جريدة الشاهد اليومية

هشام الديوان

هشام الديوان

الخميس, 20 يوليو 2017

بذور وبثور «1-2»

لم أعمل في حياتي المهنية مع أي مؤسسة صحافية لبنانية إلا أنني وقبل بدء الغزو الأميركي للعراق كنت قد أبلغت باحتمال انتقال مجلة «المشاهد السياسي» اللندنية العالمية التي كانت تصدرها هيئة الإذاعة البريطانية  «BBC»  الى مكاتب جديدة في بيروت  بعد ان دخلت قطر على خط ملكية المجلة اسوة بقناة «الجزيرة» التي هي في الأصل «BBC» العربية الاولى اي اول قناة أسستها هيئة الإذاعة البريطانية  باللغة العربية  شراكة مع المملكة العربية السعودية بأمر ومباركة من العاهل السعودي الأسبق الملك فهد
بن عبد العزيز الذي أراد بعد انتهاء حرب تحرير الكويت ان تكون لدى العرب قناتهم الفضائية العربية المعبرة عن مواقفهم وحقوقهم.
وجد الملك ما اعتبره خارج نطاق الأمانة في تقارير خارجية اختصت بها قنوات عالمية محددة لم تكن هناك سواها على الساحة الإعلامية. فقناة عملاقة بهرت العالم في حينها واقصد «CNN» ليست قناة عربية ولا إسلامية وهي تتعامل مع الاحداث والاخبار إما في حدود نطاق فهمها للحقيقة أو القدر الذي تريده إدارتها او ملاكها منها في الخوض في الحقيقة.
إلا أن السؤال الحقيقي سيظل على الدوام يتمثل في أي حقيقة نقصد أنا أو سواي؟ إذ إن كلا منا يرى الحقيقة بمنظاره الخاص ومدى فهمه لها ومدى توافقها مع
ما يريده منها. والحقيقة وان ظلت واحدة إلا أنها قابلة للتطوير والتفسير والتأويل والتغيير من قبل الجهات التي تملك القدرة على ذلك. وفي مرات عدة اختلفت «CNN»  مع الادارات الأميركية منذ عام 1990 وحتى الآن لاسيما حين تتطرق الى نواح تعتبرها من صميم سمعة الولايات المتحدة او من اسرارها او مصالحها، وهناك وقائع محددة حدثت بالفعل وها هي تخوض الآن حربا غير معلنة مع الرئيس الاميركي الحالي. وفي كل الأحوال هناك وهم حيال مفهوم الحريات الاعلامية.
في العالم تقاطعات عدة واوضاع وبيئات مختلفة تبعا لأنظمة الحكم. واميركا وفرنسا والمانيا وبريطانيا هي الأعلى ومعها اليابان في سقف الحريات العامة والاعلامية منها. لكن بحدود تختلف من دولة إلى أخرى. فالسمة العامة للنصوص القانونية المتعلقة بالحريات تبدو واحدة او متطابقة وتحكمها مبادئ في لائحة حقوق الانسان وفي ميثاق الأمم المتحدة الا ان الانظمة تظل تختلف ولا تتطابق بالأهواء والتعاملات وكذلك الشعوب وهي البيئات التي تفرز هذه الانظمة الحاكمة من رحمها. حاول الملك فهد بمشروع الشراكة الذي انتج أول قناة عالمية تنطق بالعربية بالشراكة مع هيئة الإذاعة البريطانية، أن يقلل من تباعد مفهوم وطريقة تعامل الإعلام العالمي مع الحقوق العربية ليس في قضية الكويت وانما في مجمل ما يتعلق بالوضع العربي ابتداء من قضية فلسطين .فظهرت «BBC» العربية في عام 1992 برأسمال سعودي خالص وادارة انكليزية بكادر اغلبه عربي. إلا أن خلافا طرأ بسبب جهل الادارة لطبيعة التوازنات العربية. فانسحبت المملكة وأوقف المشروع لاكثر من 3 سنوات الى ان تم إحياؤه بإرادة قطرية انكليزية وطرف ثالث لتصبح «الجزيرة» الحالية.

