جريدة الشاهد اليومية

هشام الديوان

هشام الديوان

بين السطور

لن نحل مشاكلنا الطائفية بقرارات طائفية، ولا بحروب طائفية، ولا بمناهج طائفية، فهو تشخيص خاطئ وعلاج خاطئ، وقديما قال الشعراء و«داوها بالتي كانت هي الداء» وقيل ايضا «لايفل الحديد إلا الحديد» إلا ان هذين المثلين لا ينطبقان على الطائفية، لأنها وباء معدٍ ولا تعالج إلا بدواء الاستئصال والاستئصال لا يعني الحروب والقتل وانما احكام العقل وازالة أسباب بقاء فتيل الفتنة، لا يجب ان يكذب المسلمون على انفسهم، لاعلاقة لله ولا للدين في خلافاتهم فكل يغني على ليلاه، والدين والله براء من كل هذا، الضرورات تبيح المحظورات والمطلوب الآن تضحيات متقابلة ولا اسميها تضحيات لأن فاقد الشيء لا يعطيه ولأن الفرقاء الطائفيين ليسوا من الدين في شيء، ولأن الطائفية هي الداء الذي زرعه اعداء الدين في كتبنا ومصادرنا وعقولنا ومناهجنا، حتى صار هناك من يفتي بأن اليهود أهم من بعض الطوائف الإسلامية، هذا هو المقصود تماما، ان ينشغل المسلمون بامور طائفية ما انزل الله بها من سلطان ولا يفتي علينا احد بأن محاربة هذه الطوائف منصوص عليه في كتاب الله لأن القرآن الكريم استكمل والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حي ولم تكن هناك طوائف أو انشقاقات إلا ان هناك من يفتي الآن زاعما ان من بين المسلمين مشركين اشد خطرا من الصهاينة، ايران متهمة بانها تظلم غير الشيعة والبلوش تحديدا وهم سنة ولا تنصف في التعامل معهم وبالمقابل هناك من يحتقر غير السنة في دول إسلامية كبرى وهناك افلام فيديو عن طرق معيبة في التعامل معهم حتى في الدوائر الحكومية وفي مسائل الحقوق الوطنية، ايران التي بسببها يحلل قتل الشيعة بزعم خيانتهم لأوطانهم وارتباطهم وولائهم لها، تدعم حركة حماس وحماس تحارب إسرائيل وتقود المقاومة فيما تتولى السلطة الوطنية الجانب السياسي والدبلوماسي في التعامل مع إسرائيل ومع العالم المتعاطف مع إسرائيل أو الذي يرضخ لها اجبارا أو طواعية، بكل أسف بات الكثيرون يقتربون من مرحلة التخريف والتهويل في فهم الدين، وكأن كل علماء المسلمين على مدى اكثر من اثني عشر قرنا من الزمان لم يفهموا الدين على نحو صحيح ليكفروا بعضهم بالامور التي تحولت من مجرد تكفير إلى تفخيخ وابادة وتدمير دول ومحو تاريخ وتشريد شعوب، لذلك ليس من مصلحة اي بلد عربي أو مسلم ان يلجأ إلى التصعيد والى التخوين والى افتعال أي مبرر للتصادم، علينا كأمة أوكلت لها هذه الرسالة ان نقلل من نقاط الخلاف أيا كان نوعه أو مسماه أو سببه أو من اخترعه ويرعاه وان ننمي الثوابت المشتركة وان نجنح إلى السلم والتفاهم وتطوير آليات وادوات الارتقاء باسم الدين الحنيف من خلال علماء بالعلم وليس بالدين فقط ومفكرين وفلاسفة وصناعيين ومبتكرين وصانعي قرار، هذه الامة خلقت لادوار مثل هذه مفعمة بالايمان والمحبة والتعايش مع الغير والسلام والقبول بالرأي الاخر طالما ان لا الحاد فيه، اما تحميل الناس اكثر من قدراتها استنادا إلى مناهج ما عاد لها مكان في حسابات البطالة والفقر وتراجع مداخيل النفط وظهور جماعات تتوافد عليها افواج من البشر لا يعرف احد من أين أتوا ولماذا يحملون السلاح على المسلمين فقط، انه منظر مؤلم ومحزن ومخيف ذلك الذي عرض قبل فترة عن المواطن السعودي الذي اقتاده اقارب له وقتلوه على الملأ لمجرد انه موظف حكومي، رفض ان يغرروا به وان يندمج معهم فيما هم فيه من وهم، انها المملكة أم الإسلام وحاضرة الدين الحنيف ليست إسرائيل المحتلة للمقدسات والمهودة للمسجد الاقصى والقدس الشريف التي تقتل بدماء باردة من أبناء أهل القضية كل يوم بدون حياء وبدون خوف من الله، الطائفية وباء شيطاني فتحصنوا امام فيروساته، لن نخدم الإسلام بالطائفية وسينبذنا كل البشر ولن يغفر لنا الكريم الاساءة لمبادئ دينه الحنيف.

