جريدة الشاهد اليومية

هشام الديوان

هشام الديوان

الجمعة, 30 ديسمبر 2016

ليست وليدة اليوم

اجتهد العلماء المسلمون من عرب وسواهم من أهل الشرق والغرب أيام الدولة الاموية في الاندلس وأيام الدولة العباسية في بغداد وخارجها، اجتهدوا وفق ما نبغوا فيه وقرأوا ما تيسر لهم من مخطوطات وتعلموا وبحثوا وتفكروا في أمور الكون في وقت لا طائرات فيه ولا مناطيد ولا اقمار صناعية ولا حواسيب إلكترونية، فكانوا مراجع ومازالوا بطون كتب المراجع في اكبر جامعات العالم ومراكز الابحاث، وموضوع كروية الارض اثبتها القرآن قبل الف واربعمائة وثمان وثلاثين سنة بتاريخ اليوم الجمعة الثالث والعشرين من ديسمبر 2016 وهو غير هذا اليوم الذي تنشر فيه هذه المقالة، وأنا اتكلم عن كلام الله وكلام الرحمن قاطع لانه الخالق، إلا ان مسألة الزج بالإسلام في اتون الإرهاب، ان لم تكن صنيعة صهيونية بحتة فما هو مغزاها وما هو نفعها، أنا عندي قناعة ان المؤامرة على الإسلام قديمة وان الخلافات بين الخلفاء في بعض الأمور ومن ثم تعرض ثلاثة منهم للاغتيال والفتنة المذهبية، كلها أمور وان كانت مرتبطة بقدر هذه الامة إلا انها لم تنشأ من فراغ، وان الصهيونية العالمية ليست وليدة اليوم وان محاولة صلب المسيح كانت محاولة دفاع عن الدين اليهودي من وجهة نظر الرهبان، كان الإسلام ومازال بعيدا عن تكفير العلماء، وسلطة التكفير التي تبرأت منها هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية ومثلها الجامع الازهر، مرتبطة بالخطاب الديني وبالمنهج التعليمي الدراسي وما لم تتم اعادة النظر بالمناهج والغاء التفرقة المذهبية ومسح كل تحريض على التكفير واباحة دماء المسلمين وغير المسلمين فان كرة لهب داعش وكل الفئات الطائفية المتطرفة، ستظل تكبر وستحرق الاخضر واليابس ولن ينحو منها احد ايا كان حتى من يؤيدونها ويتبنون هذا الفكر الآن، وهناك الآن منهج اعد من قبل صندوق النقد الدولي يحارب اللغة العربية ويناصب الدين الحنيف العداء بشكل مبطن من خلال مواد دراسية لا يمكن ان تخدم الامة ولا الدين ولا علاقة لها بالاخلاق والقواعد الاجتماعية، السؤال هو لماذا توقف الرحم العربي الإسلامي عن انجاب العلماء الافذاذ وصار ينجب عناصر مسلحة مثل داعش تحديدا بعد ان اصيب بالعقم عن انجاب العلماء والفلاسفة والمفكرين والعباقرة؟ ما الفارق بين ما كان يفعل رهبان المعابد اليهودية وكهنة الكنيسة بسبب الجهل وما يفعل المتطرفون الآن بسبب التكفير؟ الدوافع واحدة والاغراض شخصية ولا علاقة لها بالدين والخالق، ومن يعتقد ان بعض القادة العراقيين وحدهم وهم من رموز المعارضة التي طرحت حقا حوله البعض إلى باطل، من يمتلكون مجمعات عقارية وتجارية ومنازل بعشرات الملايين بل بمئات الملايين من الجنيهات الاسترلينية، فهناك رموز معارضة إسلامية من دول اخرى ومن مذاهب وكتل سياسية دينية تشكل واجهة الإسلام السياسي وتتنعم بأفخم فنادق اوروبا وتركيا والرياض ولندن وواشنطن واماكن اخرى، لا تريد لما نحن فيه من تهلكة فرجا يطفئ نيران الفتنة ويعيد اعتصام المسلمين بحبل الله للالتفات إلى المقدسات المحتلة التي يجري تهويدها بأموال عربية وصمت مريب معيب.
 

