هشام الديوان

هشام الديوان

السبت, 22 أبريل 2017

اختلاق دويلة

عند ضياع فلسطين عام 1948 لفق العالم قصصا كثيرة  لتبرير انحياز القوى الكبرى يومها لصالح اليهود وجعلهم الدولة العبرية امرا واقعا. في حقيقة الامر كان العرب قلة محدودة القوة. وكان الطرف الاخر العالم وباغلبية قوية خاصة بعد دحر ادولف هتلر اكبر عدو لليهود في التاريخ. كان الغرب المنتصر في الحرب العالمية الثانية اسيرا بيد الولايات المتحدة. المنتصر الوحيد بالحرب والاقل تكلفة باستثناء غلطة اليابان في قصف بيرل هاربر. وكانت الولايات المتحدة في بداية عصر نمو النفوذ اليهودي العالمي الذي لا يقبل البعض ان نقول عنه صهيونيا وحتى في هيئة الاذاعة البريطانية كانت المسلمات التي ورثتها في رئاسة تحرير مجلة «المشاهد السياسي» اللندنية الدولية التي تصدر بالعربية، ان اتحاشى استخدام هذا الاسم في الافتتاحيات التي كنت اكتبها او اينما وردت في الداخل في الموضوعات السياسية. صور العالم الامر على انه انتصار لعصابات الهاغانا اليهودية للساحة  على شعب فلسطين الاعزل ومن ثم دحرهم للجيوش العربية وهيمنتهم  منذ ذلك الوقت وحتى الان على الوضع العسكري في الشرق الاوسط. وبعد ان قررت فرنسا بناء مفاعل ديمونة النووي تكفلت الولايات المتحدة بتحمل تكاليف الاقتصاد والتنمية والتفوق العسكري الاسرائيلي على كل العرب. وكان بديهي ان يصل عدد من الزعماء والحكام العرب بانقلابات ثورية او تحت مظلة جمهوريات الموز، ممن لهم علاقة بالمخابرات الاميركية او الذين يعملون سرا او ينسقون مع اسرائيل لضمان تهدئة الامور معها وهاهي الان بعض الفصائل السورية المعارضة الكبرى تتلقى السلاح من اسرائيل ويتعالج مرضاها بمستشفياتها في وقت تبتلع فيه اسرائيل القدس وتمنع الاذان والصلاة . وهاهو تنظيم الدولة الاسلامية  في العراق والشام داعش يفعل في شعبي العراق وسوريا وفي تاريخهما الانساني واثار البشرية في حضارتيهما مالم يفعله هولاكو ولا سببته الحربان العالميتان الاولى والثانية من اهوال  كانت الجيوش العربية رغم كل ما قيل عنها، ابلت بلاء حسنا.لم يكن بين الانظمة الملكية خونة ولا متآمرين، التاريخ لفق مثل هذه القصص لتبرير قرار الدول الكبرى بالوقوف مع اليهود. وجاءت الانظمة الثورية العربية تزامنا مع انتقال عصر الهيمنة على العالم من العهد البريطاني الى العهد الاميركي فتم انتقاء  نخبة من الزعماء التاريخيين للامة وتم صناعة احداث ثورية وانقلابات وثورات وحروب . والهدف من كل ذلك اختلاق دويلة وضمان بقائها على قيد الحياة. هناك الكثير مما يمكن كتابته عن بعض قادة اليهودية العالمية الذين اصطنعوا الكثير من المنظمات والمافيات في العالم واخترقوا المسيحية والاسلام  الا ان ذراعهم الكبرى في الماسونية التي فرخت عشرات المنظمات في كل العالم بما في ذلك العالم العربي ولكن باسماء مختلفة. من الصعب القول ان العالم يتبنى اطروحاتهم ولا يدعم اسرائيل حاليا بدليل الخلاف بين الاتحاد الاوروبي وحكومة تل ابيب. الا انه يخشاهم. الذراع الصهيونية قاسية وطويلة ولا ترحم.. وهم الذين اغتالوا قادة عالميين مثل جون كندي وداغ هامرشولد امين عام عصبة الامم واسقطوا كبار القوم  امثال شارل ديغول واخرجوا ريتشارد نيكسون من البيت الابيض وابعدوا بطرس بطرس غالي من الامم المتحدة وتسببوا في حادثة اغتيال الملك فيصل وحتى اغتيال السادات واسحق رابين نفسه رئيس الوزراء الاسرائيلي الذي وقع اتفاق سلام ملزم مع ياسر عرفات وهم من سمم عرفات وهناك وثائق تشير الى دورهم في اضعاف الاتحاد السوفييتي السابق وفي اسقاطه. لا يكفي ان تكون مستقلا حتى وان كنت رئيسا لوزراء بريطانيا ولا وزيرا لخارجيتها كما كان عليه حال روبن كوك الذي تعدوا عليه بالضرب في القدس الشرقية  ولم تدافع عنه حكومة توني بلير بل تعاطفت او رضخت لتل ابيب وابعدته عن الوزارة. وايا كان الذي يمكن ان يقال عن اليهودية العالمية فهي افضل حالا وتجربة وخبرة بامور العالم وادراكا لاهمية الاقتصاد والعلم والصناعة وحتى السينما والاعلام ولعل في مكانة عائلتي روتشيلد وروكفيلر ذات الاصول الالمانية  في السياسة العالمية ما يكفي لايصال دونالد ترامب الالماني الاصل  الى ماهو فيه.