الجمعة, 04 مارس 2016

تحالفات واهمة

تابعت لبعض دقائق فقط إحدى الحلقات الاخيرة من برنامج الزميل السابق فيصل القاسم «الاتجاه المعاكس» في الشقيقة السابقة الجزيرة، ويهمني ان اوضح من البداية انه ليس هنالك شيء يندم عليه الإنسان طالما هو من فعل الآخرين، إلا ان المجاهرة ببعض الأمور غير المقبولة ولا اقصد المخلة بالشرف مسائل تظل فردية إلا ان يتسابق اثنان على دعوة الآخرين إلى التدخل في بلدهم، شيء لا يصدق، كنت احضر جلسات المحاضرة العراقية، وكنت اشعر بالألم لدعواتهم لتدخل أميركا في أمر العراق، لو كان الهدف الأميركي نبيلا وقاصرا على مساعدة العراقيين في تقويم اعوجاج استفراد شخص واحد بالحكم، الأذى والضرر يظل اقل، صحيح انه لا تدخل أجنبي أو احتلالاً ملائكياً وآخر شيطانياً وثالثاً بين بين، قد يكون من حق المجتمع الدولي اصلاح خطأ ما أو تدخل لانقاذ شعب لكن ببدائل افضل وبتفويض دولي، في حالة مثل حالات العراق، تدخلت الولايات المتحدة لاغراض صهيونية واضحة، سرقت الارشيف اليهودي من العراق، سرقت أموالاً طائلة أو غضت النظر عن السرقة التي وقعت في البنك المركزي ومصرف الرافدين، ليس اقل من مئة مليار دولار، اين ذهبت؟ تعاونت واشنطن مع مجموعة من الفرقاء العراقيين وليس مع تجمع وطني واحد، تيارات حزبية لا تدين بالولاء لبلدها، الايام والسنوات منذ 2003 تثبت ذلك، إلا انه لو كانت نوايا الأميركان صادقة، لم لا، أميركا اعظم قوة صناعية وتنموية واقتصادية في العالم، اذا كان قصدها ان تساعد العراق ليغدو نسخة مصغرة من اليابان أو المانيا أو كوريا الجنوبية، لم لا، على الاقل لو كانت جادة لأصلحت وضع العراق صناعيا واقتصاديا،لكنها لم تكن صادقة في نواياها وكان هدفها كما افصح عنه الرئيس السابق جورج دبليو بوش استكمال الحرب الصليبية، انا لا ازعم ذلك إلا ان التاريخ والوثائق وافلام الفيديو موجودة وتتحدث عن ذلك، لذلك لم يحرص بوش وادارته على المساعدة في بناء عراق جديد يحترم مواطنيه بكل مكوناتهم ويحتكم إلى القانون والعدالة والمساواة والى احترام الجيران بدون تفرقة، العراق كان ومازال بحاجة إلى علاقات حسن جوار مع الكل بعد كارثتي الحرب مع ايران وغزو الكويت، لكن حاجته إلى اصلاح البيت الداخلي والى بناء قاعدة اقتصادية، مسألة لا تقل اهمية عن ذلك، انما ان يستنجد العراقيون بدولة جارة لتعلمهم السير على الاقدام لمسافات طويلة وان تضيف إلى صور صدام السابقة وصور القادة الجدد صور الزعماء الايرانيين وان تشجعهم على التخلي عن لغتهم وعلى التوقف عن العمل وعلى زيادة المآتم الحسينية على حساب العلم والدراسة والعمل، ماذا استفاد العراق؟ حلقة فيصل القاسم تهاجم ايران وتحذر من تدخلاتها لكنها تدعو تركيا ودولاً اخرى إلى التدخل في بلادهم والى استكمال مسلسل التمزيق والهدم والتدمير والصراع على الحكم اسوة بما يحصل في العراق، وربما ستكون مشكلة العراق الذي لم يعد عراقا اقل مأساوية وهولا مما قد يحصل في سوريا في حال نجح المخطط الحالي، ونعود لنكرر ان الدفاع والخوف عن سوريا، سوريا الدولة التاريخ العروبة التراث الادب الفكر والشعب، الشعب السوري الاديب المثقف الواعي الكريم المحب للسلام والشعر والفنون والموسيقى والدين، فرق من المعارضة وليست فرقة واحدة، فرق من الاسترسال في الولاءات لمن دفع اكثر وقدم اكثر، من منهم سيحكم؟ سيقال كلهم افضل من الوضع الحالي، لكنهم هم من اوصل سوريا إلى الوضع الحالي، لنقبل بأسوأ الافتراضات ولنضع على جنب اسوأ الاحتمالات، لكن على الاقل لتساعدكم دولة متقدمة، تساعدكم على اعادة بناء بلدكم، الاستعانة بالاجنبي فعل غير حميد ولن يكون حميدا ابدا، لكن فاقد الشيء لا يعطيه، وتركيا أو سواها لا تعرف الديمقراطية ولا صلة لها بها، فكيف تستعينون بدول انظمتها تفتقر إلى تجارب ديمقراطية حقيقية.

الخميس, 03 مارس 2016

غالي وهيكل

في العمل الإعلامي الصحافي أو التلفزيوني أو مع وكالات الأنباء، لا يشكل الاتفاق أو الخلاف في المبادئ أو المواقف، شرطا للتعامل مع هذا أو ذاك فبعض ما يقوله حتى الأعداء يكون من المفيد بيانه أو الاعلان عنه ليعرف به من يعنيه الأمر، وفي ظل المقاطعة العربية على إسرائيل ليس لسوء العرب وانما لخطورة المشروع الصهيوني الذي يحكم العالم من خلال قوى نافذة، على الوضع العربي بشكل عام ولعل هذا الذي يعيشه العراقيون والسوريون والليبيون وحتى اليمنيون من منتجات وتخطيط هذه الجهات النافذة التي تسعى بكل الطرق الممكنة ليس لفرض إسرائيل داخل الأسرة العربية إذ ان هذا الأمر بات حقيقة الآن خدمتها فيها بعض الفضائيات العربية الكبرى بعد ان فشل مشروع التطبيع مع مصر، وهذا ما يعكس خطورة دور الإعلام على مستوى العالم من جهة ويكشف ايضا عن أسباب وجدوى الانفاق الهائل على فضائيات لا عائدات لها غير برنامجها السياسي الخفي، وبديهي ومن المنطقي ألا يقتصر المشروع الصهيوني على الدول الاربع التي دخلت في متاهات الطائفية والصراع الداخلي والانقلابات والنزاع على الحكم، والمشكلة ان هذه المتاهات عوامل صانعة لكل الأمراض والاوبئة الاخرى من جهل وتفرقة وامية سياسية وثقافية وفساد على كل المستويات وإرهاب واجرام ومخدرات وتشريد للآمنين وانتهاك للاعراض وسرقات واستيلاء على المال العام، إسرائيل المستفيد الاول والاخير من كل هذا الذي يحصل والذي بات يعمل من القتلة والإرهابيين ابطالا ويصنع منهم اساطير موبوءة والعياذ بالله، في مطلع عام 1996 التقيت بطرس بطرس غالي احد كبار ابناء مصر الذي رحل قبل ايام «14 نوفمبر 1922 - 16 فبراير 2016» الدبلوماسي والأمين العام السادس للأمم المتحدة للأعوام 1992 - 1996م، وهو حفيد بطرس نيروز غالي رئيس وزراء مصر في أوائل القرن العشرين الذي اغتاله إبراهيم الورداني، وهو أيضاً عم يوسف بطرس غالي الذي كان وزيراً للمالية، إلا ان المرحوم بطرس بطرس غالي من كبار القدرات والقابليات والعقول ومن السياسيين المهمين وكان ايضا من انجح الأمناء العامين لاكبر منظمة دولية هي ام المنظمات في العالم، قابلته وانا صحافي وكنت اهتم بقراءة كل ما يكتب باللغة الإنكليزية في صحف لندن واصدارات مراكزها من الدراسات، وكان قد تبقى على فترة ولايته الاولى عدة اشهر قبل اتخاذ قرار التجديد له من عدمه، ونقلت له مخاوف كل عربي وغالي عربي حتى العظم وليقال عني ما يقال نظير شهادتي هذه، ابلغته ان الحشد الصهيوني العالمي يدفع بمادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الاميركية التي حكمت العالم من خلال الرئيس بيل كلينتون، بصدد وقف اي اتجاه للتجديد له، قال اعلم وقد قابلتني بشيء من الصد والجفاء وبنوع من الازدراء وكان ذلك بعد ان رفعت إلى مجلس الأمن تقرير التحقيق في مجزرة قانا وهي مجزرة ارتكبتها إسرائيل بقصفها مجمعا كان وقتها مقرا للكتيبة «الفيجية» التابعة لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، وقد نقل اطفال مدارس المنطقة إلى المجمع ليكونوا في حماية الامم المتحدة خلال فترة القصف وغارات الطيران الإسرائيلي على المنطقة، وبلدة قانا تتبع قضاء صور في الجنوب اللبناني، وهي احدى أكبر البلدات الجنوبية في صور، ويقال انها البلدة التي زارها السيد المسيح خلال رحلته إلى جنوب لبنان للتبشير برسالته، ولا تزال هناك معالم مغارة فيها تؤكد اقامة السيد المسيح في هذه البلدة، وبعد تعرضها للعدوان الإسرائيلي ومقتل اغلب من كانوا فيها من الاطفال ورجال القوة الاممية، زارها كوفي عنان مبعوثا من الأمين العام للأمم المتحدة بطرس غالي ووصل إلى قانا وشاهد المجزرة قبل أن يصبح أمينا عاما للامم المتحدة على حساب غالي، قال لي انه يعرف ان اولبرايت تشحن القوى الكبرى ضده وان كان الفيتو الاميركي وحده كافيا، قال انه تلقى تهديدات بعدم التجديد له في حال تبنى تقرير عنان بتأكيد مسؤولية الطيران الإسرائيلي عن الكارثة، وقابلته تلفزيونيا بعد ان اضحى امينا عاما للفرانكفونية وهي منظمة دولية للدول الناطقة باللغة الفرنسية والحكومات وتضم في عضويتها 80 بلدا وحكومة: 57 عضوا و23 مراقبا.