الخميس, 29 ديسمبر 2016

كروية الأرض

استوقفتني مسألة كروية الأرض بقدر ما هالني ان يحدث في يوم واحد اعتداء على ابرياء في احد اسواق برلين قال تنظيم داعش إنه يقف وراء الحادث وحادث اعتداء على مصلين في احد اماكن الصلاة في سويسرا واغتيال السفير الروسي لدى انقرة، وسيقال كيف نأسف على قتل من هم مثله، والسؤال: هل نداوي خيبتنا وعجزنا وتخلفنا وجهلنا بقتل الآخرين؟ هل يمكن نشر الرسالة السماوية بالقتل والابادة وجعل المدنيين من أطفال ونساء ومسنين مادة انتقامنا ممن لا قدرة لنا على مجابهتهم؟ انه أمر صعب الفهم، صعب القبول، فنحن جزء من هذا العالم ولسنا كله وهم اكثر عددا منا واكثر تقدما وتطورا وعلما وهم أصحاب فضل علينا ولا فضل لنا عليهم في أمر الدين، كان المسعودي المسعودي ابو الحسن علي بن الحسين المسعودي الهذلي «283 هـ – 346 هـ / 896 – 957 م» الذي يعد من أشهر العلماء العرب والمعروف بهيرودوت العرب، وكتب المسعودي «ت: 346هـ – 956م» في كتابه «التنبيه والاشراف»: «جعل الله عز وجل الفلك الأعلى وهو فلك الاستواء وما يشمل عليه من طبائع التدوير، فأولها كرة الأرض يحيط بها فلك القمر…» هذا العالم الفذ الذي لم نعش في زمانه اتهم هو واليعقوبي بميول مذهبية صنفا بموجبها على انهما من الرافضة، ولا اريد الخوض في أمر لا شأن لي به ولا حكم، الا ان القراءة قادتني إلى علي بن حزم الاندلسي «384 هـ / 994م،قرطبة – 456هـ / 1064م ولبة»، أكبر علماء الإسلام تصنيفًا وتأليفًا بعد الطبري وهو الذي كتب عن كروية الأرض مظهرا أن كرويتها أمر معروف عند العلماء: «قالوا إن البراهين قد صحَّت بأن الأرض كرويَّة، والعامَّة تقول غير ذلك، وجوابنا وبالله تعالى التوفيق: ان أحدًا من أئمة المسلمين المستحقِّين لاسم الامامة بالعلم لم ينكروا تكوير الأرض، ولا يُحفَظ لأحدٍ منهم في دفعه كلمةٌ، بل البراهين من القرآن والسُّنَّة قد جاءت بتكويرها، قال الله: «يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ» «الزمر: 5»، وهذا أوضح بيانٍ في تكوير بعضها على بعض، مأخوذ من: كوَّر العمامة، وهو ادارتها، وهذا نصٌّ على تكوير الأرض… الشريف الادريسي عالم مسلم من أهل البيت، أحد كبار الجغرافيين في التاريخ ومؤسسي علم الجغرافيا، وقد ذكر «الشريف الادريسي» «ت: 560هـ – 1166م» في كتابه «نزهة المشتاق» ما نصه: «.. وان الأرض مدورة كتدوير الكرة، والماء لاصق بها، وراكد عليها ركودًا طبيعيًّا لا يفارقها، والأرض والماء مستقرَّان في جوف الفلك كالمحة في جوف البيضة، ثم جاء فخر الدين الرازي «606 هـ» مجيباً على الاعتراض بنحو قوله تعالى: «وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ» «الرعد: 3»: «الأرض جسم عظيم، والكرة اذا كانت في غاية الكبر كأن كل قطعة منها تشاهد كالسطح»، وابن الجوزي والقزويني وهو فارسي عربي الاصل وكلاهما يتعدى في علمه المعهود الكثير نوابغ وعلماء عصرنا فقد عملوا بما اتيح لهم من امكانات فردية غلب عليها الجهد الشخصي في حين يستعين العلماء والباحثون والمخترعون والمكتشفون، بالحاسب الآلي وبالموروث المدون وبمصادر بعشرات الملايين من الكتب ان لم يكن أكثر والحاسب الآلي شريك في البحث الآن وشريك في التحليل وفي استخلاص النتائج وفي تطوير التصاميم وفي بناء القواعد العلمية الجديدة، وفي العصور الوسطى وفي ذروة التفوق الإسلامي في العلم والترجمة والفكر والفلسفة.
 

الأربعاء, 28 ديسمبر 2016

رتق الأرض

كم هو عظيم رب العالمين الذي علم الإنسان ما لم يعلم، ماذا لو ولدت البشرية من ايام آدم وحواء على انفتاح علمي وصناعي وزراعي وتقني وتقدم حضاري وطائرات ودبابات ومدافع وغواصات وراجمالت صواريخ وأسلحة دمار شامل، قابيل وهابيل ابنا سيدنا آدم اثنان فقط ولم يحتمل أحدهما اخيه فقتله، ماذا لو كان البشر كلهم على قارة واحدة أو ارض واحدة متصلة ولديهم كل هذه الأسلحة الفتاكة القادرة على ابادة البشرية بأكملها؟ ما الحكمة العظيمة التي جعلت الخالق عز وجل يباعد بين القارات بعد ان قسم الأرض؟ هذا السؤال له علاقة بكروية الأرض واختلاف الليل والنهار والشمس والقمر والأرض والسماء، لقد اراد الرحمن ان يخلق تنوعا في كل شيء، الأرض والجبال والبحار والمحيطات والانهار والاشجار والوديان والشواطئ والبراكين واعماق البحار، لكل له وظيفته وفائدة البشر منه، لذلك قال عز وجل: «أولم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقًا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون»، «الأنبياء:30»، كروية الأرض لا تتفق مع مبدأ الاواني المستطرقة الا في بيئة واحدة محددة المساحة لا انحناءات فيها، إذ ان الأرض مكورة وليست السماء وحدها وان كان الجزء الظاهر للناظر اليها من على سطح الأرض ومن خارجها يرى الأرض ولا يرى السماء، في البداية لابد من العودة إلى المعتقد الاول وهو ان الأرض هي المحور المداري لكل الاجرام السماوية، لذلك فقد لا تكون هناك حياة شبيهة كالتي على الأرض في أي كوكب آخر على الرغم مما يقال من ان بعض موجودات الأرض وشواهدها اقامها ناس من خارج الأرض أي هبطوا من الفضاء من سكان كواكب اخرى، الا انه خص الأرض بآيات من القرآن الكريم واخرى وردت في التوراة والانجيل وعدم ظهور ثوابت أو حقائق مؤكدة لا تقبل النقض والدحض عن وجود بشر أو مخلوقات في الكواكب الاخرى يثبت ان الله واحد لانه انزل كل هذه المعلومات التي لم تختلف ولم تتعارض مع بعضها البعض ولم تظهر قوة فاعلة غير قوة الله ورحمته على مدى العمر المعروف للبشر حتى الآن والذي يتعدى العشرين الف سنة مع ان المتحجرات والبقايا البشرية والديناصورية تعود إلى ملايين السنين، وبالتالي فان نموذج مركزية الأرض «والمعروف كذلك باسم المركزية الأرضية، أو النظام البطلمي» في علم الفلك هو عبارة عن وصف للكون حيث تكون الأرض عند المركز المداري لجميع الأجرام السماوية، وقد كان هذا النموذج هو النظام الكوني السائد والمسيطر في العديد من الحضارات القديمة، مثل اليونان القديمة، وفي اوقات سابقة افترضت تلك الحضارات أن الشمس والقمر والنجوم والكواكب السيارة التي تُرى بالعين المجردة تدور حول الأرض، بما في ذلك الأنظمة الهامة التي وضعها أرسطو فيما عرف بفيزياء أرسطية وبطليموس.
 

