجد مكانا في ذاكرة المشاهد العربي مما ينشئ نوعا من التطبيع الفكري بين خلايا القبول في العقل كلما ورد اسم الدولة العبرية بدلا من النفور التلقائي والتصرف بعدم قراءة أي خبر أو ذكر لإسرائيل، هذا التصرف النفسي جعل من إسرائيل على مدار الايام أمرا واقعا مفروضا على الذاكرة العربية شئنا أم ابينا، كان هذا الغرض احد اهم اهداف زراعة العمل التلفزيوني الفضائي على الطريقة الاستفزازية عند الحديث مع احدهم، فكان فضاء الحرية في البرامج التلفزيونية الفضائية العربية في لندن ومن ثم في الدوحة، الاكثر مشاهدة في العالم العربي وحتى من قبل عرب الغرب، وقد اغدقت شركات وووكالات الدعاية الإعلامية التلفزيونية الاموال على احدى المحطات مقابل تمرير امور كثيرة تتعلق بالثقافة بما في ذلك امور الجنس وما لا يقال من كلام أو ما كان لا يسمح بذكره على الملأ سواء في الترجمة عما يرد في الافلام أو في البرامج، وهكذا بدأ مع عصر الفضائيات المدعومة من الغرب وخلفهم إسرائيل، عصر جديد من الثقافة التي بات يتوجب مع كثر التكرار وسلطة الإعلام، ان يتقبلها العقل العربي، وهو ما حصل، إلا ان ذلك لا يعني ان الفضائيات ليست مفيدة ولم تخدم العرب أو لم تساعد في ايضاح الكثير من الامور، فقد نجحت إسرائيل في تضليل العرب إلا انها فضحت نفسها بالصوت والصورة امام العالم، وحتى الهواتف الذكية صارت ترصد جرائمها واعتداءاتها وممارساتها، كانت هذه البرامج تخوض في كل شيء وتسبب الكثير من الحرج، بدون خوف من أي حكم أو حكومة عربية وحتى من الموساد الإسرائيلي، وقد نقلت «الجزيرة» هذه الميزة معها إلى الدوحة فكانت برامجها تخوض في المحظور بطريقة مفيدة ومثيرة دون التطرق إلى أي امر يتعلق بقطر، برنامج الحوار المفتوح كان البرنامج اليومي الوحيد بين مجموعة البرامج الأخرى التي كانت اسبوعية، وهي « الاتجاه المعاكس » الذي يقدمه الزميل فيصل القاسم و«أكثر من رأي» الذي كان يقدمه الزميل سامي حداد وتوقف الآن و «بلا حدود» الذي يقدمه الزميل احمد منصور واتبعه ببرنامج « شاهد على العصر»، وكل هذه البرامج موجهة بشكل ما وعندما اختلف حداد وهو احد اركان هيئة الاذاعة البريطانية مع سياسة القناة تم ايقاف الحلقة التي كان يقدمها ثم انتهى عمله مع «الجزيرة» بعد ان تم ايقاف برنامجه.

