جريدة الشاهد اليومية

جعفر محمد

جعفر محمد

لست من هؤلاء الناس الذين يعيشون الحياة المخطط لها مسبقاً، وليس لي في أدبيات التحضير أي مسلك، فأنا ابن اللحظة والموقف والحدث والمكان والتوقيت، مؤمن جداً بفقه الواقع الذي أتعامل معه وفقاً لتقدير العقل والمنطق، فالرتابة لا تأتي إلا من حيث يأتي الروتين، والهموم لا تدخل إلا من باب التفكير بالمستقبل الفردي لواجبات تلزمنا فيما بعد في اطار محدد، وهوية نفسية معقدة، نعم أنا مع التخطيط للأمم والدول والمؤسسات وأي كيان جمعي ومجتمعي، ولست ضد وضع الاستراتيجيات المالية والادارية لمعرفة إمكانية المستقبل، وأنا  مع علم الإحصاء قلباً وقالباً في تنظيم حياة الشعوب وتجنيبها كوارث الفقر وغيره من المؤثرات، ولكنني هنا أتحدث عن حق الفرد كإنسان لا آلة في أن يحيا عنصر المفاجأة القدرية، ويعانق سلوك التصرف في ردود الأفعال الطبيعية، فالخوف والظمأ والجوع والليل والنهار والطريق والبشر عناصر تساهم في رسم شخصية الفرد إذا ما تعامل معها بعيداً عن التخطيط المسبق لكافة الظروف، فإن لذة الحياة هي التمتع بكل مراحلها، فللطفولة مدارك تجعلك دون أدنى مسؤولية تجاه ما تفعل، وللمراهقة وقع انعدام الوزن في الفضاء عندها يكون الفرد في غمرة التشكيل داخلياً وخارجياً وللصبا ومرحلة الشباب ديمومة الذكريات التي نستدعيها في كل مرة لممارسة الضحك والحزن معاً على صورة أو موقف مر بنا ومررنا به، فيا سيدي القارئ وسيدتي القارئة اطلقوا لأنفسكم حبال التوازن، وافتحوا أبوابا قد أغلقها بعضكم على ذاته تحت مبرر «ما يصير» و«صعبة» و«ما خططنا لها» وأحيوا في أنفسكم ما مات عنوة بسبب قيود المجتمع وعقدة الكمال المنشود والمفقود، ودعوا أرواحكم تقود رحلة الحياة المتبقية لكم، فلا رونق ولا زخرف ولا شبع كاستمراء الإنسان لنعم الله.. فهو وهبنا القدرة وكتب لنا الأقدار، وأسبغ علينا نعمه الخيرة في أمورنا بعيداً عن مؤثرات ومنغصات المجتمع الذي نحيا به ونجعله قيداً يدمينا بعد فوات الأوان، فليركب كلُ منكم مركبته ويجعلها تقوده الى مشاوير لا يقررها هو، وحين تصلون ستكتشفون ما أضعتم من لحظات وددتم لو أنها تعود، فمعظم الذين في قبورهم اليوم كانوا قد خططوا ولكنهم  لم يسعفهم العمر للتنفيذ... فكونوا أفضل منهم في هذا يوم يواريكم أحباؤكم الثرى... فيقولون عنكم رحمهم الله عاشوا الدنيا كما أرادوا.

الأربعاء, 14 أكتوير 2015

چذب العمام.. يشوي الحمام

يروى أن رجلاً كثير الكذب والادعاء يزور الدواوين ليروي لهم آخر كذباته والتي يسميها زوراً قصصاً حدثت له.. ولأنه «كذاب بوطير» كما يسميه أهل الدواوين، فقد كان لا يأتيهم إلا ومعه صديقه الذي يرمم له الكذبات ويعالجها ويبررها كما نقول في لهجتنا العامية «يرقع له», ولأن هذا الكذاب «سوالفه ما تنمل فلقد كان يتلقى دعوات من الدواوين يقضون فيها وقتاً معه للضحك والأناسة..