الثلاثاء, 27 ديسمبر 2016

رائع لكن متأخر

هناك تغير مهم جدا لا علاقة له بالغرب ولا بالضغوط الأميركية، هناك تغير واع يصب في مصلحتنا نحن العرب والمسلمين بالدرجة الاولى المعروفين بترابطنا الاسري وطاعتنا للآباء واحترامنا لكبار السن وتقديرنا لدور المرأة الام والاخت والزوجة والابنة، هناك تفهم من هيئة كبار علماء المسلمين في المملكة العربية السعودية وفي الازهر الشريف على السواء، لاهمية تصحيح العديد من الامور التي يتخذها البعض حجة للاستدلال بها في تعزيز الاهوال والمصائب التي يقومون بها من تكفير وتفخيخ وقتل وتفجير واشاعة مفاهيم خاطئة ما انزل الله بها من سلطان، آخر هذه التحولات والفهم العصري لجوهر علاقة الدين الحنيف بمتغيرات الحياة وآلية التطور في عادات البشر وحياتهم اليومية ومستجدات ادوات ووسائل التواصل والانتقال والاتصال والتعايش وظروف العمل، اعلان الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء في السعودية أن «الاعتداء على الأنفس المعصومة محرم وكبيرة من كبائر الذنوب، لا يجوز بأي مسوّغ، كما يحرم الفرح بإيقاع هذه المعصية وممن له عصمة الدم من دخل بلاد المسلمين بأمان»، شيء عظيم وموقف شجاع يتوافق مع جوهر عظمة الإسلام، الهيئة قالت انه ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة»، مشددة على أنه «لا يجوز التعرض لمستأمن بأذى فضلاً عن قتله، وهذا وعيد شديد لمن قتل معاهداً، وأنه كبيرة من كبائر الذنوب المتوعد عليها بعدم دخول الجنة»، هذا التفهم الواقعي الذي لا يخالف الشرع ولا يتناقض معه وان تأخر إلا انه يشكل نقاط تحول مهمة يستلزم ان يتبعها الغاء وسحب كل ما يتعارض معها من كتب ومصادر ربما كان هناك مبرر لها أو مستفيدين منها وان كان الإسلام بريئاً منها في كل وقت، الأمانة العامة لهيئة علماء المسلمين في المملكة ووفقا لما أفادت به وكالة الأنباء السعودية يوم الثلاثاء 20 ديسمبر وانا اتعمد كتابة المصدر واليوم والتاريخ لان في هذا توثيقاً لامور مهمة في حياتنا لابد منها وهي مسؤولية علماء الأمة في الدفاع عن الدين واثبات انه لا علاقة له بالعنف والتطرف والتكفير والقتل، الامانة العامة اكدت أن «الجناية تزداد اثماً اذا كان المستهدف سفيراً يمثل دولته في بلاد المسلمين، إذ إن أمان الرسل هو من أقوى أنواع الأمان في الإسلام، والتأصيل الفقهي لضمانات الحصانة الدبلوماسية مؤسس على قواعد شرعية وأحكام فقهية، مستمدة من الكتاب والسنّة واجماع سلف الأمة، وهي قواعد ثابتة محكمة لكل زمان ومكان، ترتكز على حرمة الدماء في الإسلام، ونصوص النهي عن قتل الرسل وعصمة دم المستأمن ووجوب الوفاء بعهد الأمان وعدم الغدر، وهي قواعد مقررة محكمة في التشريع الإسلامي.
 


 

الإثنين, 26 ديسمبر 2016

ما نحن فيه

قرأت للكاتبين هالة الورتاني وعبد الباسط قمودي قولهما إن الحياة الفكرية والثقافية للمسلمين تسرب اليها الجمود والانحراف والتخلف مع تخلف العالم الإسلامي، وتشظيه سياسيا وتراجعه اقتصاديا، وتتفق الورتاني وقمودي على ان النموذج التطبيقي للإسلام بدأ بعد مرحلة التأسيس يتحول إلى تجربة تاريخية انسانية تسهم المجتمعات والتحولات والبيئة المحيطة والأحداث في تشكيلها، ومن ثم كانت تنشأ أحكام فقهية وقراءات للنصوص الدينية قائمة على التفاعل مع البيئة والتحولات الزمنية الطبيعية وأحيانا الكوارث والهزائم، لذلك تشكلت الظاهرة الدينية بين حيزين: حيز المقدس الذي يكسبها سمة التعالي وهو حيز يحكمه الفعل الإلهي، وحيز الدنيوي الذي يحكمه البشر، فتوضع الظاهرة حينئذ في مسار تاريخي، فإذا هي منظومة عقدية تنشأ عنها حركة تاريخية هي بالأساس نتاج أنماط من التمثلات البشرية التي تحركها غالبا معطيات اجتماعية متضافرة وتخضع الظاهرة الدينية عندها لمقتضيات الحدث التاريخي الذي تتضافر عدة معطيات في توجيهه، فعندما انبثق الإسلام من الجزيرة العربية خلال القرن السابع الميلادي وتوسع ليبلغ أقصى مدى له من أفريقيا الشمالية وجزء من أفريقيا السوداء إلى أجزاء كبيرة من آسيا وصولا إلى سومطرة، والى أوروبا الشرقية وصولا إلى أبواب فيينا في ظل الامبراطورية العثمانية، وهي فترة طويلة امتدت خمسة عشر قرنا، في هذه الفترة تشكل التاريخ الإسلامي، وهو تاريخ كان فيه الإسلام وما زال المحرك الأساسي في إنتاج أنماط الوجود في المجتمعات المسماة الإسلامية، وهو العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، وهنا التاريخ ينقسم إلى فترتين: فترة أولى هي العصر الذهبي الذي يمتد اشعاعه ليشمل كل المجالات سواء الدينية أو السياسية أو الاقتصادية أو الفكرية، وهي الفترة التي بلغ فيها كل شيء مداه الأقصى، والفترة الثانية التي تنطلق من الأوج والزخم الابداعي في حركة انحدار مرعبة وسريعة انتهت إلى اللاحركة والركود، وهي الفترة التي توسم بعصور الانحطاط وفيها أُفلتت الصورة المثالية لإسلام صاف موروث عن هذا الزمن، والتدهور برأي الكاتبين لا يعني ضرورة تدهورا فكريا، والأمر يبدو واضحا اذا تتبعنا حركة الفكر الإسلامي في ظل تفتت الإسلام سياسيا، فأمراء الدولة أنعشوا الفلسفة في فترة حكمهم وبرز فلاسفة أثروا في مسار الفكر الإسلامي من بينهم التوحيدي ومسكوية، والصاحب بن عباد،الخ، إلا أن «الانحطاط الذي دشنه تشظي الإسلام السياسي هو نتاج معطيات تكاثفت على مر فترات متعددة، ومن هنا يدعو المؤلفان إلى فهم الخريطة السياسية للعالم الإسلامي بعد القرن السابع الهجري «تاريخ انهيار الخلافة العباسية» ذلك على الدولة السامانية التي شهدت نهضة علمية وثقافية، وكانت بخارى من أهم المراكز الثقافية في العالم الإسلامي حيث احتضنت عدة مفكرين مثل أبي بكر الرازي وابن سينا والخوارزمي، هناك فاصل زمني طويل يمتد إلى سبعة أو ثمانية قرون لم تستعد فيهم الحضارة الإسلامية قواها ولا قدرتها على مواصلة العطاء ايام الخلافة أو في عصور الدولتين الاموية بما فيها حضارة الاندلس والعباسية بما فيها ذروة النهضة والترجمة والانفتاح على العالم، البعض يقول إن هذا منطق التاريخ وسمة التغير في العصور وفي مواقع وقدرات الامم انسجاما مع قول الكريم في سورة آل عمران «اِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ «140»، إلا ان الخالق عز وجل يقول في سورة الرعد «اِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ»، أي ان العزيز الكريم يقول انه لا يغير ما بقوم من خير إلى شر، ومن شر إلى خير، ومن رخاء إلى شدة، ومن شدة إلى رخاء حتى يغيروا ما بأنفسهم، فاذا كانوا في صلاح واستقامة ثم غيروا غيِّر عليهم بالعقوبات والنكبات، والشدائد والجدب والقحط والتفرق وغير هذا من أنواع العقوبات، جَزَاء وِفَاقًا، نحن مسؤولون عما نحن فيه ولم يعد القادة والانظمة يتحملون وحدهم المسؤولية في زمن تتوفر فيه كل ادوات التأثير ومتطلبات التأثير والتوجيه للكل من خلال الهواتف الذكية وادوات التواصل الاجتماعي والانترنت والمواقع الالكترونية والفضائيات، وقديما سئل الامام علي بن ابي طالب عن اسباب تزايد التحديات والحروب والخروج عن الإسلام وهي أمور لم تحدث أو حدثت على نحو اقل في عهد من سبقوه من الخلفاء الثلاثة فقال انه كان مستشارا ونديما وناصحا لمن سبقه من الخلفاء إلا ان سوء الحظ جعل من السائل ومن سواه رفقاء عصر فترة خلافته لذلك لم يجد من يشور عليه وهو خليفة امتثالا لقول الكريم «وامرهم شورى بينهم»، اعتقد ان سبب ما نحن فيه الآن واقصد الامتين العربية والإسلامية اننا ابتعدنا عن القرآن وهو كلام الله واتبعنا ما يقوله افراد من اهل العلم وهم في كل الاحوال ليسوا بديلين عن كلام الله فالله لا يخطئ وهو الذي عصم انبياءه بينما الافراد يخطأون وان اجتهدوا.
 