الجمعة, 21 أبريل 2017

الحرب الثالثة

هل العالم مقبل على حرب عالمية جديدة؟ العقل والمنطق يتفقان في ظل الاخفاقات المتعمدة لمديري السياسة العليا في العالم، انهم هم أو من يحركهم من الظل، يدفعون بهذا الاتجاه، إلا ان الدفع باتجاه يوحي باحتمال تورط البشر بحرب كونية ثالثة، يعتزمون بالفعل الوصول بالامور الى درجة الاتقاد، وهذه الدرجة هي أدنى درجة حرارة تشتعل فيها المادة تلقائيًا في جو طبيعي بدون مصدر اشتعال خارجي، مثل لهب أو شرارة، وتعتبر معرفة درجة الحرارة ضرورية لتوفير طاقة التنشيط اللازمة للاحتراق، تنخفض درجة الحرارة التي تشتعل عندها المواد الكيميائية بازدياد الضغط أو زيادة تركيز الأكسجين، ولدرجة حرارة الاشتعال الذاتي تطبيقات في احتراق مزيج الوقود، لذلك حتى يقترب العالم من حافة اندلاع حرب عالمية لابد ان يتم توفير جملة احداث وافعال ترفع درجة الحرارة الى مستوى الاتقاد، في الحرب العالمية الاولى التي اندلعت في 14 يوليو 1914 لم يكن السبب اغتيال ولي عهد النمسا وانما هي امتداد لحالة توتر سادت من عام 1871 عندما نجح اوتوفون بسمارك في توحيد المانيا وجعل منها قوة مهيمنة على القارة، وفي الحرب العالمية الثانية التي اندلعت في الاول من سبتمبر 1939 كان السبب المبيت والمتراكم هو السلام المهين الذي فرض على المانيا بموجب معاهدة فرساي أو مؤتمر باريس للسلام 1919 والذي مزق المانيا اقليميا وبشريا واقتصاديا، فهل هيأت الولايات المتحدة المدفوعة من يهود العالم الى مثل هذه الحرب؟ هل تمزيق العراق وسوريا واليمن وليبيا وربما مصر والسعودية لاحقا، هو متطلبات درجات التقاد التي تسعى وراءها اسرائيل واليهودية العالمية لتحقيق حلم اسرائيل الكبرى بالاستيلاء على كامل فلسطين اولا؟ هذا السؤال يظل في علم الغيب طالما انه مرتبط بارادة رب العالمين إلا ان افعال البشر تكشف عن نوايا وعن خبايا كثيرة، لا يحق لاحد ان يعترض على قرار الناخبين الأميركيين في اختيار الملياردير دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة، الرجل ليس سياسيا ولا يتمتع بالخبرة الكافية التي تؤهله للحكم, أميركا دولة مؤسسات، هذا صحيح، إلا ان هذه المؤسسات تدين بالتالي الى قرار الرئيس، الرئيس الأميركي حاكم مثل بقية الحكام، اول ما عمله الرئيس الأميركي هو اعلان الحرب على الإسلام، هذا امر يخصه ويخص من انتخبه، سكان قطاع غزة اختاروا حماس، في الانتخابات وهي حركة دينية، العالم يحارب غزة ويقاطع حكومتها لانه لا يستلطف حماس، انا لا اعرف من حماس غير الشهيد الشيخ احمد ياسين يرحمه الله واعرف خالد مشعل وهو زعيم سياسي بمنطق عصري اكثر قبولا لدى العالم، الرجل في طريقه الى ان يتنحى الآن وكنت اظن ان مشعل بعقليته الناضجة قادر على تغيير المعادلات، اسرائيل تعلن رسميا توجهها للاعلان عن انها دولة دينية تمهيدا لطرد العرب غير اليهود من بلدهم، كيف يقبل العالم برئيس عنصري ودولة دينية متطرفة ويرفض الاقرار بحق الفلسطينيين في اختيار من يرونه مناسبا لهم، وانا على ثقة بأن الاغلبية التي صوتت لحماس لانها أي حماس اشد صلابة في مواجهة التمدد والمشروع الاسرائيلي، الفلسطينيون ملوا التنازلات الدبلوماسية التي قدمها زعيمهم التاريخي ياسر عرفات مقابل اتفاق اوسلو الذي سمح بحل ابتدائي لم يكتمل وفتح الابواب امامه وامام بقية قادة فتح للعودة الى الضفة الغربية بدلا من التشرد والغربة والكفاح من الخارج بعد ان تعرضوا لكم هائل من الخيانات متعددة الاطراف والاغراض واكتملت بمجزرة صبرا وشاتيلا، واكمل سلسلة التنازلات وافرد فيها محمود عباس وبدون مقابل فقط ليظل رئيسا لفلسطين وليظل يستقبل في كل مكان كرئيس للدولة طالما ان قطر راضية عليه.