الأربعاء, 02 مارس 2016

عالم بلا عداء أو حروب

من غير المقبول أن تبقى الحروب هي الاداة الوحيدة للتعبير عن حالة استحالة التوصل إلى حلول اخرى اقل ضررا بين الدول بين بعضها البعض أو بين الحكومات والمعارضة ايا كانت، العالم كله يجب ألا يشهر قرار الحرب أو ان يفعل أدواته على غير الجهل والفقر والأمية والاوبئة، قد لا يكون بالامكان اطفاء الخلافات في الرؤى والمعتقدات والصراع بين الأديان ولا حتى الازمات الناجمة من تضارب المصالح، لكن هل يمكن الاستغناء عن الحروب؟ انه سؤال معقد وصعب، اذ كيف يفرض الكبار اهواءهم وسياساتهم على الصغار ومن سيدافع عن المصالح وقتها، هناك حاجة إلى ميثاق أخلاق إنساني بين البشر، قد يبدو مثل هذا التطلع نوعاً من الاحلام أو العبث إلا ان وقف التخاطب بلغة الابادة والدمار والحروب والتسلط، أمر توجبه مسائل كثيرة، يجب ان تتبنى الأسرة الدولية سلم اولويات جديدا يضع حاجة البشر إلى التعايش والتفاهم والتعاون والتكامل في مواجهة المستجدات والكوارث، قبل أي شيء آخر، التعاون لا يحتاج إلى قاموس لغوي جديد أو مفردات مستوردة من خارج الكرة الارضية، في الامم المتحدة في نيويورك يتعامل البشر خلال الجلسات واللجان والمناسبات وكأنهم يعرفون بعضهم البعض أو ان صلة قرابة أو صداقة أو الفة أو محبة بين هذا وذاك، وكذلك الحال في كثير من جامعات الدول الكبرى التي تجمع طلابا من كل العالم، في الطائرات وحتى في المطاعم يتشارك الزبائن الاماكن أو المقاعد أو الاغذية بدون خلاف، إلا في الحروب فانهم يفتكون ببعضهم البعض،
ما الذي يجعل الإنسان وحشا وما الذي يزيل عامل الرحمة من قلب الإنسان وعقله؟ هناك اسئلة محيرة عن الأسباب والظروف التي تغير طبيعة ومزاج البشر وتحولهم من اصدقاء إلى اعداء أو من شركاء إلى فرقاء، هذا الامر ينطبق حتى على اقرب الناس بما في ذلك الازواج الذين ينفصلون بدون أسباب احيانا أو لأسباب واهية أو تقود اوضاعهم إلى الطلاق مع نسبة الضرر بالبقاء مع بعض في اسوأ الاحوال، افضل بكثير من الانفصال أو الطلاق أو الهجر، القاموس البشري اعتاد على الإنسانية اكثر من التحارب والقطيعة، والأديان كل الأديان تحث على المحبة لا على التباعد أو الكره أو العداء، فما الذي يؤجج كل هذه المشاكل في العالم، النفس امارة بالسوء وهذا حتما صحيح بكل معنى الكلمة لذلك تسن الشرائع وتشرع القوانين ولذلك يقال ايضا ان من امن العقوبة اساء الأدب لكن، كيف سيكون العالم لو كان اقل فوبيا من أي شيء ولو كان قدر التسامح الإنساني اكبر مما هو معروف أو مألوف؟ ماذا لو كان بامكان الإنسان ان يختار المجتمع الذي يعيش فيه بشرط ان يحيا بكرامته بدون اتكال على سواه وبدون ان يكون عالة على احد؟ لقد جرب اليابانيون استئجار جزر كاملة لتوفير ملاذات لبقية عمر كبار السن والمتقاعدين تبعدهم عن مصاعب الحياة ومتطلباتها المكلفة وتغنيهم عن الحاجة إلى الغير، جزر تجهز بافضل انواع الخدمة من تمريض وطبابة إلى رعاية اجتماعية ومطاعم صحية وبيئات سياحية خيالية، كما جرب الاوروبيون بناء بواخر عملاقة صممت لتكون مدنا عائمة تجوب بحار ومحيطات العالم لتكون دولا جديدة أو مجتمعات لمن يرغب ان يكف عن اذى الغير ويكف اذاه عنه، تجارب لم يكتب لها النجاح لماذا؟ لأن البشر إلا الندرة منهم لا يستطيعون الانقطاع عن العالم، هناك الآن تسابق بثمن عالي التكلفة لقطع تذاكر اقلاع بطائرات أو كبسولات أو طائرات مرفهة قادرة على الخروج خارج نطاق الغلاف الجوي، رحلة خروج من عالمنا إلى الفضاء لا عودة منها، هناك من تسابق نعم إلا اني اشك تماما ان ينجح مشروع من هذا النوع، أين سيذهب هؤلاء ؟ وهل هناك مجتمعات اخرى لا نعرف عنها يمكن ان تستقبلهم وكيف سيتعايشون معها؟ هذا ان وجدت، يحتاج البشر إلى لغة حب جامعة، ولا أقصد بالحب العاطفة والمحرمات، الحب يعني ان يتسع عقل الإنسان وقلبه إلى الآخرين كل الآخرين ليس اهله ومجتمعه أو المقربين منه فقط وانما للعالم اينما ذهب أو حل أو اقتضت امور عمله أو دراسته أو معيشته أو علاجه لا سمح الله، هناك بشر يتقنون الآن عدة لغات وهناك بشر لديهم القدرة على التعايش والتوافق مع كل الأهواء والامم والبيئات، في كرة القدم وكأس العالم وفي الافلام السينمائية وفي البطولات الاولمبية وفي مناسبات اخرى يتنازل البعض عن الكثير ويعيش مثل الآخرين، فلماذا يكره البعض الناس على اشياء لا ذنب لهم فيها ولم يتم انتقاؤها أو اختيارها بارادتهم كالوانهم واصولهم واعراقهم وأديانهم، لكل امرئ وظيفة، وهذا يكفي لتعاون وتكامل البشر، عالم بلا حروب وليس بدون اخطاء لأن البشر خطاؤون.