الأحد, 25 ديسمبر 2016

لكل زمان دولة ورجال

هشام الديوان
 

نعم لكل زمان دولة ورجال ورجل هذا الزمان حكيم خبرناه وخبرنا عرفناه وعرفنا وهو لها في الكبائر والشدائد حتى وان اشغلته النوائب والتحديات وكبريات الاحداث هنا وهناك فهو لها، إلا ان هذه المقولة التي لا يعرف قائلها تنطبق على امور عدة وعصور مختلفة ولا تنطبق على سواها وهي من جملة مشاهير ما قال العرب في الخير وفي غيره، وفي الحديث عن العصور يقولون ان الامس أفضل وبعضهم يقول ان اليوم أفضل، الامس بما فيه لا يشبه اليوم واليوم بكل جديده عن الامس سيكون مختلفا عن جديد الغد، فكل شيء اختلف إلا الإنسان وهو من قال عنه الرحمن «وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْاِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا «54» سورة الكهف، وقد تطرقت اكثر من مرة إلى هذا الأمر في ان الإنسان لا ينيب لحق ولا ينزجر لموعظة، غير اني وجدت ان لا عصر أهم مما سبقه، فلكل زمان احداثه ووقائعه وتطوراته، ولكل واحد منها تراثه وقيمته وشخصياته ودوله، لكن ان كانت هناك حاجة للمقارنة فإن القياس لا يجب أن يتم ليس على اساس مدى تطور قدرات البشر والدول واعداد الجامعات والاسواق والمستشفيات والمصانع والسلاح والمطارات والموانئ والمدارس والمعاهد والسيارات والطائرات والغواصات وحاملات الطائرات وهكذا والناتج المحلي والدخل القومي وحصة الفرد وقوة العملة واحتياطي العملات، لأن اغلب هذه الادوات والعناصر مستجدة وبعضها لم يكن معمولا به وبعض الدول لم تكن موجودة سياسيا ولا الكيانات التي اتحدت وانأت وضع قائم جديد، لذلك يفضل منطقيا ان يتم القياس على اساس مدى منفعة كل عصر للبشر خلال تلك الحقبة من الزمن، فعصر الرسالة الاسلامية والخلفاء الراشدين، احد اهم العصور في تاريخ البشرية، وكذلك عصور الدولتين الاموية والعباسية، اذ لم يكتف المسلمون بنشر الرسالة الربانية بكل مبادئها النبيلة العظيمة وانما اسسوا اماكن في عقل البشر للعلم والاقتصاد والطب والفيزياء والكيمياء والترجمة والادب وعلم الحساب والمعادلات والعدالة الاجتماعية والمساواة والفلك وغيرها، في تلك الفترة المبكرة فكر عباس بن فرناس بالطيران، واوجد بن رشد علم الفكر الذي مازال رائده واوجد ابن سينا مبادئ للطب والعلاج والجراحة واثبت الادريسي كروية الارض والامام جعفر الصادق والائمة الاربعة مالك بن انس والشافعي واحمد بن حنبل والخليل بن احمد الفراهيدي صاحب اول معجم والاصمعي احد ائمة اللغة العربية والمتنبي والفرزدق وفي الفلسفة الفارابي وابن سينا والكندي وابن النفيس والبغدادي وابن الهيثم والغزالي وابن حزم وفي السياسة واصول الحكم ابن باجة وابن الخطيب وفي علوم التاريخ والانساب والطبقات ابن دريد وابن اسحق والقرطبي وابن خلكان والمقريزي والطبري وابن الجوزي والجغرافيين والرحالة المسعودي وياقوت الحموي وابن بطوطة واحمد ابن ماجد وفي الطب والصيدلة يعقوب الكندي وابو عثمان الدمشقي وابن الصوري والبيرودي وابن الهيثم واخرون وفي الرياضيات وسواها وهكذا، يقابل هذه العصور الزاهية، عصور نقيضة وصفت بالانحطاط، ويقال ان اسوأها هذا العصر الذي يشهد المزيد من غياب العقل وتراجع الإنسانية عند البشر، ولعلي اتحدث عن وضع العرب والمسلمين بعدما سلم الكثيرون منهم انفسهم إلى ادوات الربيع العبري وهي اضافة جديدة لمزايا وماهية مفهوم الانحطاط الذي كان يقال عنه من قبل انه أي الانحطاط اقتصر في اول امره على الجمود والخمول الذي مس كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأدبية في اعقاب عصور اسلامية عالية الثراء العلمي والادبي والفكري والإنساني، وفي كل الاحوال امتدت هذه الفترة أو العصر الذي وصم بالانحطاط مدة ستة قرون بدأت مع سقوط بغداد بيد المغول وتولي هولاكو الحكم في عام «1258» والى عصر حملة نابليون على مصر« 1798 » مرورا بالعصر المملوكي «1250-1372» و«1372 - 1517» وصولا إلى الدولة العثمانية «1299 - 1923»، فعرف الأدب والفكر العربي وكل نشاط إنساني خلاق، جمودا وركودا وخاصة الشعر وكان مرآة تطور وتقدم كل عصر، لأن العثمانيين قد جعلوا لمكتب الديوان غير الشعراء، ولم يعد الشاعر يتبؤ بتلك المكانة التي كانت لديه في العصور السابقة، فمنهم من يتبوأ إلى الكُدْيَةِ ومنهم من جَعَلَ يتصنع ويتلاعب بالألفاظ، فما عاد للشعر أي دور داخل المجتمع، فضلا عن طغيان الجهل والتخلف والامية والانعزال عن العالم والانشغال بالعبادة دون التعلم أو العمل باستثناء فئات لم يكن بمقدورها تغيير الواقع السائد، وهناك كتب وابحاث ووثائق كثيرة عن فترت الانحطاط الفكري الذي لا يقف عند حدود الثقافة والشعر، واحد هذه الكتب حاول مؤلفاه أن يوضحا انعكاسات الانحطاط السياسي والاقتصادي للمسلمين على الممارسة الفكرية والتطبيقية للاسلام.
 