السبت, 15 أبريل 2017

مساحة التغطية

سبقت الكويت كل دول المنطقة بالبرامج الحوارية التلفزيونية المثيرة وكان محمد السنعوسي وعبدالله النفيسي الأكثر جرأة وتحررا في هذا المجال، وكانت مداخلات د.أحمد الربعي الأكثر إثارة وخروجاً عن التقيد بالخطوط الحمراء التي اعتادت عليها المنتديات والتلفزيونات المحلية، ومن ثم صحف عربية تصدر في لندن وقنوات فضائية تبث خارج الكويت واكتسبت صفة الدولية مثل قناة الجزيرة عندما بدأ البث في الأول من نوفمبر 1996. وهذا لا يعني عدم وجود أسماء كويتية كبيرة أخرى في السياسة أو في بقية المجالات فقد انتجت البيئة الكويتية روادا في اغلب المجالات، غير أن برنامج السنعوسي كان محلياً وكانت القنوات التلفزيونية في أواخر السبعينات وبداية الثمانينات غير فضائية أي أنها مرتبطة ببث محدود في جغرافية الالتقاط  لذلك احدثت الفضائية الاخبارية الاميركية CNN ثورة عجلت باتساع نطاق البث الفضائي، كما ان مادة برنامج السنعوسي كانت مركزة على الشأن المحلي وكان الرجل ولا يزال فنانا واعيا وعالما مدركا لدور الإعلام في الأخذ بيد المجتمع للتقدم والتطور واختزال عامل الوقت ومواكبة العالم بالتصرف والتفكير والسلوك. في حين كان برنامج الدائرة المستديرة على ما أذكر للنفيسي خروجاً عن المألوف في طريقة طرح الأسئلة وفي اختيار مادة الحوار. والنفيسي عالم وأكاديمي ونائب سابق ومتمرد في التفكير وفي التحليل وأذكر ان صديقي وأخي د.سعيد سلمان وزير التربية الاسبق رئيس جامعة الإمارات الأسبق ومؤسس وصاحب جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا التي لعبت دوراً مهماً جداً وحيوياً في سد فراغ تقني وأكاديمي في الخليج واليمن وسلطنة عمان فضلا عن الإمارات بالطبع، قال لي إن النفيسي تطرق في إحدى محاضراته في جامعة الإمارات الى مجلس التعاون الخليجي ما دفع عدد من دول المنطقة إلى مراجعة أمور كثيرة عن علاقتها بالولايات المتحدة والعالم. في العراق أتذكر في الثلث الأول من عمري الذي عشته فيه يقولون شاص من شاص وحمل من حمل في إشارة الى التمور التي تنضج والتمور التي تنتفي الحاجة لها وتظل مثل بيض الصعو، كما يقال في الكويت،  وفي المثل الأول إشارات إلى ان هناك من يؤخذ خيره ثم يركن على الرف كما حصل مع قناة BBC  العربية  الأولى قبل ان تتحول فيما بعد إلى قناة الجزيرة. وهي ليست  نفس القناة البريطانية العربية الحالية فليس فيها من أحد من ذلك الجيل  الذي أشرت إليه في مقالات سابقة. كانت الكويت منارة في المعرفة والثقافة والإعلام والرياضة والسياسة بالطبع وأشرت أيضا إلى دور هيئة الجنوب والخليج العربي تحديداً والى مجلة العربي التي لم يكن لها مثيل في كل الوطن العربي، إلا أن مساحة الحرية في لندن وباريس والولايات المتحدة سواء في واشنطن او نيويورك أو لوس أنجلوس وهي أمور مرتبطة ببعدها عن أي مؤثر سياسي أو أمني عربي أكثر مما هي مرتبطة بقاعدة الحريات أو الإعلام الحر غير الموجود في حقيقته في أي مكان على سطح الأرض، لذلك فإن ما يمكن أن يقال في بريطانيا من أي قناة، محصن وبعيد عن الملاحقة القضائية أو التهديد الأمني بالتصفية ومع ذلك لم ينج ناجي العلي رسام الكاريكاتير الفلسطيني المعروف وسياسيون عرب آخرون اغتالتهم أنظمتهم أو إسرائيل. وشتان بين فضائيات أو قنوات تغطي مساحة جغرافية محدودة وبين فضائيات تصل الى العالم في كل مكان. فالتأثير والتوجيه والايحاء وإيصال المعلومة يختلف حسب المساحة وحسب طبيعة السكان وحسب عدد المشاهدين.

