جريدة الشاهد اليومية

هشام الديوان

هشام الديوان

الثلاثاء, 06 يونيو 2017

صراع الشركات

محمد الماغوط شاعر وأديب سوري راحل هو مؤلف مسرحية كاسك ياوطن التي أبدع فيها الرائع دريد لحام ونخبة من الفنين السوريين الاخرين، الماغوط قال ان كل نخبة سياسية في المنطقة تعدها أميركا، وروسيا توقد تحتها، واوروبا تبردها، وإسرائيل تأكلها، والعرب يغسلون الصحون، وهو القائل: لكي تكون شاعرا عظيما يجب ان تكون صادقا، ولكي تكون صادقا يجب ان تكون حرا، ولكي تكون حرا، يجب ان تعيش، ولكي تعيش يجب ان تخرس، وفي الأمور المتعلقة بما يجري في الشرق الأوسط أو في علاقاتنا مع العالم، لا يمكن اغفال أو التقليل من الحاجة إلى اللجوء إلى المنطق لفهم اسباب ما يحصل وتبعاته وما يمكن ان ينجم منه في حال استمرت الأمور على نفس المنوال، وحتى لمن لا يؤمن بوجود الخالق، وهؤلاء موجودون في كل مكان في العالم، وبعضهم علماء وبعضهم من أعاده علمه إلى الإيمان بالخالق مثل عالم الفيزياء النظرية البريطاني ستيفن هوكينغ الذي ألحد ثم عاد إلى الاقرار بوجوب وجود خالق للكون وان من غير الممكن ان تكون مكونات الكون قد نشأت بالصدفة وان لا يكون هناك احد يدبر امرها، وفي الاخر خلص هذا العالم المعاق الذي يصنف على انه عبقري وانه حل محل آينشتاين في هذا الاختصاص وربما تفوق عليه، إلى ان العالم من صنع خالق، والعالم الذي نعنيه هو كل ما نرى وما ترصده التلسكوبات العملاقة وما تسجله الاقمار الصناعية الأميركية والروسية وسواها من حركة للكواكب عالمنا صغير إلا أن الكون كبير ومساحاته متباعدة بآلاف السنوات الضوئية، وحتى لمن لا يؤمن بوجود خالق فإنه يرد على نفسه من خلال حقيقة استحالة انتظام ديمومة حركة الكواكب والمجرات والنيازك على النحو الذي يكفل عدم حدوث أمر مربك أو مدمر يمحو اثر وجود بحجم المجرات أو الكواكب، فلم يسجل التاريخ البشري حالات من هذا النوع، وحتى الزعم العلمي المتعلق بنظريات نشوء الأرض بما يسمى بالانفجار العظيم، لا يستطيع بأي حال من الاحوال نزع حقيقة ان ارادة غير طبيعية اوجدت الأرض ووفرت سبل الحياة عليها فحتى للانفجار العظيم ان كان هو سبب نشوء الأرض على النحو الذي هي عليه، فإن هذا السبب مرتبط بارادة الله «وآتيناه من كل شيء سببا» سورة الكهف، كذلك الحال وعلى نحو لا يقارن بمقدرة الخالق ولا بحجم ذرة امام جبل واكبر مما نعرف، في العالم إدارة مؤلفة من اصحاب المصالح الكبرى من خلال شركات عملاقة جبارة الامكانات متعددة الجنسيات هي التي تدير أمور التعاملات اليومية وترسم السياسة الدولية وتأتي بالكبار والصغار على السواء إلى الحكم ضمانا لمصالحها وتقليلا للمخاطر التي تواجهها وتوسيعا للاسواق التي تدر عليها المليارات على نحو يومي، ومن البديهي ان لا تكتفي هذه الشركات بتقاسم المصالح فقط وانما المكاسب والمغانم والنفوذ ايضا وبالتالي فإن اغلب الانقلابات التي تجري في العالم قد جرى تمويلها على نحو ما من قبل مخابرات عالمية محكومة من قبل الدول الكبرى التي تحكمها الشركات العالمية ايضا، فالولايات المتحدة مثلا محكومة من قبل ست شركات صناعية عملاقة هي في حقيقتها مجموعة كارتلات شركات النفط وصناعة السلاح والسيارات والاجهزة الالكترونية والسجائر والالكترونيات والمشروبات الروحية والمنعشة الاخرى والصناعات الفضائية والدوائية والملابس، وهناك شركات عملاقة هي الاخرى منظمة إلى هذه الشركات، هذه الشركات وراء الكثير من الاحداث التي يشهدها العالم حاليا، وكانت المافيات أو الاتحادات في أميركا والصهيونية العالمية والماسونية هي التي تلعب هذا الدور من قبل في اوروبا وفي الولايات المتحدة،وهناك ايضا مافيات حالية كبرى في مجال زراعة وتهريب والترويج للمخدرات بريطانيا قالت قبل ايام ان لديها هواجس وظنون ومخاوف من وجود خمسمئة مخطط أو خلية تعد لهجمات إرهابية أو لها علاقة بالإرهاب، ومشكلة بريطانيا انها استعمرت اغلب دول العالم، وهي التي استعمرت حتى الولايات المتحدة الأميركية ولفترة طويلة، وهناك صراع خفي بين البلدين على الرغم من كل ما يظهر على السطح بخلاف ذلك، يقال ان الأميركيين مازالوا ينتقمون من الانكليز تحديدا الذين استعمروا بلادهم ومثل هذا الكلام وهو صحيح تاريخيا فقد استعمرت بريطانيا العالم الجديد لمدة قاربت القرنين «رسميا خلال الفترة من 1607 إلى 1783» اذ أن الاستعمار البريطاني للأميركيتين «بما في ذلك استعمار مملكة انكلترا ومملكة اسكتلندا قبل قوانين الاتحاد التي تكونت بها المملكة المتحدة أو مملكة بريطانيا العظمى سنة 1707» بدأ سنة 1607 في جيمس تاون في فيرجينيا ووصل إلى ذروته بانشاء المستعمرات في أرجاء الأميركيتين شمالا وجنوبا كانت انكلترا، أو بريطانيا الآن، أحد أهم مستعمري أميركا بقسميها وجاءت امبراطوريتهم الأميركية لتزاحم المستعمرات الاسبانية في القارتين في مجالي القوة العسكرية والاقتصادية، ولاتزال بقايا القوة البريطانية موجودة فهناك الآن ما يعرف بأميركا البريطانية وهي مقاطعة في قارة أميركا الشمالية تمتد من شرق كندا وشرق الولايات المتحدة وتشمل أجزاء صغيرة من الجزر في أميركا الوسطى، وسبب الربط بين تلك الحقبة وما يجري في العالم الآن ان المسلمين ايام سطوتهم على اجزاء واسعة من العالم نشروا العلم اولا إلى ان كفر بعض كبار رجال الدين عباقرة الإسلام والمسلمين امثال الرازي والكندي والخوارزمي والفارابي والبيروني وابن رشد وابن الهيثم واخرين بزعم انهم زنادقة، وانتج الغرب مع عظمة ما استفاد من العلماء المسلمين، ثورة صناعية وتقدما هائلا فتح الابواب امام مافيات جديدة تتاجر بكل شيء وتمتهن الإنسان، انها الشركات الآن التي تتقاسم مصالح العالم وتأتي بالقادة ومنهم ترمب.

