جريدة الشاهد اليومية

هشام الديوان

هشام الديوان

الإثنين, 10 يوليو 2017

مستقرها ومستودعها

أنا مؤمن إلى آخر خلية في بدني وفي عقلي وفي جلدي ورقاقة انظر بها، ان الله وراء كل شيء وهو مدبر كل شيء وهو مسير الاشياء «وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ اِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ» إلا انه ليس المال وحده أو الوظيفة أو الجنسية التي يفتح الإنسان عينه على الحياة ليحمل اسما ولقبا ويرث دينا ومواطنة لا دخل ولا فضل له فيها فهي رزق من الله لأن الرزق هو الحياة الكريمة وررحمة الله الواسعة ورضاه وشخصية وسلوك والديه وبقية افراد أسرته والمحطات التي يمر بها في حياته، وسبب كلامي هذا لاني مررت بمراحل في حياتي لا فضل لي فيها فلم اخطط لها ولم اسع إلى أي منها، ان افتح عيني في بلد أهلي وموطنهم وان اتزوج في بلد آخر وان ارزق أبنائي في بلد زوجتي وان يحصل الغزو ونحن واقصد الأسرة بأكملها في بلد ثالث يقبل الزوجة ولا يقبل الزوج والأبناء وكأنهم هم من ارتكبوا الاثم فنضطر للانتقال إلى بلد رابع يعاملنا كمواطنين وتظل الزوجة أجنبية تتمتع باقامة دائمة لم يتمتع بها زوجها وأبناؤها في بلدها، وكان الخيار أو الاختبار مع من تقف الأسرة، فيختار الزوج مع البلد الذي رأى اولاده فيه النور وبدأوا رحلة التعليم ليس كرها لبلده وانما رفضا لما فعل نظام بلده والفارق بين الاثنين كبير، في لندن التي استقرت فيها الأسرة بأمر الله، شاء له القدر ان يتعرف من خلال عمله مع اغلب قادة العالم العربي، مع من يتفق ومع من يختلف، في الاعلام لا اعداء، الاعلامي يكتفي بمعتقداته ومبادئه لنفسه أو يدونها في عمود يومي مثل هذا أو خلال لقاء تلفزيوني يفصح فيه عن مواقفه وعليه ان يدافع عنها ويدعمها بالمنطق والادلة، في فندق مندرين Mandarin Oriental Hyde Park، London تعودت ان التقي العاهل الاردني الراحل الملك الحسين بن طلال، احد اكثر قادة زمانه دهاء وفطنة ومعرفة وخبرة وثقافة، وكانت له فيلا ليست بعيدة، الفندق في نايتس بريدج knightsbridge ليس بعيدا عن السفارة الكويتية ومحلات هارودز «Harrods» الشهيرة وعمارة امير قطر السابق الشيخ حمد بن خليفة، وكان بيت الملك حسين في بلغريفيا Belgravia وهي الحي المجاور وفيه فيلا للامير الوالد الشيخ سعد العبد الله والشيخة الفاضلة د.سعاد الصباح وبيوت وفلل لاغلب القادة العرب وفيها ايضا البارونة مارغريت ثاتشر، سألت العاهل الاردني الراحل بفضول الاعلاميين وكان يقدرني ويحترمني: هل ركبت المركب الخطأ في طوفان غزو الكويت ام دفعت اليه؟ لم يجب، اضفت: هل كانت هناك وعود واغراءات توازي فداحة الخطأ؟ تدخل وقال: لا تسأل، لقد نصحته «يقصد الرئيس العراقي» بألا يرتكب حماقة عمره، لقد وضعنا فيما مررنا به ودفعنا ثمنه، سألته: هل هذا مبرر كاف جلالة الملك؟ قال: لن تعرف الاجابة، لانك لست رئيس دولة، عدت اسأل: لماذا لم يسع إلى حل المشكلة مع وزير خارجية الكويت «اقصد الشيخ صباح الأحمد» قال بصراحة: الفارق بين الاثنين كبير والتلاقي صعب، وفي مرتين على الاقل نصحته بأن يتعامل مباشرة معه «يقصد الشيخ صباح» هذا الرجل يعرف اكثر من صدام وخبرته اكثر مما لدى القادة العرب مجتمعين، قال ويقصد على لسان صدام: ليس ممن يمكن استمالتهم ولا الضغط عليهم «يقصد الشيخ صباح»، ووقتها والكلام للملك حسين: خسر صدام القضية وارتكب حماقة ندم عليها متأخرا، سألته: لماذا لم توقفوه عند حده؟ قال: بعض الناس من الافضل ان تهابهم لتتجنب اذاهم خاصة عندما لا يكون بإمكانك ان تحرم بلدك من امور حيوية يصعب تعويضها أو ان يكون مقابل التعويض اكثر مضاضة، كان الملك حسين يستضيف احد اقرب مساعدي صدام وقتها بعد ان لجأ اليه الاخير وهو حسين كامل زوج ابنته الكبرى، واذكر اني سألت الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات عن حقيقة ان بعض الزعماء العرب كانوا يخشون الرئيس العراقي فأجاب بما معناه ولا اريد الخوض في التفاصيل: كان يرهبنا، اما عن الشيخ صباح الأحمد ففي عام 1998 وكنت اجري لقاء صحافيا مع جوليو اندريوتي Giulio Andreotti وهو رئيس وزراء سابق لايطاليا ثلاث مرات، وضمن اللقاء ورد ذكر الشيخ صباح وكان وزيرا للخارجية وقتها إلا انه قاطعني أي اندريوتي قائلا: No. Sheikh Sabah Ahmad is a leader.He is on of the world leader.واكمل He is a great man. كنت اعرف الشيخ صباح معرفة جيدة ومنذ اول مرة دخلت إلى مكتبه وانا صحافي في عام 1978 وانا متيقن ان مقدرته ومكانته اكبر من مقاسات أي مقعد وزاري ولا رئيس حكومة وانه خلق ليكون حاكما ومتميزا على مستوى المنطقة والعالم. وعشت فترة الغزو ولولاه لما تحررت الكويت ولما استعجل العالم طرد الغزاة منها ولولاه لما تحرر العراق من صدام وهو صاحب مشروع مجلس التعاون الخليجي وهو صاحب فكرة مجلة العربي وهو الاب الروحي للصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية وهو مؤسس هيئة الخليج والجنوب العربي.