الأربعاء, 19 يوليو 2017

المحلية والقومية

اختلف أمر الصحافة الكويتية عما كانت عليه قبل الاحتلال والتحرير، كانت صحافة قومية، الآن صحافة شأن محلي اكثر من المساحة والمادة المتعلقة بالعرب والعالم، هناك ضرورات وما مرت به الكويت من انفتاح وحريات، لامر لم يرتح له الآخرون، كنت مراسلا لجريدة الشرق الأوسط في الثمانينات، كان عثمان العمير رئيس التحرير، كان يتابع حرفاً حرفاً ويعنى بأمور الجريدة، كان يتصل بي ليسأل عن احوال الكويت على نحو يومي، الشرق الأوسط نادرا ما تخلو صفحتها الاولى من خبر بمانشيت على الاقل ثلاثة اعمدة، اعدادها موجودة وارشيفها سيقول ذلك، كان عثمان ميرغني مديرا للتحرير ومحمد التونسي نائبا لرئيس التحرير، الصحافة الكويتية كانت تعيش الحدث العربي في الثمانينات، الا انها عوقبت، عاقبها الغدر، فاذا كانت الشرق الأوسط من لندن تزين صفحاتها الاولى بأخبار الكويت فإن الصحافة الكويتية كانت عامرة بكل ما لذ وطاب من الشرق والغرب العربي والعالم، لذلك يخطئ من يعتقد ان الصحافة الكويتية قد تراجعت أو فقدت بريقها بعد تحرير الكويت من عام 1991 وحتى الآن، الوقت وادواته هي التي تغيرت، هناك مستجدات كثيرة، الزمن تغير والعلم بات اسرع وادوات الصحافة والتواصل ونقل المعلومة صوت وصورة تغير وبات بامكان الهاتف النقال ان يتحول الى محطة تلفزيونية، وسائل إعلامية جديدة ظهرت وغيرت رسالة الصحافة والإعلام بشكل كامل، فمنذ منتصف السبعينات وحتى 1990، كانت الصحافة الكويتية الافضل عربيا لاعتبارات عدة، فالكويت هي الدولة الوحيدة التي يحكم العلاقة بين سلطتيها التشريعية «مجلس امة منتخب» والتنفيذية «حكومة تخضع لرقابة البرلمان ويشترط ان تضم اعضاء منه» ويحكمها نظام توافقي حكيم لم يصل الى السلطة بالانقلاب، المعادلات وأمور كثيرة في الكويت ارقامها صعبة الفهم وفي يقيني انها لم تنشأ مصادفة، التعايش بين مكونات المجتمع، العلاقة بين الحاكم ومواطنيه، العلاقة بين الناس والله، عدد المدارس، عدد المساجد، نص الدستور على الزام الدولة بضمان كرامة الإنسان، النص على التزام الدولة بضمان التعليم وبالمجان وعلى توفير الوظائف وعلى بناء البيوت للاسر الكويتية، عدد صناديق الزكاة والمساعدات، عدد حملات الحج والعمرة، عدد الحجاج والمعتمرين كل عام، التبرعات والمساعدات التي تقدمها الدولة للمحتاجين في الداخل والخارج، قروض ومساعدات وهبات الصندوق الكويتي للتنمية، الكم الهائل من اعداد المدارس والآبار والمراكز الصحية والمستشفيات والبيوت والمساجد والطرق والجسور ووحدات المياه والكهرباء التي انشأتها في كل منطقة الخليج والجزيرة العربية واليمن وسلطنة عمان، كنا نسمع الاطراء والاعجاب في كل مكان تتواجد فيه وفود صحافية في كل مكان في الوطن العربي، كانت مجلة العربي التي يقف وراء فكرة انشائها ومن ثم دعمها بالكامل ورعايتها سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد وتأسست في ديسمبر 1958 شهرية ثقافية مصورة ليكتبها العرب ويقرأها كل العرب، سفير الكويت الى العرب في كل مكان، الا انها كانت حكومية وكانت موضع تسابق من قبل القراء العرب ممن ينتظرها بشوق فعلي وحقيقي لثرائها وغناها الثقافي وابوابها الحيوية وكتابها المتميزين، الا ان تجربة الصحافة اليومية أمر مختلف، وسيرد في كل مرة ذكر الامير الحالي باعتباره احد اكثر من اثرى هذه التجربة واثر فيها ايجابا، فلم يكن وزيرا عاديا ولا شيخا من آل الحكم فقط، واغلب اصدقائي من الوزراء كان يثني ويستشهد بحرصه على التمسك بالدستور والحريات حتى في احلك الظروف التي مرت بها الكويت بسبب انعكاس قتامة اوضاع الخارج والمنطقة على الداخل، ففي الكويت ما بين 80 و120 جنسية فيها كل العرب والافارقة والآسيويين تقريبا، والكويت دولة تأسست على التجارة، والتجارة الحرة فحتى مصارفها وكانت اول تجربة في كل المنطقة، اهلية وليس بينها حكومي، وكنت اتذكر الدكتور احمد الخطيب وهو من المع الشخصيات السياسية العربية الواعية وهو يصعد لهجة الخطاب المعارض الذي يرفض الجمع بين الحكم والتجارة، ولم اكن اعي ذلك كثيرا فقد كنت في اقل من نصف تجربتي الحالية في الحياة، ومع الوقت وجدت ان الكويت الاقل تداخلا على الاطلاق في الجمع بين الحكم والتجارة، ومع ذلك فان اغلب اسباب حل مجالس الأمة «1976 و1986 و1999 و2006 و2008 و2009 و2011 و2012 و2013 و2016» لم تتعد خلفية التوتر في العلاقات بين السلطتين كان بسبب الخلاف بين السلطتين وباستثناء حالات قليلة مثل سانتافي والسياسة المالية للدولة، لم يكن سبب حل أي مجلس قبل عام 1990 خلافاً سياسياً أو تجارياً داخلياً، الكويت كانت تدفع افضل رواتب للصحافيين واقصد أصحاب الصحف هم الذين يدفعون، وتستكتب افضل الكتاب، ولديها مكاتب خارجية، ولديها ملاحق، وكانت محمية من الدولة، لان الدولة ذكية وكانت على قناعة بأن الصحف اقوى من الجيوش، لذلك كان يجب ان تبقى الصحف محمية وقوية حتى وهي تنقد الحكومة والوزراء، هذا هو السبب الذي يجعل قطر الآن لا تقبل مبدأ المساس بقناة «الجزيرة» لانها أي القناة تساوي قوة ردع وزارتي الدفاع والداخلية ومعهما وزارة الإعلام والسفارات في الخارج، لن يرحم احد قطر اذا تخلت عن الجزيرة.

الثلاثاء, 18 يوليو 2017

الصحافة الكويتية بين مدرستين

الكويت مدرسة في كل أنواع التعليم، تعلم منها واستفاد البعيد والقريب، خرجت اجيال من غير ابنائها، واستغنى الكثيرون من خيرها، وهي تجربة ناضجة على المستويين، الحكم والشعب، ليست كاملة فالكمال لله لكنها مثمرة وطيبة، لم تكن للكويت مدرسة صحافية خاصة بها إلا بعد الاستقلال عام 1963 عندما بدأت الصحف الوطنية بالصدور، قبل ذلك كانت هناك محاولات شجاعة وتاريخية بدأت بأفراد ابتداء بعام 1928 ثم مجلة الكويت عام 1948 ولاتزال الكويت الدولة العربية الوحيدة التي لا صحيفة حكومية فيها ولا رقابة، وان كانت ظروف حل مجلس الأمة قبل الغزو قد فرضت خطوة مثل هذه بسبب دواوين الاثنين والتصعيد الذي ترافق بين السلطتين اولف الأمر، ومن ثم بين الرافضين للحل وتعليق العمل بالدستور والحكومة، وعندما وقع الغدر اصدر خالد يوسف المرزوق بالترتيب مع أمير الكويت الحالي الشيخ صباح الأحمد وكان وزيرا للخارجية ومع الشيخ ناصر المحمد الذي تولى دورا محوريا غاية في الاهمية يومها في تنسيق التحرك الحكومي وفي الاتصالات مع الخارج، فصدرت جريدة «الأنباء» في القاهرة في 8 أو 9 اغسطس 1990 من مكاتب ومطابع «الأهرام» وصدرت «صوت الكويت» في لندن اغسطس 1990 ايضا من منطقة Ealing Broadway، قبل ذلك لم تكن في الكويت إلا الصحف اليومية الاولى التي دأب البعض على تسميتها بالقديمة مع انها كانت صحف متميزة لاعتبارات عدة سيأتي ذكرها اهمها مساحة الرأي وتنوع الاتجاهات الصحافية، وهذه الصحف هي «الرأي العام» والقبس «1971» و«الوطن» و«السياسة» والأنباء «1976»، وبعد الانفتاح ودخول مستجدات كثيرة على الإعلام في العالم ابتداء بالفضائيات والهواتف الذكية، فتح باب اصدار الصحف اليومية مجددا فظهرت مجموعة جديدة بتجربة جديدة مثل «اوان» و«الوسط» و«الجريدة» و«الشاهد» و«عام اليوم» و«الرؤية» و«النهار» و«الدار» و«المستقبل» و«الصباح» و«الكويتية»، واضطرت بعض هذه الصحف إلى التوقف، وباستثناء صحيفة واحدة قديمة واخرى جديدة، لم تصدر احكام قضائية اخرى بإيقاف أي جريدة، الكويت كدولة صغيرة وعدد سكانها من مواطنيها يعادل ربع العاملين فيها وغالبا ما توجه الصحافة الوطنية للمواطنين وهم بحدود مليون فرد حاليا وكانوا قبل ذلك في الستينات بحدود ثلاثمائة ألف وظلوا اقل من سبعمائة ألف لغاية الغزو الغادر، الكويتيون خلاقون واهل خير وثقافة ووعي، ولم تكن مصادفة ان تكون لهم بصمة في بناء الحضارة في كل المنطقة من خلال الصندوق الكويتي للتنمية ومن خلال هيئة الجنوب والخليج العربي ومن خلال مجلة العربي ومن خلال الهيئة الخيرية الاسلامية العالمية وصناديق ولجان الزكاة وجمعيات النفع العام، التجربة الكويتية ليست مصادفة لكنها نادرة ففي وقت ما كانت هناك 700 باخرة خشبية تجوب الخليج ومن ثم بحر العرب ومياه المحيط ما بين البصرة والهند وبعض الموانئ الافريقية، خلقت وظائف واحبت أسواقاً وعمرت بيوتاً وواجهت الصعاب، لم يكن هنالك صحافيون كويتيون على قدر كاف، فمع صدور اول صحيفة كويتية يومية كان هناك ملاك وممولون وأصحاب ارادة لصناعة صحافية وطنية، ولم يكن معيبا ان تفتح الابواب امام غير الكويتيين، كانت الصحف وانسجاما مع حرية المجتمع المكفولة دستوريا، قد اختارت المواقف، وصنعت القرار، وفي بلد واحد كانت هنالك صحيفة مع سوريا واخرى مع القضية الفلسطينية وثالثة مع لبنان ورابعة مع العراق وخامسة بنفس سعودي، صحافة وطنية 100 % وأصحابها فقط من سيرسمون سياساتها، كانوا يعرفون ويعون قيمة ان تظل الكويت شقيقة وصديقة للكل إلا ان النفس القومي حتم هذا التنوع، وعندما اندلعت الحرب الاهلية اللبنانية «13 ابريل 1975 - 13 اكتوبر 1990» وجدت كفاءات صحافية مهمة طريقها إلى الكويت ملاذا فازدهرت الصحافة الكويتية يومها مضيفة الكثير من اللمسات الصحافية المهمة من المدرسة اللبنانية وعندما زار الرئيس المصري محمد انور السادات القدس في 19 نوفمبر 1977 وما تبع ذلك من قطع علاقات عربية واعلان قطيعة شبه شاملة مع القاهرة، غادر الكثيرون مصر ممن اختلفوا مع السادات أو ممن تضرروا بالاجراءات العربية ضد السادات، فاحتضنت الكويت نخبة اخرى من الصحافيين المصريين، ومن المدرستين اللبنانية والمصرية وبوجود صحافيين ممن ولدوا أو تعلموا أو عملوا فيها وآخرين لامعين من سوريا وقليلين من العراق واليمن، اختمرت التجربة الصحافية الكويتية وظلت لغاية الغزو في 2 اغسطس 1990 افضل تجربة صحافية عربية.