الثلاثاء, 01 مارس 2016

الفيزياء والقضاء والقدر

أتلقى كل يوم تقارير على الواتس أب من زملاء مراسلين لنا في قناة «أخبار العرب صوت العرب» الإخبارية ، وأتلقىأيضا مئات الرسائل والانتقاءات. وأحرص كل يوم على تحية أولادي، هم في لندن وأنا في الكويت، بباقات الصباح وعلى تحيات مماثلة من أصحاب وزملاء من الرجال والنساء ليس بيني وبينهم إلا كل الود والتقدير. وأشير إلى هذا الآن لاستلامي من أخ فاضل كريم مدونة عن إحدى مقولات ستيفن هوكينغ العالم البريطاني الأكثر شهرة في العالم على مستوى الفيزياء . ولد في أكسفورد، إنكلترا عام 1942 ويعد  من أبرز علماء الفيزياء النظرية على مستوى العالم، درس في جامعة أكسفورد وحصل منها على درجة الشرف الأولى في الفيزياء، أكمل دراسته في جامعة كامبريدج للحصول على الدكتوراه في علم الكون، له أبحاث نظرية في علم الكون وأبحاث في العلاقة بين الثقوب السوداء والديناميكا الحرارية، وله أبحاث ودراسات في التسلسل الزمني. النص المشتق من كلامه كما وصلني يقول: إن الكثير من الناس الذين أخبروه بأن كل شيء مقدر مسبقا. ويضيف :  حيث لا يمكنني فعل شيء تجاه الواقع لا غيره. الغريب حقا «الكلام مازال  لهوكينغ» أن نفس هؤلاء الناس ينظرون  يميناً ويساراً قبل عبورهم الشارع!! هوكينغ عالم فيزياء نابغ من أبوين أكاديميين عالمين أيضا إلا أنه عانى من عجز وضمور جانبي ، وليس وارداً أن أناقشه في الفيزياء مع أن اصغر أبنائي «محمد» يحمل شهادة عليا في الفيزياء وأكبر الأولاد «نواف» يحمل شهادة عليا في الكيمياء وكلاهما خريج كنغز كوليدج الجامعة البريطانية الأكثر إلهاما للعلماء للحصول على جوائز نوبل في العلوم والرياضيات. إلا أنني أتوقف عند استغرابه من إيمان الناس بالقضاء والقدر مسلمين أو مسيحيين أو أي ديانة أخرى. قد يكون هوكينغ ملحداً فهذا شأنه إن لم يؤمن بالخالق فلن يؤمن بالقضاء والقدر والناس الذين تحدث عنهم مؤمنون بالقضاء والقدر. بغض النظر عن ديانتهم فهناك من غير المسلمين من يؤمنون بوجود الله ويعتبرون القضاء والقدر جزءاً أساسياً من معتقدهم. لكن هذا العالم لم يحاججه أحد في الدين لذلك يصعب الآن معرفة أسباب عدم إيمانه بالقضاء والقدر. بالنسبة لنا نحن لن يكون العبد مؤمناً حتى يؤمن بقضاء الله وقدره خيره وشره، حلوه ومره. أما القضاء لغة فهو: الحكم، والقدر هو التقدير، وأما القدر: هو ما قدره الله سبحانه من أمور خلقه في علمه. والقضاء: هو ما حكم به الله سبحانه من أمور خلقه وأوجده في الواقع. وعلى هذا فالإيمان بالقضاء والقدر معناه: الإيمان بعلم الله الأزلي، والإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة سبحانه. ويقول أصحاب الاختصاص إن مراتب الإيمان بالقضاء والقدر أربع: العلم، والكتابة، والمشيئة، والإيجاد. فالعلم: أن تؤمن بعلم الله سبحانه بالأشياء قبل كونها، قال تعالى: «وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة» «يونس:61». والكتابة: أن تؤمن أنه سبحانه كتب ما علمه بعلمه القديم في اللوح المحفوظ، قال تعالى: «ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير» «الحديد:22». والمشيئة: أن تؤمن أن مشيئة الله شاملة فما من حركة ولا سكون في الأرض ولا في السماء إلا بمشيئته، قال تعالى: «وما تشاءون إلا أن يشاء الله» «الإنسان:30» . الإيجاد: أن تؤمن أن الله تعالى خالق كل شيء، قال تعالى: «الله خالق كل شيء» «الرعد:16». وعودة الى هوكينغ . وهو بهذه المرتبة من العلم هلا سأل نفسه من أين أتى هو وإلى أين سيذهب؟ وهل يمكن أن تنشأ أشياء من العدم؟ ولماذا لا يخلق البشر من الشجر أو من البحار أو من السمك؟ ولم لا تقترب الكواكب من بعضها ويختل ميزان النجوم والفلك ولماذا لا يعود الأموات إلى الحياة بنفس الهيئة والشكل لإكمال مسيرة سابقة. أما لماذا يلتفت الناس يمينا وشمالا لتلافي الأذى . تماما كمن يقرأ ويذاكر حتى لا يفشل في الاختبار. ومثل من يتذوق الأكل قبل الأكل إن كان ساخناً أو مالحاً. أو من يقف عند الإشارة الضوئية لتلافي الحوادث في حال إن كانت حمراء. فإذا كان عالم فيزياء بهذا المستوى ينكر وجود خالق فلم لا يحاول أن يخلق شيئاً ما غير صناعة الأشياء. ولماذا لا يوقف دوران الشمس أو يأتي بها من المغرب؟

