جريدة الشاهد اليومية

هشام الديوان

هشام الديوان

بين السطور

حذار ثم حذار من المعادلات الجديدة التي يمكن ان تظهر على السطح بسبب التوترات الحالية في المنطقة العربية ككل. لا ازعم اني اقرأ المستقبل ولا الممحي كما يقول العراقيون، لكني مع القول المصري المأثور في ان الرسائل تقرأ من عناوينها، لذلك فإن هذا الذي يجري الآن ابتداء بما يعرف بالربيع العربي الذي تحول إلى ربيع عبري وانتهاء بالأزمة الخليجية والتصعيد الحالي ضد حزب الله اللبناني وإيران، ليس سوى فصل جديد من فصول ما اعد للمنطقة من وضع جديد فيه غالب واحد هو إسرائيل ومغلوبون بالجملة هم نحن العرب وربما تنظم الينا إيران ايضا ما لم تلجأ إلى الدبلوماسية والحذر في التعامل مع قوى مصممة على تغيير النظام في طهران بكل الطرق الممكنة، وليس لدي شك في ان إيران تتحمل بشكل أو آخر جزءاً مهماً من تبعات تسهيل أمر خصومها في بلوغ هذه النتيجة عبر عمل عسكري ليس بمقدور إيران ان تخوض حربا بسببه لفترة طويلة وتعجيزية كما فعلت مع العراق في حرب الخليج. العراق دولة مجاورة وإيران معروفة بمعاركها الطويلة الامد التي امتدت احداها ثمانين عاما من قبل وهي حروب كثيرة إذ إن إيران امبراطورية تاريخية تنافس العرب في القدم وحضارتها عالمية شبيهة بالفراعنة والامبراطورية اليونانية والامبراطورية البيزنطية. فقبل التاريخ بقرابة 480 عاما ظهرت الامبراطورية الاخمينية التي تعتبر الامبراطورية الفارسية القديمة. المشكلة ان لدى الدولة الإيرانية الحالية خلافات كثيرة مع اطراف متعددة بعضها قوى عظمى لن تقبل بالتمدد الإيراني في اليمن والبحرين والعراق وسوريا ولبنان وغزة ويقال الآن في المغرب ايضا. هناك خلاف مذهبي هو الذي يخيف بقية الدول، وهذا الخلاف ناجم عن اصرار طهران على فرض مبدأ ولاية الفقيه على كل المواطنين الشيعة في اي مكان في العالم. لن اقول ان الاطراف التي على خلاف مذهبي مع إيران لاعلاقة له بولاية الفقيه، على حق فهي ايضا تتحمل مسؤولية التصعيد المذهبي بالاصرار على رفض الآخر وعلى عدم الاكتفاء بالاختلاف وانما بالتشهير والاساءة والاتهام بالكفر وبإباحة الدم وأمور أخرى كثيرة مارسها تنظيم القاعدة ويمارسها تنظيم داعش الان، وكلما صعد احد طرفي الأزمة صعد الطرف الآخر المواجهة الفكرية والمذهبية على نحو اغرق المنطقة العربية واجزاء أخرى من العالم بمشاكل افرزت نماذج من الجرائم والهجمات والافعال التي تفتعل لها مبررات دينية تفسيرية لنصوص قرآنية لاعلاقة لها ابدا بما يزعمه المفتعلون لهذه المبررات. لن تتدخل الولايات المتحدة في اي حرب جديدة في المنطقة الا لخدمة إسرائيل. كونوا على ثقة بأن العرب والمسلمين لو بادروا الى اعطاء اميركا وغيرها كل اموال النفط فانها ستنتصر لإسرائيل وليس لهم وثقوا ايضا ان إسرائيل لاتفرق بين المذهبين، قد تدعي الانحياز إلى طرف ما إلا انها في النهاية ستنفذ مآربها، ولن تنجو اي دولة في المنطقة من مكر الصهاينة.