الإثنين, 17 يوليو 2017

اللبنانية والمصرية

بدأت بممارسة الصحافة في العراق من البصرة وأنا طالب في جامعتها إلا أنني لم أتعلم المهنة إلا في الكويت. في منتصف السبعينات كان للصحافة رجال كبار وكتاب من ذوي الشأن. ولم تكن في كل الأمة سوى مدرستين للصحافة. المصرية التي أسسها علي ومصطفى أمين في صحيفة أخبار اليوم امتدادا لفيض المشاعر القومية العربية وضمت رجالا كبارا آخرين في قلعة الاهرام التي تعد حتى الآن واحدة من أكبر الصحف الكبرى في العالم. والحقيقة ان الصحافة المصرية هي الأعرق عربيا وإن كان مؤسسوها لبنانيون إلا أنها هي البوابة التي تعامل معها العرب مع الاعلام ومع الخبر ومع الرأي ومع منطق الثورة ضد الاستعمار الاجنبي. إذ ان جريدة الأهرام مثلا وهي صحيفة قومية.وهي اقدم ما عرف من الصحف العربية وليس المصرية فقط  بدأت كجريدة أسبوعية بأربع صفحات، ثم تطورت إلى يومية. و تصدر صحيفة الأهرام حاليا ثلاث طبعات يومية محليا إلى جانب طبعة دولية تطبع يوميا بعد أن تنقل صفحاتها بواسطة الأقمار الصناعية، في لندن ونيويورك وفرانكفورت، وطبعة عربية تطبع في دبي والكويت. وطبعة إلكترونية تتيح لعشاق الأهرام متابعتها في أي وقت ومن أي مكان في العالم على شبكة الإنترنت. وقد  تأسست الأهرام في 27 ديسمبر 1875 من قبل اثنين من الأشقاء اللبنانيين، بشارة وسليم تقلا، اللذين كانا يعيشان في ذلك الوقت في الإسكندرية. وصدر العدد الأول في 5 أغسطس 1876، في المنشية بالإسكندرية، كما انها بدأت صحيفة أسبوعية تصدر كل يوم سبت، ولكن بعد شهرين من تأسيس الصحيفة، حولها الاخوة إلى صحيفة يومية. وقد تم توزيع هذه الصحيفة في مصر وبلاد الشام. في نوفمبر عام 1899، تم نقل مقر الأهرام للقاهرة. ومن اشهر رؤساء تحريرها خليل مطران، داود بركات، انطوان الجميل، عزيز ميرزا، احمد الصاوي، محمد حسنين هيكل، علي حمدي الجمال، ابراهيم نافع، اسامة سرايا، عبدالعظيم حماد. والى جانب كتاب هم الابرز الى حد ما في الوطن العربي مثل نجيب محفوظ و سلامة موسى وطه حسين و زكي نجيب محفوظ و يوسف ادريس و احسان عبد القدوس وفكري اباظة، اعتادت الاهرام على نشر مقالات دورية لنخبة أخرى من علماء الاعلام والرأي والفكر امثال:   أحمد لطفي السيد، ومحمود سامى البارودي وأحمد شوقي ومصطفى لطفى المنفلوطي، والعقاد، وتوفيق الحكيم، وبنت الشاطئ وثروت أباظة، ولويس عوض، وعبدالرحمن الشرقاوي وأحمد بهجت. وشهد العام  1944   ولادة جريدة «أخبار اليوم» بواسطة كل من مصطفى وعلي أمين، وكانت هذه الجريدة بمثابة الحلم الذي تحقق لهما، وبدأ التفكير بها بعد استقالة مصطفى من مجلة «الاثنين» عندما  أعلن عن رغبته في امتلاك دار صحافية تأتي على غرار الدور الصحافية الأوروبية، وبالفعل ذهب مصطفى أمين إلى أحمد باشا رئيس الوزراء وزير الداخلية ليتحدث معه في الصحيفة الجديدة، وطلب منه ترخيصا لإصدار صحيفة سياسية باللغة العربية باسم «أخبار اليوم»، وبدأ مصطفى في اتخاذ الإجراءات القانونية لإصدار الصحيفة في 22 أكتوبر 1944، وجاء يوم السبت 11 نوفمبر ليشهد صدور أول عدد من «أخبار اليوم»، وحققت الصحيفة انتشاراً هائلاً، وتم توزيع عشرات النسخ منها مع صدور العدد الأول، وسبق صدورها حملة دعاية ضخمة تولتها الأهرام، وقام الأخوان أمين بعد ذلك بشراء مجلة «آخر ساعة» عام 1946 من محمد التابعي. ولد التوأمان مصطفى وعلي أمين في 21 فبراير 1914، كان والدهما أمين أبو يوسف محاميا كبيرا، أما والدتهما فهي ابنة أخت الزعيم سعد زغلول، ومن هنا انعكست الحياة السياسة بشكل كبير على حياة الطفلين حيث نشآ وترعرعا في بيت زعيم الأمة. سافر مصطفى أمين إلى أميركا لإكمال دراسته فالتحق بجامعة جورج تاون، ودرس العلوم السياسية، وحصل على درجة الماجيستير في العلوم السياسية مع مرتبة الشرف الأولى عام 1938، ثم عاد إلى مصر وعمل كمدرس لمادة الصحافة بالجامعة الأميركية لمدة أربع سنوات. ويقول انه استفاد من رصيد زعيم الامة سعد زغلول وعندما عاد من دراسته كان كل هدفه العمل بالصحافة. فأرسله رئيس الوزراء الى رئيس تحرير روز اليوسف الذي اكرمه بأن علمه الصحافة بكل اصولها على الرغم من انه بدأ العمل بالصحافة مبكرا وقبل سفره  للدراسة  في الخارج. ومهما قيل عن مصطفى وعلي امين والاتهامات التي وجهت لهما فإنها لم تقلل من شأن الاخوين امين ولا من دورهما الوطني والقومي. فضلا عن أنهما من أعلام الأمة وهما اللذان اسسا المدرسة المصرية في الإعلام. وسننتقل الى المدرسة اللبنانية في الصحافة.