الإثنين, 29 فبراير 2016

بورقيبة والمساعيد

بعض الأشخاص، يختلفون عن بقية الناس، وبعض القادة لا يشبهون بعضاً على الاطلاق، ياسر عرفات مثلا والملك حسين والملك فهد والشيخ صباح الأحمد وجمال عبد الناصر والحبيب بورقيبة وكمال جنبلاط والشيخ زايد وأمير قطر السابق ووزير خارجيته، وكان رفيق الحريري طراز مختلف جمع بين العمل السياسي والعمل التجاري، لا أحد منزه من الاخطاء أو معصوم منها إلا ان لكل منهم سمات ومزايا وبصمات ومواقف، ولا ابالغ ان لبعض هؤلاء القادة أو الاسماء مدارس في الإدارة والقيادة وفي الحكمة، لم تكن الظروف طبيعية في الشرق الأوسط منذ الحرب العالمية الث?نية، كانت المنطقة ولاتزال على فوهة بركان، لذلك فان التحريض الطائفي الحالي لم يكن جديدا ولا المحرك الحقيقي للأحداث في المنطقة غريبا عنها، بما في ذلك داعش ومن جاء بزعيم داعش وقبله القاعدة وقبله كل التيارات المتطرفة التي تزعم انها مستمدة من الشريعة أو الحريصة عليها، والعجيب واللافت ان بعض هؤلاء يسوقون انفسهم وافكارهم على انهم اكثر حرصا والتزاما بالدين حتى من زمن الخلفاء الراشدين، وهم صحابة واهل الرسول الاعظم ورفاق الهجرة والغزوات والكهف والرسالة والفتوحات، واشرت إلى اني تعاملت مع اغلب هؤلاء حتى بورقيبة الذي ا?طحبني المرحوم عبد العزيز المساعيد في عام 1978 إلى الغداء معه في قصر المنستير، اذا كانت ذاكرتي صحيحة في هذا الأمر، وكان معنا بل كنت معهما المساعيد والصديق الاديب عبد الله الشيتي يرحمه الله، وتأتى لي ان اتعامل مع كل الآخرين باستثناء عبد الناصر، إلا اني لم ادرك سر العلاقة بين الدوحة والحريري، لم يكن على وفاق معهم ولم يكونوا يحبونه، كان يعرف أكثر من سواه، وكان بحكم علاقته مع الملك فهد ومن ثم الأمير عبد الله قبل ان يصبح ملكا وبعد ان تولى العرش، اقرب إلى الرياض من أي عاصمة أخرى في كل شيء، وربما كانت هذه العلاقة ?حد اسباب تغييبه واحد اسباب اوضاع سوريا الحالية، وكانت قطر بشكل أو آخر على خلاف مع الحريري، كان رئيس الحكومة اللبنانية سياسياً من طراز نابغ وقوياً ومتحدثاً جهورياً بثلاث لغات، وقد ابهر العالم في مؤتمره الصحافي بالسفارة اللبنانية في لندن عندما تحدث بلغة إنكليزية سياسية صارمة، وحاولت ان اعمل له لقاءات تلفزيونية فيما بعد في «ANN» ضمن برنامجي اليومي «الحوار المفتوح» إلا انه قال لي بصريح العبارة انه لا يود ان يظهر بمظهر مختلف عما يعامل به أو عما يعرف به، تحدثت معه مرارا لمرات محدودة في لندن وعبر الهاتف، كان بمنت?ى الادب واللباقة والدبلوماسية وكان رجل اعمال ناجحاً جدا ولولاه لما اعيد اعمار ما دمرته الحرب، وهو أحد كبار رجال الاعمال في العالم، وسألني مرة: لم تحبني ومن عملت معهم كلهم على خلاف معي؟ ولم اجبه لان زوجته ام سعد عراقية، بل اكتفيت بالرد عليه بسؤال: ولم تفتكر اني لا اكتب اسمي رئيسا لتحرير «المشاهد السيا» ولا اضع اسمي على موضوعات الغلاف التي اعملها رغم ان صوري كانت تظهر فيها والاوساط الصحافية تعرفني جيدا، كان هناك من يدس على السعودية ويحرك الأحداث عليها ولم يكن لي علاقة أو رأي في الأمر وفي ثلاثة أو اربعة مواقف?اعترضت على نشر موضوعات تشكك أو تسيء للكويت، لذلك لم تكن الخصومة الخارجية التي رفعت هيئة الاذاعة البريطانية ايديها عنها متعلقة برفيق الحريري فقط، إلا انه من النادر ان تصادف رئيسا للوزراء في لبنان مثله، فقد عمل الكثير من الخير إلى جانب اعادة الاعمار، ليس بيني وبين أي من ابناء أو انسباء أو اقرباء أو حزب سعد الحريري لا معرفة ولا تعامل ولا اظن ان نجله الذي ترأس الحكومة بعده واصبح ذي شأن هو الآخر، تنقصه الكثير من ادوات سر نجاح والده إلا ان الظروف مختلفة في البيئة المكانية وفي الجو العام في العالم فويل لكل همزة ل?زة، فقط لا أحد يعرف متى لا تكون للحياة نهاية ولا متى يجب ان تقال كلمة الحق في تاريخ لم يعد بالامكان حمايته من العبث، سيقولون اني انتقدت حملة السلاح في سوريا أي اني انحزت إلى الرئيس السوري واستذكر الآن رفيق الحريري بالخير رغم علمي بما يقال عن مقتله وعن مواقفه، وانا في حقيقة الأمر اقول الحقيقة ولا اعبد البشر وادافع عن الناس والدول ولا شأن لي بالسلطة والأشخاص.