الأحد, 19 نوفمبر 2017

هذا ما يخططون له

هناك عمل دؤوب من قبل اطراف دولية نافذة على كل شيء في العالم. هذه القوى تعد لمرحلة جديدة من شكل الحياة السياسية والسيادة على القرار في كل مكان. من وجهة نظرها او ما تخطط له هو احلال  نظام  حكم سياسي بفكر ديني يهودي محل النظام العالمي الحالي . على ان تخرج الولايات المتحدة وتحل الصين محلها. ولم تكتف المنظمة اليهودية العالمية عند حد التطلع لافراغ النفوذ الاميركي على اسواق العالم وتجارته  استعانة بالصين وطموحها المشروع في ان ترث كل شيء من اميركا. عمليا ايضا، البضائع الصينية تغزو اسواق اميركا وليس اسواق الدول الصناعية الكبرى الاخرى . ليس مأسوفا على اميركا. الاخطاء كثيرة وقاتلة الا ان لها فضلا كبيرا على البشرية. اميركا تنتج بضائع محكمة في حين تنتج الصين بضائع مقلدة للمنتجات الاميركية واليابانية والالمانية والروسية. وفي وقت ما  خلال الفترة من 1995 -2003 كانت ظروف عملي توجب ان اعود الى بيتي في لندن متأخرا وكنت اعمل في مجلة «المشاهد السياسي» التي اصدرتها هيئة الاذاعة البريطانية  «BBC»  في عام 1938 باسم «هنا لندن» وسبق ان اشرت الى تفاصيل متغيرات المجلة نفسها وتغير اسمها . وكانت مكاتب «المشاهد السياسي»  تقع في احد مباني شارع  «Stratford Place»  وهو شارع صغير مغلق  متفرع  من  شارع   اوكسفورد ستريت «Oxford St» التجاري الرئيسي في العاصمة البريطانية. هذا الشارع يضم  عددا غير قليل من  اشهر الماركات العالمية  وفي احد اكبر متاجر لندن بعد هارودز الذي باعه محمد الفايد بعد فجيعته بابنه عماد لقطر. كنت اشاهد الصينيين وهم يصورون في أوقات متأخرة أحدث المنتجات العالمية التي تعرض في واجهات المحلات  خصوصا في الايام التي تسبق احتفالات الكريسماس وعيد الميلاد وتعندت ألا أذكر اسم المحلات ولا أنواع البضائع الا انها بعضها ازياء وبعضها الاخر هواتف نقالة واجهزة ذكية اخرى واثاث وادوات كهربائية وملايس رجالية ونسائية. كانوا يصورونها ويرسلونها على الفور في بداية ظهور خدمة الواتساب وطرق تبادل المعلومات هاتفيا. وكنا نسمع ونقرأ ان هذه البضائع التي جرى تصويرها قد انتج منها بعشرات الملايين في أسواق آسيا وربما الهند خلال وقت قياسي. أميركا تصنع طائرات وطابعات وسيارات ووسائط نقل واسلحة واجهزة اخرى بالغة التعقيد بجودة عالية جدا او هكذا كانت. وفي اسواق اخرى غير اليابان تطرح سلع مقلدة وحتى الطائرات والسيارات واجهزة النقل والهواتف النقالة الا ان هذه مرحلة انتقالية. فإلى جانب البضائع المقلدة هناك منتجات بالغة الجودة  واخرى في طور التطوير والتحسين. هنالك مصاعب امام الصين لوراثة الاقتصاد الاميركي بالكامل الا ان هناك ظروفا مساعدة ستسهم في  سقوط الولايات المتحدة. قد لا يتم ذلك بسرعة الا انه سيحصل وهذه هي سنة الحياة ولا دائم فيها غير الله. ولاتزال هنالك حاجة للاجابة: يهودية عالمية تحكم المجتمع الدولي ام نظام شرير مثل داعش؟

السبت, 18 نوفمبر 2017

وعد بلفور

ضحت بريطانيا قبل نحو اربعة عشر عاما بوزير خارجيتها الاسبق روبن كوك فأزاحته اولا من منصبه ونصبته وزيرا لشؤون البرلمان وعندما عارض تورط بريطانيا بالحرب مع أميركا ضد العراق تمت اقالته او استقال هو في حقيقة الأمر إلا أنه عوقب من قبل المتنفذين اليهود باتهامه بالتحرش الجنسي تماما كما هو حال وزير الدفاع البريطاني الحالي مايكل فالون الذي اتهم بنفس الامر. وسبق لي ان مررت بتجربة من هذا النوع عقوبة على أمر ما لا علاقة له بما تعرضت له من يومها والى اليوم انا وابنتي التي طردت من عملها بدون ذنب. اما كوك فقد كان منصفا متفاعلا مع العرب والحقوق العربية مثل قضية فلسطين  وهو اسكتلندي الاصل وعادة فإن اغلب اهل جمهورية ايرلندا والاسكتلنديين يتعاطفون مع العرب. نسق كوك مع نبيل شعث الوزير الفلسطيني البارز ايام الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، لاصدار بيان اعتذار تاريخي باسم الأمة البريطانية للعرب عموما وللفلسطينيين خصوصا بسبب خطأ وعد بلفور المشؤوم وما سببه من مآس وحروب وويلات. لم تطق تل ابيب مثل هذا التوجه ولم يطق اليهود البريطانيون الامر الا ان البريطانيين يؤمنون بحرية العقيدة والاعتقاد وهي في حقيقة الامر افضل بلاد الارض في هذا الامر. وفي يوم ما كان ونستون تشرشل أحد اعظم زعماء بريطانيا التاريخيين اقرب الى اعتناق الاسلام مما يقال الآن عن ولي العهد البريطاني الأمير تشارلز ومن الملكة اليزابيث الثانية التي قيل عنها نفس الأمر. تشرشل اسطورة البريطانيين الذي يتبارك النواب المحافظون وهو حزبه وحتى العماليون وهم خصوم حزبه، بحذائه في تمثاله الذي يتوسط الصالة الفاصلة بين مجلس العموم واللوردات في البرلمان البريطاني. أما كوك فقد عمل على حل القضية الفلسطينية بالانتصار للفلسطينيين وليس كما عمل الرئيس الاميركي بيل كلينتون الذي جمع عرفات وايهود باراك في  الوايت ووتر بكامب ديفيد . كلينتون حاول التوصل الى تسوية للصراع العربي الاسرائيلي قال لي عرفات انها كانت لمصلحة اسرائيل فرفضها وطار تاركا كامب ديفيد  ومع ذلك عاقبت الصهيونية العالمية كلينتون على نواياه باستدراجه الى فخ  مونيكا لوينسكي. وعاقبوا رئيس البنك الدولي الاسبق دومينيك شتراوس الذي كان قاب قوسين أو أكثر من دخول الاليزيه رئيسا لفرنسا فتم تلفيق تهمة التحرش الجنسي له لإبعاده عن شغل منصب رئيس الجمهورية الفرنسية. كوك لم تكتف اليهودية العالمية بمعاقبته بتشويه سمعته فقد اعتدوا عليه بالضرب بالايدي عندما زار فلسطين وادعوا ان مستوطنين متطرفين رفضوا السماح له بدخول القدس. اليوم يطالب الفلسطينيون وكل العرب باعتذار تاريخي من بريطانيا عن جريمة وعد بلفور.  الحكم الحالي في بريطانيا اقرب الى اليهود من العرب. اليهود اذكياء وشاطرين والبريطانيون منهم لوردات ومليارديرات وهم في قمة الاخلاق. وبريطانيا هي الدولة التي تسوس العالم. نحن لدينا داعش ومجتمعاتنا مشغولة بالفتن الطائفية ودولنا ومجتمعاتنا «عدا الكويت» صارت اقرب الى اسرائيل من العرب وليس من القضية الفلسطينية فقط لذلك ثار البعض على رئيس مجلس الامة مرزوق الغانم. وحجة انحراف البوصلة باتجاه التطبيع مع اسرائيل هي محاربة ايران ويا له من عذر قبيح عن فعل اكثر قباحة.