الجمعة, 14 أبريل 2017

سوراقيا

وفر لي عملي الإعلامي الكثير من الفرص للعمل بمناصب عالية في  أربع أو خمس دول على الأقل. إلا أنني لم أجد أفضل من الاستمرار في العمل الإعلامي على الرغم من أنني كنت قد كفرت بالمهنة في أواخر عام 1990 وقررت طي صفحة العمل في هذا المجال. إلا أنني بدون الإعلام سواء الصحافة أو التلفزيون فيما بعد ما كان يمكن لي أن أتعرف وأن ألتقي مع النخبة. في لندن  قادتني المصادفة إلى التعرف على إدوارد هيث رئيس وزراء بريطانيا «1970-1974» فقد تبادلنا الرسائل حول مستقبل الوضع في الشرق الأوسط والعراق بعد معركة تحرير الكويت وخيبة صدام. لم يكن متعاطفاً مع صدام إلا أن خلافه مع تاتشر كان سبباً وراء تعاطفه مع العراق. سألني عن أمور كثيرة وأجبته بكل مصداقية وصراحة، وبعد المكاتبات التقيته شخصياً لعدة مرات. لا أعتقد أنه كان يفكر في العودة إلى الواجهة فقد كان قد كبر وتقدم به العمر وأعتقد أن رسائله مازالت موجودة لدي في بيتي في لندن مع أنني فقدت بعض أوراقي وأبحاثي ومؤلفاتي على ورق لم ترَ النور ومن ضمن ما فقدت ديواني شعر «نثر مكثف» وثلاثة كتب سياسية ومجلة «سوراقيا» في عدد نادر صدر في منتصف عام 1990 وحاولت عدة مرات الحصول على نسخة بديلة من ناشرها غسان زكريا الذي تصاحب وتخاصم مع أغلب القادة العرب، إلا أنني لم أجده لا في بيروت ولا في لندن التي يفترض انه يعيش سنوات عمره الاخيرة فيها. ولم يعد أمر هيث يهمني  ولم اعمل معه ولا لقاء واحد. لم تكن مكالمات صدام حسين واتصالاته بي وهي ليست كثيرة حتى لا يقال إنني أحاول كتابة ذكريات أنا في غنى عنها  تماما. فقد كنت ميسور الحال ولدي محال وتجارة بالاضافة إلى عملي الاعلامي. وهذا اليسر تكرر عدة مرات. إلا أن الخيرة فيما يكتبه الله. وبالتالي فلا أرمي إلى شيء ما. فلم يعد في العمر ما يتطلب تقديم فروض الطاعة إلى أحد والاعمال التي ترضي الله تظل هي التي يحاسب عليها المرء، أما ارضاء الناس فهي غاية لا تدرك، وإن كانت مهمة فألف صديق ولا عدو واحد. لذلك فإن غير ما حصل، لا يعني لي شيئاً ولا يفيدني في شيء ان كتب الله لي غير ذلك.  إذ لن  يصلح العطار ما أفسده الدهر، وبعد خراب البصرة كان الأمل فقط في أن يشهد العراق تغييراً نحو الافضل. وكانت علاقتي مع كل القادة والمسؤولين الذين تعرفت عليهم وربطتني بالبعض منهم روابط  ثقة واستشارة ورفقة، قد تمت من خلال معرفتهم لي تلفزيونياً، لا أكثر. وكان صدام حسين الحالة الخاصة المختلفة. واشرت من قبل إلى أنني تعرفت عليه وأنا طالب في جامعة البصرة. ثم انقطعت علاقتي به بعد إعدامه لبعض أهلي. لم أكن معنياً ولم يتقصدني لكنه كان يميز الناس على مدى ابتعادهم عن طريقه. لم أكن سياسياً ولم أزعم البطولة. كان يبحث عن أشخاص لتوليتهم مناصب في البصرة التي كانت مدينة علم وتراث وأدب وثقافة وفكر وفن ورياضة ولم تكن على وفاق معه. وذكرت في مقال سابق أنني تصورت أن مدير عام مؤسسة التمور العراقية وهو من أهل ولايتي البصرة، ربما كان سبب معرفة صدام بي. ولأن قناة  «ann» كانت قناة حرة أكثر حتى من قناة الحرة الأميركية، ولأنها كانت موضع اهتمام ومراقبة من قبل أغلب الحكومات العربية، فإن افتراض اهتمام صدام بمتابعة برامجي تحديداً لأنها أول وأهم من فتح الملف العراقي واستضاف المعارضة إلى درجة أن أحدهم انتقدني بأن لم أترك عراقياً يمشي في شوارع لندن لم أحاوره، ربما كان واردا، إلا أنني انتبهت شخصياً إلى أنه يحرص على متابعة البرنامج وأقسم إنني سمعت من اثنين أو ثلاثة من القادة العرب انهم استلطفوا بعض الاشارات أو التعليقات أو الأفكار من شخصيات استضفتها وطرحت مثل هذه الامور خلال البرنامج. فقد سألني احد كبار القوم ممن توفاهم الكريم قبل فترة أن أتطرق إلى اسمه في حال لم يعد الى لندن أو يتصل بي بعد أن اضطر الى العودة الى العراق لبعض الوقت. سألته لماذا اتحدث عنك وانطق باسمك وأتساءل أين اصبحت بعد عودتك الى العراق؟ فقال لأن صدام يتابع قناتكم ويهتم ببرنامجك ويعرف ان العراقيين والعرب يتابعونه فإذا ما ألقى القبض علي وأودعني المعتقل فإن اشارتك لي في برنامجك باللمز أو الغمز من شأنها أن تدفعه إلى الافراج عني وعدم مضايقتي مستقبلا. وقد تحقق بالفعل مثل هذا الأمر بحذافيره.