من حق العراقيين البسطاء ان يحتفلوا وان يفرحوا وان يتنفسوا الصعداء بعد سقوط تنظيم داعش الإرهابي في الموصل وتراجع مده من مواطن عدة داخل العراق، وربما يساعد الاميركان العراقيين في ملاحقة الدواعش أو من يطلق عليهم هذا المسمى ممن هم في داخل التنظيم أو في خلاياه النائمة في اماكن عدة، إلا ان تنظيم داعش الحقيقي ليس داخل هذا الجهاز الاجرامي الإرهابي المتخلف الذي جمعت افراده اهداف شتى بين رفض الظلم وبين مقاومة مستجدات وبين رفض واقع جديد مبني على العمالة المذهبية أو السياسية أو الولاءات المالية، هناك قواسم مشتركة عديدة جمعت الدواعش، وهناك قواسم مماثلة جمعت الدول والجهات التي تدعم وتمول وتسلح وتخطط للدواعش وتستفيد منهم في نهب التحف العراقية والنفط العراقي والتراث العراقي والإنسان العراقي «هناك مالايقل عن عشرين مليون عراقي في اميركا وايران واوروبا واستراليا والخليج بينهم قدر غير قليل من الكفاءات ورجال الاعمال والعلماء والباحثين وبينهم من امتهن اموراً اخرى»، فاذا تم جمع القواسم المشتركة بين افراد داعش والدول التي انشأته مثل الولايات المتحدة والدول التي تدير اموره وتساعده لوجستيا على الارض والاخرى التي تتولى تسليحه تنظيم الاموال التي يدير التنظيم بها نفسه من رواتب ومشتريات واحتياجات غذائية ومياه معدنية ومشروبات روحية نعم مشروبات روحية واعلام محلي واقليمي ودولي، فإن الانظار لا يجب ان تبتعد عن حقيقة ان اسرائيل هي المستفيد الاول والاكبر من كل هذا ومن اجلها يتم الانفاق على هذا المخطط الشيطاني لتمزيق المنطقة برمتها وليس لتقسيمها، ومعلوم ان لدى عدة دول نفطية في المنطقة اموال طائلة وبالتريليونات من العملة الاميركية الموجودة «المودعة في البنوك العالمية أو المستثمرة في الاسواق والمصانع والاصول العقارية» التي لن تجد من يطالب بها في حال تم تقسيم الدول التي تمتلك هذه الارصدة والاصول، اذ ان الحجة القانونية لتبعية هذه الاموال والممتلكات ستكون موضع خصومة وصراع واتهامات وانكار، لقد سقط تنظيم القاعدة أو تجمد أو تفكك لسبب جوهري هو انه اعتمد على اسامة بن لادن في التمويل وفي الادارة، فافتقد إلى شرعية التنقل بالاموال أو افتتاح الحسابات المصرفية أو تجنيد الافراد أو استخدام وسائل الاعلام الاجتماعي أو التسهيلات اللوجستية على الارض كما هو حال داعش، وفي كل المنظمات المسلحة سواء كانت دينية مثل حزب الله اللبناني أو حتى انصار الله الحوثي في اليمن، هناك حاجة للسلاح بكل انواعه، وهناك حاجة إلى وكلاء خارجيين باسماء مختلفة يتولون أمر مشترياته وتنظيم التدفقات المالية التي ترد اليه أو جمع الهبات والتبرعات أو اموال شراء الذمم، ومازلنا نسمع ونقرأ ونتابع ان المخابرات الاميركية أو الحكومة الاميركية أو الفرنسية أو البريطانية وحتى بعض الحكومات الخليجية التي تختلف مع حزب الله طائفيا فقط لاغير مع انها تعاملت معه من قبل سرا أو علنا، تحيل افراداً إلى القضاء وبعضهم يحكم عليه بالسجن بتهم جمع اموال أو شراء اسرار تسليحية لهذا التنظيم أو ذاك، علما بأن الحوثيين يحملون السلاح في بلدهم فقط وحزب الله اللبناني في لبنان فقط ويقاوم اسرائيل أو هكذا يعلن وليس للحوثيين ولا لحزب الله غير اتباع وانصار أو متعطفين في الخارج، ونفس الشيء ينطبق على تنظيم القاعدة الذي استند إلى العقول لا الاسلحة واختار عمليات كبيرة لا صغيرة، فكيف يعجز العالم أو مخابرات دوله الكبرى عن متابعة الاموال التي تخص داعش أو التي تموله أو التي يشتري بها السلاح أو التي تؤمن وتغطي نفقات التحاق الآلاف به وعن اي دول يدخلون إلى العراق وسوريا تحديدا علما بأن فرداً واحداً حتى وان كان رجل اعمال لا يستطيع التنقل بين الدول الاخرى بدون تأشيرات مرور وحجوزات فنادق وترتيب التنقلات الداخلية، واتذكر ان وزيرا كويتيا اوفد إلى دولة افريقية اضطر إلى النوم على الكراسي في مطار دولة افريقية مجاورة للدولة الموفد اليها لعدم توافر وسائط نقل، لن يبرأ العراق من داعش بدون ان يعالج أمر الطائفية ويستأصل داء ليس في العراق وحده وانما في الدول التي باتت شعوبها قبل حكوماتها تتنفس وتأكل وتشرب طائفيا وتعامل الناس وفق معايير مذهبية قبل الكفاءة والمهنية والاستقامة والشرف والامانة والمؤهل، لقد بتم كلكم دواعش بسبب وباء الطائفية.