الأحد, 09 يوليو 2017

ظلام النهار

بعض الذين يعرفون الكثير من دقائق حياتي واقصد القضايا المتناهية الصغر التي لايعرفها سواهم رغم اهميتها يعتبون علي لأني وجهت اللوم للحكومة العراقية لانها لا تريد انصاف مواطنيها وفق مفهوم المواطنة مجردا من اي مؤثرات مذهبية  استجابة لاوامر مذهبية خارجية ولا تريد منح الاكراد على سبيل المثال الاستقلال المستحق لهم طالما انهم  لايريدون البقاء في اطار العراق. كل الحكومات العراقية السابقة سقطت في اختبارات بعضها سهل وبعضها الآخر صعب. بعضها داخلي نتيجة صراع المكونات السياسية والدينية والعرقية على السواء على الحكم. وبعضها خارجي اما لارتباط الداخل بأجندات الدول المؤثرة او لان الدول المؤثرة وبعضها اقوى من سواه قد خاضت في الشأن العراقي بشكل مباشر وبدون عملاء او وسطاء او وكلاء في الداخل كما هو عليه الحال اليوم. لذلك قلت في عنوان مقالي عنهم قبل ايام انصفوهم او اتركوهم . وهي مجرد بداية لان استمرار الحكم بمبادئ ونظم وعقليات وشخصيات طائفية سيدفع السنة الى المطالبة بالانفصال وسيدفع بالاقليات التي لا حول لها ولا قوة الا بالله اما الى مغادرة بلادهم والهجرة الى دول اخرى او الاستنجاد بالمجتمع الدولي لحمايتها بقوانين اذعان ملزمة للحكومات الطائفية في العراق . ونحن نعلم ان الحكم الطائفي في العراق مفروض من اطراف اقليمية واطراف دولية. لابقاء العراق وشعبه وموارده تحت رحمة المتسلطين عليه ويظل اصحاب السلطة والواجهة مجرد اتباع ومنفذين لما يطلب منهم بالاجبار او بأي طريقة اخرى. وكنت قد شعرت بنوع قليل جدا من الارتياح وانا اتمعن ببيان السيد مقتدى الصدر زعيم اكبر تيار شيعي شعبي عراقي، من القتل ومن التفرقة الطائفية. وكان تيار الصدر شريكاً في كل ما حصل من خراب في العراق. وكان هذا التيار قد كفرني واباح دمي عام 2005 عندما انتقدت من قام بالتطاول على الطالبات الجامعيات المسيحيات في البصرة وهددهن بالقتل ان هن لم يتحجبن ولم يتخلين عن ارتداء بناطير الجينز. واعتبروا ان ملاحظاتي التي كنت اقولها بكامل المسؤولية وبكامل المخافة من الله، تدخل في امر شرع الله ولا اعرف كيف يتم الزام فتيات جامعيات في بلدهن بطاعة من يحملون لواء دين آخر في دين يقول الخالق في محكم كتابه الكريم فيه لا اكراه في الدين  وان الدين المعاملة . ووقتها وربما كانت كوادر التيار مندفعة بحماس خلط ما بين وطنيتهم وولائهم لرجال الدين فقاموا بمعاقبة الحلاقين وامهال باعة الخمر واغلبهم من غير المسلمين باقفال محالهم او التعرض للقتل وقد تمت تصفية البعض من هذه الفئة بالفعل على ايدي جهات مختلفة بعضها لاعلاقة له لا بالتيار الصدري ولا بأي تيار ديني آخر ممن اقاموا لهم ارصفة خاصة بهم على الضفة اليمنى من شط العرب في اغلب مناطق ابو الخصيب وامتدادا حتى الفاو لتصدير النفط متقاسمين الثروة النفطية يومها ليس لحساباتهم الشخصية ولا لتنفيذ مشاريع لتعويض المنكوبين من حروب صدام أو الغزو الأميركي- وانما لدولة واحدة معروفة هي التي اتت بهم وعينتهم لسرقة اموال بلدهم وكل شيء يستحق النهب. كان العراق ولعدة سنوات في فوضى زادها بعد ذلك بول بريمور ومن عمل معه ومن انتفع منه. لكن الآن وبعد سقوط داعش شكليا بعد اربعة عشر عاما من الغزو الأميركي وسقوط حكم صدام والبعث وبعد اثنتي عشرة سنة على قيام نظام المحاصصة الطائفية. هناك داعشي شيعي وسني وكردي ومسيحي وصابئي وتركماني وفيلي في كل صدر وفي كل بيت. ماذا تريدون من الناس ان تفعل وهي ترى بلدها ينهب ولغتها تحارب وتدفن وثقافتها وتراثها يتمزق وكراماتها خبر في عين! اتريدون من الاكراد ان يظلوا رهن عمالة بعض اصحاب القرار والمتنفذين وتريدون السنة ان يظلوا مهمشين وبقية العراقيين من كل الاطياف، عبيد وخدم وتوابع باسم الولاء الطائفي! اوقفتموهم عن التعليم وعن العمل وحرمتموهم من الرزق ومن الوظائف الانتاجية واخترعتم لهم روزنامات مثقلة باللطم والبكاء والحزن. صحيح ان الآخرين تعاملوا معكم على نحو طائفي معيب وكفروكم والصقوا بكم اسماء وصفات لا تليق ولا تقبل ولا مبرر لها ودفعوكم الى احضان ايران كرها لا طوعا الا ان كل هذا ليس مبررا لالغاء وطنية العراقيين ولا الى نسخ سيادة بلد البابليين والآشوريين والدولة العباسية وبلد مدارس اللغة العربية وبلد آدم ونوح والانبياء واهل البيت. فقط لتظلوا بالسلطة لخدمة انفسكم ومصالحكم ومصالح الغير. لقد مررت بمثل هذا الخيار من قبل. كنت لازلت اعيش في لندن عندما قررت الادارة التي تحكم العالم ان تجعل من البصرة ومحافظات ميسان وذي قار والقادسية اقليما باسم الجنوب تمهيدا لاعلان انفصاله عن العراق ليصبح احدى اغنى دول العالم. رفضنا وقاومنا وابتعدنا وفضلنا العمل والرزق الحلال على العمالة. أتمنى ان تكون صحوة مقتدى الصدر صادقة وان يستعيد الآخرون  وعيهم ويثوبون الى الله وان يلتفتوا الى انصاف الناس وايجاد الوظائف واعادة البناء والتنمية والحفاظ على الهوية العربية والعمل بكل ما يمكن لحفظ كرامة الانسان واشاعة العدل والمساواة والحث على العلم والابداع  فالعمل عبادة والتبعية للغير خيانة.