الخميس, 13 أبريل 2017

نهاية التاريخ

في عنوان المقال،لا أستعير  من العالم والفيلسوف والمفكر فرانسيس فوكوياما اسم كتابه «نهاية التاريخ والإنسان الأخير». بين العرب مجلة الفورين بوليسي الأميركية تظل الأكبر عالمياً في مجال تخصصها والأوسع معلومة ودقة حتى وإن كانت موجهة لتضليل الادارة الاميركية قبل القراء من أي مكان. ففي أميركا تلعب دور ومراكز ومعاهد الأبحاث والدراسات الدور الأكبر في صناعة القرار وليس في تقديم دراسات موجهة. وعادة ما يكون اصحاب هذه الدور أو كبار محلليها أو كتابها أو الباحثين فيها على علاقة مع  اللجنة الأميركية الإسرائيلية للعلاقات العامة «إيباك»، وهي اللجنة التي ترضى أو لا ترضى عن الرئيس الأميركي ووزير خارجيته ونائبه ووزير الدفاع ومستشار الامن القومي ومدير المخابرات المركزية وسفراء واشنطن في العواصم الكبرى في العالم وأيضاً عن القائد الأميركي الذي يدير حلف شمال الاطلسي الناتو. الفورين بوليسي قد تنتقد حتى الرئيس الأميركي الذي يفترض ان تحافظ على قدر كبير من الاحترام له حتى وإن كانت إحدى ادوات توجيهه وتحريكه. إلا أنها أي المجلة المتخصصة، لا تجرؤ على قول كلمة عتب لا انتقاد ولا هجوم على إسرائيل. ولا تستند فورين بوليسي على مصادر عربية أبداً حتى وإن استخدمت مثل هذه الاسماء في مقابلات أو أدرجتهم ضمن قوائم محرريها أو مراسليها أو مصادرها. هذه المجلة العملاقة قالت في عددها الذي حمل موضوع أسوأ السيئين والذي صب الكثير من المغالطات عن مصر ورئيسها عبدالفتاح السيسي، قالت في مقدمة تقريرها عن الطغاة أن نهاية الحرب الباردة كانت من المفترض أن تكون نهاية التاريخ، حيث اجتاحت الديمقراطية الكثير من دول العالم، مشيرة الى تقرير أصدرته منظمة فريدوم هاوس قالت فيه إن نحو 60% من دول العالم أصبحت دولا ديمقراطية، وهو تطور كبير عن عام 1950 الذي كانت الديمقراطية فيه منتشرة في نحو 28% من دول العالم فقط، لكن المجلة أكدت على أن هذه النسبة لا تعني أن الديمقراطية منتشرة وتحقق أغلبية في العالم، خاصة وأن معظم هذه الأنظمة ليست ديمقراطية بشكل حقيقي بما في ذلك الغرب الأوروبي الذي بدأ يتجه الى تبني أفكار اليمين المتطرف الذي لا يختلف أبداً عن النظم الديكتاتورية العربية، إذ ان جان ماري لوبان السياسي الفرنسي، مؤسس حزب الجبهة الوطنية المنتمي إلى أقصى اليمين ورئيسه من سنة 1972 وهو والد مارين لوبان الرئيسة الحالية للجبهة الوطنية، وجد ماريون مارشال لوبان النجمة الصاعدة في نفس الحزب وفي الأوساط الفرنسية وهي ليست ابنة مارين لوبان التي قتلت والدها سياسيا، الاب جان ماري لوبان كان صديقاً مقرباً من صدام حسين في حين ترتبط  مارين لوبان زعيمة الجبهة بعلاقات صداقة مع العديد من الزعماء العرب الحاليين. وكان الدكتاتور التشيلي الأسبق الجنرال اوغستو بينوشيه صديقاً مقرباً من المرأة الحديدية مارغيت تاتشر التي حكمت بريطانيا دورتين ونصف على مدى إحدى عشرة سنة «1979-1990»  مع علمها بأن بينوشيه مسؤول مباشر عن مقتل الرئيس التشيلي المنتخب سلفادور اليندي في الانقلاب الذي قاده ضده بتدبير وتحريض من المخابرات المركزية الاميركية في عام 1973. الغريب أن تاتشر تؤمن بالديمقراطية الغربية وهي جزء من نسيجها إلا أن المصلحة عندما اقتضت الاطاحة بالنظام الديمقراطي التشيلي تناست وتناسى الغرب امر الانقلاب وجريمة اغتيال اليندي. إلا ان القضاء البريطاني لم ينس وعندما زار بينوشيه لندن بدعوة من تاتشر وهي خارج الحكم، وضع تحت الاقامة الجبرية لعدة اسابيع واخضع للتحقيق الى ان تدخلت قوة نافذة من خارج بريطانيا وسمحت له بمغادرتها. وهي التي تسببت في إزاحة ادوارد هيث من رئاسة الحكومة بعد أن شغل المنصب  من 19 يونيو 1970 وحتى الرابع من مارس 1974 بعدما ابعدته عن زعامة حزب المحافظين ليفوز جيمس كالان زعيم حزب العمال في انتخابات 1974 ويشغل منصب رئاسة الحكومة الى انتخابات 1979 التي أقصته تاتشر عن المنصب والواجهة. ولعل في قرار بريطانيا الحالي الخروج من الاتحاد الاوروبي احياء لمطالب تاتشر التي كانت ترى أن لا ثمن يجعل بريطانيا، وتقصد الانكليز الذين  استعمروا أميركا والهند والشرق الاوسط، يتخلون عن هويتهم الوطنية وتميزهم عن سواهم وأن يذوبوا في الوسط الأوروبي. فأي نهاية للتاريخ؟!