السبت, 15 يوليو 2017

ليس كل المشكلة

يتوهم وبافراط في الوهم من يظن ان القضاء على داعش سيحل مشكلة العراق، داعش جزء من المشكلة وليس كلها، المشكلة الحقيقية تكمن في الطائفية والتبعية للاجنبي، لن يقبل اي عراقي شريف ان تنزع هوية بلده امتثالا لإملاءات مذهبية، هذا وهم يتطلب العلاج، مالم يستعد العراق هويته العربية ويعامل الانسان فيه على اساس الوطنية لا على اساس الدين او المذهب او العرق، فإن آلاف الدواعش سيخلقون في كل وقت، من السذاجة الاعتقاد بأن كل من حمل اسم تنظيم دولة الخلافة الاسلامية في العراق والشام «داعش» قد انضموا الى صفوف هذا التنظيم الاهود القاتل المتخلف، لمجرد ايمانهم بأن الطريق الى الله او للقاء الحور العين في الجنة او الصلاة خلف الرسول المصطفى في جنة الخلد، وهي الاعذار التي يضلل بها النشء والمرضى ومعدومي القدرة على مقاومة اغراءات من يجيد التلاعب بالعقول وافراغها من محتواها القادر على التعامل مع ادوات المنطق في التعامل مع الاشياء مستخدمين مصادر وكتب لدعاة وائمة في الدين ومكفرين لخلق الله لا لجهلهم ولا لاميتهم ولا لبلادتهم ولا حتى لعدائهم للدين مثل الصهاينة وسواهم، وانما لمجرد اختلاف المذهب معهم وبعضهم لاختلاف الرأي معهم، لا يجب ان نتوهم ان تنظيم داعش الارهابي قائم فقط على هؤلاء المرضى في قلوبهم الذين لايرون في الدين غير جانب ضيق نسج عليه الآخرون اهوائهم وخططهم في طريقة استعباد البشر وضمان ولائهم لهم لمئات السنين، تنظيم داعش في العراق بدأ بمجموعات من النظام السابق تعرضت للاقصاء وتعرضت للتشهير والتهميش والابادة، نعم هناك آلاف العراقيين ممن اختفوا من الحياة لان اطرافا معينة انتقمت منهم لاسباب عدة كلها طائفية ومعاقبة لهم على امور لا تتعلق بالدرجة الاولى ببلدهم، هذه الفئة التي كانت نافذة من قبل والتي تمتلك المال او بقايا المال والسلاح وجدت من يتعاطف معها طائفيا من معسكر قوي اخر خارجي لم يستطع النوم لوصول حكم مذهبي الى مقدرات السلطة في العراق يديره افراد لا خبرة لهم في الحكم اكثر من خبرتهم في تلبية متطلبات تبعية المذهب، فنهب العراق وحولت منه ارقام فلكية من الاموال العامة الى الجهة التي نصبت من وجدت فيه ضالتها، ووقتها وجدت الجهة المستفيدة من الوضع الجديد في العراق ان من مصلحتها ان تخلط الاوراق على من طاعها وخدمها ونفذ ارادتها ودمر بلده من اجلها وجوع شعبه معاقبة لهم لارضائها، فدخلت على خط رعاية داعش لها نفس اهداف المعسكر الآخر، الرغبة في تدمير العراق، وتقسيمه، وتقاسم ثرواته، فانضمت اعداد كبيرة من المرتزقة والقتلة والمجرمين والعسكريين المتقاعدين من عشرات الدول الى صفوف تنظيم ارتدى طابع الدين زورا او عن جهل، فبات كيان داعش الدولي اشبه بالتنظيمات الدينية الدولية الاخرى التي تديرها وتخطط لها وتمولها منظومة من مخابرات الدول الاقليمية والكبرى، ان فرض نظام طائفي في العراق يقسم البلد على اساس الولاء للدول التي تدير امور العراق، اخطر من ظاهرة تنظيم داعش التي قد تسقط الآن بسقوط معاقل التنظيم في موطن دولة الخرافة التي اعلن عنها قبل ثلاث سنوات في جامع التوري، الا ان المشكلة قد تكبر الآن، هناك تصفيات وانتقام بدل العدالة الاجتماعية، وهناك فرقاء من المعسكرين المتحاربين مذهبيا في الخليج، فاذا انفضت شراكتهما في داعش بالعراق وبعده سوريا، اين سيذهب المرتزقة والمضللون عقليا الى حد التطرف الاعمى من ابناء او اتباع او الموالين للمعسكرين، وهناك فئة مظلومة بالفعل ارادت رفع علم احمر للتحذير من ان دولة الظلم لن تدوم ودولة التمييز المذهبي لن تدوم، نتخوف من ان يواجه العراق امور عدة يمتثل فيها آخرون لاملاءات دول كبرى واخرى اقليمية مثلما تمتثل الجهة الحاكمة لاملاءات الدولة التي يدينون بالولاء لها على حساب بلدهم، لن نفترض ان احدا يجهل ان تنظيم داعش الارهابي يحمل علم التطرف السني، ولقي دعما لاحدود له من اكبر الدول الداعمة للاسلام السياسي، الا ان التنظيم الارهابي يضم بين صفوفه شيعة من عدة دول ويضم اكرادا وتركمان ومسيحيين ومرتزقة من اديان عدة غير الاديان الثلاثة الربانية، ويضم مظلومين واخرين مولودين للقتل والابادة، لقد بثت قناة صوت العرب شريطا مصورا من بقايا المباني التي لاتزال بيد داعش يصور ويجسد نقلا صوتيا واضحا للغاية لعدد من القناصة وهم يصطادون ابرياء من المدنيين المصالوة «تسمية تطلق على اهل الموصل» وهم يتبادلون النكات والضحك ويتندرون بلغات عدة ليس بينها العربية، مادخل هؤلاء بالاسلام.