الخميس, 20 أبريل 2017

عنب السلطة

من الواضح أن معظم العلوم هي نتاج التفكير الإنساني، ومن الواضح أيضاً أنّ الإنسان حينما يفكّر قد يهتدي إلى نتائج صحيحة ومقبولة وقد ينتهي إلى نتائج خاطئة وغير مقبولة والاكيد في ظل كلام منطقي مثل هذا ان هناك قراءات كثيرة للخطوة التي اقدم عليها الرئيس الأميركي بضرب مطار الشعيرات السوري، هو قبل كل شيء اعتداء على سوريا وان صح على العرب في حقيقة الأمر ولا اريد خوض جدال مع من يعتقد ان سوريا لم تعد عربية أو ان مجرد الانحياز إلى المعارضة في مواجهة الحكم يسقط عن سوريا هويتها وتاريخها ومكانتها، الأمر الاكيد الآخر ان قرار الرئيس الأميركي لا علاقة له بالاطفال المساكين الذين وظفت بعض الفضائيات العربية الافلام الدعائية المعدة سلفا للمتاجرة بقضية تخص الشعب السوري اساسا ولا تخص ترامب أو غير ترامب، لست في معرض الدفاع عن احد ولا توجيه اللوم إلى احد إلا انه من باب العقل التساؤل: كيف يمكن لرئيس أميركي اختار كل رموز دعم إسرائيل ضد العرب ونصبهم في كل المواضع الرئيسية على خارطة القرار السياسي والعسكري والامني، ومهم كلهم اطراف ينفثون سما للعرب وللاسلام ويقفون مع برنامج تهويد القدس وكامل فلسطين، مع المعارضة السورية الاسلامية المسلحة في مواجهة الحكم في سوريا؟ كيف يمنع الرئيس الأميركي المسلمين من دخول أميركا ويجاهر بخلافه مع الاسلاميين أو مدعي الدفاع عن الاسلام وفي نفس الوقت يقف مع فصائل دينية مسلحة كل همها الوصول إلى السلطة بأي ثمن ولو بمليون طفل مثل الذين قالت عنهم الفضائيات اياها انهم ضحايا هجمة حكومية بالغازات والأسلحة الكيميائية؟ وتناقلت مجموعة الامم المتحدة العاملة مع استيفان دي ميستورا الوسيط الاممي إلى سوريا اخبارا مخجلة خلف الكواليس عقب جولة مفاوضات جنيف الرابعة ان وفد المعارضة السورية لم يكن يأبه للمعاناة الإنسانية للمواطنين السوريين ولا لضحايا الحرب ولا لملايين المهجرين ولا لايقاف الحرب، وانما لاستلام السلطة، الآن روسيا تقول انه  لا البنتاغون وهي وزارة الدفاع الأميركية، ولا وزارة الخارجية الأميركية قدمتا ادلة تثبت وجود آثار أو دلائل على ان الهجمة الكيميائية التي تعرضت لها بلدة خان شيخون يومي الاربعاء والخميس الخامس والسادس من ابريل الحالي قد شنت من طائرات انطلقت من مطار الشعيرات الذي تعرض للدمار من جراء اطلاق 59 صاروخ توما هوك عليه من البحر في خطوة فسرت مرة على انها ردا على الغازات السامة التي تعرض لها اطفال البلدة المنكوبة التي لم يعرف احد إلى الآن ان كانت طائرات الحكومة السورية هي التي قامت بها ام انها كانت موجودة في مخازن المعارضة المسلحة التي قصفتها الطائرات الحكومية ام انها وقعت بفعل فاعل آخر لغرض في نفس يعقوب، الاغرب من هذا تصريحات اخرى صدرت من مسؤول في البيت الابيض لم يذكر اسمه أو رفض ذكر اسمه قال ان الحملة الصاروخية لم تكن موجهة ضد الرئيس السوري ولا تستهدف اضعاف نظام حكمه وان الاولويات الأميركية التي اوصى بها الرئيس ترامب البنتاغون هي القضاء على تنظيم داعش الارهابي وليس اسقاط الرئيس السوري، فاذا كان منطق حدث العاقل بما يليق ما زال ساريا لدى العقل العربي ومقبولا من قبل الضمير العربي الذي فقد نصف مصداقيته بما ترافق مع احداث مطار الشعيرات بعدما اجبر بشكل أو آخر على فقدان بوصلة التفريق بين ادعاءات أميركية غير مؤكدة وبين الاذعان لارادة الآخرين بمعاقبة الشعب السوري بتحطيم طائراته وتدمير احد مطاراته العسكرية واباحة دم وارواح اكثر من ستة عشر قتيلاً وسبعة عشر جريحاً، صحيح ان الطيران السوري لم يقاتل إسرائيل على مدى اكثر من ثلاثين سنة إلا انها هي الاخرى بركات اجيال من اصحاب القرار العرب الذين وضعوا مصر اولا بالمأزق الاقتصادي الحالي وبإغراق خط الدفاع الاكبر والاهم عن كل الأمة عسكريا وثقافيا ودينيا بما هي فيه الآن ثم استفردوا بالأمة تباعا.

الأربعاء, 19 أبريل 2017

قوة اللامنطق

في اللغة اليونانية ، العقل هو معنى كلمة المنطق. وقالوا ان الكلمة  تعني ايضا المنطق. الا ان الباحثين والعلماء طوروا  معنى كلمة المنطق لتشمل عمليات البحث والتحليل لقواعد واساليب تفكير العقل عند البشر. الا ان التعريف الصحيح لكلمة المنطق يكمن فيما خلص اليه قدماء هذا العلم ألا وهو آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن من الخطأ.  السؤال في ظل هذا التفسير هو : هل  كانت الضربة التي وجهتها الولايات المتحدة الى مطار الشعيرات السوري، ضرورية ؟ وهل حقا ان لها علاقة بما يقال عن استخدام اسلحة محرمة في بلدة خان شيخون سببت كل هذه الكوارث التي اظهرتها حملة اعلامية  يقال ولا ازعم اني اقول انها معدة منذ فترة؟!  في يقيني ان الولايات المتحدة لم توجه 59 صاروخا من النوع غالي التكلفة الى مطار تم اخلاء اهم ما فيه قبل توجيه الضربة بعد ان ابلغت وزارة الدفاع الاميركية البنتاغون نظيرتها الروسية عبر الخط الساخن الذي يربط بين الطرفين داخل روسيا. وبعيدا عن عقلية الرئيس الاميركي الحالي الذي قلنا من قبل انه لا يختلف كثيرا عن الرئيس الاسبق جورج دبليو بوش الذي برر حملته على العراق في عام 2003 وليس على الرئيس العراقي انذاك بأن الله أوحى له بذلك. خطايا البشر كثيرة والرؤساء الاميركان ليسوا انبياء وليسوا معصومين من الخطأ وغالبا ما يتم اختيارهم من بين مئات الملايين ، بمواصفات تتطابق مع الادارة المرسومة لكل منهم.الا ان من الصعب تصور  الرد الاميركي وبهذا الحجم الهائل والمكلف وفقا لعدد صواريخ توما هوك التي استخدمت في الاغارة على مطار هو واحد من 10 مطارات عسكرية على الاقل على الرغم من اهميته. ادارة الرئيس الاميركي استخدمت عذرا اقبح من الفعل بادعائها ان مطار الشعيرات استخدم في شن الغارات الكيماوية على بلدة خان شيخون. وهذه اول مرة اعرف او اسمع بها ان الدول تعاقب الاماكن بدلا من الاشخاص. ثم ما الحاجة الى كل هذا العدد من الصواريخ؟ إن لم يكن الامر مجرد استعراض لبيان عضلات سيد البيت الابيض، فبماذا يمكن ان يسمى؟ مطار الشعيرات ليس بكل هذه الاهمية وتدميره او محوه من الخارطة  هو والطائرات الحربية القتالية والمروحية، لن يقود الى اسقاط الحكم في سوريا فلماذا اصر ترامب على الاستعجال في اجراء ولم ينتظر نتائج التحقيق؟من الصعب تصور ان المعارضة السورية المسلحة وهي ليست قليلة مادام قادتها يعترفون بأنها تضم 97 فصبلا مسلحا غير الفصائل الكردية الممولة من تركيا، تعتقد ان ميزان القوة سيميل الى صالحها بموجب ما حققته ضربة المطار من مكاسب معنوية او استراتيجية على الارض فالمطار لم يضرب باكمله والجزء الذي يحوي طائرات ووحدات روسية لم تمس ولم تصلها الصواريخ  كما ان رئيس الاركان السوري قام بزيارة للمطار بعد ساعات من توقف الضربة  وهو ما يعني ان المطار والمنطقة لم تخرج من سيطرة الدولة السورية. معنويا ربما تعتقد المعارضة ان الرئيس السوري سيعمل حسابا في المستقبل لرد فعل البيت الابيض قبل ان يقدم على اي خطوة ما دام رئيس غير مكتمل  الخبرة السياسية والعسكرية  هو الذي يقبع خلف المكتب البيضاوي على الاقل امام العالم ، إلا ان واقع الحال غير ذلك ، اذ ان الذي يخوض الحرب الان هم الروس وطائراتهم وصواريخهم وقاذفات السوخوي والميغ المتقدمة وقنبلتهم الحارقة والفتاكة هي التي تحسم الامور على الارض وبعد غلطة خسارة العراق وليبيا ، لا اعتقد ان موسكو طالما ظل فلاديمير بوتين صاحب القرار، ستتخلى عن شبر واحد من سوريا . فبعد  6 سنوات ونيف من حرب مدمرة خاضت سوريا اغلب الوقت وحدها فيها مقابل 10 دول قبل ان تتدخل روسيا وفصائل شيعية من العراق ولبنان فقط وليس من ايران. ليس للهجوم على مطار الشعيرات قيمة حقيقية تذكر سوى زيادة نقمة العالم على واشنطن.