الأربعاء, 12 أبريل 2017

مالك والخمر

ما بين بعض العرب اكثر مما يوحي المثل المعروف عما بين مالك والخمر، وبعض الفقهاء وعلماء الأمة لا يجدون في فقه الامام مالك كتابا عن الخمر إلا ان هذا الأمر متداول وباستخدامات كثيرة للتشبيه أو المقارنة أو النفي، انا لا اتعاطى الخمر ولو كنت غير ذلك لما خفت إلا من الله، لكن مسألة مالك والخمر سحبتني إلى البحث في هذا الأمر فوجدت ان الائمة الاربعة اختلفوا ولم يتفقوا وهم اصحاب شأن، فعلى مذهب أبو حنيفة وفقهاء العراق التحريم يقتصر على السكر وليس في الشرب بكميات غير مسكرة إلا نبيذ العنب، فكله حرام لأنه هو المعروف باسم الخمر لغوياً، في حين ذهب الأئمة الثلاثة الآخرون مالك والشافعي وأحمد بن حنبل إلى سد الباب بتاتاً، ففسروا الخمر في الآية «ومن ثمرات النخيل والأعناب منه سكراً ورزقاً حسناً» بما يشمل جميع الأنبذة المسكرة من نبيذ التمر والزبيب والشعير والذرة والعسل وغيرها وقالوا كلها تسمى خمراً وكلها محرمة، أما الامام أبو حنيفة ففسر الخمر في الآية بعصير العنب مستنداً إلى المعنى اللغوي لكلمة الخمر وأحاديث أخرى، وأدى به اجتهاده إلى تحليل بعض أنواع من الأنبذة كنبيذ التمر والزبيب ان طبخ أدنى طبخ وشرب منه قدر لا يسكر، وكنوع يسمى «الخليطين» وهو أن يأخذ قدراً من تمر ومثله من زبيب فيضعهما في اناء ثم يصب عليهما الماء ويتركهما زمناً، وكذلك نبيذ العسل والتين، والبر والعسل، ويظهر الامام أبو حنيفة في هذا كان يتبع الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود، وابن مسعود كان امام مدرسة العراق، ومقدار الارتباط بين فقه ابي حنيفة وابن مسعود معروف، ولا اريد الاطالة في امر سحبني اليه الخلاف بين العرب والعرب حول امور الدنيا والآخرة فاختلفوا في المذاهب وتحاربوا، واختلفوا على الحدود وتفارقوا، واختلفوا على المصالح فتخاصموا بدلا من ان يتقاسموا وان ينتفعوا مثل سواهم الذين حالت مصالحهم دون استمرار العداء بينهم، وقال احدهم: اذا كان هذا هو الحال بين الفقهاء وخاصة مذهب أبي حنيفة «أحد مصادر التشريع في مصر بجانب الشافعي» فكيف هي احوالنا في امور اخرى؟ لم يرد في بالي الخوض في امر مثل هذا، لم اجد سببا منطقيا مقبولا لمثل هذه الخلافات ويجب ألا تكون حتى ان كانت هناك خلافات حقيقية عميقة فانها يجب ألا ترتقي إلى حال الانقسام إلى معسكرات تتحارب وتمول الإرهاب أو تمول الجهل والطائفية إلى حد الهلاك، يقينا ان حكم الائمة اصحاب المذاهب لا يرقى عليه مهما تطورت الحضارة وتعاظم امر التقدم، إلا ان مشكلة الجهل باتت عامة وشائعة عند الدول المتقدمة ايضا وبات التركيز على الثراء وجمع المال هم كبار اثرياء العالم والاستحواذ على الاسواق سباق بين شركات التقنيات الحديثة والبرمجيات والهواتف الذكية وخدماتها فاذا كان هذا هو حال الغرب المتحضر الديمقراطي في التقييم فكيف يكون تقييم الانظمة التي لا تعرف شيئا عن العالم مثل الممثلة الاميركية الدائمة لدى الامم المتحدة نيكي هيلي؟ لماذا نلومها ان ضربتنا، اذا اختلفنا معها بشأن الحقوق العربية وعنصرية إسرائيل، بكعب حذائها العالي؟ كيف سيكون عليه حال العالم في ظل منطق مثل هذا يحكم العالم بالقرار وبالمنتجات وبالتجارة وبالتحويلات المالية وبوسائط النقل وبعلوم البحار والفضاء؟ تناقص عدد العلماء والمبدعين والفلاسفة والمفكرين وحتى السياسيين وتزايد عدد الاثرياء والباحثين عن الثراء وتجار الحروب والقطط السمان، رئيس المجلس الاوروبي اعتبر يوم توقيع رئيسة وزراء بريطانيا على تعديل عريضة معاهدة برشلونة ايذانا ببدء إجراءات الخروج من الاتحاد الاوروبي انه يوم حزين فيما لم يحفل احد بتعليق عضوية سوريا في الجامعة العربية فالعقوبة طالت سوريا الدولة والشعب، وبدلا من تطوير النظام تم تدمير سوريا، وتشريد اهلها.