السبت, 24 ديسمبر 2016

زمن الانحطاط

لو كان   فرانسيس فوكوياما العالم والفيلسوف والمفكر والاكاديمي الاميركي ، عربيا، هل كان سيحظى  بهذه المكانة العلمية والتقدير والاحترام الدولي ؟ ولو كان الرائع د. ادوارد سعيد ( 1935-2003)  ، يهوديا، هل كان سيحرم من جائزة نوبل ومن نصيبه في التكريم والشهرة والاحترام  نظير مكانته الفكرية والادبية عالميا؟  لقد حرم الفنان العربي المصري الراحل عمر الشريف ( 1932-2015) من جوائز الاوسكار او نوبل السينما  التي استحقها عن جدارة في ثلاثة من  افلامه العالمية  على الاقل ( دكتور جيفاكو ، فتاة مرحة و لورنس العرب) وله افلام عالمية اخرى لا تقل اهمية . منحوه جوائز غلوب وجائزة سيزر للترضية حتى لا يقال ان من لم يكن عبدا للصهيونية العالمية او اداة لها ، سيحارب ويحرم من استحقاق ابداعه وتفوقه. ادوارد سعيد صاحب مقولة : هل لاسرائيل نصيب في فلسطين؟ ناله مانال عمر الشريف فقط لاعتزازهما بعروبتهما . انا لست معاديا لفوكوياما  ولم اكن معاديا لاي مخلوق في حياتي حتى وان اختلفت معه. صاحب كتاب نهاية التاريخ والانسان الاخير ،  لم يكن عربيا ولم يأت من اصول عربية ولا اسلامية ولم يعش معاناة اي منهما وربما لم يقرأ فكر وكتابات وفلسفة  محمد عبده (1849م – 1905م) عالم الدين والفقيه والمجدد الإسلامي المصري، الذي يعد أحد رموز التجديد في الفقه الإسلامي ومن دعاة النهضة والإصلاح في العالمين العربي والإسلامي بعدما  ساهم بعد التقائه بأستاذه جمال الدين الأفغاني في إنشاء حركة فكرية تجديدية إسلامية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين تهدف إلى القضاء على الجمود الفكري والحضاري و إعادة إحياء الأمة الإسلامية لتواكب متطلبات العصر. محمد عبده الذي يستحق مجموعة من جوائز نوبل في الفكر والعلم الانساني والبحث الاجتماعي زار باريس عام 1881 للمشاركة في احد المؤتمرات وعندما عاد الى مصر قال : ذهبت للغرب فوجدت اسلاما ولم اجد مسلمين. ولما عدت للشرق وجدت مسلمين ولكن لم اجد اسلاما.  فوكوياما  يتحدث بلغة عصر نحن خارجه بالتأكيد ولا علاقة لنا به طالما ان احوالنا على هذا المنوال. صحيفة نيويورك تايمز وهي تتقاسم الصدارة مع واشنطن بوست في احتلال مركز افضل صحف اميركا والعالم ، اصدرت عددا خاصا عن الكارثة التي حلت بالعالم العربي خلال ثلاثة عشر عاما ابتداء من العدوان الاميركي البريطاني  على العراق في عام  2003. الجريدة تقر بل تثبت ان الهدف من الغزو الذي تعرض له العراق لم يكن تدمير نظام  البعث العراقي فقط بل تدمير الدولة العراقية وخلق الظروف الملائمة لولادة تنظيم داعش الارهابي وامثاله من المنظمات . هذا المشروع الذي قضى على العالم العربي وحوله الى منطقة ملتهبة ومصدر لأزمة اللاجئين في العالم. كما اعطى اشارة الى الانطلاق الى عصر الارهاب الذي يضرب العالم اليوم وبات يقض مضاجع البشرية.. ناهيك عن ذلك هنالك ارقام اكيدة وحصيلة موثقة بالخسائر البشرية والمالية التي سببها الغزو الاميركي البريطاني للعراق ، هذه الارقام الموثقة منشورة في مواقع الكترونية محترمة في مصداقيتها . فقد قتل من العراقيين على يد الغزاة الاميركيين او بسببهم  نحو مليون و455 الفا و 590 شخصا . ومن العسكريين  الاميركيين 4801 جندي وضابط فقط .  ويقال ان اغلبهم من هسبانك اي من المتطوعين من دول اميركا اللاتينية الناطقة بالاسبانية  الساعين للحصول على الجنسية الاميركية.  ومن حلفاء اميركا الاخرين الذين شاركوا في العدوان على العراق  3487 عسكريا فقط. البيانات المنشورة تؤكد ان التكلفة المالية للعدوان على العراق كلفت البلد الضحية والدول التي شاركت في العدوان نحو تريليون وو705 مليارات و856 مليون دولار . وتفادت المواقع والصحيفة الاميركية معا الاشارة الى دور الولايات المتحدة في تصميم وصناعة وتنفيذ مايعرف بالربيع العربي او الربيع العبري فكيف يكون ربيعا بعدما ألحق كل هذا الضرر بالعرب  الذين تعدت خسائرهم جراءه حتى الان 830 مليار دولار ! وبعد ان هجر الملايين منهم من ديارهم واحدث فيهم كوارث ودماراً لا حدود لهما في تونس وليبيا والارهاب الذي يمارس ضد الشعب والجيش المصري  فضلا عما يحدث في العراق وسوريا واليمن!   وهي كلها اعمال المستفيد الوحيد منها هي اسرائيل فقط. هناك مرحلة من التاريخ  العربي  وصفت بعصر الانحطاط، الاكيد انها لم تكن وحيدة فقد سبقتها وتلتها مراحل اشبه بالعصورفي عدد سنينها ودرجة وطأتها وحجم ضررها .  والاكيد ايضا ان عصور الانحطاط لا ترتبط بالعرب والمسلمين وحدهم فقد مرت أمم أخرى  بما فيها أوروبا بانتكاسات وسبات مماثل بل اشد ظلاما وجهلا وقسوة ووحشية  لظروف عدة. وكلمة عصر في المعاني تعني حقبة زمنية قد تكون ساعات وقد تكون ملايين السنين وقد تكون للدلالة على فترة محددة فيقال العصر الجاهلي والاسلامي والاموي والعباسي والعثماني وعصور ما قبل التاريخ فيقال العصر الكربوني والعصر الطباشيري والعصر الجليدي وهكذا.