الإثنين, 05 يونيو 2017

من لديه حيلة فليحتل

من غير الإنصاف الزعم بأن مجلس التعاون الخليجي لم يغير الحياة في الخليج ولم يجعلها أقل صعوبة من ذي قبل ولم يضاعف الفوائد ويوثق المصالح ويدعم القربى ويسهل الزواج والانتقال والعمل والاقامة لصالح شعوب الدول الست الأعضاء في المجلس، لا يمكن القول أو الزعم ان الوضوع الآن أقل منفعة للدول والأفراد لعموم الاقليم عما كان عليه الحال قبل قيام المجلس في عام 1981، فالكثير ان لم تكن اغلب القوانين قد تمت مراجعتها لتوظيفها لخدمة المواطنين وامن ومصالح دول المجلس، ومن الصعب القول ان الفوائد قلت والمشاكل تضخمت، ومن الاجحاف الزعم بأن انتقال المواطنين وحركة رأس المال وحتى الاحوال الأمنية والمعيشية والخدمات التربوية والصحية، كانت افضل مما هي عليه الان، خلال ست وثلاثين سنة من عمر المجلس الذي كانت الكويت وراء فكرته، تحقق في الدول الست ما كان يمكن ان يتحقق على مدى ثلاثة أو أربعة قرون، مشاريع مشتركة، سياسة تكاد أن تكون واحدة، طموحات متشابهة، اسواق مفتوحة لكل مواطني الدول الست، أمان واستقرار ورفاه ومساعدات للاقل دخلا من دول المجلس ومشاريع مشتركة وحماية للمصالح ونظم موحدة في كثير من المجالات، لم يكن المواطن الخليجي في الدول الست افضل حالا في أي وقت في تاريخ المنطقة عما هو عليه الوضع الان، ولم تكن الدول الست احسن حالا في أي وقت مما هي عليه الان، تجربة قيام المجلس والسنوات التي تقترب من الاربعين الآن التي جمعت المجلس، حققت الكثير مما كان يصعب أو يستحيل تحقيقه، فقد نجح المجلس في ابقاء دوله الست والاقليم بعيدة عن نيران حرب الخليج التي اندلعت بين العراق وإيران في عام 1980 واستمرت ثمان سنوات، كان المجلس خلالها عرضة للانجراف إلى مستنقع الحرب لولا حكمة قادته، فلو كانت فرادا كما كان عليه الحال قبل قيام المجلس، لسقطت تباعا دولة بعد الأخرى في هذا المستنقع الذي لا يمكن ان يكون في أي جزئياته فائدة توازي أو تبرر الدمار الهائل والخسائر البشرية الفظيعة والآلام الاجتماعية والنفسية والبيئية التي سببتها، ولولا المجلس لما امكن التكاتف والتعاون لامتصاص ويلات الغدر بالكويت، ولما فتحت الابواب امام مواطنيها في كل دول المنطقة لتقليل معاناتهم ومداواة جراحهم، ولما امكن توفير بيئة احتضان الارادة الشعبية ومواقع تجميع جيوش التحالف وآلياتهم وطائراتهم التي تولت تحرير الكويت، وسيكون من الصعب جداً الافتراء بالزعم بأن وجود المجلس لم يسهل التفاهمات التي اوجدت صيغا لتقليل الاضرار المعتادة والتحديات المستجدة وزيادة الفوائد من الحلول الموحدة والتنسيق والاجراءات التي صار الكثير منها مجديا بعد ان استخدمت من قبل كل دول المنطقة وليس من قبل دولة واحدة في التصدي لاسبابها والحيلولة دون انتشارها أو عودة ظهورها، قد لا تكون كل اماني المجلس قد تحققت، إلا ان ما تحقق حتى الآن، لا يقارن بأي حال من الاحوال بما كان سيتحقق في أي دولة من الدول الست لو لم يكن المجلس موجوداً، فمن الناحية الدفاعية كانت أي دولة ستواجه مصاعب اكبر بكثير في التصدي للمخاطر وهي تتعامل مع هذه الأمور بمفردها، وكان يمكن ان تكون كل الدول الست لقمة سائغة امام من هي اكبر منها وهي تتصدى لها لوحدها. هنالك الآن نظم مالية مشتركة وتجارة مشتركة ومواصفات مشتركة واشتراطات حمائية مشتركة، وهناك نظام امني يكاد ان يكون موحدا بالكامل،وقوة ارضية وأخرى بحرية وجوية ونظام صاروخي دفاعي وإرادة مشتركة وتخطيط للمستقبل وامانة عامة تعمل لينهار لترجمة تطلعات القادة والاستفادة من حكم كل منهم، وفي ظل كل هذا وعلى الرغم من ان فكرة توحيد الجواز الخليجي لم تتحقق ولم تتحق التطلعات لقيام جيش موحد وقوة دفاع واحدة واقتصار تجربة ثلاثين سنة على قوة درع الجزيرة فقط، إلا ان الناتج الدفاعي الحقيقي مثمر وايجابي جدا وهو امر ما كان ليتحقق لولا وجود المجلس، كما ان السياسة التفاوضية وحجم لغة ومعادلات المصالح المشتركة باتت تلزم قادة الدول الكبرى في العالم على عدم تهميش دول المنطقة وعلى العكس من ذلك الجلوس معها مجتمعة كما حصل في القمم الخليجية الاميركية في عهدي أوباما وترامب، لقد حقت دول المنطقة من خلال المجلس انجازاً حضارياً وسياسياً واقتصادياً وتجارياً وتعليمياً وأمنياً هائلاً وايجابياً تماما وبأقل قدر ممكن من التكاليف والمخاطر، ومن البديهي ان يكون هذا التكامل سداً دفاعياً وسوراً واقياً ونظاماً مناعياً، يقلق من لا مصلحة له في وجود مجلس أو كيان بات اقرب إلى التكامل في كل شيء، وبالتالي فما تحقق هو افضل مما كان يمكن في ظل ظروف واوضاع صعبة تحيط بالمنطقة والعالم، هناك اخطاء، نعم وهناك اجتهادات فردية، نعم، إلا انه امر طبيعي جدا افرزته حتى تجربة الاتحاد الاوروبي وتسبب في رغبة بريطانيا في الخروج من الاتحاد، إلا ان التشبث ببقاء تجربة مجلس التعاون الخليجي، اكثر اهمية ونفعا وجدوى ومناعة لدوله، من تجربة الاتحاد الاوروبي، هم اكثر تقدما واكبر حجما في الاسواق والمشاريع والطموحات والامكانات والتجارب، فالاتحاد الاوروبي لا يواجه نفس المخاطر ولا يعاني من احتمالات التعرض إلى شحة مخيفة في الموارد بعد عصر النفط، لقد حقق المجلس انجازات هائلة ما كانت ممكنة بدون قيامه واختزل المجلس المسافات والوقت وهي تجربة يجب عدم التفريط بها.