الخميس, 16 نوفمبر 2017

الاختفاء وراء الحلم

أعرف مسعود البرزاني رئيس اقليم كردستان العراق واقول رئيس ولا اقول الرئيس السابق لقناعتي بأنه سوف لن يتخلى عن الحلم بأن يصبح أول رئيس لأول دولة كردية في العراق. لي صديق عزيز بمثابة اخ اسمه جوهر سورجي الذي نال حق امتياز طباعة  جريدة الشرق الاوسط في العراق . جوهر ينحدر من احدى العشائر الكردية المعروفة وفي يوم ما استضفته تلفزيونياً في برنامجي «الحوار المفتوح» في قناة  «ANN»  اللندنية  والحقيقة اني استضفته ثلاث أو اربع مرات  فقد كان الموضوع العراقي الى ما قبل الغزو الاميركي للعراق، الشغل الشاغل للمنطقة. احتج البرزاني على كلام السورجي   وزعلوا علي وقالوا عني ما قالوا  لان والد جوهر كان قد اغتيل لخلافات مع البرزانية. بعد سقوط صدام عاد جوهر الى العراق وكان على خلاف مع صدام بينما السيد مسعود كان على وفاق مع «أبو عدي». واستعان به ضد جلال طالباني في عام 1996 ولولا نجدة صدام لمسعود لما كان موجودا الان. المهم ان من يعتقد ان رئيس اقليم كردستان قد تنازل او رفض التجديد أو التمديد له فهو واهم لأن من يقرأ شخصية هذا الرجل يعرف انه من فصيل يولد حالما بالسلطة لانه ابنها والاكراد قبلائل قبل ان يكونوا حضراً. الجانب الحضري منهم في السليمانية لذلك كان الطالباني اكثر واقعية ودهاء وفكرا سياسيا. وأفضل في التفاوض وفي الحرص على عدم قطع العلاقات مع الطرف الاخر ايا كان الخلاف بين الجانبين. على عكس البرزاني الذي زاره أمين عام الجامعة العربية واياد علاوي وهو نائب الرئيس العراقي  وحيدر العبادي رئيس الوزراء وسليماني  احد قادة فيلق القدس في الحرس الثوري الايراني، لاقناعه بعد الاصرار على اجراء استفتاء الانفصال  فلم يقدر أي منهم تماما كما فعل صدام يوم زاره امين عام الامم المتحدة خافير بيريز دي كويلار لاقناعه بالانسحاب من الكويت فرفض فكان الثمن  ان العراق الان تحت الاحتلال. اشرت في مقالي امس الى ملكة بريطانيا وهي في حقيقة الامر قديسة ولا دخل لها بوعد بلفور ولا بالاحتفال بالذكرى المئوية للوعد المشؤوم فهو قرار الحكومة والحكومة الحالية في لندن اكثر ميلا الى اليهودية العالمية من أي تعاطف محتمل مع العرب على عكس الملكة. والسياسة في بريطانيا والسلطة بيد الحكومة والبرلمان ولا سلطة حقيقية لقصر باكنغهام وهو مقر الحكم واقامة الملكة واسرتها على 10 داوننغ ستريت مقر رئيسة الوزراء ولا على ويستمنستر وهو مقر البرلمان بشقيه «اللوردات والعموم». مسعود البرزاني الذي اعرفه سيظل يقف وراء حلم اقامة دولة كردية في شمال العراق ولو على أربيل أو أربيل ودهوك على أمل أن يصبح هو اول رئيس أو ملك كما يحب لهذه الدولة التي سيكون من الصعب عليها جدا، حتى وان كانت اسرائيل معها وداعمة لها وراعية لقيامها وهذا هو سبب الاكثار من رفع علم اسرائيل من قبل الاكراد مؤيدي الاستفتاء من قبل والانفصال الآن، ان تقاوم تحديات الفشل والسقوط. تكاليف المعيشة باتت غالية والشعب الكردي يحتاج الى وظائف ويحتاج الى النفط لتصديره والحدود ستظل مغلقة في وجه الدولة الكردية ان قامت بالفعل وخصوم اكراد العراق أو خصوم مسعود البرزاني هم تركيا وايران وسوريا وليس عرب العراق لا نوري المالكي نائب الرئيس الحالي ورئيس الوزراء العراقي السابق ولا حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي الحالي ولا الحشد الشعبي. العراقيون يريدون الخلاص من الملف الكردي إلا ان الاكراد طامعون بأكثر مما لديهم  ومسعود البرزاني سوف لن يهمه لو احترق كردستان مع العراق بأكمله طالما ظل هو واهله احياء فالدولة الكردية اولا على ان يكون البرزاني رئيسها او ملكها. هذا هو المهم فلا تتعبوا انفسكم.