السبت, 08 يوليو 2017

ناخبون ومرشحون

بعثت مراسلتنا في بغداد تقريرا ظريفا يستطلع آراء الناخبين  العراقيين في صفات المرشحين للانتخابات العامة المقبلة في بلدهم. وجه الظرافة ان الناخبين يتمنون مرشحين مثقفين واعين وطنيين يغلبون المصلحة العامة على مصالحهم الشخصية لا يؤمنون بالمحاصصة ولا الطائفية ولا ينتصرون للفساد ولا الفاسدين ولا المرتشين. وسألت نفسي اذا كانت هذه تطلعات الناخبين واشتراطاتهم فكيف وصل النواب الحاليون الذين يقال عنهم ما يقال من محاصصة وطائفية وفساد وعمولات ومصالح خاصة وتستر على المحسوبية والاختلاسات وصمت عن ملايين براميل النفط اليومية التي تبيعها دولة اخرى وتستدخل اموالها في خزانتها بينما صدام اتهم الكويت بالسرقة وتجنى عليها وغدر بها يوم غزاها بدعوى ان ارض الكويت مائلة وتستفيد من النفط المتسرب من حقول العراق المرتفعة؟ من الذي أتى بهذه الحكومة وهؤلاء النواب والزعماء العرب والاكراد؟ اليسوا هم العراقيون انفسهم!!! ثم من اين سيحصلون على نواب جدد خالين من كل المواصفات التي يرفضها الناخبون الان بالمرشحين ويتمنون وصول تشكيلة ممن لم يعلق بهم دنس العمولات والرشاوى ولم يتلوثوا بالفساد والمذهبية البغيضة؟ فهل سيتم استقدام مرشحين جدد من المريخ ام سيتم استبدال الناخبين بآخرين من كوكب آخر؟ لماذا لا يقر الناخبون بأنهم  سبب ما وصل اليه حال نوابهم وانهم مستفيدون منهم على حساب بلدهم. البطالة تضاعفت آلاف المرات. الفساد استشرى إلى حد معيب ومخجل وسيحتاج الى كل سيارات الأرض لسحبه والى كل دواب الأرض شمالا وجنوبا لحمله والى قرون للشفاء منه. من اوصل هؤلاء الى الواجهة ومن انتخبهم  ومن اختارهم ومن صوت لهم ومن تعاون معهم في التأثير على توجهات حتى البسطاء منهم؟! يقينا انه ليس كل الناخبين على حق وليس كل النواب على باطل وانا اتحدث عن البرلمان العراقي ولا اقصد البرلمان اللبناني او المصري او الاردني.
على الشعوب ان تبرأ أولا من الامراض التي تعاني منها برلماناتهم والا فمن اين جاءت هذه الامراض؟ ما نفع ديمقراطية تقوم على المحاصصة والمذهبية والقبلية وتقاسم ثروات البلد بالنهب والسرقة والعمولات والغش والرشوة وشراء الذمم؟ في الثمانينات كان للفنانة الرائعة فاتن حمامة سيدة الشاشة العربية فيلم مع  الراحل رشدي اباظة اسمه افواه وارانب. في العراق الآن ملايين المشردين وملايين الارامل وملايين الايتام وملايين العاطلين وملايين المرتشين وملايين القتلة وملايين الذين لا ولاء لهم لبلدهم وملايين الذين اختطفت عقولهم وصودرت حرياتهم وملايين الذين يجهلون القراءة والكتابة وملايين الذين لا يعرفون شيئا لا عن مستقبل بلدهم ولا عن مستقبلهم.
وربما اشعر بالندم لاني رفضت دعوات كثيرة من اطراف نافذة في الجنوب العراقي واخرى في الخارج مؤثرة في القرار الدولي، لاعلان قيام حكومة اقليم الجنوب العراقي في المنفى. وكشف كل الملفات وبيان اسباب واهمية وجدوى ومبرر قيام مثل هذا الاقليم المهدور الحقوق المهمل الذي يفتقد اي نوع او قدر من الاهتمام من الحكومات الحالية والسابقة؟ ثاروا على موضوع ميناء عبد الله وهو ميناء كويتي ونحمد الله انه لم يكن عراقيا لكان مصيره مصير البصرة نفسها في الاهمال والاستخفاف بأهلها وبسرقة نفطها. البصرة التي تفتقد البيئة الصحية الصحيحة وابسط مقومات حماية كرامة وحياة الانسان.البصرة التي تفتقد الشوارع العصرية والاسواق العصرية والمباني اللائقة بمدينة تنتج 4 ملايين برميل من النفط يوميا غير ما يسرق ويباع لمصالح الاحزاب ولمصلحة الدولة التي يدينون كلهم لها بالولاء على حساب دولهم. هل ذنب اهل البصرة والجنوب انهم مسالمون؟ وهل يضمن المتنفذون ان يظل هؤلاء الطيبون مسالمين الى الابد حتى وان وصلت السكاكين الى رقابهم؟ لذلك
لا يجب الحديث الآن عن مواصفات نواب المستقبل وانما من الافضل ان يتحدثوا عن اصلاح أحوال المجتمع بأكمله فهو البيئة الحاضنة التي تنتج الناخبين والمرشحين والحكم. لا يمكن تقليل اخطاء السلطة والبرلمان وحتى القضاء في دول تفتقد العدالة والتعددية ومتطلبات التعايش والمساواة في الحقوق والحريات الدينية والسياسية والاجتماعية والعرقية. الاساس ان يتم اصلاح احوال المجتمع بالتعليم ومن المرحلة الابتدائية. عدا عن ذلك يستحسن في بيئة مثل العراق متخمة بكل امراض المجامع ان تفتح الابواب امام الكفاءات العراقية في الخارج وان تشجع النخب العلمية والاقتصادية على العودة وان تبادر الى التصالح وطي صفحة الماضي  واسقاط اللاءات على الاحزاب والتعامل معها بموجب القانون لا على اساس الماضي ولا أساس مذهبي. بعكس ذلك سيكون رد فعل المكون الضعيف والمضطهد والمحاصر دينيا وعنصريا في المجتمع، الانقياد وراء مشاريع من يدفع ويروج ويخطط لخدمة اغراضه الخاصة. وقد يأتي وقت يصلح فيه تنظيم داعش حتى وان انقرض، مجرد نموذج سيئ لكن ليس بالغ السوء. حتى احزاب الماضي السيئة سيتضح أنها أقل سوءا ممن يحكمون باسم المذهب والطائفة.

الجمعة, 07 يوليو 2017

أنصفوهم أو حرروهم

لا يمكن القبول بمنطق فرض مذهب محدد على الآخرين ممن هم ليسوا من ابناء نفس المذهب أو حتى ابناء نفس المذهب الحاكم الذين لا يتوافقون في الفهم والاعتقاد مع من يسعون إلى توسيع نطاق سطوتهم أو هيمنتهم أو حكمهم أو اخضاع اكبر عدد ممكن من الناس لارادتهم، تحت مظلة التطويع بالاجبار أو الاقناع أو الايحاء أو حتى الابتزاز، في العراق انتظر الناس طويلا لحكم بديل، وجاءهم حكم طائفي لا علاقة له بالسياسة والقوانين والانظمة والعالم، حكم همه المال واحتكار السلطة والانتقام من الخصوم بحجة الماضي، فضاع العراق بين اللطم والمشي واحياء المآتم ونسي العلم والمعرفة والابداع، وفي سوريا تحجج حاملو السلاح والمعارضين لنظام الحكم في بلادهم، بأنهم ساعون إلى الأفضل فكان الأفضل فصائل دينية لا تعترف حتى بمكوناتها أو حملة نفس المعتقد، فتم تدمير ثلثي سوريا واندثرت عشرات الآلاف من المصانع والورش الصغيرة والمتوسطة واندثرت الزراعة واسواق العمل، ولا ادري كيف يمكن ان تدير فصائل مسلحة سلاحها الدين، وهو بعيد جدا عنها، دولاً متحضرة لها علاقات متشابكة مع العالم، دول تحكمها قوانين وانظمة حتى وان شاب تنفيذها قصور نتيجة اخطاء النظام أو الناس، وكنت في المقال السابق اخذت المكون الكردي مثلا وهو الذي وقع عليه الكثير من الظلم والاذى من قبل انظمة حكمت العراق مع استحالة حذف حقيقة ان الكثير مما جرى من هذه الانظمة انما يدخل في حسابات رد الفعل على ما فعله الطرف الآخر الذي دفع الثمن، فأنت لا تستطيع ان تناطح الجبال بأي حال من الاحوال إلا اذا كنت قد خططت لمرحلة ما سينزف منك من دماء هذا ان بقيت على قيد الحياة، فمصيبة وكارثة مأساة حلبجة، شيء لا يوصف واهواله مريعة إلا ان هناك سببا وراء كل هذا، تريب المؤرخ البريطاني والباحث المختص بتاريخ العراق قال في محاضرته في لندن عن المكون الكردي العراقي: انه ولإشباع فضول الحضور ان بالامكان الاكتفاء بالاشارة إلى ان الأكراد هم ابناء كيخسرو وهو شخصية فارسية، وانهم لا ينحدرون بالتالي من شيء اسمه امة كردية، وقال تريب ان المؤرخ الكبير توينبي الذي يعد ابو التاريخ الحديث يشاطره في ذلك، وذكر ان اللباس الذي يقول عنه الأكراد انه لباسهم القومي هو في حقيقته مقتبس ومسروق من الازياء الشامية، فأشار إلى ان الفلاح الشامي في سوريا ولبنان لا يزال متمسكا بهذا الزي حتى اليوم، وتطرق إلى موضوع الدبكة التي قال انه تعرف خطأ بالدبكة الكردية فيما هي في حقيقتها دبكة فلسطينية الاصل، واجاب الباحث عن سؤال عما يعرف بإقليم كردستان فقال: ليس هناك ارض على أي خارطة في التاريخ باسم كردستان، واكد ان المنطقة التي يزعم أكراد العراق انها اقليمهم ودولتهم المستقبلية ليست في حقيقة الأمر إلا مناطق الدولة الاشورية أي ارض اشور وعاصمتها نينوى، اما الاقوام التي تسكنها فهي خليط من البشر غير المتجانس، فقسم منهم مقطوع النسب والقسم الآخر عرب اقحاح وقسم ثالث مسيحي لا صلة لهم بمن يطلقون على انفسهم اسم الأكراد وهناك قسم رابع من بقايا نسل اليهود الذين أسرهم نبوخذ نصر في عملية السبي اليهودي المعروفة تاريخيا، ومن ضمن سكان هذه المناطق افراد من القفقاس نزحوا إلى العراق ومثلهم الشركس واستوطنوا فيه تاريخيا، وقبل ايام اعلن احد زعماء الأكراد الفيلية ان هذه الفئة لن تشارك في الاستفتاء المزمع عقده في كردستان العراق لتقرير المصير واتخاذ موقف من موضوع الانفصال من العراق، وقال المسؤول الفيلي ان الأكراد الفيلية الذين يصل عددهم إلى نحو 300 ألف نسمة في العراق ليسوا من سكان الاقليم وان مبررات اجراء الاستفتاء اقليمية لا قومية، ولا ادري كيف يمكن ان ينسجم الأكراد مع بعضهم طالما ان مسعود البرزاني لا يمكن ان يتنازل عن كرسي رئاسة الاقليم بعد سنوات على انتهاء حقه الدستوري وظهور حركة كردية معارضة تطالب بالاصلاح ومعالجة الفساد والتصدي لمافيات تقاسم مفاصل السلطة، يبقى السؤال الحقيقي: هل يمكن ان يتحد أكراد السليمانية مع أكراد اربيل في حال توفر فرص الانفصال عن العراق؟ وهل سيقبل بقية العراقيين ضم أي مناطق غير كردية من بين المتنازع عليها إلى الدولة الكردية؟ وهل ستفي الولايات المتحدة بوعودها وتعترف بالدولة الكردية المنسلخة من العراق؟ ام ان إسرائيل وحدها التي تقف وراء هذا المشروع وغيره ووحدها التي ستكشف عن رأسها؟ وهل ستكون بعض الدول العربية التي تشجع الأكراد على الانفصال وتدعمهم، في نفس خانة إسرائيل؟