 

سيكون من الصعب ومن الظلم تناسي الدور التاريخي الذي لعبه الزعيم الافريقي الكبير نيلسون مانديلا في مواجهة التفرقة العنصرية وفي إشاعة العدالة والمساواة ليس في بلده جنوب افريقيا فحسب وانما في العالم، لم يكن مانديلا مسلما إلا انه كان كذلك في سلوكه، في النظافة والصبر والعقل والقدرة على التحمل وفي الابتعاد عن العنف وفي رفض الانتقام وفي تأسيس العدالة الاجتماعية، العدالة مطلب ومبدأ اساسي في الإسلام نص عليه القرآن الكريم «العدل اساس الملك ويقال إن العدل اساس الحكم»، وكتب خليل كتانة في لندن احد الامثال الرائعة قائلا ان التاريخ مرجع. ان لم نتدبر القرآن. فذكر امر رسول كسرى الذي جاء يسأل عن خليفة رسول الله عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقالوا له رأيناه يمر من هنا قبل هنيهات باتجاه نخلة يجلس تحتها هناك؟ ذهب رسول كسرى ووجد سيدنا عمر يتوسد خفيه نائما عليهما، فوكزه برمحه وأيقظه غير مصدق بأنه رأس الدولة، سائلاً اياه ان كان أمير المؤمنين كما قيل له أم لا؟ أكد سيدنا عمر، ولم يكن معه هوية ولا جواز سفر؟ لكن من جاء مع رسول كسرى للدلالة على سيدنا عمر بدل بطاقة هويته أو جواز سفره، أثبت أنه عمر بدلالة مفتاح بيت مال المسلمين يتدلى في عنقه؟ فقال ذلك الرسول الفارسي: يا أمير المؤمنين حكمت، فعدلت، فأمنت، فنمت، أشهد ان لا اله إلا الله، محمدا رسول الله، كسرى عدو نفسه وعدو الله، وما عاد لإيران ولا لبلاط كسرى أبدا، كتانة قال ان المسلمين كانوا يعولمون العالم بعدلهم وعلمهم، لا براقصاتهم وانا اقول ولا بإرهاب من يدعي ممارسته باسم الدين، فاذا كان كلام الله ان لا اكراه في الدين اعظم مبدأ للمساواة بين البشر كل البشر فان عرين المسلمين تمثل في انهم كانوا ملجأ لمن يحتمون بهم ومن يعيشون بينهم وان اختلفوا معهم في الدين، الإصلاح الذي تحدث عنه مانديلا يعني الانتقال من حالة سلبية لا مبرر مقبول لتبرير البقاء فيها إلى حالة ايجابية صحيحة لا اقول تتفق مع مبدأ حكمة مخافة الله وانما مع الكرامة والضمير ومع القوانين والانظمة والقواعد والسلوك العام، وهو أي الإصلاح يعني اختيار أو تولية أو توظيف أو مبايعة أو أي مسمى يتفق مع هذا المبدأ بالنافع والمفيد والجيد بدلا من الذي تحول إلى غير هذا المعنى، وللإصلاح وسائل وادوات ليس بالضرورة ولا بالواجب ان تتم بغير الطرق التي لا تكلفة فيها على ارواح البشر، فالاصل هو الغاية النبيلة هو احلال المفيد محل سواه، لكن ليس بمقدوري ان اجد عذرا لمن يريد الإصلاح بالسلاح وبالبرامج الدينية المتطرفة التي لا تقبل بالآخر، إذ ان زمن جيفارا انتهى وزمن كاسترو قد انتهى والحياة تغيرت والعلم هو السلاح الآن والاقتصاد هو القاعدة التي توفر الكرامة للإنسان والاستقرار للدول، ولعل ما قاله نيلسون مانديلا الزعيم الافريقي الذي استحق التكريم والاشادة لكفاحه النزيه النظيف الذي ازاح العنصرية وتغلب على التفرقة، يستحق التأمل: انها أول مرة يأتي بلد آخر من من قارة أخرى لا ليأخذ شيئا منا ولكن ليساعد الأفارقة على نيل حريتهم،لذلك كانت كوبا اول بلد زاره مانديلا في عام 1991 بعد اطلاق سراحه، وقالوا الكثير عن كاسترو وعن كوبا التي زرتها في الثمانينات وهي واحدة من اجمل الدول وشعبها من اطيب الشعوب وهناك الآن نحو 39 ألف كوبي من العاملين في الحقل الطبي بينهم 15 ألف طبيب على الاقل يقدمون خدماتهم تطوعا أو في اطار اتفاقات تعاون بين هافانا و66 دولة وبذلك فان عدد الأطباء الكوبيين الذين يعملون في بلدان العالم يعادل مجموع الأطباء الذين تبعثهم مجموعة الدول الثماني الصناعية المتقدمة مجتمعة، وبذلك يكون كاسترو الذي توفي ونثر تراب بدنه في اماكن عدة مرورا بمدفن تشي جيفارا قد ترجم مقولته الشهيرة: يمكن للرأسمال البشري أن يحقق أكثر بكثير مما يحققه رأس المال العيني، فرأس المال البشري يعني المعرفة ويعني الإنسانية ويعني حسن النية ويعني الرغبة في خدمة العالم ويعني الوعي السياسي والاخلاق والتضامن والقدرة على التضحية، ورسول الله «ص» يقول: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» ويقول اشرف خلق الله: «خيركم من تعلم العلم وعلمه»، اخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن، سيقول من يقول ان لنا خصوصياتنا ومزاجنا وعاداتنا وتقاليدنا، وقد يكون هذا صحيحا لكن هل يجب ان يكون ذلك مبررا