الأربعاء, 15 نوفمبر 2017

إعلام الناس

في عالم الاعلام والعلاقة بين ادواته وبين المجتمع بشقيه الحكومي والاهلي. هناك اعلام ناس وهناك اعلام دولة. الكويت تشكل نموذجا منفردا فقد تخلت الدولة عن دورها في الاعلام طواعية للناس. الاعلام هو الصحافة وهو غير التلفزيون الحكومي وغير الفضائيات غير الاهلية وغير وكالة الانباء. في الكويت ولد الاعلام بإرادة حكومية ناضجة. الا ان الدور اسند للقطاع الخاص. ووجدت الدولة من خلال الدستور الكافل للحريات والكرامات. ان فاعلية وقوة وتنوع وتطور الاعلام وكان الحديث في البداية عن الصحافة التي تلت اعلان الاستقلال مطلع الستينات ثم تبع ذلك التلفزيون الحكومي الذي استخدم مادة الاعلام الاهلي في توفير متطلبات مصداقيته وانتشاره حتى في نشرات الاخبار التي اعتمدت على وكالات الانباء والصحف الى ان اعيد تأسيس وكالة الانباء الكويتية في السادس من اكتوبر 1976 بعد ان كانت الوكالة قد تأسست قبل ذلك في عام 1956. الا ان الاعلام الكويتي استمد قوته من الدولة وان لم يتوقف عن توجيه النقد لها ومشاكستها اعتراضا على بعض الاخطاء او اختلافا في فهم دوافع ومبررات القرارات الداخلية والخارجية. وادركت الدولة عن قناعة اهمية الاعلام ففتحت الابواب امام الفنون المسرحية والمسلسلات لتكمل عامل التعريف بالكويت والترويج لسياستها المتسامحة الصديقة للكل وفي التعبير عن موقف الرأي العام حيال الامور التي اوكلت الدولة للمجتمع حق بيان موقفه منها. غير ان التجارب العربية في التعاطي مع الاعلام تختلف من بلد الى آخر تبعا لطبيعة النظم الحاكمة ومواقفها السياسية ونوع علاقتها مع المجتمع. وإلى فترة ما سابقة وحتى الان لا تتشابه العلاقة بين الحكم في الكويت بعلاقته مع الناس وبين مثيلاتها من العلاقات في اي بلد عربي اخر حتى في اقرب الدول شبها بالكويت. في مشوار عملي الصحافي والتلفزيوني عاصرت فترة حكم الشيخ صباح السالم والشيخ جابر الاحمد وتعاملت مطولا مع الشيخ سعد العبدالله يرحمهم الله جميعا الى جانب طول فترة عملي في الاعلام والى الان وفي ظل تعاملي المبكر مع صاحب السمو الامير الحالي عندما كان وزيرا للخارجية. جميعهم كانوا على علاقة مباشرة مع الناس. كل الناس. وابوابهم مفتوحة ولقاءاتهم وجولاتهم بمناطق الكويت لم تتوقف لكن الامير الحالي هو اكثر من اختلط بشرائح المجتمع. بصلاته المباشرة بالدواوين واحتضانه المبكر للعاملين في الاعلام وهو من اسس مجلة «العربي» وهو اكثر من يحرص على زيارة ابناء شعبه لتقديم التهاني في شهر رمضان المبارك وفي الاعياد وفي الافراح والمناسبات الخاصة وفي التعازي ايضا. وظل التفوق الاعلامي الكويتي مدينا بالفضل ولازال للدولة « الحكم والدستور والقانون والقضاء». هذه التجربة ستتضرر هي الاخرى من جراء الزحف المنظم لوسائل الاعلام الالكترونية الحديثة وفي سرعة انتشارها وفي توافرها وفي قدرة الافراد على استخدامها والتعاطي معها والافادة منها اينما كانوا حتى وهم على متن الطائرة. ارتفعت تكاليف صناعة الصحف وهي صناعة حقيقية تتطلب رأسمال عالياً كما تتطلب كفاءات متفرغة موهوبة وصادقة. الا ان الاعلان التجاري الذي ظل يغذي الصحف والقنوات التلفزيونية وجد ضالته في ادوات التواصل الاجتماعي التي ليس بامكانها ان تعمل بدون مادة تلفزيونية مصورة جاذبة وبدون اخبار صحافية ينتظرها الكل.