الأحد, 04 يونيو 2017

فارق جوهري

في بداية التسعينات وعندما اختار القدر لنا ان نترك القاهرة إلى بريطانيا، تغيرت آلية علاقتنا بالمجتمع البريطاني، اعتدنا ان نتواجد سياحا مترفين في فنادقها ومطاعمها واسواقها، ثم تحولت العلاقة إلى الدخول في مفاصل الحياة، فقد بات لزاما علينا ان نعرف وان نتعلم وان نستوعب وان نتعايش وان نتأقلم مع القوانين والانظمة، كان ذلك في ديسمبر 1990 قبل ان تبدأ حرب تحرير الكويت بثلاثة اشهر أو اقل بقليل في فبراير 1991، وبدلا من ان تكون الفنادق سكنا لنا كما اعتدنا، سكنا في شقق مفروشة في البداية، كان هناك عرب ومسلمون سبقونا لظروف تختلف ولدوافع الهجرة، ذهبوا بارادتهم فيما اجبرتنا الدنيا على ان نترك الحياة التي اعتدنا عليها والأهل والأصحاب، وكانت مهمة البحث عن عمل اولى الاولويات، واشار علي احد الإعلاميين يومها بأن اكف عن التفكير في البحث عن عمل حتى احصل على موافقة العمل، وتقدمت بطلب إلى وزارة الداخلية «Home Office»، ولدى مقابلة الموظفة المعنية، سألتني عن عنواني وكامل بياناتي وقالت ان شيكا اسبوعيا سيصلني على هذا العنوان إلى ان ابدأ العمل، وسألتني ان كنت واسرتي نحتاج إلى مخصصات سكن، اجبتها باني لا اريد مخصصات اعالة «دعم معيشة» ولا «مخصصات سكن» واني قادر على اعالة عائلتي حالما ابدأ العمل واستطيع تحمل الامر إلى ان يتم ذلك، اجابتني بان الدولة مسؤولة عن هذه الترتيبات وان نظام الرعاية الاجتماعية يلزم الحكومة بان تتولى ذلك، وذكرت ان الحكومة توزع بريديا قرابة اربعة ملايين شيك على المشمولين بهذه المساعدات، اصررت على رغبتي في الحصول على اذن عمل لا مساعدات من الدولة، سألتني لماذا ارفض وبماذا اختلف عن الاخرين؟ اجبتها بان لدي عائلة اريد ان يعتاد ابنائي على رؤيتي اعمل لا ان اركن إلى البيت، وقال لي زميل إعلامي عربي يشتغل في مجال الصحافة ان اغلب العرب لا يعملون وانهم يفضلون المساعدات وبعضهم يعمل بشكل غير منتظم إلا انه يستفيد من المعونات التي توقفت الدولة عن ارسالها بريديا وصارت توزعها على شكل دفاتر أو كوبونات تصرف من مكاتب البريد نقدا، إلا أن كلام الزميل الإعلامي لم يكن دقيقا فاغلب من عرفت من الإعلاميين وحتى سواهم، لم يكونوا بحاجة إلى المساعدات، واغلبهم يفضل العمل والاعتماد على نفسه، واذكر ان احدى حلقاتي التلفزيونية سببت لي ازمة مع الحكومة بعدما استضفت احد كبار الاطباء العراقيين، كان مدير دائرة الصحة في احدى مدن جنوب بريطانيا، وكنت اعرفه من ايام عمله في الكويت، وكان سؤالي هو: هل سيستمرون في العمل في بريطانيا بعد سقوط صدام أو يفضلون العودة إلى العراق على الرغم من انهم يحملون الجنسية البريطانية ولديهم بيوتهم أو وحداتهم السكنية في بريطانيا ومدارس اولادهم وهكذا، فكانت اجابته ان ذلك يعتمد على مدى حاجة العراق لابنائه في الخارج وعلى مدى توفر الظروف الامنية اللازمة،سألته وانا اتصور ان عدد الاطباء العراقيين بالمئات أو بالعشرات، فقال ان عدد أصحاب التخصصات لا تقل عن 600 إلى 700 وعددهم الاجمالي اكثر من خمسة الاف، وذكر ان البعض منهم انتقل الى بريطانيا من اواخر السبعينات والبعض الاخر مع بدء الحرب العراقية الايرانية في مطلع الثمانينات وظهور الحاجة إلى تجنيد حتى الاطباء، وتعرفت بعد ذلك على اطباء تولوا بتر اعضاء واذرع معارضين وتجار اتهموا بمحاولة تهريب العملة أو ممارسة انشطة داخلية بالدولار الاميركي ما اعتبرته السلطات وقتها عامل اضرار بالاقتصاد الوطني وخيانة للمصلحة العامة، واجريت لقاء مع احد هؤلاء الضحايا وهو يقيم في ابو ظبي بدولة الامارات، وفيها تعرفت على عدد بالمئات من الاطباء العراقيين ورجال الاعمال ولهم مجتمعهم، الا ان لقائي التلفزيوني مع المدير الصحي لاحدى مدن الجنوب البريطاني قادني إلى المثول امام جهات تحقيق بريطانية كادت ان تتهمني بمحاولة اقناع العراقيين وخصوصا الاطباء وبعض مدراء المستشفيات بترك بريطانيا والعودة إلى العراق، واذكر اني عندما كنت اعمل في جريدة الانباء في مصر بعد ايام من الغزو وكانت لاتزال هناك تظاهرات في بعض شوارع الدقي واماكن اخرى من القاهرة، سألتني مراسلة «CNN» وكانت الفضائية العالمية الاكبر في العالم عام 1990 متقدمة على «BBC» و«Sky News» ولم اكن اعرف غير هذه القنوات وقتها، سألتني وهي تتخيل اني كويتي ما صحة مزاعم الرئيس العراقي بانه دخل إلى الكويت استجابة لنداء من الكويتيين وعما اذا كان جادا في دعوته لاجراء استفتاء لبيان ما اذا كان الكويتيون يريدونه ام يريدون حكامهم الوطنية، فقلت ان هناك اسباب اخرى وراء ما حدث لاعلاقة لها بالسؤالين اعلاه، فالت: وكيف تتيقن من ذلك؟ قلت لان لافقير بين المواطنين الكويتيين، والاقل دخلا منهم بسبب درجته الوظيفية تتكفل الدولة بتوفير السكن له وتوفير الوظيفة ان كان لا يعمل وبالتالي فإن لا عاطلين عن العمل في الكويت ولايخلو بيت في الكويت من سيارة خاصة وخدم واحد أو اثنين، في حين ان الحروب والهوس في العراق دفع حتى اساتذة الجامعات إلى العمل سائقي اجرة بعد الدوام لاعالة بيوتهم، فكيف يستبدل الكويتيون من شاركهم بالخير ووفر لهم الكرامة مع من ارهق شعبه ودمر احد اقوى اقتصادات المنطقة وغامر بالكفاءات ودفع بها إلى نيران الحرب وصادر من كرام الناس منهم عزتهم وادخل المنطقة في نفق مجهول.

السبت, 03 يونيو 2017

إلا ما كتب الله لنا

لا ادري لماذا ينقم الغرب علينا ويصفنا بالإرهابيين؟ هل كانوا هم افضل منا عندما كانوا في السابق في نفس ظروفنا الحالية؟ ألم يكونوا في عصور الظلام وصكوك الغفران؟ ألم يقتلوا العلماء بعد ان اتهموهم بالزندقة والتجديف والالحاد؟ ألم يذبحوا الأطفال والنساء ويحرقوا من اتهموا بالسحر والشعوذة؟ كم رئيسا فرنسيا اعدم بالمقصلة وكم امبراطورا لاقى نفس المصير؟ ألم تكن الحرب بين الكاثوليكية والبروتستانتية شعواء حارقة ومدمرة في بريطانيا؟ هل تناسى الغرب مسيرة الاورنج التي تثير شعواء الحق والكره والاستفزاز سنويا في بلفاست عاصمة ايرلندا الشمالية، ألم يكن الكوكس كلاين منذ مطلع قرن ونصف القرن قبل الآن، اصحاب مجازر وجرائم قتل وشنق واحراق في الولايات المتحدة بحق المواطنين السود ولاتزال بعض الولايات تمارس العنصرية بأسوأ احوالها حتى الان؟
هل نسوا ما كانوا فيه؟ هل ينكرون ان كل عيوبنا هم السبب فيها وكل ما طالنا من نيران العداء الداخلي والتفرقة المذهبية هم الذين أشعلوها؟ هل بإمكانهم الزعم بأن امراضنا الثقافية والسياسية واخفاقاتنا الحضارية على مدى الثلاثمائة سنة الأخيرة انما هي وليدة خططهم ومشاريعهم؟ هل بامكان أي دولة كبرى ان تنكر ان ابقاء حاجتنا اليهم في كل شيء ليس اكثر من احياء لضريبة الحروب الصليبية؟ لماذا نخجل نحن ايضا من الاعتراف بأننا نتاج ثقافتهم من خلال الكتب والاصدارات والأفلام والبرامج والخطط الدراسية، وان نظامنا السياسي العربي والإسلامي معد ومنتج ومنفذ باتقان من قبل الصهيونية العالمية من خلال الغرب؟ هل ينكرون ان اغلب ما في هذه الامة من ويلات وخلافات وجهل وأمية سياسية وضعف في الانتاج وسوء في التوزيع وفي توظيف اموال النفط وسواها في الاستثمار بالشعوب والامكانات الوطنية وعداء مذهبي وصراعات داخلية، انما هي مخرجات لاتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور والربيع العربي والحرب على ما يسمونه بالإرهاب وبالجماعات الإسلامية المسلحة والأحزاب الدينية التي اصطنعتها المخابرات الأميركية والإسرائيلية والبريطانية لتحكم قبضتها بها على الشارع العربي والبيت الإسلامي؟ فلماذا يعيبون علينا من جراء عجز الرحم العربي عن انتاج السياسيين والمفكرين والمخططين واصحاب الرؤى ورجال الاقتصاد والصناعيين؟ هل يريدون من الدجاجة ان تنجب بدلا من ان تبيض ومن البقرة الحلوب التي يشفطون بترولها ان تبيض؟ كيف يريدون منا الآن فقط ان يكون لدينا جسم أو كيان سليم في عقل مرض؟ كان الاستعمار مباشرا في السابق إلا انه اقل اذى مما هو عليه الآن بعد ان تنوع وتطور وبات غير مباشر، فهو الآن اكثر فاعلية وتأثيرا وقسوة من أي وقت مضى، فلم يعد بالامكان مقاومته واسقاطه واجباره على فك الارتباط ورفع وصايته عن الحياة في العالمين العربي والإسلامي تحديدا فهم يستعمروننا الآن في كل شيء في ادوات حياتنا وحركتنا ومعيشتنا وتنقلاتنا وعلاجنا وتعليمنا وانشطتنا المالية ومن الألف الى الياء أو من «A to Z» كما يقولون، نعم هذه هي الحقيقة، الغرب يتحكم ببلدان العرب والمسلمين وبقية البشر وبأرزاقهم وكراماتهم، نأكل مما يزرع ونتداوى بما ينتج ونلبس ما يخيط ونتابع اخبار العالم بأجهزته الالكترونية ومن خلال وكالاته، هل يعيب ان نعترف بالحقيقة عندما نقول انه يكبلنا الآن بشروطه ومعاهدات الحماية واتفاقيات التجارة الحرة وميثاق الامم المتحدة والنظم المالية والمصرفية والانتربول وحلف شمال الاطلسي، وحتى ثقافتنا الدينية حوروها وغيروها وزرعوا مفاهيم وقيما ومبادئ لا علاقة لها بالدين، لا اتحدث عن حقوق الإنسان والحريات العامة وسيادة القانون والعدالة والمشاركة في السلطة لانها أمور موجودة في ديننا الحنيف قبل ان يظهر من يروج لها على نحو يتفق مع مصالح الاخرين.
اختلفت الأمور وانقلبت الموازين واختلت المعادلات منذ ان وجد الكهنة والقساوسة ان الخطر ليس في المسلمين وإنما في الإسلام لانه يفتح العيون ويثقف ويوعي العقول ويساوي بين الناس ويلغي الفروقات ويحارب التعصب والجهل والامية ويحتكم الى العقل والعلم، وهي معادلات ربانية فيها صلاح للبشرية، سلبوا ارض فلسطين وقتلوا من قتلوا من اهلها وشردوا البقية وفتحوا الابواب امام مستعمرين شذاذ لاعلاقة ولاحق ولا مبرر إنسانيا لهم في التواجد على ارضها بدلا من سكانها وصاروا يقتحمون الاقصى ويهودون المقدسات الإسلامية والمسيحية، ويمارسون القتل بدماء باردة بالرصاص وبالسجون وبالاعتقال وبالافتراء والتحريض الاممي على كل من يختلف معهم، يسلبون الحقوق ويصادرون الوجود ويحرفون القوانين والأنظمة ويوظفون ادوات الابادة الشاملة بقرارات اممية ملزمة، ويريدون باقات ورد وامتنان ومشاعر حب وتقدير وولاء لهم جزاء كل ذلك! إلا ان كل ذلك لا يعفي العرب والمسلمين مما آلت اليه أمورهم فقد قبلوا وتباركوا بكل ما هم فيه من تخلف وفوضى وجهل واختلافات مذهبية.