السبت, 27 فبراير 2016

بلد الرؤساء

وانا في لندن تسنى لي ان اتعامل مع الرئيس اللبناني واقصد رئيس الوزراء المتميز رفيق الحريري الذي اغتيل في الرابع عشر من فبراير 2005، في لبنان كوكبة من رؤساء الحكومات الذين اغتيلوا تباعا، لبنان ليس أي بلد وشعبه ليس أي شعب وهي ليست مصادفة ان يتألف هذا البلد الرائع من نسيج ثقافي واجتماعي وديني رائع، في لبنان ليس هنالك غالب أو مغلوب لا الحاكم ولا المحكوم، وواهم من يظن أنه الأفضل أو الأقوى أو الاحق من سواه في أي شيء، لبنان متميز لأنه متكامل الاطراف والبناء بالبشر وليس بالطبيعة كما يخال البعض، اللبنانيون يتعلمون من بعضهم ويتكاملون في كل شيء وهم واحد غير قابل للتجزئة، وسيأتي وقت لا يكون فيه نفع لا لاتفاق الطائف ولا للسلاح، اللبناني لن يكون لبنانيا إلا كما عرفه العالم، بتحرره واتقانه الخدمة وذكائه وانتمائه لوطنه اينما كان، لكن التاريخ حافل بمثل تجارب لبنان بالمشاكل والمتغيرات غير الدائمة لأن نفسية المواطن اللبناني ومزاجه لا تطوعها وصايات خارجية أو امراض داخلية، وطبيعة البشر ترى ان من يرى نفسه الأقوى فإنه الاسرع إلى اختبار مدى تأثير هذه القوة على الناس وعلى الشارع، مشكلة لبنان في أنه قدوة للتعايش والتعدد الإنساني، قدوة في الثراء الفكري وفي الثقافة وفي التجربة الديمقراطية، تعاملت مع رفيق الحريري وانا مسؤول عن تحرير جريدة العرب اللندنية وقيل لي وقتها ان الأمير نايف بن عبد العزيز كان يدرس أمر شرائها ثم قيل ان الملك فهد من فكر بالشراء ولم اسمع من الملك عبد الله ان لديه نفس النية إلا ان عبد الله كان يقرأ وكان يطالع الصحف وبرامج التلفزيون واعتقد أنه هو من اقنع الدكتور رفعت الاسد عم الرئيس الحالي والنائب الأول لرئيس الجمهورية الاسبق وصاحب قناة «ANN» وقنوات وادوات إعلامية اخرى وهو رجل أعمال منذ عرفته قبل اربع سنوات من نهاية عقد التسعينات وتعاملت معه عن قرب وكان مختلفا تماما عن كل ما سمعته عنه، الناس تتعلم وهو ذكي جدا، وتبنى الطريق الديمقراطي وان قلت له ان هذا التوجه متأخر إلا ان الرجل ولا شأن لي فيما يجري في سوريا لأني ادافع عن سوريا البلد والشعب والتاريخ، كان متحمسا للتغيير نحو الاحسن والى تبني التجارب الديمقراطية، عندما تعرفت على الحريري وتعاملت معه في لندن أو من خلال الهاتف من لندن ايضا، كنت في ضوء مخالف لاي مجال للتقرب منه بل كنت في موضع احتسب فيه إلى صف غير صفه، ففي البداية كانت جريدة العرب ملك الحاج أحمد الهوني وان كان مالكها ومؤسسها الاصلي الأمير تركي بن عبد العزيز، ولم تكن على وفاق معه إلى حد ما بسبب اندماجه الكامل سعوديا، وكان الهوني على خلاف مع السعودية، وان تقارب مع الملك فهد فيما بعد ومع الملك عبد الله والشيخ زايد، وعندما عملت رئيسا لتحرير «المشاهد السياسي» كانت هنالك مصالح مشتركة بين قطر وهيئة الاذاعة البريطانية توجت بشراء قناة «BBC» العربية الأولى التي اصبحت الجزيرة وهي غير قناة «BBC» العربية الحالية، فكل القيادات والخبرات والعقول كانت في القناة الأولى التي شدت الرحال إلى الدوحة إلى ان اشترت قطر امتياز «المشاهد السياسي» ايضا بإرثها التاريخي ومعها ارشيفها «Top Gear» التي بيعت بنسختها العربية إلى الشركة العربية التي اسست لهذا الغرض فقط وادارها مازن قبرصلي بمشورة ودعم من د.فؤاد عجمي من واشنطن، كانت المجلة العربية التي صدرت عن هيئة الاذاعة البريطانية شقيقة بشكل أو اخر لقناة «الجزيرة» وكانت الادارة شبه مشتركة وكان المالك الحقيقي الدولة إلا ان كل شيء ظل مسجلا باسم وزير الخارجية وعلى مدى اكثر من 14 عاما كانت مجلة «المشاهد السياسي» الاكثر جرأة وحياداً وتنوعا وتأثيرا، كانت توزع في كل العالم الذي تتواجد فيه جاليات وقراء عرب، وللحديث بقية عن رفيق الحريري.

السبت, 27 فبراير 2016

عقول بلا سجون

نعم للعقل علاقة بسلوك الدول وبسياسات الأفراد، فكما هو الطلاق حاصل ضرب عدم توافق عقلين فان الحروب والمصادمات والقطيعة على مستوى الدول سببها اختلاف في السياسات والسياسات نتاج العقول والافكار والاجتهادات، في مقال سابق عن السجون والعقول ومقال اليوم تتمة له، علاقة بين العقل وبين تفرعات متطلبات الحياة في كل شيء، لذلك فان الإنسان عندما يساءل عن سلوكه بغض النظر عن فداحة ما فعل أو نوع أو مستوى الخطأ أو الجرم، وسألني أحدهم مرة أين تشعر بالراحة؟ سألته اتقصد خارج الحرم المكي؟ قال ان السؤال عام لكنه يميل إلى تحديد اماكن الفضيلة باللبس والمظهر، اجبته لافاق بين الناس سوى بالعقل، حتى الايمان بالعقل، عدا عن ذلك يظل تظاهر، العقل هو الذي يسير المنطق ويسير السلوك وهو الذي يحدد المواقف والاختيار، لا يكفي ان تصلي كل النهار وان تلتحي وان تحج وان تزكي وان تعمر وان تساعد الفقير وان تناصر المظلوم، كل هذا غير كاف بدون عقل سوي الا اذا كان الإنسان مسلوب الارادة، ولهذا يقول الباري عز وجل «اِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى» وأنزل الله -تبارك وتعالى- هذه الآية في أبي طالب الاقرب إلى المصطفى «ع»، فالمنهج والمعتقد والتخصص كله من فعل العقل والعقل من صنع الله، فلا يخلق الإنسان طويلا أو قصيرا فقيرا أو غنيا ذكيا أو غير ذلك ولا متكامل صحيا أو بدرجة اللياقة أو معاقا، الا في اطار ارادة الله وقدره في خلقه، لكن هل يعني ذلك ان اصحاب العقول الكبيرة اسوياء تماما وخالين من الأخطاء أو معفيين من ارتكاب المعاصي؟ والمعاصي هنا هي الفعل الضار وغير النافع وليس ما يخالف الله كما في الدين الحنيف ففي بقية الاديان وعند بشر آخرين غير مسلمين لا الزام ولا مساءلة على ما لا ينفع لكن اكيد ان هناك حسنات يذهبن السيئات في فعل الخير وهل كل عمل نافع، الولايات المتحدة هذه التجربة من الدول والمجتمعات التي لن تتكرر لعدم وجود شبيه لها في اغلب ما تتميز به، هي الدولة الاكثر تطورا ونموا وتحضرا وخدمة للبشرية في صناعة الدواء وفي البحث العلمي وفي الصناعة والزراعة وفي سيادة القانون والالزام بالحق وفق المصالح الأميركية اولا وبما يخدم ايباك وهو اللوبي اليهودي الصهيوني الذي يحكم اميركا، في اميركا اكبر سجون العالم وفيها اكبر الجامعات، وفيها اغنى الاغنياء وافقر الفقراء، وفيها اعلى درجات العدل وادنى درجاته، الا انها النموذج الافضل لابداع العقل البشري، بدونها كانت وتيرة تطور الحياة ستظل ابطأ، الا ان العقل سيظل محور قدر الإنسان لانه من ارادة الله، في الولايات المتحدة سجون رهيبة غير ما ذكر في المقال السابق مثل سجن جزيرة ريكيرس وسجن سانت كوينتن، الا ان ذلك لا يعني خلو العالم من السجون الأخطر والاكبر ففي كوريا الشمالية سجن يدعى كوان لي سو رقم 22 هو الاسوأ في التاريخ يليه سجن غرانيدرو في البرازيل وسجن لاسابانتا في فنزويلا وديار بكر في باكستان وبوسانتي في فرنسا وبانغ بانغ في تايلند، الا ان غوانتانامو ذي السجل الاسود على الرغم من الصبغة الحمراء لاثواب المعتقلين، جمع بشرا من العرب والمسلمين واضطهدهم واذاهم وبعضهم حامت حوله شبهات فقط أو لا علاقة له بالارهاب، سلاسل وقيود وارهاب نفسي وقيود عقلية وحرمان عن العالم وعن الاهل، وبعض معتقلي هذا السجن أو المعتقل أو المعسكر سيئ الصيت امضوا فيه سبعة عشر عاما أو اقل بقليل ومورست فيه ابشع وسائل التحقيق والتعذيب وقضى فيه عدد غير معلوم نحبهم، بعد عام الفين وثلاثة وبعد الاهوال التي ارتكبها الأميركان في العراق بدأ التفكير في تفكيك المعتقل وايجاد بدائل عن غوانتانامو لانه بات مفضوحا ومع ان الملاحقة والاغتيالات والاعتقالات تواصلت حول كل من حامت حوله شبهات العلاقة بكارثة الحادي عشر من سبتمبر فتراجع عدد المعتقلين فيه إلى 91 بينهم 34 تمت الموافقة على نقلهم إلى دول ثالثة، في حين ان الباقين سيظلون قيد الاعتقال لفترة غير محددة اما لانهم يعتبرون خطرين جدا أو بانتظار محاكمتهم، وفي العام الماضي أرسل البنتاغون فريقا من الخبراء لتفقد المواقع التي قد تكون صالحة لسجن هؤلاء المعتقلين بعد اغلاق السجن العسكري، والتقرير الذي احيل الثلاثاء 23 فبراير إلى الكونغرس سيتضمن التكلفة المقدرة لسجن هؤلاء في كل من هذه المواقع، ومن بين المواقع المقترحة سجن كونسوليديتد نافال بريغ في تشارلستون في كارولاينا الجنوبية وسجن فورت ليفنوورث كنساس والسجن الفدرالي في كولورادو، فاذا ما اغلق غوانتانامو فان الفضل في ذلك يعود إلى الرئيس الأميركي الحالي الذي وعد باغلاقه عند توليه مهامه في الفين وتسعة، لكن جهوده تعرقلت في الكونغرس تكرارا.