للخمول والكسل وعدم العمل والتوقف عن الابداع والافراط في الاستهلاك وفي تكفير الآخرين وفي اختلاق المبررات لاحياء الفتنة واشاعة القتل الذي وصل إلى ازهاق روح الاب والام والاخ والاخت؟! لا يمكن ان يكون القتل والابادة والتمثيل بالناس وقطع رقابهم لمجرد اختلاف الدين أو المذهب أو العادات والتقاليد، تنفيذاً لارادة الله، الله اعظم وارحم واكبر واقدس من ان ينسب أي فعل فيه خروج عن القانون، إلى تعليمات الله، كيف يكتب العزيز على نفسه الرحمة وهناك من يدعي انه ينفذ مشيئة الله في قتل البشر ايا كانوا وبدون الخوض في الأسباب، في تاريخ الإسلام ملايين بل مليارات الأمور النبيلة والإنسانية المشرقة ابتداء بالعدل والمساواة والغاء التفرقة وتحرير العبيد وصيانة كرامة الإنسان وفي العلم والتعلم وبناء الدولة العصرية، أليست دولة الإسلام اول من اوجد دواوين للدولة والمحاسبة والرقابة في الاندلس وكانت تلك اول نواة للدولة الحديثة في التاريخ؟
 

كل العالم بات بحاجة إلى الإصلاح، لم يعد هناك بلد خال من الفساد، والفساد المقصود ليس في أمور الجنس أو الفساد الاخلاقي المتعلق بالأمانة والمصداقية والنزاهة، هناك انعدام في القيم على مستوى العالم سببه تراجع المد الثقافي والاخلاقي، وبالتالي فان الفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي وحتى الديني بات سمة عامة لدى البشر في اغلب دول العالم ان لم يكن كلها وان كان بنسب متفاوتة، هناك عوامل كثيرة تقود إلى مثل هذه الحقيقة المدمرة، ومن هذه العوامل القصور المخيف في التربية في البيت وفي المدرسة، التعليم يتراجع على مستوى العالم، الأسرة لم تعد كما كانت عليه، العلاقة المقدسة بين الوالدين والابناء والاجداد والاحفاد، باتت ظاهرة نادرة وغير ملموسة، سرعة الحركة وتوزع اهتمامات الافراد بات ينشأ منذ الصغر بعدما اختطفت ادوات التسلية والالعاب الالكترونية المدججة بالعنف وادوات التواصل الاجتماعي التي تعمم كل شيء بدون رقابة، اصبحت المؤثرات العائلية ضعيفة ومحدودة الاطر وقليلة الحيلة ولم تعد تجدي نفعا في الكثير من المجتمعات التي يتسلل فيها الابناء والبنات عن بيوتهم وعن رعاية الاهل في وقت مبكر من الصبى أو سن المراهقة، لم يعد الوصل قائما بين الام وابنائها، في الغرب وفي اماكن عدة من العالم بما في ذلك قطاع واسع من المجتمعات العربية، لم تعد الام ترغب في تخصيص ما يكفي من الوقت لاعظم واسمى علاقة بين البشر الا وهي رعاية الام للابناء، في عام 1965 نال فيلم اميركي حربي مجموعة من جوائز الاوسكار لانه ناقش قضية إنسانية نجمت عن تبعات اعتداء جنود على ام وابنتها، هذا الأمر كان مثيرا للاشمئزاز في الغرب غير المحافظ، الغرب المتحرر، الذي لا يصلي ولا يصوم ولا يعرف الله اكثر مما تلقنه الكنيسة ان حضر قداسا لها، مثل هذا الأمر اصبح سمة سائدة وممارسة عادية يقدم عليها الجنود الاميركيون في كل مكان دخلوا اليه، شهدت مثل هذه القضايا ليس من قبل الاميركان وحدهم وانما من افراد القبعات الزرقاء وهم جنود الأمم المتحدة للسلام الذي يفترض ان يكونوا منزهين ومن الغزاة الاميركيين يوم دخلوا العراق ومن عناصر داعش في العراق وسوريا ومن جنود سبويودان ميلوسوفيتش الرئيس الصربي في البوسنة وقبل ذلك في الحرب الكورية وفي بورما وفي فيتنام وفي رواندا وفي المناطق التي يديرها تنظيم بوكو حرام وفي فلسطين المحتلة وفي مناطق كثيرة اخرى من العالم لا يعلن عنها لغياب القانون أو الحماية الدولية أو لانعدام الضمير، الإصلاح مبدأ مطلوب وهدف حيوي سواء في العلاقة بين الإنسان وربه أو مع نفسه أو مع المجتمع الذي يعيش فيه ان كان بلده أو غير ذلك طالما هو موجود في محيطه، وفي وقت ما كانت هناك دول ومجتمعات في غير حاجة إلى مثل هذه الشعارات أو الاجراءات، وكان المسلمون احوج من سواهم في انتفاء الحاجة لديهم إلى الإصلاح طالما انهم مسلمون ويتخذون الشرع قاعدة في التشريع، وانا اعتبر ان مخافة الله هي المقياس الحقيقي الوحيد غير القابل للتفاضل أو المقارنة، فعندما تخاف الله، تلتزم بالقدر الاكبر الممكن من الصلاح والمنفعة في حياتك وفي تقليل ضررك على الآخرين ايا كانوا لانك ستعرف اول ما تعرف الفارق بين الحلال والحرام، وبدون مخافة الله تصبح كل الأمور الاخرى بما فيها الاركان الخمسة من الشهادتين والصلاة والصوم والزكاة، موضع كلام، وللحديث بقية.
 