الجمعة, 02 يونيو 2017

أسباب مشروعة

ستظل الرغبة في تقرير المصير أو الاستقلال أو التمتع بحكم ذاتي أو الحفاظ على التراث واللغة والعادات والتقاليد، حق مشروع للبشر سواء كانوا اقلية داخل دولهم ومجتمعاتهم أو افرادا يعدون بالاصابع، طالما ان تحقيق مثل هذه المطالب لا يؤدي إلى اخلالات ولا يرتب إلى دوافع لتأجيج الاوضاع ولا يسبب حروباً، وفي وقت ما كان امر إعلان قيام الدول في المناطق الجغرافية التي تجمع بشرا متجانسي الصفات القبلية أو الاجتماعية أو التراثية، مسألة غير قابلة للاعتراض، ومازال هذا الأمر متاحا حتى الآن طالما ان هناك مقتضيات تدعو إلى مثل هذه الخطوة، إلا ان دوافع المطالبة بحق تقرير المصير أو إعلان الاستقلال لم يعد يقتصر على النزاعات القومية أو الاختلافات العرقية أو الدينية، ففي الهند مثلا اربعة ملايين ديانة، وهناك خلافات عنيفة تصل إلى حد العداء بين بعض المكونات الاساسية مثل الهندوس والسيخ والمسلمين، والجديد في الأمر الآن تضارب مصالح مكونات الدول حسب المواقع الجغرافية، كحال الاكراد في الدول الاربع التي يتواجدون فيها وهي تركيا وايران والعراق وسوريا، وكذلك حال اسكتلندا التي كانت الاحزاب اليمينية فيها تطالب على الدوام بالاستقلال عن بريطانيا، ومع ان هنالك عداء تاريخياً قبلياً بين الإنكليز والاسكتلنديين وهم في حقيقة الأمر شركاء ليس في الجزيرة فقط وانما في التاريخ وفي النسب وفي الدم، إلا ان الجديد هذه المرة يتمثل في عدم رغبة الاسكتلنديين بالخروج من الاتحاد الأوروبي، العلاقات البريطانية الأوروبية قضية شائكة اكبر من مسمى البريكزت أي الخروج من جانب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، الإنكليز هم الاكثر تضررا من بقية المكونات البريطانية من تدفقات الأوروبيين ومن التكاليف التي تترتب على الحكومة المركزية في لندن، وسبق ان اشرت إلى ان للقادة الإنكليز وجهات نظر معقولة ومقبولة ومبررة في رفض دخول نادي اليورو والاصرار على الاحتفاظ بالجنيه الاسترليني، وهناك خلاف رئيسي في امر توحيد الجيش الأوروبي ليتحول إلى جيش دفاعي فقط اذ ان لندن ومن عهد مارغريت تتشر تعارض بشدة الاندماج العسكري البريطاني ضمن الكيان الأوروبي، وهم لا يعارضون التعاون العسكري لكنهم يرون أن من حقهم الدفاع عن امنهم بعد تدفق المهاجرين إلى جزيرتهم بحراً، كما ان الصناعات العسكرية البريطانية متقدمة جدا ولديهم برتش اير سبيس وصناعات بحرية ومراكز ابحاث عسكرية متطورة وهكذا، واختلفت بريطانيا ومن عهد ثاتشر ايضا مع الاتحاد الأوروبي بشأن البند الاجتماعي المتعلق بالعطل والاجازات وساعات الدوام والاجور «Social Chapter»، هذا السبب هو الذي دفع بريطانيا الآن إلى ترتيب الاستفتاء الذي قاد الاغلبية إلى اختيار الخروج من الاتحاد، فقد بات الناخب البريطاني على قناعة بأن الخروج من الاتحاد الأوروبي سيعيد الفاعلية والسلطة والقرار إلى القوانين الوطنية البريطانية، وأنه لن يكون هناك سيطرة من قبل القوانين الأوروبية الاتحادية، وهو ما سيساهم في اعادة الاعتماد على قوانين التوظيف والخدمات الصحية والأمن، وقبل الاستفتاء ساد نوع من القناعة لدى الناخب البريطاني بأن تمتع البرلمان البريطاني بمرونة اكبر وسلطات مستحقة في التشريع الداخلي، من شأنه ان يلغي الكثير من اشكالات التداخل في الحقوق التي لا تقابلها واجبات على المستفيدين منها من غير المواطنين وهو ما جعل الإنكليز تحديدا وهم اساس ومصدر الانفاق على مواطني المقاطعات الثلاث الاخرى « اسكتلندا، ويلز وايرلندا الشمالية» ما جعله يتأمل خيرًا على كافة الأصعدة، خاصة أن بعض القوانين الداخلية كانت في حاجة للتغيير أو الاصلاح والترميم اصلا وقبل تفاقم عبء التضارب في المصالح على كافة المستويات مع بقية التشريعات الأوروبية، وكان العائق امام اصلاح أو تغيير أو تطوير هذه التشريعات يتمثل في تعارض أي خطوة في هذا المجال مع قوانين الاتحاد الأوروبي ما يحول دون اقرارها، لذلك حرصت صحيفة شعبية مثل الصن «The Sun»، وهي الأكثر مبيعاً في المملكة المتحدة دعت المواطنين قبل ايام من الاستفتاء الذي جرى في الثالث والعشرين من يونيو الماضي، إلى التصويت بالخروج من الاتحاد الأوروبي، قائلة إن الاتحاد «قيّد بريطانيا بملايين القوانين واللوائح، ويحلبها المليارات السنوية كرسوم عضوية، ومحاكمه تطغى على المحاكم البريطانية وعلى حكومتها، واستخدمت الصحيفة المعروفة بنفوذها وتأثيرها على الرأي العام، لغة التوجيه قائلة : اذا لم نصوت بالمغادرة كل هذا سيصبح أسوأ، وخطر البقاء أكبر بكثير»، في مسألة خروج بريطانيا من الاتحاد امور كثيرة بالشأن المتعلق بالمصالح فهناك رغبة عارمة في التخلص من عبء المهاجرين واللاجئين، واشارت الاحصاءات إلى ان نحو 863 ألف مهاجر تقول جامعة لندن الاقتصادية «London School of Economy» انهم يكلفون الخزانة البريطانية 3.67 مليارات جنيه استرليني أي ما يتعدى 4.131 مليارات دولار سنويا، يضاف إلى ذلك الخوف من الإرهاب وقد اعلنت اجهزة الامن البريطانية قبل ايام علمها بوجود 23 الف متطرف عندهم معرفة بكيفية استخدام السلاح، ومع ان المجتمع البريطاني لا يخلو من متطرفين وإرهابيين من السكان الاصليين ومن الأوروبيين المهاجرين إليها إلا ان العدد المشار إليه جميعهم عرب وإسلاميون، لذلك فإن هنالك قناعة بأن الخروج من الاتحاد يعني ردع هجمات إرهابية محتملة في المستقبل.