الجمعة, 14 يوليو 2017

تنوخ راعي العقل تنويخ

بعث لي احد الأصدقاء قصيدة عامية فيها كم من الحكم والعبر والبلاغة البدوية في لغة تمنيت اتقانها إلا ان للعمر احكاماً، يقول فيها كاتبها الشاعر السعودي ابن جدلان، ولا اعلم ان كان هو سعد بن شارع بن جدلان السعدي الأكلبي المعروف باسم سعد بن جدلان، إلا ان القائل فحل من فحول الشعر يقول في قصيدته العصماء: أبنصحك عن خايبين المجاليس، عاشر حكيم الرأي والنذل خله، رجل ليا جيته هروجه مفاليس، ورجل ليا جيته أبد ما تمله، ورجل اذا شفته تعوذ من ابليس، ورجل تشوف بوجهه الخير كله، هذه بعض ابيات القصيدة إلا ان الصديق الذي بعثها لي قال ان كل بيت منها عن مئة بيت واشهد بالله انه صادق، فالناس معادن، واذا كانت هذه قصيدة سعد بن جدلان فهو المولود في مدينة بيشة السعودية وينتمي لقبيلة أكلب ولم يعش طويلا، حيث ولد في عام 1947 وتوفي في ابريل العام الماضي وله ديوان شعر جميل اسمه «سمان الهرج» وله قصائد جميلة اخرى موجودة على الشبكة العنكبوتية واشتهر بشعر القلطة والعرضة الجنوبية، ومن اشعاره ما بدأ به «أنا وين أبلقى يالاجاويد فاعل خير.. حريص على سر المحبين لارسلته» وقال في مطلع قصيدة اخرى: البارحة يوم الاوادم خواشيع.. في نومها ونا على الكوع واعي.. هم «ن» يمزع سترة القلب تمزيع.. تقول ينهش ثومة القلب افاعي، ويستطرد ليقول: خذت القلم من بين روس الاصابيع.. وحبيت أميز سيرتي وانطباعي.. عزلت من صدقان عطلة الاسابيع.. وعزلت من ضحك الوجيه الصناعي، وفي قصيدة اخرى يقول: يامل قلب «ن» تقول يقلا صيخ.. خلت الدنيا حزازات ومشوخ، دنيا تنوخ راعي العقل تنويخ.. وينداش فيها صاحي الفكر ويدوخ، تغيرو فيها العيال المطانيخ.. وسبابها شمل العرب صار مشلوخ، ويقول في قصيدة اخرى: كل دار ارجعت وانا سناوي.. عزتي للي سواتي عزتي له، زادت الحمى فرحنا للمداوي.. والمداومي زود الحمى مليلة، ويقول في مكان آخر وهذه آخر المقتطفات من آبار غزيرة ونبع صاف يقول: على كثر واعوان الدهر والدهر ضدي.. وذا حال من صارت ضروف الدهر ضده، تحداني الدنيا على غير ما ودي.. وحبل الردا اذا جيت بامده، بعض الأصدقاء لاجيت باقابله صدي.. ومن كنت محتاج لوده بدى صده، ولست في وارد شرح وبيان ما فاض به الشاعر السعودي إلا اني صدقا «ماهقيت ان الوفاء ماله مع الايام خانة»، والوفاء خصلة اجتماعية خلقية تتمثل في التفاني من اجل قضية أو شيء ما، ويقال ان الوفاء هو اصل الصدق وانه صفة إنسانية جميلة عندما يبلغها الإنسان بمشاعره ومحسوسياته فانه يصل لاحدى مراحل بلوغ النفس البشرية لفضائلها، لذلك فان الوفاء صدق في القول وصدق في الفعل، ولا يحتاج الوفاء إلى وعد أو عهد، وانما يحتاج إلى وجود هذه الخصلة على نحو اكيد وكاف في داخل الإنسان ليرد عنها أي وسواس يتناقض مع فعل الوفاء أو يتعارض معه أو يقلل من قدره، وليس من باب المبالغة الربط بين الوفاء وبين الإنسانية فمن قل عنده الوفاء خسر إنسانيته وما عاد يرجى منه خير إلى ان يستعيد هذه الخصلة التي باتت نادرة، مع ان الله جعل الوفاء قواما للنفس البشرية لصلاح الامور، لكن هيهات ما بين ان نقول ونقرأ وبين ما نفعل وما نشهد وما نسمع، ويقولون الآن ان الوفاء عملة نادرة وان القلوب هي المصارف إلا ان المشكلة باتت الآن تكمن في قلة هذه المصارف التي لا تتعامل إلا بهذه العملة طالما انها لم تعد موضع تعامل من قبل العموم، بشر ومصارف، ويقول بن جدلان رحمه الله تنوخ راعي العقل تنويخ، فأين هو العقل اصلا؟

دولنا العربية لا تتقبل النقد حتى وان كان بناء، وتعتبر العقول عورة والفكر خطيئة وكفراً، وهي قاعدة تلخص سبب تراجع الدول العربية والإسلامية وانكفاء الامتين وتخلفهما من يوم ان فصل أصحاب السلطة الدينية بين العلم والدين، بات العالم كافرا مذموما ورجل الدين ايا كان فهمه ومستواه هو الحاكم المطلق الذي يتحكم في الجموع فيخترع الفتاوى للتكفير والتضييق على أصحاب الفكر، ليظل وحده الممسك بالسلطة ولو من خلف ستار الواجهة، هذا الأمر مطبق بشكل آخر في محافل صنع القرار وادارة أمور العالم، فالولايات المتحدة دولة عظيمة في الخير وفي الشر إلا انها وان كانت القوة العظمى المنفردة بحكم العالم بعد سقوط الاتحاد السوفيتي إلا انها ليست سوى واجهة إذ إن الادارة الأميركية التي يبدو في ظاهر الأمر انها هي التي تحكم أميركا ليست إلا مجرد واجهة، في العالم حكومة ظل فيها قوى عظمى اكبر من قوة المؤسسات الأميركية، في ادارة أمور الظل في العالم خبراء وزعماء حاليون وسابقون ومشرعون من ذوي الفكر والرؤى والفلسفة السياسية بكل فروعها، هناك ناد يجمع أصحاب القرار وهناك مصالح تنظم علاقات هؤلاء مع بعضهم البعض، لذلك لا شيء يخضع للمفاجآت او متروك للصدفة، في نادي حكم العالم، تتوفر كل ادوات القوة، والمقصود انها آليات تفعيل وتنفيذ ومراجعة ومحاسبة، إلا ان المعضلة الاكبر التي تقلل من فرص حكم نموذجي للعالم على الرغم من المساحة الكبيرة من عمل الخير والانتصار للمظلوم والضعيف وحماية بعض الدول من الانقراض، يعود إلى هيمنة الفكر الصهيوني على ادارة أمور العالم، فهم سادة الاقتصاد والاسواق واجهزة المخابرات، وهم وراء اغلب وسائل الاعلام الكبرى ووراء تقنية المعلومات ووراء ادوات التواصل الاجتماعي التي باتت اكبر المؤثرات المتاحة على العقل البشري لتطويع سلوكه وبث الفتن واثارة النعرات وايقاظ الخلايا النائمة وتجنيد الذئاب المنفردة، هذا النادي له سطوة على كل العالم وهو لا يخلو من عقول طيبة نيرة حكيمة تحب الخير إلا ان الغلبة تعود على الدوام إلى العدد الاكبر، وفي المقالة السابقة استشهدنا بما قاله الممثل السينمائي الاميركي الكبير خلال احدى الندوات الاكاديمية في واحدة من اكبر جامعات الولايات المتحدة عندما رفض مفهوم سؤال عن الاسباب التي قالت الطالبة طارحة السؤال انها تجعل من بلادها القوة العظمى في العالم، الفنان الأميركي رفض بقوة منطق اعتبار أميركا الافضل والاقوى على مستوى العالم وضرب امثلة كثيرة على ذلك منها او احدها ان الولايات المتحدة كانت تحارب الفقر في العالم إلا انها تحارب الفقراء، وقال ايضا ما لم ينشر في المقال السابق ان بلاده اي أميركا هي الدولة الثالثة في متوسط دخل الاسر والدولة الرابعة في مجال القوى العاملة والرابعة في التصدير، وقال الممثل العالمي ان أميركا تتقدم العالم بثلاث اشياء فقط هي: معدل السجناء مقارنة بعدد السكان وعدد البالغين الذين يؤمنون بوجود الملائكة وفي كون بلادهم الدولة الاعلى انفاقا على الدفاع في العالم، فنحن ننفق اكثر من الدول التي تلينا في الترتيب مجتمعة، مع انها كلها دول حليفة لنا باستثناء واحدة، واستدرك الممثل الأميركي قائلا: لكن هذا ليس خطأ طالبة جامعية لا تعرف الحقيقة فهي لاتزال في العشرين من عمرها إلا انها على الرغم من ذلك تبقى فردا واحدا من جيل هو اسوأ الاجيال التي مرت بالولايات المتحدة، لذلك فانها معذورة عندما تسأل عما يجعل من الولايات المتحدة أعظم دولة في العالم، والتفت الممثل الأميركي مجددا إلى الطالبة متسائلا: لا اعلم بالضبط عما تتحدثين عنه، فهل تتحدثين عن يو سامتي مثلا؟ ثم يجيب: نعم كنا الاعظم في يوم ما، في وقت مضى، عندما كنا نقف مع الحق، وحينما كانت الولايات المتحدة تحارب لاجل اسباب اخلاقية حقيقية، كنا وقتها نمرر قوانين ونلغي اخرى لاسباب اخلاقية فعلية، كنا نشن الحروب على الفقر وليس على الفقراء، كنا نضحي ونهتم لشأن جيراننا، كنا نعطي اموالنا لمستحقيها، لم ندس على قلوبنا قط، بنينا اشياء عظيمة، وحققنا معجزات تكنولوجية بشرية، استكشفنا الكون وعالجنا الأمراض، رعينا افضل فناني العالم، وبنينا اعظم اقتصاد في العالم، فوصلنا للنجوم،وتصرفنا كبشر حقيقيين، لقد كنا وقتها وجهة للعقول النيرة، ولم يحصل ان قللنا من شأنها،او شعرنا أمامها بالنقص، في الانتخابات الاخيرة، لم تعرف حقيقتنا، لم نعرف من نحن، في الماضي لم نكن نخاف بسهولة كما هو عليه حالنا الآن، لقد كنا قادرين في يوم ما على ان نكون كل هذه الاشياء مجتمعة،لأن رجالا عظماء قد بينوا لنا كيف نقوم بذلك.