الأربعاء, 21 ديسمبر 2016

تآمروا عليها

نعم التجربة اللبنانية كانت واجهة حضارية وإنسانية متقدمة جدا على مستوى المنطقة وفي كل شيء، تعلم الكثيرون منها حتى غير العرب، وتآمر الكثيرون عليها من العرب ومن غير العرب وفي مقدمتهم إسرائيل، وكانت لبنان الوجهة الاساسية ليس للسياحة فقط وانما في التجربة السياسية والاعلامية والبرلمانية وفي التعليم والاستثمار والراحة والتعايش مع الحداثة، وتتمة للسرد الذي ورد في المقال السابق، تم استدراج سوريا إلى مستنقع الصراع المذهبي، كانت بلاد الشام النموذج المقبول جدا والمرضي، للزراعة والتصنيع والاكتفاء الذاتي، والتعايش وحتى للفن والادب والثقافة ولا شأن لي بالحكم، فليس هنالك حكم ناقص من الكمال وليست هنالك تجربة افضل من سواها الا فيما ندر، لذلك كان من البديهي ان تكون هدفا، فدمرت عقول البعض وشعاراتهم تاريخا بأكمله وهجرت امة بأكملها، فيما ظلت دول الانظمة التي وصفت بالرجعية الاكثر امانا واستقرارا ورفاهية وكرامة للإنسان، حتى مع وجود اخطاء في الحكم أو تمييز في امور المواطنة في بعض الدول بسبب الفوارق المذهبية التي يجب ان تستبدل كمعايير على اساس الولاء والمواطنة والكفاءة، وجاءت انظمة شرعية منتخبة بكل مواصفات الديمقراطية الاميركية في العراق وليبيا وتونس، ومن خلال صناديق انتخابات بمواصفات واشنطن وبعضها اعد سلفا بمعرفتها، الا انها لم تنجح في الحفاظ على سيادة بلدانها ولا حماية شعوبها ولا وقف الاندفاع الشره نحو ابتلاع المال العام والرغبة في الاستثراء السريع بكل طريقة ممكنة، فتكونت فصائل مسلحة هنا وهناك تخدم من يدفع ومن يحميها لتسرق وتنهب وتقتل وتنتقم وتصفي الآخرين بدون محاكمات وعدالة، فولدت هذه الدول وفي خضم هذا المآل، أتعس وأخطر الاوبئة المعدية وانتجت اسوأ التجارب وانجبت المحاصصة والمذهبية بأعلى درجاتها، ونمت الشجرة الملعونة المتمثلة في النزعة الانفصالية بأعلى صورها ومبرراتها، فوكوياما لم يقرأ العقلية العربية جيدا، لان العقلية العربية لا مثيل لها، عاشت في احضان الاستعمار اكثر من خمسة قرون، وصحت في أحضان فصائل دينية أو احزاب وحدوية لا تقبل شريكا ولا غريما ولا منافسا، حاربوا نظام الحزب الواحد في العراق وسوريا بألف نظام مسلح، طالبوا بحرية الاعتقاد والفكر والعبادة، وعندما وصلوا إلى السلطة كفروا سواهم واعدموا حتى العاملين في صالونات الحلاقة، لم اجد سببا واحدا مقنعا لخوف فوكوياما على الولايات المتحدة من خريجي المدارس التي صنعتها واشنطن في الشرق الأوسط ورسمت لها ادوارها ودعمتها بأحدث التقنيات والسلاح واوكلت اليها امر تنفيذ مشروع الربيع العبري خدمة لإسرائيل، وهي الاب الروحي لهم جميعا، المفكر الذي يتربع على قمة من هم في اختصاصه على مستوى العالم يخشى فقط على الولايات المتحدة من ان تتعرض للضرر، من المعيب ان اقول ان المشكلة ليست في بعض الحكومات وانما بالشعوب وان الكثير من المهاجرين، من الكفاءات واصحاب المهن ورؤوس الاموال ممن اغفلت دولهم أو عجزت بسبب الحروب الداخلية واحتدام الصراعات الاجتماعية أو المذهبية، وسائل الاستفادة منهم، العراقيون في بريطانيا زهاء 600 الف شخص بينهم ما لا يقل عن 50 إلى 65 في المئة من حملة الشهادات وممن يدفعون للدولة ولا يقبضون منها، اساتذة جامعات ومدراء مستشفيات ورجال اعمال «غير اثرياء حروب مرحلة ما بعد صدام» وهناك آلاف المحال التجارية يملكها عراقيون وعرب.
 

الصفحة 10 من 64