وذات يوم دخل أحد الأماكن برفقة صديقه مهندس الأكاذيب فبادره أحد الحضور بالسؤال عن مغامراته.. فقال الكذاب: نعم نعم نعم بصيغة التأكيد وصوت الواثق بنفسه وإيماءة المتمكن, وبدأ برواية كذبته الأولى قائلا: كنت في مزرعة أحد التجار في لندن أصطاد البط، وكلما سددت عليّ زرفٍ منهم هرب دون إصابة ففكرت في طريقة تختصر على الوقت الضائع فحشوت البندقية ببارود متفجر وسددت نحو بطة تطير عالياً فأصبتها وإذا بها تقع أمامي مشوية جاهزة للأكل!

تعجب الحضور وسألوه: كيف جرى ذلك؟ فقال «رقع يا مرقع» فوراً قال صاحبه: نعم إن البطة وبفضل قوة البارود وطريقة التسديد مرت بمرحلتين قبل السقوط، الأولى بسبب البارود الذي نتفها والثانية بسبب النار التي جعلتها مشوية، إضافة إلى أنها كانت عالية ومرت نزولا بموجة ضغط جعلتها مستوية، فأكمل الكذاب وقال إن قنصة البطة لا شيء أمام هذه القصة التي سأرويها لكم فازداد تركيز رواد الديوانية واعتدل الكذاب بجلسته, وقال: «جدي كان يغوص من الكويت الى فيلكا.. ووالدي كان يغوص من الكويت الى بوبيان. أما أنا فلا أعرف من الغوص شيئاً وسكت الكذاب فقالوا له: أكمل.. فقال: لا أحتاج الغوص لأنني استطيع المشي على الماء!

ذهل رواد الديوان وقالوا له كيف فقال كعادته: «رقع يا مرقع» فقال مهندسه ومبرر كذباته: يا طويل العمر «شي يترقع وشي ما يترقع» مشينا. هذا حالنا في الكويت للأسف وتحديداً في أوساط السياسيين العمام. كذبهم مبرر وحديثهم منمق وفسادهم مشروع والشعب يضحك ولو أن واحداً منهم أخفق أو تمت إدانته أشار للجمبازي بإجابة الناس, وإن عجز الجمبازي عن الرد قال هو والكذاب للمجتمع: مشينا وسيعودون يوما ما لممارسة الكذب والدجل وهذا حالنا مع العمام منذ 1938 الى اليوم.

الثلاثاء, 13 أكتوير 2015

بوصباح نزل الملعب

لأننا في دولة المؤسسات والدستور والقانون والممارسة الانتخابية، ولأننا شعب جُبل على التعاطي مع كل وسائل التعبير، نلنا احترام الأمم المتقدمة وتميزنا على الكثير الأغلب من الدول العربية والإسلامية، وانفردنا في دول الإقليم بقيمنا الديمقراطية الراسخة، نعم، أقولها قول الواثق المعترف الشفاف: ينقصنا ما ينقصنا كشعب وحكومة الكثير من ثقافة الاختلاف،ولكننا نقف على ارضة صلبة من الوعي المجتمعي، إلا أننا أخفقنا مرات عدة في بلوغ منطقة النموذج كبلد حريات وديمقراطية،وهذا الإخفاق كان بسبب اعتمادنا على ترديد بعض الساسة السابقين لعبارة لا أعرف من قائلها ولكنها سيطرت ردحاً من الزمن على عقليات المجتمع، ألا وهي: «تجربتنا الديمقراطية تتميز بخصوصية مجتمعنا»!! وكأننا نمارس نوعاً جديداً من الديمقراطيات لا وجود له إلا في الكويت.

وقس على هذا عزيزي القارئ، فكم من تشريعات انتجها البرلمان باسم «خصوصية التجربة الكويتية»، وكم من قرار ومرسوم أصدرته الحكومة تحت بند «خصوصيتنا الديمقراطية» ولا تتعجب عندما تمر بطريقة اختيار المسؤولين وانتخاب النواب، ولا تفزع إذا ما رأيت نتاج هذه القاعدة الممسوخة في انتخابات غرفة التجارة كونها اول من اجرى انتخابات بنظام القوائم، والجمعيات التعاونية وجمعيات النفع العام ومجالس إدارات الشركات والأندية الرياضية وكل انتخابات تجرى في الكويت.