الثلاثاء, 11 أبريل 2017

أسوأ السيئين

لا يمكن تعبيد الطرق قبل ان تهيأ الارض المخصصة لمشروع مثل هذا، لذلك لا يمكن ان تشرع القوانين قبل ان تكون لدى الدولة قاعدة تشريعية مستقرة، هذه القاعدة من شأنها ان تجعل التشريع قانوناً ملزم التنفيذ بناء على اسس تكفل كل متطلبات نزاهة وعدالة وتكامل التشريع وضمان خلوه من القصور أو الجوانب القابلة للطعن، وعندما تصبح مثل هذه القوانين سارية فان نفاذها تكفله الدولة بما يكفل عدم تعطيل أي مواد منه إلا بقانون ووفقا للاجراءات الدستورية، وفي كل العالم تظل سلطة الدولة سارية لمقتضيات الضرورة ومن حقها حماية لأمنها ومصالحها ألا تجاهر ببعض قرارات كفلت المصلحة العامة مقتضيات العمل بها، إلا ان العدل وان كان اساس الملك والحكم في كل مجتمع في العالم إلا انه فرض واجباً في المجتمعات الإسلامية، يبقى ان تفسير معنى العدل لا يخضع لتقديرات شخصية ويجب ألا يكون انتقائياً حتى بالنسبة للدولة، فالقانون الذي لا يطبق لاي سبب يجب ان يلغى أو ينسخ بآخر بدلا من ان يظل معلقا أو موقف العمل به، لأن من شأن بقاء القانون على ما هو عليه مع استمرار تعليق العمل به لاي سبب حتى لدوافع المصلحة العامة، ان يوفر مبررا لنمو وتعاظم مسببات تعطيله وهو ما يؤدي إلى نشوء ظواهر مكلفة الحل فيما بعد مهما كان قدر الإنسانية التي سيتضمنها قرار المعالجة، هذه الظاهرة لا تقتصر على دول صغيرة أو محددة وفقا لنظام الحكم فيها، إذ ان اغلب دول العالم خارج المجموعة الغربية، ليس لديها دساتير وان وجدت في البعض منها فهي في تصرف الحكم خاصة في الانظمة الجمهورية المتباهية بالديمقراطية وحقوق الإنسان، وهي مسميات لا وجود لها على الخارطة التشريعية وتظل عرضة لتجاذبات احتياجات هذه الانظمة ولها مبرراتها الجاهزة لاي تصرف حتى وان ارتقى إلى درجة الابادة، وهي سمة بدأت تتسع وممارسة مرعبة كانت قاصرة على حكام معدودين في العالم مثل شاوشيسكو وصدام حسين وعيدي امين والقذافي وكاسترو والرئيس الصيني الحالي ومن سبقه من القادة الماركسيين وموغابي رئيس زيمبابوي والرئيس السوداني عمر البشير واسياس افورقي رئيس اريتريا والرئيس التشيلي الاسبق اوغستو بينوشيه، وهناك زعماء دول اخرى لكنها اقل اهمية في الترتيب وان كان اذاها واحدا ودول عربية لا استطيع ذكرها، إلا ان الميزة الغريبة التي تجمع بين أو كل هؤلاء والذين لم ترد اسماؤهم مثل رئيس كوريا الشمالية الحالي، يحملون شعارات ثورية ضد الاستعمار وضد الرجعية وضد الاستبداد، وهذا لا يعني عدم وجود دساتير حقيقية يصعب المساس بكفاءتها أو العبث بموادها المبنية على ضمان كرامة الإنسان، الاطرف ان مجلة عالمية متخصصة مثل فورين بوليسي الأميركية التي نشرت قائمة جديدة عن أسوأ أنظمة ديكتاتورية وحكام طغاة في العالم، تضمنت عددا من الحكام العرب والأفارقة ممن انتقتهم وفقا لاغراض تتفق واهواء لوبيات داخلية ادرجتهم إلى جانب حكام آخرين في أوروبا وآسيا وأميركا اللاتينية بلغ عددهم 23 ديكتاتورا قالت المجلة انهم يحكمون ما لا يقل عن 1.8 مليار مواطن من مختلف أنحاء العالم، وكان أبرز الذين ذكرتهم ممن هم على خلاف مع إسرائيل أو اتفاق مع العرب، ولم تورد اسم بنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل العنصري. حسن، العرب ليسوا ملائكة بل هم مثقلون بالهموم والاخطاء الاستراتيجية الثقيلة بسبب غياب البرامج السياسية الواضحة التي عادة ما تأتي بشخصيات تناسب الحقائب التي يشغلونها، إلا ان الحقيقة الصادمة ان الغرب وراء اغلب خطايانا ووراء تخلفنا ووراء فسادنا فهم الذين دفعوا العالم برمته إلى الهاوية، وزعمت المجلة الأميركية في المقدمة التي أعدتها تمهيدا لعرض قائمة الحكام المستبدين، والتي أسمتها المجلة باسم «أسوأ السيئين» في العالم أن هناك في العالم نحو 40 ديكتاتورا أدرج 23 منهم فقط في القائمة الجديدة للمجلة وهم يحكمون قرابة مليارين من الناس، معتبرة أن الفساد الذي يحكم به هؤلاء المستبدون مكلف للغاية، حيث تسبب في فقد الملايين من المواطنين أرواحهم كما انهارت اقتصادات الكثير من الدول وفشلت دول أخرى بسبب القمع الوحشي الذي تمارسه أنظمتها.