الثلاثاء, 18 أبريل 2017

من كل شيء سببا

نكتب لنعالج أمراضنا ونصلح ما سببته الأخطاء ونداوي الجراح، وما كتبته عن وزر دفع العرب إلى تجويع مصر والتآمر عليها لم يكن بدافع الدفاع عن مصر فقط وانما للحيلولة دون تكرار مثل هذه الأخطاء الاستراتيجية التي اوقعت مصر في المحظور وجردتها من قوتها التاريخية ليس في مجال إدارة امور الأمة وانما في الدفاع عنها، تعلمنا كل النافع والمفيد من مصر ونتعلم الآن كل الأخطاء التي سببتها الأزمة التي دفعنا مصر اليها وهي الفقر بالدرجة الاولى التي ادخلت مصر في متاهات سمحت للآخرين بأن يعيثوا بالعرب الآن، لو كانت مصر بما كانت عليه من قبل لما سمحت بغزو الكويت ولا بضياع العراق وسوريا واليمن وليبيا ولبنان وتقسيم السودان وربما دول عربية اخرى، وحملت وانا اتحدث عن نفسي، العرب مسؤولية التخلي عن العراقيين شيعة وسنة وعربا واكراداً وهو ما دفعهم إلى المرور بجوازات سفر ايرانية إلى بقية العالم فكان لابد ان تترتب عليهم تكاليف واجبة السداد فلا شيء مجاني في هذا العالم الآن، هي لم تجبرهم الا أنهم لم يجدوا ساحة اخرى ولا بوابة ينفثون منها ولا بتسهيلات تقدم اليهم من سواها، وفي الاول من ابريل الحالي كشف رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، عن انخفاض نسبة الانخراط في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي بنحو 90 % عما كان عليه سابقاً وقال هذا الكلام خلال احتفالية «يوم الشهيد» بمكتب رئيس التحالف الوطني عمار الحكيم واعتبر ان «قوات بلاده وضعت حداً لحلم تنظيم داعش الإرهابي بتشكيل دولة»، وما يهمني هنا هو ما قاله عن انخراط عراقيين في صفوف داعش وان نسبة هذا الانخراط تراجعت بنحو 90 % وهذا اقرار من رئيس الوزراء العراقي ان هناك من تطوع أو تجند في صفوف التنظيم الإرهابي لكنه لم يشر إلى الاسباب التي دفعت هؤلاء إلى مثل هذا التصرف المنافي للاخلاق والوطنية والإنسانية والاعراف الاخرى حتى وان كان معارضا للوضع الحالي الطائفي بامتياز تحججا بمرارة الماضي وهي حجة غير مقبولة لا من الحكم ولا من معارضيه الذين انخرطوا في صفوف داعش، الا ان هذا الامر يفتح الابواب واسعة للخوض في اسباب ارتماء الشيعة في احضان ايران للاستقواء بها على حساب دولهم وولائهم لاوطانهم وهي لم تجبرهم على ذلك بل انها مستعدة لتزويدهم بترسانة من السلاح للدفاع عن اوضاعهم لا لغزو دول اخرى، وهو نفس المنطق الذي يتحجج به بعض السنة افرادا وهيئات ودولاً في دعم داعش أو الانخراط في صفوف التنظيم الإرهابي، ايام الزرقاوي كان الاحتلال الاميركي في ذروته في العراق خلط الاوراق واسقط القيم والمبادئ واغرى الكل بالمال واسقطهم في مستنقع الفساد وسرق كل شيء واختطف الامل والتعايش، فوجد البعض دافعا للانخراط في صفوف الزرقاوي حتى من لم يتفق معه في أي شيء، المتخوفون من تبعات الدور الايراني في العراق أو الصفة المذهبية للحكم في العراق والمحاصصة الطائفية والعرقية في تركيبة الحكم «رئيس الجمهورية كردي، رئيس الوزراء شيعي ورئيس البرلمان سني» فضلا عن خارطة الاقاليم التي يراد لها ان تصبح حقيقة واقعة للتقسيم، كلها مبررات لدفع الآخرين إلى دعم داعش وحتى عزرائيل اذا لزم الامر للدفاع عن حقوقهم واوضاعهم ودولهم، الا يكفي ما يجري في العراق وسوريا واليمن وليبيا ولبنان وفي غزة ايضا لاثبات فشل الشيعة والسنة على السواء في اختبارات سهلة، الطمع في الحكم والاستئثار بالسلطة والتفرد بالمناصب ونهب الثروات وقمع الآخرين وتكفير الطرف الآخر، الطرفان يبالغان في استخدام الدين وبتعسف في ايذاء خصومهم، كل طرف استقوى بما اعتقد انه سيحقق له اغراضه، انها مصيبة الجهل والامية والتطرف، انه أمر مؤلم ومسيء جدا ومخجل، لقد بات الفساد والجهل شهادتين داميتين لهما رواج في اسواق يفترض ان تكون الابعد وان يحرم المسلمون على انفسهم السقوط في دوامة الإرهاب.