الثلاثاء, 14 نوفمبر 2017

الزبد وما ينفع الناس

شعرت بالفرح وأنا أتلقى عرضا من إحدى شركات الاعلان التلفزيوني لتغطية مصاريف مكتب «صوت العرب» وكان اسمها في البداية «اخبار العرب» قبل ان يشتري رئيس مجلس الادارة امتياز اذاعة «صوت العرب» وحقوق ملكية كامل الاسم ويسجله في القاهرة وهو ما سمح لنا بأن نحول «اخبار العرب» الى «صوت العرب» التي سترى النور قريبا بإذن الله ببث مستقل على مدى اليوم وبنشرات اخبار ومواجيز وبرامج اخبارية وحوارية بعد ثلاث سنوات من بث نشراتها الاخبارية اليومية ومواجيز الانباء من خلال وقت مستأجر من الزميلة الرائعة قناة «الشاهد». شعرت بالفرح لان العرض الذي قدم إلينا في القاهرة لتغطية كامل تكاليف المكتب وهو احد اكبر مكاتبنا الخارجية لعدد المراسلين والمصورين والمونتيرية والادارة  فضلا عن مصاريف المكتب وتكاليف البث الفضائي الحي «على الهواء» من القاهرة، وأوصلت العرض بأرقامه وبشعور بالسعادة الى رئيس مجلس الادارة الشيخ صباح المحمد الصباح وكل ظني انه سيفرح ويتقبل ويوكل لي امر التفاوض إلا أنه  استمع لي وسألني بهدوء: بماذا اجبتهم وهل ناقشتهم بالعرض؟ قلت: لا واضفت: ابلغتهم بأن أمرا مثل هذا يتطلب قرارا من الشركة المالكة الدار الكويتية للاعلام، وإن علي ان انقل الرسالة الى رئيس مجلس الادارة وهو صاحب الامر ولست انا. وقتها قال لي الرد وهو «لا تقبل مثل هذه العروض». واضاف: «اذا اردنا ان نقدم قناة فضائية عربية باسم صوت العرب فيجب ان تكون حرة ومهنية ومستقلة وغير موجهة وغير خاضعة لسلطة احد غير مصلحة الامة واقتداء بسياسة وحكمة من نسير على هداه. ليس لدينا شيء للبيع لان شروط المعلنين ستكون ان نراعي مصالحهم. وهو امر يجردنا من رسالتنا. الان وبعد ثلاث سنوات من العمل الاخباري الذي أوصلنا الى مكانة نشعر من خلالها برضى الله علينا اسأل نفسي عن الاسباب التي حالت دون تطور الامة واستفادتها من الاعلام العالمي على الاقل في الامور المتعلقة بالعلم والتقنية والطب والصناعة. في وقت ما كان الراديو وسيلة اتصال مع العالم وكان هناك من يتفنن في التعامل مع الاخبار بطريقة الانصات وبالحرص على عدم تفويت مواعيد نشرات الاخبار. وكان الراديو يغني عن امور كثيرة إلا انه لا يوقف عجلة الحياة والعمل. الآن باتت وسائل التواصل الاجتماعي والموبايلات الذكية والقنوات الفضائية، مكتبات جامعة وجامعات متحركة ناطقة وصفوفا للتعليم وصحفا مطبوعة ومقروءة إلا أن نسبة الفائدة العلمية قليلة وشبه معدومة لغلبة الزبد على ما ينفع الناس. من يراهنون على زوال الصحافة الورقية وعلى تراجع الفضائيات الاخبارية وعلى انتهاء عصر المسرح والسينما  وقنوات الترفيه والمسلسلات والاغاني واهمون، لان مثل هذه المواد ومعها المادة العلمية، هي زاد ادوات التواصل الاجتماعي التي لو اقتصرت على المعلومات المكتوبة لتراجع عدد المتتبعين لمحتواها ورسائلها الى اقل من الربع.