الإثنين, 10 أبريل 2017

بالكعب العالي

نحن لا نختلف مع الولايات المتحدة، لسنا بحاجة الى الخلاف معها ولا معاداتها ولا الوقوف في طريقها ولا الاستغناء عن الحاجة اليها، إلا ان الخلاف يقع مع الجزء المتعلق بقرارات وسياسة حكومة وإدارات الولايات المتحدة المتعاقبة المجانبة للحق بكل ما يتعلق بالحقوق العربية، الولايات المتحدة اكبر داعم للحقوق في العالم في كل ما يتفق مع مصالحها التي ترضي إسرائيل والطرف الأميركي اليهودي المهيمن على الحكومة والمضلل للرأي العام، وهي أكبر قوة عظمى في التاريخ مارست الظلم من جراء اخطاء سببها قلة الخبرة وتضارب المصالح بين اطراف القرار الداخلي، نحن نختلف مع أميركا التي تدار من قبل اطراف نافذة تخدم المشروع الصهيوني العالمي، تعادي العالم وتعادي نفسها وتخالف مبادئها وتعجل بزوال ريادتها للعالم في القرار السياسي والاقتصادي والمكانة العلمية والصناعية، لا ندعي على واشنطن ولا على الولايات المتحدة كدولة عظمى شهد العالم الكثير من الايجابيات في امور عدة لا يمكن انكارها، بل إن البشرية استفادت من الولايات المتحدة في كل آفاق التطور التقني والصناعي في وسائل النقل وفي الادوية وفي الابحاث الطبية وفي الزراعة وفي دعم الامم المتحدة، إلا أن العيب الكبير الذي تقاد اليه يتمثل في موقفها الناكر والمعادي للحقوق العربية المشروعة وهي ليست حقوقا فلسطينية فقط فالقضية الفلسطينية والقدس تحديدا قضية عربية واسلامية وتخص كل البشرية في اجزاء منها المتعلقة بالقدس ايضا وبيت لحم، لذلك ولمن لا يؤمن بوجود هيمنة يهودية على السياسة والإدارة الأميركية، نستشهد بما قالته الممثلة الدائمة للولايات المتحدة في الأمم المتحدة، نيكي هيلي، الاثنين 27 مارس الماضي، في كلمة لها أمام مؤتمر اللجنة الأميركية الإسرائيلية للعلاقات العامة «ايباك»، بأن الكل يهابها في الأمم المتحدة ويرتعش خوفاً منها بسبب موقفها المعارض لقرار مجلس الأمن الدولي 2334، الذي سمحت إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما بتمريره في مجلس الأمن يوم 23 ديسمبر 2016 وذلك بالامتناع عن التصويت،هيلي التي كانت تتحدث أمام مؤتمر «ايباك» الحادي والخمسين في العاصمة الأميركية، والذي نقل على الهواء مباشرة عبر رابط البعثة الأميركية الدائمة في نيويورك، قالت ان «كل شخص في الأمم المتحدة يخشى أن يتحدث معي عن القرار 2334»، وأضافت ان تمرير القرار ما كان ليحدث لو كانت هي السفيرة آنذاك، وقد قوبلت الكلمة بعاصفة من التصفيق الحاد من المشاركين الذين قدرت أعدادهم بنحو 18 ألف شخص، ونقلا عن مصادر صحافية في واشنطن كانت تتابع تفاصيل المؤتمر، فان عناصر من «ايباك» كتبت «نقاط التحدث» التي استند اليها خطاب السفيرة هيلي والمعروفة بجهلها بتفاصيل القضية الفلسطينية والصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وقد خلا الخطاب من أي اشارة لمسألة الاحتلال، والادهى ما قالته هيلي، التي كانت حاكمة ولاية كارولاينا الجنوبية قبل أن تصبح سفيرة أميركا في الأمم المتحدة، ففي لهجة حادة ألهبت الجمهور المناصر لإسرائيل قالت هيلي «إن أيام توجيه التهم والادانة لإسرائيل قد انتهت وان على كل من يقول إنك لا تستطيع تحقيق شيء في الأمم المتحدة، فانهم بحاجة الى معرفة أن هناك شرطيا جديدا في المدينة»، وتفاخرت بأنها أوقفت تعيين رئيس الوزراء الفلسطيني السابق سلام فياض كممثل للأمين العام في ليبيا، «لأن تعيينه سيكون بمثابة مكافأة على سلوك سلبي»، كما قالت، ووصفت هيلي دورها في الأمم المتحدة قائلة «أنا لست هنا للمشاركة في لعبة وما أردت التأكد منه هو أن الولايات المتحدة بدأت تقود من جديد»، في لوم غير مباشر لإدارة أوباما السابقة بأنها كانت ضعيفة وسمحت بتوجيه انتقادات حادة لإسرائيل، مؤكدة أن إدارة ترامب تمثل «انذارا للجميع» في الأمم المتحدة في كل ما يخص إسرائيل، وأضافت: «أنا أنتعل حذاءً بكعب عال، ليس من أجل الموضة، ولكن لركل أي شخص أراه يوجه انتقادا خاطئاً لإسرائيل»، علينا ألا نستغرب موقف الامين العام الجديد للامم المتحدة انطونيو غوتيريس في رفضه لتقرير لجنة غرب آسيا الاقتصادية اسكوا التي ثبتت موقفا يؤكد ان إسرائيل تحولت الى دولة فصل عنصري بالكامل بعد ان كانت تعمل على ذلك بالخفاء، فهو يخشى على نفسه قبل منصبه ويخشى على المنظمة الدولية من الزوال من الوجود في عهد الرئيس الأميركي الحالي الذي جيء به ليفرض نظاما سياسيا مواليا لإسرائيل بالكامل، إذ إن هيلي تتهم الامم المتحدة بالتحيز المناهض لإسرائيل كما تزعم وعلى نحو أكبر بكثير مما كانت تتوقع، كما تعهدت بأنه من الآن فصاعدا لن يكون هناك «المزيد من الحرية والمنح والمكافآت المجانية للسلطة الفلسطينية حتى تعود الى طاولة المفاوضات دون شروط»، وماذا نسمي اعتراف داني دانون الممثل الدائم لإسرائيل في كلمته أمام المؤتمر أن إدارة ترامب قد غيرت قوانين اللعبة في الأمم المتحدة، وأن هذا التغيير بدأ يظهر على كل المستويات، وقال «اننا نعمل على اجراء تغييرات حقيقية وفعلية مع أصدقائنا في بعثة الولايات المتحدة الأميركية»، وأكد أمام المؤتمر: «معاً نرسل رسالة واضحة أن الأيام التي كانت الأمم المتحدة مهووسة بتوجيه الانتقادات لإسرائيل قد ولت والى الأبد»، هل هي نظرية مؤامرة باعتراف أميركي صريح بأنها تحولت الى مخالب لحكومة بنيامين نتنياهو؟