الإثنين, 17 أبريل 2017

حدود المسؤولية

يعاني العالم العربي من مشاكل لا حصر لها، سياسية واقتصادية وأمنية واجتماعية وحتى في مجالات الثقافة والفنون والرياضة، والكل يتحمل مسؤولية فوضى المشاكل في المجتمع العربي، حكومات وشعوب وبرلمانات ومجالس وهيئات ومؤسسات نافذة ومؤثرة، تطور العالم وتقدم اقتصاديا وعلميا وتقنيا وصناعيا، وعدنا إلى الوراء، نختلف عن الماضي فقط بما يتأتى لنا من صنع الآخرين، لا شيء لدينا من صنع شعوبنا إلا ما ندر، لسنا وحدنا من مر بمثل هذه المأزق، إلا ان الآخرين مروا عليه مرور الكرام فكانت التكلفة اقل وطأة وثمنا، لدينا اسباب كثيرة للتخلف اولها الجهل والأمية والفهم الخاطئ للدين، ولديهم اسباب كثيرة للتقدم والتفوق علينا، واكثر المستفيدين من كل هذا هي اسرائيل، وسبق ان اشرت إلى ان إيران استفادت من اخطاء العرب وخلافاتهم المذهبية والسياسية والحدودية، لذلك باتت موجودة في العراق وهي التي تحكمه وموجودة في سوريا على نحو قريب الشبه وكذلك في اليمن وفي لبنان، وفي وقت ما وربما لاتزال في غزة ايضا، العرب لم يتعلموا من تجاربهم ولم يستفيدوا من تجارب الآخرين، عندما تعامل الحكومات والجهات النافذة في المجتمع الناس على اساس الانتقاص من اهليتهم الدينية وتكفرهم وتبيح دماءهم وتنتقص من درجات مواطنتهم وتحرمهم من الحقوق، من الطبيعي ان يقع من يتعرض لمثل هذه المعاملة في اخطاء كثيرة، صدام حسين خاض حربا لمدة ثماني سنوات ضد إيران، وعندما وقع في خطأ غزو الكويت وهي المصيدة التي اوقعت العراق والمنطقة الآن في فخ أو وهم ما يسمى بالربيع العربي، اضطر إلى نقل طائراته المدنية والحربية إلى إيران عدوته لحمايتها من القصف الاميركي، لانه لم يجد ابوابا عربية تفتح له، صدام فرد كان يمكن ان يموت بأي طريقة إلا ان طائرات العراق وامواله ومواطنيه والعراق كدولة، يدفع الثمن الآن، لأن صدام لم يقبل التكفير عن سيئاته ولم يقبل بمنطق الاعتذار ولا الاستعانة بعدد من القادة لاطفاء بقايا نيران ما فعل، راح العراق وها هي سوريا تدفع الثمن الآن وها هو اليمن يمر بنفس المأزق وها هو سعد الحريري رئيس وزراء لبنان يحذر من اقتراب بلاده من كارثة، في يقيني ان العراقيين ليسوا سعداء، حتى من يحكمون العراق الآن، وكلهم ممن يرتبطون بعلاقات ولاء وليس صداقة فقط مع إيران، وتصريح رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي لقناة الحرة الاميركية يوم الجمعة 31 مارس بأن هناك انطباعا لدى السعودية بان العراق يتبع إيران يقابله انطباع لدى العراقيين بأن السعودية تدعم الإرهاب، قريب جدا من الواقع والحقيقة، وهو نفس الامر في سوريا، لذلك قال رئيس الشؤون الاستراتيجية في معهد الدراسات السياسية والدولية التابع لوزارة الخارجية الإيرانية مصطفى زهراني ان بلاده لا تمتلك استراتيجية خروج من الحرب في سوريا قائلا ان الرئيس السوري بشار الأسد أدار ظهره لطهران، وكنت قد اشرت في مقالات سابقة إلى لقاء صحافي صريح للغاية اجريته لمجلة «المشاهد السياسي» الدولية اللندنية في عام 1999 أو 2000 مع امين عام حزب الله اللبناني السيد حسن نصر الله وسألته: كم تقبض من إيران؟ وهل تتصور ان إيران ستظل تدفع لك؟ وعلى ماذا تنفق ما تدفعه لك طهران؟ فقال ان إيران تساعد في سد احتياجات الارامل والايتام عوائل شهداء المقاومة وتساعد في توفير الخدمات الصحية والتعليمية وانه لا يرى مانعا ابدا في ان تساهم اي دولة عربية في هذه المجالات فلا ينسب الفضل في عمل الخير إلى طرف واحد بعينه، ونشر الموضوع في لندن وعدد «المشاهد العربي» كان يوزع في كل الدول العربية ويصل إلى سفاراتها ايضا.