الخميس, 01 يونيو 2017

تجارب فاشلة

ليس سراً أن مشاريع تقسيم الدول عادة ما تكون جزءاً من نوايا وتطلعات أو برامج مرتبط بمصالح دول اخرى، وحتى في حال النزعات القومية التي تستند إلى أصول تاريخية أو غياب العدالة في تعامل اصحاب القرار في السلطة المركزية مع الاقليات التي تحرم من الحقوق أو من فرص متكافئة لابنائها مع بقية مكونات المجتمع أو من جراء الاضطهاد الديني أو التفرقة العنصرية، ولا تقتصر المطالب بالانفصال عن الكيانات المتحالفة أو المتحدة فيدرالياً أو كونفدرالياً أو سياسياً وخارج نطاق هذه المسميات، على الاقليات أو الأمم المختلفة الثقافات أو الأصول الاثنية أو العرقية وهي مجموعة بشرية لها خاصيات مميزة تحددها الثقافة المشتركة والهوية، ولا يعرف ان هناك أمور مشتركة أخرى تربط العرقية أو الأصول التي تميز الأفراد في بقعة جغرافية اكثر من هذه وبضمنها اللغة والعادات والتقاليد والتراث، ووفقا للبعض فإن العرق عامل أساسي في حياة البشر  وتعتبر ظاهرة متأصلة في التجربة الإنسانية»، ووفقا لرأي آخرين فإن الهويات الاثنية تنشأ في ظل شروط معينة مثل العمليات التي تؤدي إلى ظهور أعضاء مجموعة اثنية بجينات أو عادات وتقاليد مشتركة أو مختلطفة من جراء الاندماج أو الاختلاط أو التناسب. وعلى العموم، ورغم أن المؤرخين وعلماء الانثروبولوجيا الثقافية وثقوا الكثير من القيم والممارسات، والقواعد التي تنطوي على الاستمرارية مع الماضي والمطالبة الاستمرارية الثقافية على مر الزمن، فإن الأثنية هي اختراع حديث العهد نسبياً، خلافاً لكل ذلك اسقطت المؤامرات تجارب عربية قومية في الاتحاد اذ لم تقوَ الجمهورية العربية المتحدة التي ضمن مصر وسوريا اكثر من ثلاث سنوات بعد قيامها في الثاني والعشرين من فبراير 1958 عندما وقع الرئيس السوري شكري القوتلي والرئيس المصري جمال عبد الناصر على ميثاق قيامها الذي نص على ان تكون القاهرة عاصمة الدولة الجديدة، وفي سنة 1960 توحد برلمانيو البلدين فى مجلس أمة واحد في القاهرة وتم حل حكومتي البلدين للاعلان عن حكومة اتحادية واحدة إلا ان الوحدة انتهت بانقلاب عسكري في دمشق حدث في الثامن والعشرين من سبتمبر 1961 وتم في دمشق الاعلان عن قيام الجمهورية العربية السورية فيما احتفظت مصر باسم الجمهورية العربية المتحدة إلى ان غير الرئيس انور السادات المسمى إلى جمهورية مصر العربية، وكما سقط حلم الرئيس عبد الناصر في ان يكون الاتحاد الثنائي نواة وحدة عربية تقودها مصر، سقط مجلس التعاون العربي الذي تأسس في بغداد في السادس عشر من فبراير 1989 وضم مصر والعراق والأردن واليمن، إلا أن حماقة غزو صدام للكويت في الثاني من اغسطس 1990 افشل الاتحاد، ولم يقوَ في تجارب العرب على الاتحاد أو ما يشبه الاتحاد على مدى سبعين عاما سوى مجلس التعاون الخليجي، وتم الاعلان عن قيام المجلس في الخامس والعشرين من مايو 1981 وضم الكويت وهي الدولة صاحبة فكرة المشروع والإمارات والسعودية والبحرين وقطر وسلطنة عمان، ومازال المجلس قائما واثبت جدواه رغم المصاعب والتحديات التي مرت بها المنطقة وأولها الغزو العراقي للكويت ومن ثم الاجتياح الأميركي للعراق 21 مارس 2003 وحرب اليمن 2015، والغريب في قصة بوتو الاب وبوتو الابنة ان الغرب والهند ودول أخرى خشيت من مغبة ان ينشأ كيان إسلامي بقدرات القوى العظمى خاصة وانه بدأ في وقت مبكر بالتخطيط لامتلاك قدرات نووية، وهو مالا يرضي الكبار خاصة وان زوجته الثانية وهي أم بنازير بوتو فقيدتي وزميلتي وصديقتي التي اعتمدتني مستشارا لها لاكثر من عامين، كانت زوجة ذو الفقار أي أم بنازير بوتو وهي زوجته الثانية ايرانية الاصل وهو مالم اسأل بنازير عنه ابدا مع ان امها كانت تقيم في دولة الإمارات ونحن في لندن، اشتغل بوتو فور انتهائه من دراساته بالخارج في مهنة المحاماة، ولمع اسمه على المستوى القومي للمرة الأولى عام 1954 بسبب مواقفه الرافضة للدعاوى الانفصالية التي بدأت بوادرها في الظهور بين باكستان الغربية والشرقية، ازدادت شهرته بعد أن سافر ضمن الوفد الباكستاني لحضور جلسة الجمعية العامة للامم المتحدة في عام 1957 و ألقى فيها الخطاب الرسمي لبلاده وكان عن العلاقات الهندية الباكستانية، كما رأس وفد بلاده أيضا في أول مؤتمر دولي عقد في جنيف بسويسرا تحت اشراف الأمم المتحدة عام 1958 لمناقشة القانون الدولي للبحار، إلا ان حياة بوتو وقدرته ورغبته في تطوير الحياة المدنية، لم ترق لبعض الدول العربية الإسلامية التي كانت تعتقد ان بالامكان استخدام باكستان خط دفاع قوي قادر على ردع ايران عند الحاجة اذا ما تأزمت الأمور وحصل أي نوع من الاشتباك أو الخلاف المذهبي الذي يمكن ان يسبب اندلاع حرب في المنطقة، فاستخدم الجنرال ضياء الحق الذي يطلق عليه في باكستان وخارجها «ضياع الحق» للقيام بانقلاب ضد بوتو واعتقاله، واعتبر الجنرال محمد ضياء الحق الرئيس السادس لباكستان من عام 1978 إلى 1988 واضطر إلى اعلان الاحكام العرفية في عام 1977 للاستيلاء على الحكم، تلقى تعليمه في جامعة دلهي و خدم في الحرب العالمية الثانية كضابط في الجيش الهندي البريطاني، قبل اختياره لباكستان في عام 1947 ومشاركته في الحرب ضد الهند في عام 1965، وفي عام 1970، قاد مهمة تدريب الجيش الباكستاني في الأردن، ولعب دورا فعالا في اخماد احداث ايلول الاسود ضد الملك حسين، وفي عام 1976 وتقديرا لواجبه وما قام به في حياته العسكرية وافق بوتو وكان رئيسا للوزراء على تعيين ضياء الحق برتبة أربع نجوم وترقيته إلى منصب رئيس أركان الجيش في عام 1976 وهو المنصب الذي سهل لضياء الحق بدعم خارجي المساعدة على اشاعة نوع من الاضطرابات ومن ثم اعلان الاحكام العرفية وخلع بوتو بانقلاب عسكري، وأعلنت الأحكام العرفية في 5 يونيو1977 وتمت محاكمة بوتو بطريقة ممنهجة وبشكل مثير للجدل ومدفوع الثمن من قبل المحكمة العليا وأعدم بعد أقل من عامين بزعم اجازة قتل معارض سياسي.