كل المؤشرات والتحاليل والتقارير المباشرة المعلومة او التي تخفي الكثير بين طياتها، كلها تؤكد ان الاحداث التي تجري في المنطقة لن يقتصر ضررها على العراق وسوريا واليمن فقط. وان الخافي اعظم وربما هو الهدف الحقيقي. فاذا كان كل هذا التهجير والقتل والتدمير الذي طال هذه الدول وجعل منها الاكثر تضررا حتى الآن من ايام الحرب العالمية الاولى والثانية على السواء بسبب الخراب الذي مرت به وتمر به من احداث منذ سنوات فماذا تخبئ اجندة الاطراف المحركة للاحداث؟  الاكيد في الموضوع ان التقسيم المطروح لن يقتصر على هذه الدول وان الاطراف التي تشارك في المخطط بشكل أو آخر ليست مستثناة وستدخل الى مجريات اللعبة وستكون طرفا فيها. قد لا يقسم العراق وحتى موضوع الدولة الكردية في سوريا، شيء غير قابل للتحقق. لن اقول انهم لا يستحقون. اي انسان يستحق الانصاف. وهؤلاء ان لم يكونوا جزءاً فاعلاً في تدمير البلدين، فان الانصاف يتطلب منحهم كامل حقوقهم ومساواتهم بالحقوق والحريات شرط احترامهم لقدسية العلاقة مع دولهم. من حق اكراد العراق ان يطالبوا بالانفصال ان لم ينصفوا وان لم تكف النخب الحاكمة عن العمل بمنهج طائفي مدمر وظالم ومجحف.  للتاريخ وامام الله يجب الاقرار بأن نظم الحكم في المنطقة وليست في الدول الاربع التي يتواجد فيها الاكراد او من يطلقون على انفسهم مثل هذا المسمى لان الايزيديين ليسوا اكرادا والفيلية ليسوا من نفس الفئة والاشوريين والمسيحيين وعرب بادية الموصل والتركمان، كلهم لا علاقة لهم بالمكون الذي تدعمه دولة معروفة وتمول مشروعهم لتقسيم المنطقة ليس حبا بهم وانما خدمة لاغراضها.  لا يختلفون كثيرا. الا ان الانصاف يقتضي الاقرار ايضا بأن القادة الكرد الحاليين ليسوا احسن عقلا ولا نضجا ولا فهما ولا عدالة من القادة الآخرين السابقين والحاليين في المنطقة فهم ابناء نفس البيئة.وهم ايضا اسرى المصالح والقوى الكبرى التي تدير امور العالم.  وقبل ايام وصلني عن طريق ادوات التواصل الاجتماعي فحوى محاضرة القاها المؤرخ البريطاني المعروف تشارلز تريب  المتخصص في تاريخ العراق السياسي عن القومية الكردية ورغبة اكراد العراق في ترتيب استفتاء على الانفصال طوره احد مستشاري رئيس اقليم كردستان مسعود البرزاني والمسؤول المقصود هنا هو احد انجاله   والتطوير الذي اقصده هو تصريح ادلى به لصحيفة بريطانية قبل ايام ولم يكتف فيه بتصوير امر الانفصال عن العراق وكأنه حق مطلق للاكراد يشابه حق الرجل في القاء الطلاق على زوجه او حق الزوجة المظلومة في طلب  خلع زوحها.ولأن الامر لا يتحمل تحويله الى نوع من السذاجة او السخرية، فان طلب الطلاق يتطلب وجود سبب أو قصور في الواجب الشرعي او البدني او في اطار استحقاق العلاقة الزوجية اوقع اذى على الطرف غير المتقدم بطلب الطلاق. سرور البرزاني اعتبر ان الانفصال حق مطلق من طرف واحد وان تقسيم العراق  امر مشاع وان على المتنافسين على الكيكة العراقية ان يبادروا الى وضع ايديهم على اكبر جزء ممكن قبل سواهم قائلا ان العراق مقسم في حقيقته وان الاستفتاء ليس لتقرير المصير وانما لتحديد الحدود مع بغداد ومع تركيا. وكان بإمكانه ان يرسم بالقلم على خارطة الشرق الاوسط لايصال حدود الدولة الكردية التي يطالب بها الى المحيط الاطلسي  او بحر العرب او البحر المتوسط مثلا . لكن ماذا قال تريب عن الاكراد وعن كردستان؟  المؤرخ البريطاني قال امام حضور غفير من الاكاديميين والباحثين  في جامعة اوكسفورد العريقة وربما الاكثر عرافة في العالم إنه ليس هناك عرق كردي. وان صفة القومية مسألة مستحدثة قال انها استخدمت لاغراض سياسية في القرن التاسع عشر فاحدث بذلك جدلا واسعا بين النخب المثقفة المتخصصة  في التاريخ. تريب قال انه دون ذلك في مخطوطة  استند في محتوياتها على آثار ووقائع تاريخية لا تقبل الدحض  وهي تعتبر الكرد فرعا من اصل فارسي. واشار الى ان الموسوعة البريطانية تشير الى ذلك باستفاضة وبالامكان الرجوع اليها. وتطرق تريب في المحاضرة الى موضوع اللغة الكردية فقال انه ليس للكرد لغة خاصة بهم وان ما يتداوله الكرد في الاماكن التي يعيشون فيها حاليا انما هو جزء من مجموعة اللهجات الخاصة باللغة الفارسية  واستدل على ان الاكراد لا يستطيعون التفاهم فيما بينهم الا بصعوبة بالغة  وان هذا الانقسام يبدو جليا وواضحا  في الخلافات اللغوية بين سكان المناطق من واحدة الى اخرى وقال ان لديه مائة دليل ودليل  على ما يقول. وردا على سؤال عن الكيفية التي يتفاهم بها الاكراد مع بعضهم البعض؟ اجاب مازحا: بلغة الاشارة. وبرر سبب اجابته هذه الى انه ذهب  بعيدا في البحث عن اجابة فلم يجد سببا واحدا سوى انه لا لغة كردية محددة لان لا امة كردية موجودة اصلا. وقال انه لا يستطيع ان يبوح بأكثر من هذا حتى لا يفسد محتويات المخطوطة التي سترد بشكل كتاب موثق في ما احتواه من ابحاث ودراسات في هذا المجال.