الأحد, 16 أبريل 2017

ثقافة الفضائيات

مثلما كانت لندن ملعباً للمعارضات العربية الموجهة والمصطنعة والمشكلة في الغرب والممولة من اجهزة مخابرات وأمن وإدارات سياسية لها اجندات تتعارض في حقيقتها مع المصالح والحقوق العربية وان اتفقت في الشكل مع أحزاب المعارضة، كانت هناك فرصا متاحة لاطلاق فضائيات تلفزيونية تخدم افكار ومشاريع وبقية اطروحات أحزاب المعارضة أو رموزها السياسية بما ينسجم مع ترددات واحداثيات ونوايا ومشاريع الممولين في مخابرات الدول الكبرى وإسرائيل، وفي هذا الشأن كان الغرب يدير لعبة الإعلام التلفزيوني على طريقة دس السم بالعسل، فعن طريق واحدة من اشهر الفضائيات العربية، باتت إسرائيل موجودة في الاخبار اليومية المتداولة على مدار الساعة باستخدام اسلوب الإعلام النفسي باللجوء إلى تكرار بث الاخبار التي تحمل قدرا كبيرا من الانتقاد والاستنكار لإسرائيل واعمالها المخالفة لكل القوانين إلا ان الاكثار من ذكر اسمها واسماء رؤساء حكوماتها ووزرائها اوجد مكانا في ذاكرة المشاهد العربي مما ينشئ نوعا من التطبيع الفكري بين خلايا القبول في العقل كلما ورد اسم الدولة العبرية بدلا من النفور التلقائي والتصرف بعدم قراءة أي خبر أو ذكر لإسرائيل، هذا التصرف النفسي جعل من إسرائيل على مدار الايام أمرا واقعا مفروضا على الذاكرة العربية شئنا أم ابينا، كان هذا الغرض احد اهم اهداف زراعة العمل التلفزيوني الفضائي على الطريقة الاستفزازية عند الحديث مع احدهم، فكان فضاء الحرية في البرامج التلفزيونية الفضائية العربية في لندن ومن ثم في الدوحة، الاكثر مشاهدة في العالم العربي وحتى من قبل عرب الغرب، وقد اغدقت شركات وووكالات الدعاية الإعلامية التلفزيونية الاموال على احدى المحطات مقابل تمرير امور كثيرة تتعلق بالثقافة بما في ذلك امور الجنس وما لا يقال من كلام أو ما كان لا يسمح بذكره على الملأ سواء في الترجمة عما يرد في الافلام أو في البرامج، وهكذا بدأ مع عصر الفضائيات المدعومة من الغرب وخلفهم إسرائيل، عصر جديد من الثقافة التي بات يتوجب مع كثر التكرار وسلطة الإعلام، ان يتقبلها العقل العربي، وهو ما حصل، إلا ان ذلك لا يعني ان الفضائيات ليست مفيدة ولم تخدم العرب أو لم تساعد في ايضاح الكثير من الامور، فقد نجحت إسرائيل في تضليل العرب إلا انها فضحت نفسها بالصوت والصورة امام العالم، وحتى الهواتف الذكية صارت ترصد جرائمها واعتداءاتها وممارساتها، كانت هذه البرامج تخوض في كل شيء وتسبب الكثير من الحرج، بدون خوف من أي حكم أو حكومة عربية وحتى من الموساد الإسرائيلي، وقد نقلت «الجزيرة» هذه الميزة معها إلى الدوحة فكانت برامجها تخوض في المحظور بطريقة مفيدة ومثيرة دون التطرق إلى أي امر يتعلق بقطر، برنامج الحوار المفتوح كان البرنامج اليومي الوحيد بين مجموعة البرامج الأخرى التي كانت اسبوعية، وهي « الاتجاه المعاكس » الذي يقدمه الزميل فيصل القاسم و«أكثر من رأي» الذي كان يقدمه الزميل سامي حداد وتوقف الآن و «بلا حدود» الذي يقدمه الزميل احمد منصور واتبعه ببرنامج « شاهد على العصر»، وكل هذه البرامج موجهة بشكل ما وعندما اختلف حداد وهو احد اركان هيئة الاذاعة البريطانية مع سياسة القناة تم ايقاف الحلقة التي كان يقدمها ثم انتهى عمله مع «الجزيرة» بعد ان تم ايقاف برنامجه.

السبت, 15 أبريل 2017

مساحة التغطية

سبقت الكويت كل دول المنطقة بالبرامج الحوارية التلفزيونية المثيرة وكان محمد السنعوسي وعبدالله النفيسي الأكثر جرأة وتحررا في هذا المجال، وكانت مداخلات د.أحمد الربعي الأكثر إثارة وخروجاً عن التقيد بالخطوط الحمراء التي اعتادت عليها المنتديات والتلفزيونات المحلية، ومن ثم صحف عربية تصدر في لندن وقنوات فضائية تبث خارج الكويت واكتسبت صفة الدولية مثل قناة الجزيرة عندما بدأ البث في الأول من نوفمبر 1996. وهذا لا يعني عدم وجود أسماء كويتية كبيرة أخرى في السياسة أو في بقية المجالات فقد انتجت البيئة الكويتية روادا في اغلب المجالات، غير أن برنامج السنعوسي كان محلياً وكانت القنوات التلفزيونية في أواخر السبعينات وبداية الثمانينات غير فضائية أي أنها مرتبطة ببث محدود في جغرافية الالتقاط  لذلك احدثت الفضائية الاخبارية الاميركية CNN ثورة عجلت باتساع نطاق البث الفضائي، كما ان مادة برنامج السنعوسي كانت مركزة على الشأن المحلي وكان الرجل ولا يزال فنانا واعيا وعالما مدركا لدور الإعلام في الأخذ بيد المجتمع للتقدم والتطور واختزال عامل الوقت ومواكبة العالم بالتصرف والتفكير والسلوك. في حين كان برنامج الدائرة المستديرة على ما أذكر للنفيسي خروجاً عن المألوف في طريقة طرح الأسئلة وفي اختيار مادة الحوار. والنفيسي عالم وأكاديمي ونائب سابق ومتمرد في التفكير وفي التحليل وأذكر ان صديقي وأخي د.سعيد سلمان وزير التربية الاسبق رئيس جامعة الإمارات الأسبق ومؤسس وصاحب جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا التي لعبت دوراً مهماً جداً وحيوياً في سد فراغ تقني وأكاديمي في الخليج واليمن وسلطنة عمان فضلا عن الإمارات بالطبع، قال لي إن النفيسي تطرق في إحدى محاضراته في جامعة الإمارات الى مجلس التعاون الخليجي ما دفع عدد من دول المنطقة إلى مراجعة أمور كثيرة عن علاقتها بالولايات المتحدة والعالم. في العراق أتذكر في الثلث الأول من عمري الذي عشته فيه يقولون شاص من شاص وحمل من حمل في إشارة الى التمور التي تنضج والتمور التي تنتفي الحاجة لها وتظل مثل بيض الصعو، كما يقال في الكويت،  وفي المثل الأول إشارات إلى ان هناك من يؤخذ خيره ثم يركن على الرف كما حصل مع قناة BBC  العربية  الأولى قبل ان تتحول فيما بعد إلى قناة الجزيرة. وهي ليست  نفس القناة البريطانية العربية الحالية فليس فيها من أحد من ذلك الجيل  الذي أشرت إليه في مقالات سابقة. كانت الكويت منارة في المعرفة والثقافة والإعلام والرياضة والسياسة بالطبع وأشرت أيضا إلى دور هيئة الجنوب والخليج العربي تحديداً والى مجلة العربي التي لم يكن لها مثيل في كل الوطن العربي، إلا أن مساحة الحرية في لندن وباريس والولايات المتحدة سواء في واشنطن او نيويورك أو لوس أنجلوس وهي أمور مرتبطة ببعدها عن أي مؤثر سياسي أو أمني عربي أكثر مما هي مرتبطة بقاعدة الحريات أو الإعلام الحر غير الموجود في حقيقته في أي مكان على سطح الأرض، لذلك فإن ما يمكن أن يقال في بريطانيا من أي قناة، محصن وبعيد عن الملاحقة القضائية أو التهديد الأمني بالتصفية ومع ذلك لم ينج ناجي العلي رسام الكاريكاتير الفلسطيني المعروف وسياسيون عرب آخرون اغتالتهم أنظمتهم أو إسرائيل. وشتان بين فضائيات أو قنوات تغطي مساحة جغرافية محدودة وبين فضائيات تصل الى العالم في كل مكان. فالتأثير والتوجيه والايحاء وإيصال المعلومة يختلف حسب المساحة وحسب طبيعة السكان وحسب عدد المشاهدين.