الأربعاء, 31 مايو 2017

الخارطة الجيوسياسية

أعجبني التحذير الذي أطلقه رئيس البرلمان العراقي من عواقب نسف الخارطة الجيوسياسية الحالية في المنطقة، وأتفق معه في أن المنطقة العربية تمر الآن بواحدة من أشد مراحل تاريخها وحاضرها خطورة وأجد أن كلامه عن ضرورة تأجيل الخلافات الفكرية والسياسية ومنهج التعاطي مع القضايا ذات الاهتمام المشترك وعلى أهمية أن تتحد القوى العربية وتتخذ موقفاً جماعياً واحداً لمواجهة الإرهاب، ولاشك ان كلامه عن توظيف كل الامكانات الدبلوماسية والسياسية لاخراج القضية الفلسطينية من دائرة الحوارات واقامة دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشريف هي القضية الحقيقية التي تقف وراء كل مشاكل وحروب العرب وهي كما قلنا في كتابات سابقة انها جزء من مشروع ما يسمى بالربيع العربي فالقضية الفلسطينية اساس واخطر هذه التحديات التي تواجه الامة العربية في الوقت الراهن، مشكلة العالم الإسلامي أو العرب جزء منه  إن هيمنة رجال الدين على الحراك العلمي والاجتماعي وحتى السياسي ستبقى معطلة لأي أمل في تغيير الوضع الذي آلت إليه الامة منذ ثمانية قرون وحتى الان، فقد فرضت الدولة العثمانية وصاية دينية غير سياسية وبالطريقة التي تفهم بها الدين وهو نفس الامر الذي قاد إلى اخراج الازهر من ريادته العلمية والفكرية والفقهية لصالح رجال دين جدد في الجزيرة العربية وإيران، مازال المعسكران يحكمان باسم الدين بما يعرف بتوظيف النص القرآني لاجتهادات تفسير كل طرف، وستظل الامة اسيرة هذا الصراع المذهبي الذي لن يقود إلى نتيجة في غياب دور العقل في التوفيق بين النص ومتغيرات الحياة على نحو لا يخالف أمر الله ولا حكمه، منذ ان اعلن اهل النص الحرب على اهل العقل وصاروا يكفرونهم ويعاقبونهم بالاقصاء والتعذيب والرجم والجلد، فتم اخلاء الساحة لهم وصارت المناهج الدراسية وحلقات التعليم الديني وخطب الجمع والكتب الدينية والفتاوى تستند على هؤلاء الذين لا يمكن ان يقارن ما لديهم من علم مع نصف ربع وحتى اقل من هذه النسبة ما لدى اهل الفكر والعلم، مثل هذا الامر يبقي الامة بكل اسف مختطفة إلى ابد الابدين، وقبل ايام قرأت في صحيفة تصدر في لندن مقالا للاديبة الرائعة غادة السمان تبث فيه همومها بما يشبه الوجع الذي يخثر العقل ويوقف اندفاع الكلمات في شرايين الدم، فهي من بين القلائل المبدعين الذين تتعرض كتبهم ودواوينهم إلى السرقة والتزوير باعادة طباعتها بدون اذن وبكثير من التصرف، وكان الشاعر الفريد نزار قباني قد تعرض لمثل هذا الامر مرارا إلا ان الفارق بين السمان وقباني ان الاولى سيدة تقيم في اوروبا بينما الثاني يرحمه الله، كان رجلا لحوحا في متابعة المزورين، وأخال أن هناك من يوجد العذر لدور النشر أو الناشرين في تبرير هذا الفعل بغياب المؤلف الاصلي أو عدم الاستدلال على وكيل له يمكن التخاطب معه للاتفاق على طبعات جديدة للكتاب أو ديوان الشعر، وكنت لاصدق ذلك لو ان الناس مقطوعين من الشجر، وإلا لماذا لا تحصل مثل هذه الجرائم في اوروبا ؟ المسألة لا تتعلق بالثقافة أو الفكر أو حقوق الملكية الفكرية، هنا كتزوير طال كل جوانب الحياة، هذا الامر انتشر واستشرى في الوطن العربي، هناك من ينتحل ألقاباً علمية لاعلاقة له بها واخرون يحملون شهادات مصادق عليها بتخصصات طبية تتيح لهم الاضرار بأرواح البشر، يصعب على المرء أن يرى حال الامة وهي تنحدر إلى هذه الدرجة، لقد استشرى أمر الانتحال والتزوير والغش والمبالغة في تهويل الامور والطمع والبخل والرغبة في الثراء السريع بأي وسيلة ممكنة، إلا ان الاخطر من هذا كله، داء الجهل، فالامة الجاهلة تتوقف عن الانتاج، والانتاج ليس صناعة وزراء وتجارة فقط، وانما انتاج العقل، ولن يكون بامكان أمة أن تتخلى عن دور العقل في اعادة التوازنات واصلاح الخلل واعادة رسم مسار صحيح لعملية التنمية، فالحياة لا تعتمد على المصادفة في تسيير امور الدول، لقد تم اغراق المجتمع العربي بفايروس الجهل وبات الإنسان مسلوب الارادة غير قادر على الاعتراض على التسيب والفساد والأمية ولم يعد بالامكان التمييز بين الصح والخطأ ولا الفصل بين الحلال والحرام، وفي حقيقة الامر فإن استغاثة غادة السمان التي توارت بين الاسطر لا تختلف عن تحذيرات رئيس البرلمان العراقي التي يصرخ فيها بصمت المبصر لا الأعمى من خطورة تغيير خارطة المنطقة، العالم يتغير، كل العالم وهناك هجرات غير محسوبة إلى أوروبا، إلا أن الخارطة الجغرافية للمجموعة الاوروبية لايمكن ان تتغير ولا يمكن العبث بها، وحتى في حال المملكة المتحدة المؤلفة من أربعة ممالك «إنكلترا، اسكتلندا، ويلز وايراندا الشمالية» في حال تفككت بريطانيا وباتت اربعة دول فإن هذه الممالك التي تحكم مركزيا من لندن هي في حقيقتها دول متحدة لكل منها حدودها وحكوماتها وبرلماناتها، فإذا ما قررت اسكتلندا الانفصال، وهي ليست أول محاولة... وللحديث بقية.