الأحد, 09 أبريل 2017

التفكير بصوت عالٍ

عاش العراقيون نوعا من الكبت السياسي المدمر الذي كلفهم الكثير، وهو أشد مضاضة وخطورة من الكبت الاجتماعي بكل صوره، في بعض الدول العربية المحافظة هناك نسبة كبيرة ومخيفة لما يعرف بزنى المحارم. بسبب الكبت والتسلط غير المدروس من قبل من يمنحون أنفسهم حق محاولة فصل مجتمعاتهم عما يجري في العالم. الاسلام دين الفضيلة والاخلاق والعلم وليس دين التوحيد والتقوى والعفة فقط، وعندما سقط صدام بفعل الغزو الاميركي للعراق، فتحت على العراقيين في واقع الامر ابواب جهنم وليس أبواب التحرير. فقد تسبب جبروت النظام السابق وعدم ايمانه بالرأي الآخر والتعددية الحزبية والمعارضة السياسية الحقيقية، في غياب خط ثان مؤهل للحكم. فتعلمت المعارضة العراقية التي تحكم الآن، فنون الادارة ليست الوطنية ووفقا لاحتياجات بلدها وإنما لما عاشته في الدول التي احتضنتها وفرضت عليها ما تريده، ولا يمكن التقليل من خطيئة دول الجوار العراقي في تحمل الكثير من تبعات ذلك  فقد تعاملت مع القضية العراقية ليس على أساس شعب عربي مختنق اختطفت منه الحرية وحق التعبير والاتصال بالخارج وليس كبلد عريق شعبه متعدد الأعراق والثقافات وريث الدولة العباسية والإرث البابلي والسومري والكلداني. لذلك عبر العراقيون عن معاناتهم بطريقتهم الخاصة القائمة على الصراحة وتوجيه اللوم والاتهام والتعبير عن الشك وعدم الثقة. كلام بصوت عال وبدون ضوابط عما كان يجول ويدور في أنفسهم، فلم يتحمل. كانت لديهم شحنات سياسية عالية الامواج وكانوا بحاجة إلى استماع العرب، والعالم لهم، وقاد تمتعهم بقدر غير محدود من الحرية وبدون ضوابط الى افتعال خصومات مع أغلب الدول العربية. لقد اشعرتهم أغلب الدول بما ولد لديهم مثل هذا الشعور. لم تكن قناة الجزيرة مفتوحة أمامهم. كانت الاتصالات مع برامجها الحوارية تتم بتنسيق مسبق وبطرح مبرمج ولم تكن في العربية مثل هذه البرامج ولا كانت تتقبل اتصالاتهم. قناة «ann» اللندنية التي سبقت العربية بثماني سنوات تقريبا وأكثر، كانت القناة الوحيدة المفتوحة أمامهم ليس لتلقي مكالماتهم فقط وإنما لمشاركة أعداد كبيرة من معارضة الخارج التي كان كل منها يغني على ليلاه مع قاسم مشترك واحد وهو التعاون مع الشيطان لإزاحة صدام والجلوس على كرسي الحكم بدلا منه. فتم لها ما أرادت بفعل الدبابات والقاذفات الأميركية إلا أنها سقطت في الامتحان وسقط معها نفر غير قليل ممن ايدها من العراقيين، وسيحتاج العراق إلى عقود من الزمان للخروج من هذا المأزق. كانت تردني اتصالات هاتفية وفاكسات كثيرة وبالمئات يوميا من العراق ومن بقية الدول العربية. فبرنامجي «الحوار المفتوح» كان يوميا على مدار الاسبوع وكان مفتوحا أمام من ينتقد ومن يدافع ومن يصرخ بألم ومن يجيد انتقاء الكلمات واختصار الطرح. احتاج الأمر إلى بعض الوقت للتأقلم مع الوضع الجديد. والغريب الآن أن بعض النواب العراقيين الحاليين وبعض السياسيين يتحدثون أمام الفضائيات العراقية عن فضائح ويوجهون اتهامات للحكم الحالي وأقول الحكم الحالي ولا أقصد حزبا أو اسما معينا لأن العراق الآن محكوم وفق نظام المحاصصة والتقسيم المذهبي والعرقي الذي يهدد بتقسيم العراق على الطريقة التي خططت لها اسرائيل وتنفذها أميركا، ووقتها ستكون إيران الرابح الأكبر لزوال خصم تاريخي أمام مشروعها القومي في حين ستكون السعودية الخاسر الأكبر. ايران تستفيد من أخطاء الآخرين وتتصيد هذه الأمور وهناك من يرى أن من حقها أن تفعل وان أي دولة اخرى يمكن أن تفعل نفس الشيء وهناك من يصر على أن الصراع المذهبي ونفي الآخر حق والتزام ديني مقدس ليضمن له مكانا في الجنة. وينسى قول الكريم «لا إكراه في الدين» وهذا شأننا مع كل العالم، وينسى كذلك قوله تعالى «إن أكرمكم عند الله اتقاكم».

الصفحة 2 من 67