الجمعة, 14 أبريل 2017

سوراقيا

وفر لي عملي الإعلامي الكثير من الفرص للعمل بمناصب عالية في  أربع أو خمس دول على الأقل. إلا أنني لم أجد أفضل من الاستمرار في العمل الإعلامي على الرغم من أنني كنت قد كفرت بالمهنة في أواخر عام 1990 وقررت طي صفحة العمل في هذا المجال. إلا أنني بدون الإعلام سواء الصحافة أو التلفزيون فيما بعد ما كان يمكن لي أن أتعرف وأن ألتقي مع النخبة. في لندن  قادتني المصادفة إلى التعرف على إدوارد هيث رئيس وزراء بريطانيا «1970-1974» فقد تبادلنا الرسائل حول مستقبل الوضع في الشرق الأوسط والعراق بعد معركة تحرير الكويت وخيبة صدام. لم يكن متعاطفاً مع صدام إلا أن خلافه مع تاتشر كان سبباً وراء تعاطفه مع العراق. سألني عن أمور كثيرة وأجبته بكل مصداقية وصراحة، وبعد المكاتبات التقيته شخصياً لعدة مرات. لا أعتقد أنه كان يفكر في العودة إلى الواجهة فقد كان قد كبر وتقدم به العمر وأعتقد أن رسائله مازالت موجودة لدي في بيتي في لندن مع أنني فقدت بعض أوراقي وأبحاثي ومؤلفاتي على ورق لم ترَ النور ومن ضمن ما فقدت ديواني شعر «نثر مكثف» وثلاثة كتب سياسية ومجلة «سوراقيا» في عدد نادر صدر في منتصف عام 1990 وحاولت عدة مرات الحصول على نسخة بديلة من ناشرها غسان زكريا الذي تصاحب وتخاصم مع أغلب القادة العرب، إلا أنني لم أجده لا في بيروت ولا في لندن التي يفترض انه يعيش سنوات عمره الاخيرة فيها. ولم يعد أمر هيث يهمني  ولم اعمل معه ولا لقاء واحد. لم تكن مكالمات صدام حسين واتصالاته بي وهي ليست كثيرة حتى لا يقال إنني أحاول كتابة ذكريات أنا في غنى عنها  تماما. فقد كنت ميسور الحال ولدي محال وتجارة بالاضافة إلى عملي الاعلامي. وهذا اليسر تكرر عدة مرات. إلا أن الخيرة فيما يكتبه الله. وبالتالي فلا أرمي إلى شيء ما. فلم يعد في العمر ما يتطلب تقديم فروض الطاعة إلى أحد والاعمال التي ترضي الله تظل هي التي يحاسب عليها المرء، أما ارضاء الناس فهي غاية لا تدرك، وإن كانت مهمة فألف صديق ولا عدو واحد. لذلك فإن غير ما حصل، لا يعني لي شيئاً ولا يفيدني في شيء ان كتب الله لي غير ذلك.  إذ لن  يصلح العطار ما أفسده الدهر، وبعد خراب البصرة كان الأمل فقط في أن يشهد العراق تغييراً نحو الافضل. وكانت علاقتي مع كل القادة والمسؤولين الذين تعرفت عليهم وربطتني بالبعض منهم روابط  ثقة واستشارة ورفقة، قد تمت من خلال معرفتهم لي تلفزيونياً، لا أكثر. وكان صدام حسين الحالة الخاصة المختلفة. واشرت من قبل إلى أنني تعرفت عليه وأنا طالب في جامعة البصرة. ثم انقطعت علاقتي به بعد إعدامه لبعض أهلي. لم أكن معنياً ولم يتقصدني لكنه كان يميز الناس على مدى ابتعادهم عن طريقه. لم أكن سياسياً ولم أزعم البطولة. كان يبحث عن أشخاص لتوليتهم مناصب في البصرة التي كانت مدينة علم وتراث وأدب وثقافة وفكر وفن ورياضة ولم تكن على وفاق معه. وذكرت في مقال سابق أنني تصورت أن مدير عام مؤسسة التمور العراقية وهو من أهل ولايتي البصرة، ربما كان سبب معرفة صدام بي. ولأن قناة  «ann» كانت قناة حرة أكثر حتى من قناة الحرة الأميركية، ولأنها كانت موضع اهتمام ومراقبة من قبل أغلب الحكومات العربية، فإن افتراض اهتمام صدام بمتابعة برامجي تحديداً لأنها أول وأهم من فتح الملف العراقي واستضاف المعارضة إلى درجة أن أحدهم انتقدني بأن لم أترك عراقياً يمشي في شوارع لندن لم أحاوره، ربما كان واردا، إلا أنني انتبهت شخصياً إلى أنه يحرص على متابعة البرنامج وأقسم إنني سمعت من اثنين أو ثلاثة من القادة العرب انهم استلطفوا بعض الاشارات أو التعليقات أو الأفكار من شخصيات استضفتها وطرحت مثل هذه الامور خلال البرنامج. فقد سألني احد كبار القوم ممن توفاهم الكريم قبل فترة أن أتطرق إلى اسمه في حال لم يعد الى لندن أو يتصل بي بعد أن اضطر الى العودة الى العراق لبعض الوقت. سألته لماذا اتحدث عنك وانطق باسمك وأتساءل أين اصبحت بعد عودتك الى العراق؟ فقال لأن صدام يتابع قناتكم ويهتم ببرنامجك ويعرف ان العراقيين والعرب يتابعونه فإذا ما ألقى القبض علي وأودعني المعتقل فإن اشارتك لي في برنامجك باللمز أو الغمز من شأنها أن تدفعه إلى الافراج عني وعدم مضايقتي مستقبلا. وقد تحقق بالفعل مثل هذا الأمر بحذافيره.