الثلاثاء, 30 مايو 2017

ثأَرتُ عَدِيًّا والخطيمَ

من دون الغاء التفرقة بين البشر واقصد التفرقة بكل انواعها المذهبية والدينية والاجتماعية والعرقية والاثنية، ومن دون عدالة حقيقية وليست مصطنعة وبدون إعادة نظر في المناهج الدينية وتطوير الخطاب الديني وبدون اسقاط أي اجبار للناس على تغيير معتقداتهم وبدون الكف عن التكفير واباحة الدماء والزعم بأن الطريق إلى الجنة يمر على اشلاء وجثث ورؤوس الآخرين ممن يختلفون عنا أو معنا أو نختلف نحن معهم أو عنهم، سوف لن تتوقف دوامة العنف ولا استخدام الدين مظلة وحجة للإرهاب، ليس في القرآن الكريم من عقوبة من دون نص أو سبب لفعل لا لنية ولا، والخالق وهو رب العالمين يقول «لا اكراه في الدين» ويقول لأشرف خلقه ان يعمل بمبدأ «لكم دينكم ولي دين»، وبدون وقف سطوة البعض على انظمة الحكم باسم الدين وبدون استخدام البعض للدين لاستغلال العباد لمصالحهم وبما يرضي اهواءهم، وبدون العودة إلى العلم والفلسفة والفكر والتفوق والبحث العلمي ومواكبة تطورات الحياة بأدواتها لا بنزواتها وملذاتها وهي أمور لها ناسها في كل مجتمع وفي كل عصر، سوف لن يكون بإمكاننا ان نوقف الانهيار وانهيار العالم معنا، ليس من مصلحتنا افتعال الازمات ولا اشهار العداوات ولا اختلاق أسباب للدخول في صراع مع الآخرين، علينا كأمة أو دول ان نجنح إلى السلم في كل شيء وان نستعيد مسؤوليتنا في الحياة وان نعود إلى العمل الفاعل المنتج في الزراعة والصناعة والطب والهندسة والكيمياء والفيزياء والتجارة والأدب والثقافة والفكر، لدينا أفضل واغزر وأوسع أفق ثقافي في العالم ولدينا مخزون فقهي لا يوازيه كم لا في النوع ولا في العدد ولا في المستوى العلمي والفكري، وكذلك حال المدونة من الرقائق والكتب وليس من باب الادعاء الآن القول ان عدد الشعراء المبدعين في التاريخ فإن كل المشاكل يمكن ان تتطور، لامفر من ذلك مهما كان حجم ثراء هذه الدولة أو تلك، في الجواز البريطاني حتى للعربي الذي بات بريطانيا مثل حالتي، لا يكتب إلا اسم الشخص والشهرة أو اللقب، يعني لا اسم الاب ولا الجد ولا الدين ولا المذهب، فلماذا تصر اغلب الدول العربية على ان يقدم الفرد نفسه باسم رباعي أو خماسي وباسم قبلي أو ديني يعرف من خلاله القاصي والداني اسم القبيلة والاصل قبل ان يعرف مؤهل ومكانة وطبيعة عمله رجلا كان ام امرأة، عند الله، الإنسان يحاسب على عمله وليس على اسمه ولا ماله «يوم لا ينفع مال ولا بنون»، ويحاسب الباري عباده على مدى نظافة قلبه أي حسن سيرته وسلوكه «اِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ» وفسر أمر القلب السليم بأن المراد به هو الاشارةُ إلى ابراهيم عليه السلام لأن الله تعالى وصفه بمثل هذا في آية سورة الصافات في قوله: «وان من شِيعَتِه «أي شيعة نوح» لابراهيمَ اذ جاء ربَّه بقلب سليم، وفيه أيضاً تذكير قومه بأن أصنامهم لا تغني عنهم شيئاً، ونفي نفع المال صادق بنفي وجود المال يومئذ من باب «الحب لا يهتدى بمناره» ، أي لا منارَ له فيهتَدى به، وهو استعمال عربي اذا قامت عليه القرينة، ومن عبارات عِلم المنطق السَّالبةُ تصدُق بنفي الموضوع، والاقتصار على المال والبنين في نفي النافعين جرى على غالب أحوال القبائل في دفاع أحد عن نفسه بأن يدافع اما بفدية واما بنجدة «وهي النصر»، فالمال وسيلة الفدية، والبنون أحق من ينصرون أباهم، ويعتبر ذلك النصر عندهم عهداً يجب الوفاء به، قال قيس ابن الخَطِيم: «ثأَرتُ عَدِيًّا والخطيمَ ولم أُضِع، وَلاية أشياخ جُعلت ازاءَها» غير ان القرآن الكريم صراط كل زمان إلى ان يرث الله الارض ومن عليها وبالتالي فإن تفسير نصوصه يصلح لامر السابقين واللاحقين ولا يقف نفاذ امر النص عند فترة زمنية انقضت، والقوانين لا تسقط بالتقادم وهي من صنع البشر انما تسقط الافعال التي تدينها القوانين، اما احكام الله ومصدرها كتابه الكريم فهي صفة ملازمة لبقاء البشر، وبالتالي فإن منطق ان لا ينفع مال ولا بنون، يشمل البشر بسواسية الكرامة والحقوق والواجبات تبعا لكل مكان أو دولة أو مجتمع أو اقليم أو أرض أو حتى فضاء يقيم فيه الإنسان، ويحاسب على عمله ايا كان بغض النظر عن اسمه أو فصله أو جنسه أو عرقه أو دينه، ليس من حق احد ان يفصل فيمن هم عباد الله بتطبيق اجتهاد من يرضون عنهم ممن يريدونهم على سويتهم لا على شاكلة سواهم، فالاصل ان الحساب يوم الحساب على شرع الله، والدول تحاسب الافراد لديها وفق القوانين والانظمة التي تحتكم إلى الافعال والاعمال لا النوايا إلا ما ارتبط منها بأمور يخطط لها بالخفاء وفيها ضرر، عدا ذلك لا اكراه في الدين، ولكم دينكم ولي دين، وهذا هو شرع الله الذي تقوم على أساسه الحياة في العلاقة بين المسلمين وسواهم ايا كانوا.

الإثنين, 29 مايو 2017

مبادرات السلام

لن استغرب أبداً، ان قرأت أو سمعت، ان السيدة ايفانكا كوشنر ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد اختيرت وسيطة سلام لازمة الشرق الأوسط، لاني على ثقة بأن لا أحد سيرد لها أي طلب من بين المفاوضين العرب إلا الفلسطينيين بالطبع، وبالتالي فإن الاعتراض على احتمال نقل السفارة الأميركية إلى القدس واسقاط المطالب بشرط عودة اللاجئين وحتى بالاعتراف العربي بإسرائيل والمبادرة إلى التطبيع معها قبل التوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين، ستكون مقبولة جدا، ولها ما يبررها، وقد يقبل بها حتى الفلسطينيون انفسهم فلم يعد الفلسطينيون هم ايضا خارج لعبة مايجري في المنطقة والكثيرون منهم تحولوا من صفوف المقاومين والقادة إلى أصحاب الملايين والمصالح، والمصالح الآن الاهم لدى كل البشر من القيم والمبادئ والحقوق، وقتها ستحقق إسرائيل كل اغاراضها وسيخسر الفلسطينيون والعرب والمسلمون الاماكن العربية والإسلامية والمسيحية المقدسة في فلسطين، ونوايا إسرائيل لا تقف عند حدود الاستيلاء وتغيير الهوية الدينية وانما إلى المحو أي هدم الاقصى ومواقع إسلامية اخرى، ايفانكا تستطيع الآن ان تحقق ما اخفق في فعله وسطاء السلام السابقون المعينون من البيت الابيض أو من الامم المتحدة، لانهم جميعا تبنوا وجهة النظر الإسرائيلية ولم يميلوا إلى إلزام تل ابيب بالتقيد بالقوانين والانظمة الدولية ولا بنصوص واستحقاقات اتفاقيات معاهدتي كامب ديفيد واوسلو، امثال هنري بايرود «1955» وغونار يارنغ «1967» ووليام روجرز «1970» صاحب المبادرة التي تحمل اسمه ودنيس روس 1995 وجورج ميتشل ووتيري لارسون مهندس اتفاق اوسلو بين عرفات ورابين وتوني بلير رئيس وزراء بريطانيا الاسبق رئيس اللجنة الرباعية والهولندي وروبرت سيري المنسق الخاص لما يطلق عليه بعملية السلام في الشرق الأوسط، لم اجد سببا واحدا معقولا يجعل من السيدة ايفانكا ترمب ابنة الرئيس الأميركي، شخصية غير مقبولة أو ثقيلة ظل في العالم العربي، اذ أن بامكانها ان تتوسط بين القادة العرب لحل مشكلة العراق وسوريا واليمن ولبنان وليبيا وهي مشاكل افتعلت لسحب انظار العالم بما تعتزم إسرائيل ان تفعل بفلسطين والفلسطينيين، العرب مهووسون بالنساء الجميلات فكيف اذا كن من فئة بنات الرؤساء، لذلك لم يكن من الصعب على ايفانكا ان تحصل على مئتي مليون أخرى من الدول العربية النفطية ولو ارادت اكثر من ذلك لحصلت عليه وسواء كان هدفها انشاء مؤسسات أو ادارات أو منظمات نسائية عالمية أو احفاد ما يسمى بالمحرقة النازية، ولن يختلف الأمر حتى وان كان هدف مؤسستها دعم امهات القتلى من المستوطنين الذين لا يجد بعض الفلسطينيين مفرا من مهاجمتهم لانهم احتلوا بيوتهم واحياءهم وغيروا هوية وطنهم وصاروا يتسلون بابناء البلد الاصليين واقصد الفلسطينيين، وفي كل القوانين والانظمة في العالم وفي كل الاديان يعتبر امر مقاومة الاحتلال حق مشروع لكل إنسان ولكل شعب وليس للفلسطينيين فقط، لا اقصد التقليل من شأن إنسانية ولا حسن مواقف الدول التي تجاوبت مع ايفانكا في دعم صندوقها الخاص بالمرأة فلهذه الدول مواقف كبيرة واسهامات رائعة في مسائل عدة، إلا ان السؤال هو لو كانت المتقدمة بطلب لمثل هذه التبرعات سيدة كبيرة بالسن ايا كانت أو لو لم تكن ابنة الرئيس الأميركي الجميلة الحلوة الجذابة التي تلقت عروضا بالزواج من قبل مشاهير رغم علمهم بأنها متزوجة وأم اطفال، هل كانت ستحصل على هذا التبرع السخي، ولماذا لا تقدم مثل هذه الاموال إلى منظمات إنسانية واجتماعية عربية تعنى بأمور الايتام والارامل ومرضى السرطان والكوليرا الان، ما اكثر العرب الفقراء والعاطلين والمرضى والايتام والارامل واللاجئين لدى دول أخرى والمهاجرين من اوطانهم أملا بحياة افضل أو فرص عمل احسن أو الهرب من التفرقة المذهبية والاجتماعية والعرقية، أنا لا اكره السيدة ايفانكا ولا اعرف غير ما اقرأ عنها ولم اكتب عنها للاساءة لها أو التشهير بها انما استخدمتها مثلا لمقارنتها مع أمور أخرى سبق ان اشرت إلى احداها وهي السيدة الفاضلة فدوى البرغوثي حرم المناضل الفلسطيني مروان البرغوثي، هل يجهل القادة العرب من هي هذه السيدة؟ ومن هو زوجها؟ ولماذا تعتقله اسرائيل؟