الجمعة, 26 فبراير 2016

هذا فضل الله

من حق كل إنسان أن يحتفل بالعيد الوطني لبلاده، ومن حق أي إنسان أن يفتخر بوطنه وأمته ودينه، لكني ولأسباب كثيرة أعتقد أن من حق الكويتيين أكثر من بقية الخلق ان يفتخروا بأن الله منّ عليهم بأن يكونوا مواطنين لدولة الكويت، هي أكثر من مد يده بالخير الى الآخرين. الى جانب القدر الوافر من نعمة الأمن والأمان. كتبت من قبل أن القدر من صنع الله وأن لا شيء يتعدى ذلك وأن الإنس والجن لو اتفقوا على أمر لم يكتبه الله لما حصل. وهكذا شاء القدر قبل أكثر من أربعين عاماً ان تصبح الكويت وطني حتى وإن لم تمنحني جنسيتها وظل ملفي معلقاً ينتظر قراراً. ليس مهما أن نصفي الآخر مواطنة ولا أن أبنائي ولدوا وتعلموا فيها ولا يعرفون وطناً سواها غير بريطانيا التي يحملون شهاداتها العليا كلهم بدون استثناء. يكفي كما ذكرت مراراً أني عرفت الله فيها ومنها أديت أول فريضة حج وأول عمرة وفيها تعلمت معنى الخير. يكفي ان ثقافتي وتعليمي ومهنتي وكل جزء فيه خير في عقلي وضميري وسلوكي وخبرتي في الحياة. لذلك فإن الاحتفال بالذكرى الخامسة والعشرين لعيد التحرير من احتلال غادر استمر قرابة السبعة أشهر تعرضت له في الثاني من أغسطس عام الف وتسعمئة وتسعين من قبل الجيش العراقي بأوامر من صدام حسين هي ذكرى تخصني حتى وإن أراد لها البعض غير ذلك، فيما يتعلق بصلتي بهذا البلد الذي خدمته في فترة الغزو على أفضل نحو أكرمني الله به. لكن الحديث عن الكويت كدولة وكما ورد في التقرير الذي أعدته قناة «أخيار العرب صوت العرب» الإخبارية أمس كان يجب ان يشير الى قيام أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر وهو أحد حكماء قادة العالم، بجولة في أحد أقدم الأسواق الشعبية في بلده الصغير الذي يعد اليوم بلد الإنسانية في العالم للدور المشرف الذي تقوم به في مجال تقديم المساعدات والإغاثة والهبات والقروض للدول المحتاجة عربية وغير ذلك. الشيخ صباح سار على قدميه وبين مواطنيه وبين المئات من أبناء الخليج الذين يفدون الى الكويت والى مطاعم سوق المباركية الذي أخذ اسمه من اسم حاكم الكويت مبارك الكبير. منظر غير مألوف وتصرف لا ينم الا عن ثقة وإيمان بأن من جد وجد ومن زرع حصد فالخير والأمان والاستقرار، نعم لا تشتريه بالمال وإنما هي محصلات فعل خير وتطبيق سليم لمعادلات موجودة عند الآخرين، إلا أن أدوات العقل والحكمة والتواضع والطيبة، تنقصها الكويت اليوم ورغم انهيار أسعار النفط وتراجع العائدات واتساع نطاق العجز بين الانفاق والدخل القومي الإجمالي كبير، الا انها واحدة من أكثر دول العالم استقراراً وملاءة مالية وقدرة على مواجهة التطورات. انا لا أعرف الشيخ صباح، لذلك لم استغرب أمر جلوسه بعد ذلك في أحد مطاعم المنطقة وتناوله الغداء مع رئيس الحكومة وعدد من الوزراء بدون حماية أو مدافع أو دبابات أو مواكب تسبقه وأخرى تطوق المكان وبدون ان يتم إغلاق الأسواق والمنطقة أمام المارة. وفيما الشرق الأوسط والجوار يغلي بأربعة حروب والعالم يقف على رجل واحدة تحسباً من الإرهاب. جعل صباح الأحمد من نعمة الأمان في بلاده الى جانب الكرامة والرفاه والاستقرار المعيشي. سمة حكمه الأزهى في تاريخ بلاده. والكويت التي لا يتعدى تاريخها الأربعمئة سنة، واحدة من الدول النادرة في سجلها على المستويين العربي والدولي. ففي مطلع القرن الماضي وما قبله بقليل وفي وقت لم يكن للنفط فيه دور اقتصادي على مستوى العالم، كان لدى أهل الكويت وعددهم ربما لا يتجاوز المئة ألف فرد يومها، قرابة السبعمئة مركب شراعي حسب وثائق ومخطوطات دولية. وكانت هذه المراكب تجوب الخليج ابتداء من البصرة في جنوب العراق ناقلة التمر الى الهند مروراً عند العودة وهي محملة بالتوابل والأخشاب وأدوات البناء والذهب والملابس والأغذية وسواها، بكل مدن المنطقة على الجانبين الأيمن والأيسر للخليج العربي. فكانت محركاً للتجارة والنشاط المالي طوال فترة ما قبل وما بعد سقوط تجارة اللؤلؤ. وبعد ظهور النفط باتت الكويت أول دولة تنشئ صندوقاً اقتصادياً في عام ألف وتسعمئة وواحد وستين لمساعدة الدول المحتاجة القريبة والبعيدة الشقيقة والصديقة وحتى التي غير ذلك. ولا زال الصندوق يعمل الى الآن بعد ان قدم آلاف القروض بفوائد تكاد تكون غير محتسبة وبعشرات المليارات من الدولارات استفاد منها ما لا يقل عن مئة وخمسة وعشرين دولة. وعندما كان وزيراً للخارجية أنشأ أمير الكويت الحالي هيئة للجنوب والخليج العربي الحقها بالوزارة، وتولت بناء مئات المدارس والمستشفيات والمراكز الصحية الأخرى وتمويل مشاريع شق الطرق وحفر الآبار وإرواء المزارع وايصال الكهرباء ومن ثم المساعدة في بناء أول جامعة في الإمارات. وكانت حصة اليمن الأكبر في المشاريع التي بدأت من عدن وغطت كل مناطق الشمال. وعلى مدى خمس وخمسين سنة من استقلالها وأكثر من ذلك بعشر سنوات من بدء إنتاجها النفطي قدمت الكويت هبات ومساعدات غير التي تقدم من خلال صندوق التنمية، الى أكثر من مئة وخمس عشرة دولة. وأنشأت هيئة خيرية إسلامية عالمية للمساعدات وأكثر من مئة لجنة زكاة. وأوصلت الخير الى غياهب الصحاري ومجاهل أفريقيا. ولجمعية الهلال الأحمر الكويتية وجود في كل مكان يحتاج الى مثل هذا العمل النبيل. ولعل في تميز الكويت من خلال الحكم والشعب والدستور والحريات العامة والصحافة والبرلمان والدواوين، تفسير لتمتع هذه الدولة بأعلى قدر من الأمان يسمح لرئيس الدولة بالتجوال بدون حراسة في عالم يغلي. وبالتمتع بأفضل مستوى معيشة والقياس الاعلى جودة في الخدمات الصحية والتعليمية على كل المستويات.