الخميس, 13 أبريل 2017

نهاية التاريخ

في عنوان المقال،لا أستعير  من العالم والفيلسوف والمفكر فرانسيس فوكوياما اسم كتابه «نهاية التاريخ والإنسان الأخير». بين العرب مجلة الفورين بوليسي الأميركية تظل الأكبر عالمياً في مجال تخصصها والأوسع معلومة ودقة حتى وإن كانت موجهة لتضليل الادارة الاميركية قبل القراء من أي مكان. ففي أميركا تلعب دور ومراكز ومعاهد الأبحاث والدراسات الدور الأكبر في صناعة القرار وليس في تقديم دراسات موجهة. وعادة ما يكون اصحاب هذه الدور أو كبار محلليها أو كتابها أو الباحثين فيها على علاقة مع  اللجنة الأميركية الإسرائيلية للعلاقات العامة «إيباك»، وهي اللجنة التي ترضى أو لا ترضى عن الرئيس الأميركي ووزير خارجيته ونائبه ووزير الدفاع ومستشار الامن القومي ومدير المخابرات المركزية وسفراء واشنطن في العواصم الكبرى في العالم وأيضاً عن القائد الأميركي الذي يدير حلف شمال الاطلسي الناتو. الفورين بوليسي قد تنتقد حتى الرئيس الأميركي الذي يفترض ان تحافظ على قدر كبير من الاحترام له حتى وإن كانت إحدى ادوات توجيهه وتحريكه. إلا أنها أي المجلة المتخصصة، لا تجرؤ على قول كلمة عتب لا انتقاد ولا هجوم على إسرائيل. ولا تستند فورين بوليسي على مصادر عربية أبداً حتى وإن استخدمت مثل هذه الاسماء في مقابلات أو أدرجتهم ضمن قوائم محرريها أو مراسليها أو مصادرها. هذه المجلة العملاقة قالت في عددها الذي حمل موضوع أسوأ السيئين والذي صب الكثير من المغالطات عن مصر ورئيسها عبدالفتاح السيسي، قالت في مقدمة تقريرها عن الطغاة أن نهاية الحرب الباردة كانت من المفترض أن تكون نهاية التاريخ، حيث اجتاحت الديمقراطية الكثير من دول العالم، مشيرة الى تقرير أصدرته منظمة فريدوم هاوس قالت فيه إن نحو 60% من دول العالم أصبحت دولا ديمقراطية، وهو تطور كبير عن عام 1950 الذي كانت الديمقراطية فيه منتشرة في نحو 28% من دول العالم فقط، لكن المجلة أكدت على أن هذه النسبة لا تعني أن الديمقراطية منتشرة وتحقق أغلبية في العالم، خاصة وأن معظم هذه الأنظمة ليست ديمقراطية بشكل حقيقي بما في ذلك الغرب الأوروبي الذي بدأ يتجه الى تبني أفكار اليمين المتطرف الذي لا يختلف أبداً عن النظم الديكتاتورية العربية، إذ ان جان ماري لوبان السياسي الفرنسي، مؤسس حزب الجبهة الوطنية المنتمي إلى أقصى اليمين ورئيسه من سنة 1972 وهو والد مارين لوبان الرئيسة الحالية للجبهة الوطنية، وجد ماريون مارشال لوبان النجمة الصاعدة في نفس الحزب وفي الأوساط الفرنسية وهي ليست ابنة مارين لوبان التي قتلت والدها سياسيا، الاب جان ماري لوبان كان صديقاً مقرباً من صدام حسين في حين ترتبط  مارين لوبان زعيمة الجبهة بعلاقات صداقة مع العديد من الزعماء العرب الحاليين. وكان الدكتاتور التشيلي الأسبق الجنرال اوغستو بينوشيه صديقاً مقرباً من المرأة الحديدية مارغيت تاتشر التي حكمت بريطانيا دورتين ونصف على مدى إحدى عشرة سنة «1979-1990»  مع علمها بأن بينوشيه مسؤول مباشر عن مقتل الرئيس التشيلي المنتخب سلفادور اليندي في الانقلاب الذي قاده ضده بتدبير وتحريض من المخابرات المركزية الاميركية في عام 1973. الغريب أن تاتشر تؤمن بالديمقراطية الغربية وهي جزء من نسيجها إلا أن المصلحة عندما اقتضت الاطاحة بالنظام الديمقراطي التشيلي تناست وتناسى الغرب امر الانقلاب وجريمة اغتيال اليندي. إلا ان القضاء البريطاني لم ينس وعندما زار بينوشيه لندن بدعوة من تاتشر وهي خارج الحكم، وضع تحت الاقامة الجبرية لعدة اسابيع واخضع للتحقيق الى ان تدخلت قوة نافذة من خارج بريطانيا وسمحت له بمغادرتها. وهي التي تسببت في إزاحة ادوارد هيث من رئاسة الحكومة بعد أن شغل المنصب  من 19 يونيو 1970 وحتى الرابع من مارس 1974 بعدما ابعدته عن زعامة حزب المحافظين ليفوز جيمس كالان زعيم حزب العمال في انتخابات 1974 ويشغل منصب رئاسة الحكومة الى انتخابات 1979 التي أقصته تاتشر عن المنصب والواجهة. ولعل في قرار بريطانيا الحالي الخروج من الاتحاد الاوروبي احياء لمطالب تاتشر التي كانت ترى أن لا ثمن يجعل بريطانيا، وتقصد الانكليز الذين  استعمروا أميركا والهند والشرق الاوسط، يتخلون عن هويتهم الوطنية وتميزهم عن سواهم وأن يذوبوا في الوسط الأوروبي. فأي نهاية للتاريخ؟!

الصفحة 10 من 75