الأربعاء, 12 يوليو 2017

تموت بفرد وتحيا بفرد

هذا كلام الشاعر العربي الأكثر من رائع أحمد شوقي الذي سطر روائع لا حدود لها فيقال عنه من خصوم الامة إنه من أصول تركية. تماماً كما قيل عن متنبي العصر الحديث الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري. الذي قيل انه من اصول فارسية فلم يقولوا انه من اصول ايرانية لان إيران مؤلفة من سبع قوميات «اذري وفارسي وكردي وعربي وبلوشي وخليط من قوميات اخرى». وليس في هذا ما يعيب إيران ولا الفرس في شيء فقد كان الفرس امبراطورية  لهم حضارتهم وتاريخهم وثقافتهم وأدبهم. والخلاف الحالي مع إيران خلاف مذهبي يرتبط باخطاء العرب وباستفادة طهران من التفرقة الطائفية بين المسلمين العرب. والكلام الذي يقال عن شوقي والجواهري  افتراء والقصد منه هو الاساءة للامة  وليس للكبيرين. بين الاثنين لغة مشتركة فيها قدر غير محدود من البلاغة والرفعة والفهم العالي لعلاقة الشعر بمعاناة الناس. وسيظل هناك من يشكك في عروبة كل نابغ  عربي. وقد نال شاعر الحب نزار قباني الكثير من التطاول والاساءات والافتراء واتهم بأمور عدة، لكن هذا ليس موضوعنا اليوم فقد كتبت قبل ايام عن اهمية السينما في ثقافة الشعوب وفي تطوير الحياة وفي فتح آفاق أمام عقول النشء للتجاوب والتوافق مع متطلبات تطور الحياة. ينقل عن احد الحكماء قوله: عشت كثيرا، حتى ادركت ان الاستمرار في العتب تعب. والتجاهل صدقة جارية على فقراء الادب. وأيقنت ان المواقف خريف العلاقات، يتساقط منها المزيفون كأوراق الشجر. ويواصل: زرعان يحبهما الله، زرع الشجر وزرع الأثر فإن زرعت  الشجر  ربحت ظلاً وثمراً وإن زرعت طيب الأثر حصدت محبة الله ثم البشر، طبتم بطيب الذكر والأثر. في السينما اليوم علوم وجغرافيا وتاريخ وادب وسبب عودتي الى هذا الموضوع، فيديو على الواتسب  متداول الآن على شكل محاضرة سياسية في إحدى اكبر الجامعات الأميركية، الفيديو قد يكون لمحاضرة اكاديمية حقيقية على الرغم من «Panel» وهم  المحاضرون الثلاثة أو هيئة ادارة الندوة أو المحاضرة، فيهم احد نجوم سينما هوليوود المعروفين، وهذا الفيديو يعرض طالبة جامعية تقول انها في السنة الثانية من دراستها وهي تسأل الهيئة الثلاثية ان تجيب بجملة واحدة على حد ما قولها ما الذي جعل من الولايات المتحدة اعظم دولة في العالم؟ فتأتي أول اجابة من استاذة جامعية وهي احد الثلاثة قائلة: إن السبب معروف وهو التنوع الثقافي في المجتمع الاميركي بالاضافة الى توفر فرص النجاح والتفوق في جميع المجالات، فيما يجيب الثاني بان الامر يتعلق بالحرية والحريات التي يتمتع بها الفرد والمجتمع  قائلا لنحافظ على هذا النهج. الا ان المحاضر الثالث وهو الممثل السيمنائي اعترض على السؤال قائلا:  من الذي يقول اننا اعظم امة في العالم؟ والتفت الى رئيس الندوة مضيفا: لسنا اعظم دولةفي العالم  يا بروفيسور، مكملاً رده للطالبة التي طرحت السؤال: هذا ردي على سؤالك، فقاطعه  مدير الندوة، انت تقول ان اميركا ليست اعظم دولة في العالم؟ فقال الفنان الممثل: نعم. ووسط احتجاج بقية الهيئة ومدير الندوة واصل الفنان حديثه قائلا: كلامي واضح والجمعية الوطنية للاعلام ليست الا مثالا للفاسدين، بامكانهم مقاضاتنا، ويثير كلام  الممثل الحضور من طلاب واساتذة وواضح ان عدد الحضور كان كبيراً إما لشعبية الممثل او لاهمية المشاركين فيها من الاساتذة او بسبب موضوع الندوة، ويعود الممثل ليقول: قد لا يكلف الامر مالاً بل يكلف أصواتا، او بثاً مباشراً او عموداً صحافياً بعرض إنش واحد، ويلتفت الى الاستاذة الجامعية التي تجلس الى يمينه قائلا لها: هل تعلمين لماذا يكره الناس الليبراليين، لانهم فاشلون. إذا كان الليبراليون اذكياء للغاية «الكلام مازال للممثل الأميركي» فلماذا يخسرون دائما؟ ويضيف: هل يتوجب ان نصارح الطلاب بكل شيء؟ هل يجب ان نزعم  امامهم بأن نجم اميركا سطع لاننا  الدولة الوحيدة في العالم التي يتمتع بها الانسان بالحرية الحقيقية!  لكن ماذا عن كندا؟ ماذا عن اليابان؟ هذان البلدان فيهما نفس القدر من الحريات وكذلك بريطانيا وفرنسا وايطاليا  والمانيا واسبانيا واستراليا وحتى بلجيكا فيها حرية. ويواصل: هناك 180 دولة تكفل الحريات  من اصل 207 دول ذات سيادة، ثم يلتفت موجها كلامه للطالبة التي طرحت السؤال : ماذا إذا حدث وتساءلتي امام صندوق الاقتراع في يوم ما عمن ستعطينه صوتك. الا يجدر بك اولا ان تعرفي بعض الابجديات  واولها انه لا يوجد هناك دليل حقيقي على قولك باننا اعظم دولة في العالم. هل تعلمين بأن الولايات المتحدة هي الدولة السابعة في مستوى الأمية، والدولة السابعة والعشرون في ترتيب اجادة التعامل مع الرياضيات الحسابية والثانية والعشرون في مستوى العلوم والتاسعة والاربعون في معدلات الحياة وتحتل المرتبة 178 في معدل وفيات الرضع.. وللحديث بقية.