الخميس, 25 فبراير 2016

سجون بلا عقول

تختلف دول العالم مع بعضها في أمر السجون  التي تنفذ فيها أحكام العقوبات على مدانين بمختلف الجرائم. ولب الخلاف ينصب على القضايا السياسية وما يتبعها من تهم وأحكام خاصة ان بعض الدول أو الحكومات  إما انها مجبرة على الحفاظ على دولها واكرر دولها قبل انظمتها عندما يكون هناك افراد يدينون بالولاء على أساس مذهبي إلى غير دولهم مما يعني احتمال تقويض استمرار كيان الدولة او اتباعه بالقوة وان كان الوازع دينياً أو مذهبياً إلى دولة اخرى. أو أن يكون الدافع سياسي لاقصاء الخصوم أو المعارضين. والمعارضة حق مكفول وفق القانون ولائحة حقوق الانسان وتدخل في أطار الحريات العامة، ما لم تتعارض مع سيادة الدولة ومالم تسبب ضررا على المال العام أو الممتلكات العامة أو الخاصة أو على سلامة الافراد. وتختلف المجتمعات وفقا لشرائحها ووعيها الثقافي والفكري وواقعها الاجتماعي «الفقر والغنى» ونظاها الدستوري أن كان لها نظام. ومع ان دول العالم المتحضر والدول الأكثر تقدماً، هي الأكثر انتقاداً ورفضاً لأي ممارسات حكومية في الدول الاخرى تتعارض مع القانون «في العادة تمارس مثل هذا الدور منظمات المجتمع المدني الذي تأخذ بمسميات الدفاع عن حقوق الإنسان أو الاختصاص القانوني التطوعي أو أي مسمى آخر»، إلا أن هذه الدول نفسها لاتتورع عن استخدام أساليب أكثر قسوة في تعاملها مع مواطنيها أو مع شعوب الدول الاخرى التي تخوض حروباً فيها. ولعل فضيحة سجن أبو غريبل في العراق ومعتقل غوانتانامو وفضائح توكيل أجهزة أمن ومخابرات دولية أخرى لاختطاف متهمين او مشتبه بهم، من دولهم وتسليمهم إلى الولايات المتحدة، كما حصل في اطار ما اسماه الرئيس الاميركي السابق جورج دبليو بوش بالحرب على الإرهاب، وأمور اخرى كثيرة. ولسنا هنا بصدد بيان ما اذا كان من انتقد مثل هذه الممارسات افضل حالا من سواه لو كان هو في سدة المسؤولية. فكثير من الناس يبرعون في النقد وحتى في طرح البدائل وفي بيان الجوانب السلبية من جراء بعض الممارسات الا انهم يندفعون لارتكاب اسوأ الافعال وعلى نحو يفوق ما ارتكبه من تم  انتقادهم من قبل. ويقال عادة ان العرب والمسلمين وبسبب تطبيق النصوص القرآنية هم اكثر من يقسو على المخطئين أو المدانين لذلك فان أغلب مواد وفقرات تقارير منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووش الأميركية منصبة على العرب إلا ان القليل جدا من تطرقوا الى معتقل غوانتانامو الذي وصل عدد المعتقلين فيه في عام 2003 إلى 680 معتقلاً. وهذا المعتقل هو الأسوأ في التاريخ. صحيح ان هناك اربعة أو خمسة سجون أميركية أكبر والأخبار المعروفة عنها انها قتلة واشهرها سجن جزيرة الكاتراز في سان فرنسيسكو في ولاية كاليفورنيا يليه سجن فلورانس سوبر ماكس السجن الفيدرالي الخاضع لإجراءات أمنية مشددة ويقع في كولورادو. وتعتقل الولايات المتحدة فيه مدانين بالإرهاب من أمثال رمزي يوسف الذي يقال إنه  العقل المدبر لاعتداءات مركز التجارة العالمي في ألف وتسعمائة وثلاثة وتسعين وهو مولود في نفس ولايتي ودرس في مدرسة الفتوة الابتدائية في منطقة الجمهورية قبل أن ينتقل إلى الكويت للعمل فيها بعض الوقت وهو وفق ما بقي في ذاكرتي من أب هندي وأم عراقية أو أبوين هنديين . وفي نفس السجن زكريا الموسوي الفرنسي المدان بالتورط في اعتداءات سبتمبر أيضا وجوهر تسارناييف الصبي أو المراهق الذي أخذته العاطفة الحمقاء هو وشقيقه تيمورلنك الأكبر منه في تنفيذ عملية بوسطن الإرهابية في أبريل ألفين وثلاثة عشر وتسببت في مقتل ثلاثة أفراد واصابة 264 آخرين بجراح  والذي يواجه الآن عشرات التهم 17 منها عقوبتها الإعدام. السؤال الملح الان هو اذا عجز البشر عن إيجاد لغة للتفاهم غير الحروب وللأفراد لحل مشاكلهم بغير الطلاق ، فهل أن هاتين القضيتين انتقاص من قيمة العقل؟

الصفحة 63 من 88