الأربعاء, 05 يوليو 2017

ما بعد جارة القمر

انا احب فيروز، احب صوتها، تعودت عليه وانا طالب في المرحلة الثانوية ومن ثم في الجامعة، كانت اذاعة بغداد وعلى مدى اكثر من عشر سنوات تبث نصف ساعة يومية من أغاني فيروز قبل بدء الدوام الحكومي، فيروز مدرسة متنوعة العطاءات والألوان الصوتية والاداء المتكامل، لم تقف عند لون واحد فهي مع الاخوين رحباني «زوجها وشقيقه» لونان مختلفان، لون مع كل واحد منهما، وذهب واحد وبقي حماها، ومع ابنها زياد لون ثالث، ومع ابنتها الآن لون رابع، إلا ان أغانيها ومجموعاتها، فيها الكثير، صدق من قال عنها انها صوت ملائكي وان لها شأناً كبيراً مقارنة مع المطربين الآخرين، احب فيروز بدون حدود، واحببت فريد الاطرش وعبد الحليم حافظ وام كلثوم ومحمد عبد الوهاب ومحرم فؤاد ونجاة الصغيرة، وكارم محمود وفايزة احمد ووديع الصافي وصباح فخري ووردة، لا اخجل ولا اخاف من الاعتراف والمجاهرة بحب الموسيقى، واحببت عوض دوخي وناظم الغزالي والياس خضر وسعدون جابر وكاظم الساهر، ولم اجد في حب الغناء أو الموسيقى ما يجعلني كافرا بالله أو منصرفا إلى شأن على حساب شأن آخر فلو بقيت في بريطانيا لقدمت على ثالث شهادة دكتوراه وكنت اعد لها بالفعل قبل ان انشغل عام 2003 بالغزو الأميركي للعراق واترك لندن واعود إلى الكويت ومن ثم إلى دبي ثم العودة إلى الكويت، من يومها والى الآن، الشيخ صباح المحمد الذي لم اضع في بالي في يوم ما أنني قد اتفق معه أو ان اعمل معه، لم اكن استسيغه إلى ان عملت معه، كنت انتقد فيه جرأته غير المحدودة ومغالاته في عدم اتباع الجانب الدبلوماسي في المجاهرة بما يعتقد عن قناعة بأنه حق وواجب ان يكتب عنه أو يقوله في برنامج حواري، وبالفعل قال مع الاخ محمد الملا ومع الاخ جعفر محمد وهما بمنزلة ابنين لي قبل ان يكونا زميلين يفخر بهما كل من يعمل معهما، إلا انني وجدته غير ذلك تماما، هو لم يتغير ولم يغير منطقه ولا تفكيره، إلا انني انا من تغير عندما استقرت نظرتي له على الجوانب الصحيحة التي كنت اراها غير ذلك، صباح المحمد يقول راعي البالين كذاب، وكان هذا المنطق يلزمني بأن ابحث عن الوظائف أو العناصر الناقصة كلما اتسع نطاق نشاطنا التلفزيوني في صوت العرب، لم اكن ادفع المرتبات فأنا مدير عام ورئيس تحرير وهو رئيس مجلس إدارة الشركة المالكة للمجموعة الإعلامية «جريدة الشاهد اليومية وجريدة السيف الالكترونية وجريدة الشاهد الالكترونية وقناة الشاهد البرامجية وقناة صوت العرب الاخبارية» هو يريد العمل الأفضل حتى وان تحمل تكلفة اكثر وانا اريد تقليل التكاليف مستفيدا من تجربة «BBC» في ان يتولى العاملون في القسم العربي أو اغلبهم كل مهام العمل فيكون احدهم يوما مخرجا وفي اليوم التالي معدا ومشرفا وفي الثالث مقدما وهكذا،وكنت اسمع من صغري بمبدأ ساعة لك وساعة لربك، وهو مبدأ لا تشوبه شائبة ان تم العمل به بما لا يضر بقدر ما ينفع، فالدراسة والعمل والعبادة ان اعطيت حقها لا تتعارض مع الترفيه المفيد النافع مثل السياحة مع العائلة أو الاصحاب أو قضاء بعض الوقت في الديوانية أو في مشاهدة جديد العلم أو حضور الندوات وحتى الحفلات الموسيقية وكان كبار القوم وكبار الشخصيات يتابعون حفلات السيدة ام كلثوم، وكنت وما زلت اعشق واتابع تفسير محمد متولي الشعراوي للقرآن الكريم واحب على الدوام سماع تلاوة القرآن وفي سيارتي وسيارة زوجتي وسيارة ابنتي، اجهزة الراديو مثبتة على اخبار «BBC» واذاعة الكويت للقرآن الكريم.
اكتب اليوم عن فيروز بعد ان اشرنا لها في تقرير جديد في آخر النشرة السياسية في صوت العرب قبل ايام إلى انها عادت بعمل جديد، في صوت العرب بعد نشرة الاخبار السياسية تأتي نشرة الاخبار الاقتصادية وتتبعها نشرة للاخبار الرياضية ثم منوعات العلم والطب والطرائف والغرائب وما يستحق من اخبار الفن، وفيروز جارة القمر تستحق ان نفرح بعودتها.