الأحد, 28 مايو 2017

ذكر الله

مر اليوم الاول من صيام الشهر الفضيل ، مرور الكرام ففي الكويت من المكارم والنعم ورضى الرحمن على كل من فيها ما يخفف من وقع الحر .مع ان صيف الكويت هذا العام  مازال نعمة فالحرارة لم تزل في معدلات مقبولة. ومع تناقص الموجودين على الطرقات ممن ينتظرون الحافلات او سيارات التاكسي ، وهم في مجملهم من العاملين في المنازل او في الخدمات البسيطة في الجمعيات التعاونية والنظافة وهذا لا يعني عدم وجود عاملين اخرين حتى من بين حملة الشهادات الذين لم يتأت لهم الحصول على اجازات قيادة المركبات اما لعدم تطابق الشروط المطلوبة من غير المواطنين او لانهم اساسا عاكفون عن اقتناء سيارات خاصة لانتفاء حاجتهم اليها . الا ان الفئة الاخيرة لا اراها كثيرا في طريقي من البيت الى العمل خروجا من داخل العاصمة الى الدائري الرابع فهي مناطق سكن للمواطنين الا ما ندر منها في مناطق استثمارية وتجارية تبدأ من بعد الدعية والشعب . ولان عملي يتطلب الدوام مبكرا كل يوم طوال ايام الاسبوع وباتجاه معاكس للزحمة اليومية التي اصادفها على الجانب الاخر من الطريق فهم داخلون الى اعمالهم الحكومية او الاهلية وانا خارج منها الى عملي . فاني لا اعاني مما يعاني منه الداخلون وقت الدوام. ولا اعاني وانا عائد ليلا واغلب مواعيد عودتي تبدأ بعد العاشرة والنصف او الحادية عشرة ليلا . والدخول الى العاصمة في مثل هذه الاوقات سهل ومتيسر والسيارات المصاحبة في نفس الوقت لا تشكل اي نوع من المنافسة على حارات الطريق .  غير ان اعداد السيارات زادت على طرقات الكويت بشكل لافت وبمعدلات كبيرة وزاد عدد اصحاب فئات العمل المنخفضة ممن بات لديهم سيارات . ولا يمكن قيادة السيارة بدون اجازة. ونظام منح رخص القيادة مثالي في الكويت لانه يراعي متطلبات الامان والسلامة وراحة الناس . واغلب القوانين في الكويت محكمة ومبنية على اسس سليمة تأخذ في الاعتبار المصلحة العامة . فكيف جاءت كل هذه الاعداد من السيارات التي تجعل الحركة في كل مكان وفي كل المناطق متعبة على غير المعتاد. مر اليوم الاول من رمضان بيسر وسهولة خاصة انه تصادف يوم السبت  الثاني من ايام  عطلة نهاية الاسبوع . الا ان تميز رمضان في الكويت عن سواها يعود الى جملة امور لا علاقة لها بالحر والحرارة والغبار وطول النهار. فنعمة الله على هذه الديرة الضيقة الصغيرة المساحة المختنقة بالحرارة قياسا ومقارنة بدرجات الحرارة في بعض الدول  سواء في اوروبا او حتى بعض المدن العربية ، يعود الى رضى الله بالدرجة الاولى قبل النفط والمال. لا يستطيع احد ايا كان انكار حقيقتي ان  الحكم في الكويت  يختلف عن سواه لان اسرة الحكم تختلف ولان في الكويت دستوراً يحترم الانسان مبنياً على تشريع انساني محكم  لا يتعارض فيه مع امر الله. ولان القوانين الكويتية خارجة من روح ورحم الدستور ولان اغلبها او مجملها بعيد عن التعديلات والتغيير والتجاوز ولان الشعب الكويتي تربى على هذه البيئة  التي شجعت الناس من دول الجوار ومن اماكن عربية وآسيوية على القدوم للعمل والاستقرار في ظل هذه البيئة ، فان الكم الكبير من لجان الزكاة وجمع التبرعات واهل الخير وعدد المساجد والبيئة الروحانية الرمضانية والدواوين التي تعيد جمع الاحباب والاصحاب والربع والاهل والاقارب وهي مناسبات خصوصا في رمضان تذيب الكثير من الثلوج والخلافات، كلها امور ترتبط برضى الله لذلك فان اول من يذكر ويشكر هو الله الذي تبتهل اليه القلوب بدوام الرحمة فما يجري في اماكن عدة من العالم وفي دول المنطقة وفي اماكن قريبة جدا من اهوال وما يعانيه  مواطنوها من ويلات وكوارث وخراب ودمار وقتل ومعاناة، تلزم الانسان بذكر الله وفضله وحمده ورحمته وشكره حتى وان قيل ان من لا يشكر الناس لا يشكر الله فشكر الله واجب . والصيام  يبدأ بذكره وشكره وينتهي بهما . فالعبادة وحدها لا تكفي بدون سلوك حسن والسلوك الحسن ينبع من مخافة الله ومخافة الله رأس الحكمة في كل امر ومنها يتوجب الشكر والحمد . والامتناع عن الطعام والشراب فريضة للصيام الا انها لا توقف العمل ولا تبرر اي تصرف غير لائق لا ينسجم مع فضائل الصيام والتعفف عن اي فعل غير لائق. اذكروا الله يذكركم  في الصيام والافطار. وذكر الله يفترض  توافر بيئة منتظمة في داخل الانسان الذي يعرف معنى وفضل  ذكره فهي من العامل افضل من العاطل ومن العاطل المجبر بفعل ظروف لا حول له ولا قوة فيها ، تقبل  اكثر مما تقبل من كسول لا يريد العمل وتقبل من العالم افضل مما تقبل من الجاهل. وتقبل ممن يخاف الله أفضل مما تتقبل ممن لا يخافونه ولا يخشونه. وتقبل من المتعافي والغني والميسور والمترفه  لانها واجبة عليهم لدوام ما هم فيه من نعم وان كانت واجبة على المريض والفقير والعاجز لان  التعبير عن الشكر لله قبول للاختبار والتزام بالصراط  واظهار قدرة واجبة على الصبر. وبفضله تدوم النعم .

الصفحة 8 من 78