الإثنين, 13 نوفمبر 2017

لا سبب غير الجشع

لا سبب يدفع بعض المتنفذين في اقليم كتالونيا الى تحريض الجموع على تأييد الانسلاخ عن إسبانيا واقامة جمهورية كتالونيا، غير العاملة الاقتصادي. هذا الاقليم غني وفيه موانئ متعددة ويمول الميزانية العامة الاسبانية باكثر من مئتي مليار دولار سنويا وبعض اطراف اليمين يرون ان من السذاجة الاستمرار في الاسهام بخمس الموازنة العامة الاسبانية. لكن أليست هذه طبيعة الحياة! في الولايات المتحدة 46 ولاية تعيش بشكل او بآخر على اربع ولايات غنية جدا  وحتى المقاطعة الفيدرالية التي لا تصنف ضمن هذه الولايات الخمسين وهي واشنطن العاصمة تعتمد الى حد ما على حركة راس المال الداخلي وعلى حصتها من الميزانية الفيدرالية علما بأن الولايات المتحدة تنفق مايوازي نصف الانفاق العسكري العالمي. فتح الابواب امام انانية اصحاب القرار في كتالونيا سيقود الى انفصال ثمانية عشر مقاطعة شبيهة بالظروف وليس بالاحوال الاقتصادية ثلاث منها في بريطانيا فلا تعود المملكة المتحدة وقتها سوى مملكة انكلترا بعد ان تخرج منها اسكتلندا وويلز وشمال ايرلندا. وهناك مضيق جبل طارق المستعمرة البريطانية وهناك مقاطعات في ايطاليا والمانيا وفرنسا ودول اخرى ستطالب بالمثل. ليس في اسبانيا تفرقة عنصرية ولا استبداد سياسي ولا ظلم ولا غياب للعدالة والمساواة. اسبانيا التي تنطق القارة الاميركية الجنوبية بلغتها ذات تاريخ عريق اسهم العرب والمسلمون في صناعته، وليس هنالك سبب واحد يدعو الكتلونيين الى التمرد عليه. انها مشكلة البشرية في ان تتقدم وان تتاخر. وهي سنة الحياة في ان تتبادل الدول الادوار على مدى التاريخ. شعوب تدين بنفس الثقافات وتتحدث بنفس اللغة وتتشارك بكل الخيرات وتنعم بالامن والخير وتواجه نفس المصير والتحديات اسوة بكل العالم، وبإمكان اهل كتالونيا ان يحكموا كل اسبانيا فهم فاعلون في نشاطها السياسي والاجتماعي والرياضي والتجاري والصناعي.
ما الذي يمكن ان يحققه لهم الانفصال غير زيادة المال؟ لماذا تتمسك بريطانيا مثلا بالمقاطعات الثلاث الاخرى غير انكلترا التي تنفق على هذه المقاطعات وحتى على جمهورية ايرلندا على نحو غير مباشر؟ نفس الاطراف التي زرعت الانانية في عقول الكتالونيين  هي التي اوهمت اليمين البريطاني بتبني فكرة الخروج من الاتحاد الاوروبي مع ان بريطانيا هي المستفيد الاكبر من الاتحاد. واقع حال كتالونيا سيتغير وسيتضرر السكان ان هم ترجموا رغبتهم بالخروج من اسبانيا، تماما كما تضرر الاقتصاد البريطاني من جراء الخروج شبه الجماعي من قبل المؤسسات المالية الاوروبية والصينية والكورية الجنوبية واليابانية من  لندن والآتي اعظم بعدما بدأت اسعار العقارات بالتراجع على نحو سيكلف الملاك خسائر لاحول لهم بها لفارق الاسعار التي اشتروا بها عقاراتهم واقترضوا اموالا من البنوك لتغطية الجزء الاكبر من اسعار هذه المباني مرفقة باسعار فائدة عالية كانت تتماشى مع الاسعار المرتفعة للعقار البريطاني  من قبل. لذلك سوف لن يكون مستبعدا ان تتراجع الاغلبية التي صوتت لاستقلال الاقليم الكتالوني بعد ان تتبين الحقيقة خاصة وان اعدادا كبيرة اخرى من رافضي الاستقلال تظاهروا في كل مكان لايصال رسالة للانفصاليين بان الامر سوف لن يكون سهلا ابدا.

الأحد, 12 نوفمبر 2017

العالم الافتراضي

اقرأ كل يوم عشرات المقالات السياسية التي تنشر في الصحف العربية والاجنبية، الا ان الكم الهائل من المقالات التي تنشر في الصحف وفي المواقع الالكترونية وعلى اهميتها وتنوعها وتعدد مشاربها، لا تلغي الحاجة الى استمرار تدفق الابداع الفكري والثقافي والادبي،  إذ ان تزايد عدد الكتاب لا يقدم بديلا عن الحركة الأدبية. كتاب المقالات اشبه برواد الدواوين في الكويت. نحن نكتب في صفحة المقالات في واحدة من اهم الصحف الخليجية الآن. ليس لأنها تتضمن صفحتي كتاب رأي مع حرية يكفلها الدستور وترعاها ثقة ادارة الصحف بالكتاب، وانما لأن البيئة الكويتية الحاضنة مبنية على قدر عال من مقومات استقطاب هذا التنوع الا ان قوة الصحيفة ناتجة من تفرد رئيس تحريرها في طريقة التعامل مع احداث الداخل والخارج. فبعض الصحف تجتذب القراء من خلال افتتاحيات قوية غير قابلة للتقليد واخرى من خلال مقالات رأي متميزة  وثالثة من خلال تنوع اخباري متفرد غير موجود في صحف منافسة ورابعة من خلال اهتمام محلي بشؤون الناس وعلى نحو يسبق الصحف الأخرى أو يتفوق على المنافسين  او يتواصل على شكل منتظم يجعل القارئ مرتبطا بحالة متابعة دائمة  بجديد الصحيفة التي يجد فيها ضالته، وهناك صحف تجمع كل هذا في باقة متميزة تجعل منها الاقوى والافضل والاشمل. «الشاهد» لا تبحث عن ارضاء نخبة او فئة او حتى اغلبية من القراء وفقا لما يريدون وانما تسعى الى التواصل في عملها الدؤوب لقول الحقيقة. لا يعيبها نقص الاعلان فيها لأنها لا توظف صفحاتها او هويتها الوطنية لخدمة المعلن حتى وان كانت الحكومة، فالكويت ليست لونا واحدا ولا رأيا واحدا وانما سياسة واحدة بألوان تتعايش مع الجميع وبتجاذب انساني ووطني عقلاني بلغة الصراحة والحقيقة. نعود الى مشكلة عالمنا المعاصر فالجيل الحالي من سكان الارض يفتقدون الى عالم الخيال والفكر والابداع والاختراع المرتبط بالثقافة والوعي والادب، في حين ان الاختراع الرقمي او عالم البرمجيات الذي بات يحرك الحياة في البيوت والمقاهي والمطاعم ودخل القطارات والجامعات والطائرات، انما هو عالم تغذية بأرقام العالم الافتراضي. هناك فارق كبير بين الثقافة والادب والابداع الفكري والخيال العلمي وبين ثقافة العالم الافتراضي التي ترى قبل ان يرى الانسان. هذا النوع من الثقافة الذي ينمو بين الاطفال ويتزايد بين المراهقين والكبار، تنقصه الكثير من ادوات المعرفة وهو حكر لفئة واحدة من البشر على الرغم من تبادلها وعلى مدار الساعة وبلمح البصر الا انه عالم يدور في حلقة مفرغة ويتداول فيما نقول ونشعر وننقل من اخبار او فيما يقع من حوادث مرئية ومصورة ومسجلة، وهي دائرة لا تحمل الا جهداً اقل من واحد بالمليون من اصحاب المعرفة في حين ان اصحاب الرأي والفكر والعقل من الكتاب والروائيين والمفكرين والفلاسفة يظلون خارج مربعات وجغرافيا المعرفة  وهو ما سبب تناقصا فاضحا في اعدادهم وتراجعا مخيفا في انتاجهم. غلبت الصحافة على سواها من وسائل الاعلام الى ان جاءت الفضائيات تزامنا مع الهواتف النقالة الذكية وبقية أدوات التواصل الاجتماعي والاعلامي الذكية التي تحرك مادة الشبكة العنكبوتية  التي تحولت مع الوقت الى اكبر مكتبة في التاريخ واكبر محرك تبادل وتناقل معلومات  في كافة المجالات. وهكذا بات الآن نحو 4400 يغذون ويستقون احتياجاتهم منها. غير ان المغذي الرئيسي لكل هذه الادوات والمحرك الحيوي لها هم المتميزون والمبدعون الذين انطفأ نورهم بسبب غرام البشر بالاستهلاك اكثر من الانتاج، والاول يحتاج الى مال والى معدة فكرية، فيما يحتاج الثاني الى مفاعل فكري للتصميم والابداع والاختراع لإنتاج الجديد في كل مجال يتعلق بالعالم الافتراضي المستقبلي.