الثلاثاء, 04 يوليو 2017

حرارة الحرب الباردة

اعتقد أن ما ذهب إليه المفكر الاميركي نعوم تشومسكي من ان الحرب الباردة الجدية بين الولايات المتحدة وروسيا من شأنها أن تضيق على الحريات في العالم.  تشومسكي في حقيقة الامر كان يتحدث عن الوضع في المغرب مرجحا ان يستفيد الحكم هناك من اجواء هذه الحرب في قمع المعارضين. هو لم يختر الحديث عن المغرب لأن الأساس هو أن موقعاً مغربياً هو الذي فتح باب الحوار مع المفكر الأميركي وبالتالي كان من البديهي ان يلجأ المحاور إلى استدراج تشومسكي لانتقاد الادارة المغربية بسبب التضييق الحاصل على ما يسمى بحراك الريف وحملة الاعتقالات القضائية التي اعتبر انها قاسية في حق النشطاء بعد ان كانت اقل مرونة في تعاملها مع حركة 20 فبراير 2011.
سأسمح لنفسي باستعارة نصوص قالها تشومسكي تبدو لافتة  عندما يقول إن النظام في المغرب على غرار الانظمة السلطوية في شمال افريقيا والشرق الاوسط  سيحاول أن يستغل التغيرات التي عرفتها الخريطة الجيوسياسية الدولية في الآونة الاخيرة للتضييق على الحريات وقمع الاحتجاجات .وخلص إلى أن الحكومة المغربية ستتعامل مع الاصوات المعارضة بالمنطق نفسه الذي تعامل به الملك الراحل الحسن الثاني إبان الحرب الباردة. باقي كلام المفكر الأميركي لا يهمني كثيراً ففيه تفصيل لوقائع تخص المغرب وحده. سأتحدث بمنطق استقي منه الكثير من تجربتي السابقة لعدة سنوات كأمين عام سابق للمنظمة العربية لحقوق الانسان في بريطانيا واوروبا في حقيقة الامر وايضا من واقع عملي كاعلامي وباحث اكاديمي وباحث في الشؤون الاجتماعية. تحليلي للمنطق العلمي والفلسفي الذي يتحدث به تشومسكي انه ينظر وهو المفكر العلي مكانة الآن بعين فاحصة مدققا في سلوكيات النظام السياسي العربي المثقل بالاخطاء والمعتاد عليها ويتغافل عما تفعل اسرائيل وهي حكومة احتلال تعاقب من ظلمتهم واغتصبت ارضهم  واختطفت حاضرهم ومستقبلهم فلا يتطرق الى حقوق أهل الأرض ولا الى حجم المخالفات الصارخة التي تصل الى حد الاغتيال بدماء باردة ولا الى افتراض سوء النية في كل تصرف فلسطيني حتى وان صدر من طفل او من زوجة  جعلتها سلطات الاحتلال ارملة رغما عنها إما بابادة الزوج أو باحتجازه ادارياً بدون حكم قضائي الى امد غير محدد وبدون رقابة او متابعة أو مقاضاة من الجهات الحقوقية والمنظمات الانسانية في العالم. وهناك السياسة الآميركية الجديدة القائمة على مبادئ عنصرية تتعلق بالدين والاصل. إذ ان قرارات الرئيس الاميركي الحالي دونالد ترامب بمنع دخول رعايا بعض الدول الاسلامية الى الولايات المتحدة  يحمل الكثير من التعسف والتمييز.
انا لا انكر من واقع عملي السابق في المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا واوروبا ان العالم العربي والاسلامي مثقل بالاخطاء والتمييز بالقوانين والامتيازات والعنصرية احيانا في بعض المواقف  التي لا تقصدالدول التي تقع في مثل هذا المأزق ، ان تفسر مواقفها او نواياها او حقيقة القواعد التي استندت اليها في مثل هذا التفصيل لتسهيل الحياة على مواطنيها وضمان تمتعهم بفرص افضل في التعليم والتوظيف وسواها. الا ان العالم برمته الآن مثقل بقوانين وضعية تفرق بين المواطن وسواه. الا ان اللوم او الذي وجهه تشومسكي الى المغرب تغافلا عما يحصل في عشرات الدول الأوروبية حيال الاجانب بشكل عام وحيال المسلمين بشكل خاص وحيال  اللاجئين وغير الشرعيين منهم، امر يتجاوز في خطورته الاضطهاد السياسي والعرقي والمذهبي والجنسي ايضا. لذلك تمنيت على مفكر بمنزلة  تشومسكي ان يتحدث عن اخفاقات البشرية ككل في هذا العقد من الزمان في القدرة على الحفاظ على ارث انساني كاف وعلى قدر يسمح بانتاج شعوب واعية ومتثقة قادرة على انتشال البشرية من الجهل والامية السياسية ومن التطرف ومن العنصرية ومن الانحياز الاعمى ومن اللجوء الى القوة والعنف على النحو الذي يكفل مساعدة الدول الكبرى او الصناعية او الاكثر تقدما على مساعدة الدول النامية على الانتقال من مرحلة  العجز الكلي عن الانتاج والافراط الكلي في الاستهلاك الى ما يشبه التوازن في متطلبات الحياة. وان يركز خبرته وابعاد فلسفته وصواب فكره وهو في العمر الذي هو فيه على مساعدة الدول الفقيرة  على الخلاص من العبودية للدول الدائنة.

الإثنين, 03 يوليو 2017

التعليم أولاً

في 1994 استضافتني قناة «MBC» في احد برامجها الحوارية وكانت لاتزال تبث من لندن وقتها، وسألتني مقدمة البرنامج عن امكانية حصول المرأة الكويتية على كامل حقوقها السياسية، كنت أنا الضيف الوحيد في الاستديو وكان هناك ضيوف آخرون من عواصم اخرى، وكان من الطبيعي ان تطرح علي مقدمة البرنامج اول سؤال في الحلقة أي ان تبدأ بي اولا ثم تنتقل إلى محاورة ضيوفها الآخرين عبر الهاتف أو نقلا على الهواء، سألتني عن اسباب تقدم المرأة الكويتية على بقية النسوة في الخليج في مجال العمل السياسي والاجتماعي، فقلت إنها تتقدم في كافة المجالات ففيهن وكيلات وزارة منذ اواخر السبعينات مثل المربية الفاضلة سعاد الرفاعي والمربية الفاضلة فضة الخالد ثم اول سفيرات «نبيلة الملا عينت في زيمبابوي عام 1993» وحتى على مستوى الحقائب الوزارية كانت الكويت اول من استوزرت النساء وهذا ما لم اقله خلال الحلقة لانه حصل بعد 11 عندما باتت الدكتورة معصومة المبارك استاذة العلوم السياسية في جامعة الكويت اول وزيرة في تاريخ الكويت والمنطقة بعد تعيينها وزيرة للتخطيط ووزيرة دولة للتنمية الادارية عام 2005، وبعدها بشهرين أو ثلاثة قابلتها في دبي وكنت اعدت حلقات لبرنامجي فضاء الحرية في قناة «الفيحاء» ثاني قناة عراقية فضائية خارجية تبث بعد «الشرقية» التي اسسها الإعلامي العراقي الكبير سعد البزاز في لندن اولا، والكويت اول من سمح للمرأة بخوض الانتخابات العامة بعد اقرار حقوقها السياسية عام 2005 بمبادرة من سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد فشهد عام 2009 دخول اول اربع نساء في تاريخ اعرق ممارسة نيابية خليجية واحدى اصدق التجارب العربية في هذا المجال إلى ان شابها بعض ما حاق بالأمة والعالم من تنوع في الامزجة وتداخل في المصالح وتغير في الاولويات وهو امر يخص كل البشر ويتبع التطور والمستجدات في كل مكان خاصة ان الخليج قد اتخم جبرا لا طوعا في المشاكل والحروب والنعرات المذهبية والاصطفافات الخارجة عن عادات المحبة والتقدير والاحترام واعراف المودة والمواجيب الكريمة التي جبل عليها اهلنا في المنطقة، ومع الدكتورة معصومة دخلت ثلاثة عناصر نسائية متميزة إلى قبة عبد الله السالم بعد فوزهن في انتخابات عام 2009 هن د.اسيل العوضي استاذة الفلسفة السياسية في جامعة الكويت واول مرشحة لانتخابات مجلس الأمة ضمن قائمة تيار سياسي والدكتورة سلوى الجسار وهي استاذ مشارك في كلية التربية بجامعة الكويت وتحمل درجة الدكتوراه في الفلسفة والدكتورة رولا دشتي وتحمل درجة الدكتوراه في الاقتصاد السكاني، سألتني مقدمة البرنامج: لماذا الكويتية قبل سواها؟ اجبت لأن الحكم في الكويت يختلف ولأن الشعب في الكويت مختلف وعلاقاته مع العالم سبقت سواها ولأن الحكم والشعب استفادا من بعضهما ومن العالم وقد افرزت هذه التجربة دستورا لا مثيل له وتجربة نيابية نظيفة وحركة مسرحية وثقافية وعلمية وانفتاحاً داخلياً وخارجياً وخطط بعثات وتعليم عام وتعليم جامعي وخدمة صحية، هي كلها الافضل في المنطقة، فسألتني: لماذا هذا التميز لدى الكويتيين فقط وكيف سيكون بإمكانهم اقناع المجتمع بانصاف المرأة واعطائها حقها واستحقاقها؟ اجبت: بالتعليم، مناهج التعليم والدراسة في الكويت تختلف، هنا توقف الحوار وانتقلت مقدمة البرنامج فجأة إلى محاورة الضيوف الخارجيين والى نهاية البرنامج ولم تعطني الفرصة للحديث اكثر عن اهمية التعليم في تحضر وتطور المجتمع، في عام 1936 ارسل مساعد الصالح بناته إلى البصرة في العراق للدراسة، لم تكن قد تأسست في الكويت مدارس للبنات وقتها وأبى ان يتعلم ابناؤه «حمد وداود ونوري ومحمد وفؤاد وفوزي» فيما يتم حرمان بنات الكويت من التعليم الحكومي فأوفد ابنتيه بدرية ولولوة إلى البصرة للتعلم في مدارسها، مساعد الصالح صاحب اكبر فضل في فتح الكويت امام الطيران المدني وهو من شيد طريق الكويت البصرة وهو من اكتشف مياه الروضتين وهو اول من ادخل المصاعد إلى الكويت وهو الذي شيد اكبر عدد من المباني الفخمة في شارع فهد السالم فجعله شانزلزيه الخليج، ما اريد الوصول اليه وسأظل اكتبه واقوله واتمسك به هو التعليم فهو اولا وقبل كل شيء، فبالتعليم تتقدم الشعوب وتنهض وتعتمد على ابنائها وبالتعليم تبني وتزرع وتحصد وتصنع وتبحث وتعلو وتبتعد عن الحاجة التي تقبل من خلالها شروط الآخرين واشتراطاتهم، وبالتعليم تزدهر اسواق العمل والخدمة الصحية ويعم الامان وتستقيم الحياة، وكنت استحسنت ما كتبه رئيس تحرير احدى الصحف السودانية من ان خطب الجمع بالمساجد يجب ألا تقتصر على رجال دين حتى وان كانوا علماء في هذا المجال، بل يجب ان تتنوع ليقول علماء الفيزياء والذرة والكيمياء والمهندسين والحقوقيين والصناعيين والإعلاميين والاطباء ورجال الاعمال والمال، ما يعتقدون ان فيه خدمة للمجتمع، لا شك عندي على الاطلاق في ان الله يريد للمسلمين ان يكونوا من الخيرين النافعين الذين يعم خيرهم على سواهم فالمسلم العامل خير من المسلم العاطل والمسلم المتعلم خير من المسلم الجاهل والمسلم المنتج خير من المسلم الذي يعيش على الاستهلاك فقط بدون مزاولة أي عمل، العمل واجب وعبادة.