الثلاثاء, 11 يوليو 2017

سفه الوجودية

شعرت بالزهو وأنا اسمع اطراء وشهادة حق من سياسي عملاق هو الآخر من قادة العالم، وكان رئيس وزراء إيطاليا وقتها سيلفيو برلسكوني حاضرا اللقاء الصحافي، فقد كان اندريوتي استاذه ومعلمه، وتأتّى لي يومها ان انال تعاملا لطيفا من قبل مكتب برلسكوني وأنا اصل إلى مطار روما من لندن، وكنت على يقين بأن هذا الاهتمام انما هو انعكاس لمكانة اندريوتي، وكان برلسكوني اول من قابلت، أنا لا اعرف الإيطالية، احفظ كلمات روسية قليلة تكفي للتعريف بنفسي والتعبير عن الشعور بالارتياح، ومازالت احفظ قدرا اقل من الكلمات الفرنسية التي كانت اللغة الثانية بعد الإنكليزية في دراسة الأدب الأوروبي في جامعة البصرة، وكنت مولعا اول الأمر حتى بالأدب الفرنسي فقد اغراني اميل زولا وهو كاتب وروائي بقراءة البؤساء لفيكتور هوغو وأنا ما زلت صغير السن وفي وقت مبكر من حياتي قرأت كل ما توفر من روايات الكسندر ديماس ثم ديماس الابن والبير كامو وقرأت قصة الوردة وهي انتاج مشترك من غيوم دو لوري وجان دو مون وقرأت بعض مسرحيات فردريك ميسترال ولم افهم منها شيئا ثم ولعت بقراءة ما كتب جان بول سارتر وما كتب عنه إلى ان بدأت السينما الفرنسية تستحوذ على اهتمامي وأنا مازلت اتحدث عن سنوات الصبا والمراهقة فولعت بأفلام الان ديلون وبريجيت باردو والشرطي النحس وحاولت ان استكشف عالم وجودية جان بول سارتر إلا اني لم استسغه.
ثم دخلت عالم الصحافة وأنا في السنة الجامعية الثانية فنسيت الأدب الأوروبي وبقيت مولعا بوليم شكسبير وادبه الفذ خاصة بعد ان لمست تطابقا في الكثير من المصطلحات والافكار والعبارات والعبر التي استخدمها في شعره وفي مسرحياته، وتراجع ترتيبي في التفوق التعليمي الجامعي لصالح عملي في الصحافة وشغفي بمواصلة ممارسة لعبة كرة القدم، والحقيقة ان الصحافة اشغلتني حتى عن بيتي فتحملت ام عيالي وزر مسؤولية البيت كاملة وتحملتني ايضا.
غير اني في لندن وجدت متسعا من الوقت مرة أخرى للعودة إلى الدراسة وكان يمكن ان اكمل ثالث رسالة دكتوراه لولا دخولي عالم البرامج التلفزيونية الحوارية وعملي رئيسا لتحرير «المشاهد السياسي» وهي اول مطبوعة عربية لهيئة الإذاعة البريطانية «BBC» فانشغلت في الإعلام الحديث عالم السؤال والجواب، الذي فتح لي ابوابا للمعرفة والتعرف بالناس اكثر من أي وقت مضى في حياتي، لم اكن على صلة بالأدب الإيطالي اقوى من صلتي بالأدب الفرنسي ثم الروسي خاصة بعد ولعي بأشعار بوشكين وروايات تولستوي، إلا ان البرتو مورافيا كان اشهر من نار على علم في مرحلة الشباب فقرأت له وقرأت لكونراد الفارو وغابرييل دونوزيو، وتوقفت ولم يؤثر في احد من الثلاثة اكثر من مورافيا فقد ابعد في روايته الاولى «اللامبالاة» ويبدو ان عرق والده اليهودي تفوق على لا ابالية امه الكاثوليكية، ثم روايته الموافق التي انتقد فيها الفاشية.
وقبل لقائي مع اندريوتي في روما، اصطحبني فريق الضيافة إلى جانب من مؤتمر الحزب الحاكم، ثم تناولت وجبة عراقية رائعة في مطعم يهودي صاحبه من اصول عراقية، وقبلت ان اتناول الشاي معه ومع شقيقتيه وكان الثلاثة في السبعينات أو أواخر الستينات وعنده تعرفت على رئيس الجالية اليهودية الليبية، ربما اعتقدوا اني يهودي أو لاني عراقي لا اعلم، إيطاليا دولة عجيبة وعظيمة تعاقب على منصب رئاسة الحكومة فيها من عام 1810 حتى الآن 83 رئيساً آخرهم الحالي ماتيو رينزي، قادتني المحطات إلى ذكر الشيخ صباح وسيظن البعض اني اتملق وهو أمر يجافي الحقيقة، فقد خسرت كل شيء من اجل الكويت وتركت مكانتي الإعلامية الكبيرة التي كنت عليها في لندن وعدت راجيا الله في اعادة اسرتي حتى لا اخسر ابنائي ولا يخسروا هم دينهم وهم الآن من حملة الشهادات العليا واضطرت امهم إلى تحمل صعوبة وقساوة الغربة بسببهم وخوفا عليهم، فيما لم ينفعني عملي مسؤولا عن تحرير جريدة الأنباء في المنفى في القاهرة في مواجهة الغزو الغادر وهو ما سبب خسارة محلاتي ومنجرتي ومصنع الرخام وعرض كل اهلي في العراق لمواجهة الموت ولم تنفعني مواجهات استمرت اكثر من عشر  سنوات بعد الغزو مع صدام وسواه من الكبار والصغار تلفزيونيا وأنا اقدم البرنامج التلفزيوني الحواري اليومي الوحيد من لندن على الهواء، وهو من اوقف تجنيسي ونساني، فلماذا اتملق؟ لم يبق شيء غير الحقيقة، إلا أن الشيء بالشيء يذكر.

الصفحة 4 من 78