السبت, 11 نوفمبر 2017

الحريات الإعلامية

تصنف المؤسسات الاميركية والدولية الاخرى الدول على هواها فيما يتعلق بالحريات الاعلامية. تقرب وتبعد وتضع هذا قبل ذاك استنادا الى اسس ومعايير صحيحة إلا انها هلامية وغير قابلة للتطبيق ولا تعمل بها إلا في الظاهر. عملت معهم في بريطانيا وفي الولايات المتحدة وتأكدت أنهم مسيرون لا مخيرون. لا أشك بصدق نواياهم ولا بتضحياتهم لكنهم مغلوبون على امرهم وحتى الامم المتحدة برمتها تخضع للضغوط. نفهم ان في الولايات المتحدة اقوى اعلام في العالم ليس لانها دولة فاضلة ولا لان نظامها الديمقراطي يتكئ ويستفيد من الحريات الاعلامية وانما لان بريطانيا من قبل استخدمت الاعلام في حكم العالم. يعيبون على الدول العربية افتقادها للحريات الاعلامية على اساس المعايير التي تتطابق وتتوافق مع مجتمعاتهم ومع النظم الحاكمة في دولهم في وقت يصدرون فيه الخراب والاذى ويحيكون فيه المؤامرات ويجندون الاعلاميين لخدمة اغراضهم. في عالمنا العربي وانا اعمل في مجال الاعلام منذ اكثر من 45 سنة، مالم يكن أكثر زرت كل الدول العربية تقريبا، تعلمت من مصر كل شيء وانا في سنوات التعليم الاولى إلا اني تعلمت الصحافة في الكويت تماما كما عرفت ربي في الكويت وبنيت حياتي وأسرتي في الكويت. لا اعرف دولة عربية واحدة لديها دستور يكفل الحريات ويضمن الكرامة للانسان مثل الدستور الكويتي او افضل منه. ولا اعرف صحافة حرة بدون رقابة غير الكويت. واتذكر في عام 1978 خصني الرجل الكبير الشيخ جابر العلي بتصريح خاص عن قرار الحكومة زيادة مبلغ الدعم المقدم للصحف وهو مبلغ لا يوازي مرتبات الصحافيين لشهر واحد ولا يغطي عشرة بالمئة من تكاليف الطباعة أو الورق أو ايجارات مبنى أي صحيفة في ذلك الوقت. الشيخ جابر العلي ليس مجرد وزير ولا مثل اي شيخ وفي تاريخ الكويت الحديث بعد الاستقلال هناك خمسة او ستة شيوخ كبار كانت لهم أدوار خارج نطاق المألوف لان قدراتهم وشخصياتهم وعقولهم وادوارهم تختلف. كل الشيوخ افاضل ورائعون ودورهم في تاريخ بلدهم مكتوب ومدون وستظل الناس تذكرهم بكل خير. والتجربة الكويتية ككل تستحق الكتابة والاشادة. فهي الدولة العربية الوحيدة حتى الان التي ليس لحكومتها أو نظام الحكم فيها جريدة خاصة به. والشيخ جابر العلي كان ظاهرة وترك خلفه ارشيفا وابداعات كبيرة وكان وقتها نائبا لرئيس الوزراء وزيرا للاعلام. قدمت الخبر لمدير التحرير الاستاذ الراحل محمد خالد القطمة وانا على يقين ان مكان الخبر سيكون اعلى الصفحة الاولى وعلى ثمانية اعمدة. إلا ان الخبر لم ينشر في اليوم التالي وقيل لي عندما سألت عن السبب ان رئيس التحرير وقتها الاخ الفاضل ناصر عبدالعزيز المرزوق وهو الاخر درة خير وطيبة متناهية، وجد ان لا ضرورة لنشره وهو من رفض من قبل شيكاً من القذافي «عربون» استرضاء لـ «الأنباء» وقيل له وقتها من قبل إن خالد اليوسف المرزوق الرجل الكبير الذي  رحل جعل من «الانباء» مدرسة وطنية حقيقية  ان «الانباء» ليست بحاجة الى مال من احد غير مال اصحابها. فقالت السفارة وقتها: فليكن الشيك ثمنا لاشتراكات سنوية فجاء الرد ان  الاشتراكات للكويتيين ولبقية القراء داخل الكويت.
فريدوم هاوس وهيومن رايتس ووتش ومراسلون بلا حدود وجهات اخرى تضم نخبا من المتطوعين انسانيا الذين يعملون وفق معايير ومفاهيم رائعة جدا الا انها لا تطبق على اسرائيل التي تعتقل مئات الصحافيين الفلسطينيين.