الأحد, 02 يوليو 2017

أبرياء بالفطرة

لكل بداية نهاية ولكل فعل رد فعل، هذه بديهات انتجت قواعد اخلاقية وبيانات علمية ونظريات ومفاهيم سلوكية، ماكان لتنظيم داعش ان يظهر في حياتنا وفي هذه المرحلة بدون سبب أو بالمصادفة فقط، ولا يجب ان تمر هذه المرحلة القاسية التبعات والآلام، بدون ان نستفيد منها أو نتعلم، علينا اولا ان نعرف اسبابها، ليس بيني وبين مسعود البرزاني رئيس اقليم كردستان العراق شيء يتفوق على الاحترام والتقدير، اختلف معه تماما وسبق ان عبت على كل العراقيين العرب الذين زاروا كردستان العراق قبل أو بعد الغزو الأميركي للعراق، وقلت للبعض منهم وهم مقربون مني وتربطني بهم اواصر ود وتقدير، انهم استعجلوا في الاستجابة لدعوات اربيل وانهم يوهمون عاصمة كردستان العراق الآن في انهم يقفون معها في رغبتها في الانفصال، ولست ضد استفتاء تقرير المصير للشعب الكردي فقد عانى ما عاناه ودفع الثمن كبيرا، وهناك من استخدمهم لاغراضه ولم يكونوا في غفلة من ذلك إلا انهم حاولوا استثمار أي فرصة تتاح لهم لاعلان انفصالهم، البرزاني قال قبل ايام ان اسباب ظهور داعش لم تعالج، هذا صحيح ان كان الزعيم الكردي يعتقد ان اعتماد الحكم في عراق ما بعد صدام على الطائفية والتفرقة المذهبية على اساس المحاصصة والاغلبية المذهبية، هو السبب الوحيد الجوهري لما حصل في العراق ليس في ظهور ما اطلق عليه زوراً دولة الخلافة الإسلامية في العراق والشام «ISIS»، لكن ليس بالامكان انكار حقيقة ان تغلب العامل المذهبي على العامل الوطني والولاء للارض والبلد، كان احد المسببات المهمة التي دفعت أعداداً غير قليلة اما من شريحة اتباع النظام السابق الذي كان اكبر المتضررين من الوضع الجديد ليس لانهم فقدوا السلطة ولا لانهم فقدوا امتيازات كثيرة وانما لانهم فقدوا وطنا عزيزا وفقدوا الامان وباتوا عرضة للتصفية لذنب أو بدون ذنب بما في ذلك رغبة اطراف خارجية باتت هي صاحبة القرار فيمن يظل في العراق أو فيمن يتوجب ترهيبه أو دفعه إلى التخلي عن بلده أو فيمن يمنع من العودة إلى بلده لمجرد اختلاف الرأي أو المذهب أو الموقف، فهم يريدون عبيدا وامعات ولا يريدون بشرا من اصحاب الرأي والموقف والارادة، ونصحت عزيزا كبيرا علي مرة زار فيها اربيل قبل عامين من انه غير عراقي وعزيز في بلاده ان ينتظر بعض الوقت قبل الرهان على امكانية بناء آمال اولها وآخرها الخير لا غير تطلعا إلى المستقبل، ولم اكن اقصد التشكيك في حق الاكراد في ان يكون لهم حلفاء واصحاب وشركاء استراتيجيين في المستقبل، واختلفت مع سفير العراق السابق في الكويت وهو ابن صديق عزيز علي راحل ورجل دين فاضل وقاض شرعي سابق في الكويت، وكنت قد استضفته تلفزيونيا مرارا في لندن واستعذبت لغته فهو من غير المتلونين ولا المتطرفين ولا الكارهين للآخرين، انتقدت نجله السفير بسبب تقارب شيعة العراق مع اكراده في توجه يوحي بما يبرر الشك باتفاقهما على تقاسم العراق واخراج المكون السني منه، الرجل نفى وهو لم يعد في عمله في الكويت الآن واستبعد تماما أو هكذا ارادني ان افهم ان يكون هناك اتفاق من هذا النوع، إلا ان المغالاة في التطرف المذهبي والاندفاع في معاقبة الناس على اساس اخطاء الماضي، هي احد اهم اسباب سوء علاقة العراق الحالي بالكثير من دول الجوار وغيرها من الدول العربية المهمة، فمتى ينتهي هذا التعصب ومتى نستعيد الرشد ومتى نتعامل مع الانسان كإنسان وليس كمذهب؟ المنطقة العربية هي التاريخ البشري برمته ومنه سيدنا آدم ومنه سيدنا ابراهيم ومنه سيدنا موسى ومنه سيدنا عيسى عليهم السلام اجمعين ومنه سيد المرسلين النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام، وهذه هي الاديان الكبرى، الاديان السماوية التي تدين بها البشرية باستثناء ديانات آسيوية اخرى موروثة أو لم ينزل بها نبي أو كتاب، علينا ان نكف عن مضايقة غير المسلمين وان نتوقف تماما عن تكفير الآخرين ايا كانوا وان نحتكم في تعاملاتنا مع انفسنا ومع الغير إلى القوانين والانظمة وان نقيم الانسان على كفاءته ومكانته ودرجة الاستفادة منه وان يعامل بالنص وفق القانون المناسب في أي امر غير ذلك، اما امور الدين فهي شأن الله، لأن من يرضى عنه الناس قد لا يرضى عنه رب العالمين، اذ أن الكثير من الناس يظنون وهم في قرارة انفسهم صادقين انهم على حق وان من يختلف معهم على خطأ يصل إلى حد الكفر، والسبب ان هؤلاء وانا منهم ورثنا ثقفتنا بالفطرة ومما نسمع ومما نقرأ ونتعلم بالمناهج، لا حق لي في القول ان هذا على حق وسواه غير ذلك لكن من حقي وانا الغيور على ديني وعروبتي ان اجاهر بوجوب اعادة النظر في كل الامور التي تسبب التفرقة وتمنح الحق بتكفير الناس وبالقصاص منهم خارج نطاق القوانين والانظمة والمحاكمات العادلة.