الخميس, 09 نوفمبر 2017

نوايا حسنة وضغوط لا ترد

لا ألوم المنظمات الدولية العاملة في خدمة البشرية. لم اقصد التقليل من أهميتها او شأنها، ففيها بشر من شرائح اجتماعية مختلفة ومهن عليا وهم من جنسيات في الغالب اوروبية ومعهم عرب ويشرفني اني كنت واحدا منهم  على مدى سنوات عدة وكان معي في شمال بريطانيا مواطن صومالي سرعان ما رحل الا انه خلال عام واحد قدم الكثير للمنظمات الإنسانية التي استنفدت حاجتها من جهده الى ان فارق الحياة. كان ملاكا اسمر الوجنة الا انه محب معطاء متفان في عمله في خدمة الناس. وكانت هنالك شابة بريطانية صغيرة بالسن، اجزم انها اقرب شبها الى الملائكة، وكنت اسأل نفسي: كيف ينذر هؤلاء البشر انفسهم لخدمة الآخرين  بهذا الاندفاع وهذا الحماس دون تعفف او تأفف او اظهار اي انعكاس للازعاج او الارهاق؟! كنت اقطع مسافة عشرات الكيلومترات بالترام او المترو او الباصات واعود مساء الى بيتي وكانوا يصرون على تعويضي عن مصاريف الانتقال يوما بيوم. لم يكونوا يتقاضون اي رواتب، وعرفت منهم من سبق له ان اعتقل في افريقيا او تعرض للاعتداء البدني او المضايقات في دول افريقية وفي احدى الدول الاوروبية من قبل متطرفين يمينيين لا يطيقون وجود غرباء في دولهم، وهاهي واحدة من انشط المتطوعات الحقوقيات تعاقب بالاعتقال في بلدها تركيا، الا ان مشكلة هذه المنظمات تتمثل في الرضوخ اجبارا للضغوط الدولية التي لا حول لهم في تفاديها، واذا كانت منظمات الامم المتحدة واداراتها التي تتنوع جناسي شاغلي قياداتها ليست في منجى من  عواقب عدم الاستجابة لمطالب واشنطن، فكيف لمنظمات مثل العفو الدولية «امنستي» ومراسلون بلا حدود واطباء بلا حدود وهيومن رايتس ووتش وفريدوم هاوس  ومنظمات عالمية اخرى؟ انها طبيعة البشر في ان تختلف التوجهات والمعتقدات السياسية والدينية وان تتعارض مصالح المجاميع مع النظم الحاكمة الا ان طبيعة المجتمعات تختلف هي الأخرى وهي مسألة ثقافة في طريقة فهم الناس لأسباب اندفاع العاملين في المنظمات الانسانية للدفاع حتى عن القتلة والارهابيين وليس الفقراء والمظلومين والمضطهدين. وقبل ايام انتقدت واحدة من هذه المنظمات العالمية الكبرى احدى وزيرات الدفاع في دولة اوروبية عظمى لأنها تمنت وحثت على ابادة اكبر عدد من الارهابيين مفضلة الخلاص منهم على اعتقالهم ومحاكمتهم وسجنهم لخشيتها من عودتهم الى المجتمع واختلاطهم مع الناس ونشر التطرف والجريمة وحب القتل في اوساطهم. اعرف وفق تجربة عملي مع مثل هذه المنظمات انها لاتقصد الافراج عنهم بدون محاكمات، وانما تريد لهم محاكمات عادلة ليكونوا عبرة لمن يمكن ان يسير على خطاهم. مشكلة اغلب المنظمات والهيئات العربية الشبيهة انها بحاجة الى اموال ودعم خارجي، الامر الذي يلزمها بالسير على خطى من يمول ويرضى عن المنظمات الكبرى. اجزم ان نوايا بعض الناشطين العرب نظيفة وشفافة وموجهة للعمل الانساني فقط الا ان من الصعب الجزم بأن نوايا الممولين الاوروبيين والاميركيين خالية من المقاصد السياسية.

الصفحة 3 من 88