السبت, 01 يوليو 2017

وإن طال الأمد

الاعتراف بالخطأ فضيلة. لم اكن ممن يرون في الامير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي الجديد، ميزة تفرقه عن سواه وكنت اسمع الكثير من ان الوضع السابق لم يكن سوى مرحلة انتقالية  سرعان ما سيتم تعديلها بالطريقة التي انتهت اليها الآن. وكتبت من قبل ان العاهل السعودي الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز قال ان احفاد الملك عبد العزيز فيهم الخير وان المملكة ستغدو في وضع اخر في ظل حكمهم لانهم مؤهلون دراسيا ولانهم سيمارسون العمل في دوائر الدولة وسيكونون اكثر قربا من الناس. واذكر ان العاهل السعودي قال ان في احد هؤلاء الاحفاد شخصاً متميزاً اعرب عن اعجابه به. وتصورت انه يقصد احد ابنائه الخمسة الاصغر من سواهم في العمر مشعل وتركي ومحمد وماجد ومشهور. ومشعل يحمل درجة عليا من بريطانيا وتولى امارة مكة لبعض الوقت فيما تركي طيار ماهر يتمتع بعقلية سياسية راجحة وكان محمد وماجد ومشهور مازالوا في الدراسة وقتها. الا انني فهمت بعد ذلك انه كان يقصد الامير محمد بن سلمان الكثير الاطلاع والكثير التفكير في المستقبل. وعلمت الآن وانا اتابع سيرته الشخصية واعد تقريرا لقناة «صوت العرب»  الاخبارية عن حياة محمد بن سلمان والميزة التي جعلت ملك المملكة العربية السعودية يفضله لهذا المنصب الذي يؤهله لأن يصبح اصغر ملوك المملكة العربية السعودية سنا. فهو الآن في الحادية والثلاثين من عمره وأمه اميرة كويتية والدها  أحد كبار شيوخ قبيلة العجمان في الخليج.  محمد هو الابن السادس للملك سلمان أي ان هناك خمسة من اخوانه يسبقونه في الترتيب  إلا أنه رجل متميز. وفي مثل هذا العصر من الصعب على المرء أيا كان حتى وإن كان رئيسا للدولة في اي جزء من العالم ان يخفي حقيقته وان يداري إمكاناته عن بلده واقصد شعبه وحكومته وإعلامه وعن العالم ايضا. وتنبع أهمية وصول ولي العهد الجديد الى هذا المنصب  وبعيدا عن التقليل من شأن احد وخاصة ولي العهد السعودي السابق الأمير محمد بن نايف فالرجل مثقل بالخبرة والكفاءة والتجربة والإرادة، ولا الربط بين ما يجري في المنطقة من خلاف يأمل الجميع ان ينتهي اليوم قبل الغد بين قطر وجاراتها. فشأن اختيار ولي العهد للمملكة سواء تم بقرار مباشر من الملك أو من هيئة البيعة أو بالطريقة التي تحددها مواد نظام الهيئة التي تتألف من أبناء الملك  المؤسس  عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود، وأحد أبناء المتوفى منهم أو المعتذر أو العاجز بموجب تقرير طبي، بالإضافة الى عضوين يعينهما الملك، أحدهما من أبنائه، والآخر من أبناء ولي العهد. فهو قرار داخلي وشأن يخص المملكة وحدها.  ونظام الهيئة واضح ومحدد ولا يترك مجالا لاحد من الخارج ايا كان ان يكون صاحب القرار في امر مثل هذا فهو يشترط  أن «يكون مشهوداً لهما بالصلاح والكفاية ووفقاً للمادة السادسة من نظام هيئة البيعة فعند وفاة الملك تقوم الهيئة بالدعوة إلى مبايعة ولي العهد ملكاً للبلاد.  فيما نصت المادة السابعة في فقرتها الأولى على أن  يختار الملك بعد مبايعته، وبعد التشاور مع أعضاء الهيئة واحداً أو اثنين أو ثلاثة ممن يراه لولاية العهد، ويعرض هذا الاختيار على الهيئة، وعليها بذل كل الجهد، للوصول إلى ترشيح واحد من هؤلاء بالتوافق لتتم تسميته ولياً للعهد. وفي حال عدم ترشيح الهيئة لأي من هؤلاء فعليها ترشيح من تراه ولياً للعهد».
وتنص الفقرة الثانية من المادة ذاتها على أن «للملك في أي وقت أن يطلب من الهيئة ترشيح من تراه لولاية العهد. وفي حال عدم موافقة الملك على من رشحته الهيئة، فعلى الهيئة التصويت على من رشحته وواحد يختاره الملك، وتتم تسمية الحاصل على أكثر الأصوات ولياً للعهد». ووفقاً للمادة الـخامسة عشرة، يرأس الهيئة أكبر الأعضاء سناً من أبناء الملك المؤسس وينوب عنه الذي يليه في السن من إخوته، وفي حال عدم وجود أي منهم، يرأس الاجتماع أكبر الأعضاء سناً من أبناء الأبناء في الهيئة.  غير ان ما جرى في المملكة لا يمكن ان يعتبر قاعدة عامة قابلة للتطبيق خارجها فلكل بلد ظروفه. ونظام حكمه. الا ان تجارب دول المنطقة تنبع من ظروف واعتبارات  لابد منها احيانا. والكريم يقول في محكم كتابه «وتلك الايام نداولها بين الناس». وبعيدا ايضا عما يقال من ان الازمة الخليجية اختلقت لتمرير أمر تولية ولي العهد الجديد ومن ان احتمال تنازل والده عن العرش له أمر وارد، فان المملكة على اعتاب عهد جديد مبني على فصل الحكم عن المؤسسة الدينية التي ستظل في حدود الحج والعمرة والتعاون الاسلامي والاوقاف الاسلامية والدراسات الدينية التي تنزع الفتنة وتبتعد عن المغالاة في انكار الآخرين. محمد بن سلمان لديه رؤية ستخدم ملايين الشبان السعوديين وقد تجعل من المملكة دولة كبرى في الاقتصاد والصناعة والزراعة والعلم والتنمية الى جانب كونها الدولة الاكبر فيما يعنى بأمر الدين الحنيف وهما الحرمان وتراث الرسالة. مثل يومه كان سيأتي إلا ان عقلية ولي العهد الجديد ورؤيته وفهمه وتطلعه الى ما فيه الخير لابناء بلده، ربما كان وسيكون الموعود لخير بلد.

الصفحة 5 من 78