وعلى ذكر الرياضة تحديداً وفيما يخص تنظيم العمل الإداري والمالي للرياضة والرياضيين، فإن استقلالية الجمعيات العمومية الموجهة علناً انما انتخبت من مجالس ادارات ذات لون وطعم واحد تحت بند «خصوصية التجربة الديمقراطية» على غرار أهل السياسة وغيرهم، فكان هذا الوبال هو من قادنا الى تعقيدات المشهد الرياضي من خلال منظمات دولية وتجمعات عالمية استقطبت أبناء الكويت الى تمثيلها في الكويت فأصبحنا في «حانا ومانا»، فتدخل البرلمان بذات  الخطأ وهاج وماج الشارع الرياضي يدافع عن «خصوصية التجربة المزعومة» وغابت الحكومات وتوارت أمام تخوفها من الاحراج الدولي ومؤثراته، إلا أن سمو رئيس مجلس الوزراء الشيخ جابر المبارك لكونه من اهل الرياضة في العهد الذهبي، باغت الجميع بدخوله الملعب لتصحيح المسار عندما التقى بتوماس باخ رئيس اللجنة الاولمبية الدولية في نيويورك، وحسب علمي فإن اللقاء كان مثمراً،ولا أكثر دلالة على ذلك إلا موقف الحكومة الصلب في اجتماع لوزان والتعاون الذي ابداه توماس باخ وفريقه في تذليل كافة العقبات امام الرياضة الكويتية والاشادة بما تقدمه الكويت للرياضة العالمية، وهذا يوضح لنا أن الخطة التي لعب بها الكابتن جابر المبارك عجلت بموسم الحصاد.

الإثنين, 12 أكتوير 2015

المتطور محمد بن زايد

في العالم الغربي عادة ما يُرصد الشخص المميز كثير النشاط الاجتماعي والادبي، من قبل مؤسسات ومراكز دراسات تهتم بهذه النوعية من البشر، لاختيارها فيما بعد لمهام محددة ولعب أدوار تعود بالنفع على الدولة ومن ثم على المؤسسة الداعمة، في عالم الساسة يصنع النجم من A2Z وتكون الصناعة محبوكة لتلازم الظرف الطبيعي لحياة كل انسان قد مر بذات المراحل، ولأن القاعدة تقول «معاينة النتائج خير شاهد»، فإنني وبفضل مجال الإعلام وانتشاره في دول الخليج قد مررت في مرحلة منه كان اللقاء بيني وبين الشيخ محمد بن زايد بإطار مقدم برامج مثقف كما قالها هو، وبالنسبة لي كان اللقاء باطار رجل طموح لولوج بحر السياسة بكل أدواتها..التقيته وهو ينحت الصخر لصناعة الثقافة والأدب في مجتمعه، والعمل على ابراز الموروث الإماراتي، وحسب وجهة نظره لبناء جيل جديد متصل بالأجيال السالفة.. فهو رجل يعتمد على تشكيل فرق للعمل ساهمت بنجاحاته  وساهم هو بتحقيق غاية الانتشار، مرةً عن طريق الشعراء وهم اذاعات متنقلة تجيد ايصال الاستراتيجيات التي وضعها الشيخ محمد بن زايد، ومرةً عن طريق مهرجانات شبابية محددة ومؤطرة بالصناعة والابتكار،فغزا من خلالهم المجتمع العلمي جنباً إلى جنب أهل الادب والفنون.

ولأن كل شيء يعود لأصله، عاد بوخالد إلى حبه الأبدي وعشقه الكبير ألا وهو حياة الجنود ومشاعر العقيدة القتالية، فهو منذ صغره لا يرى نفسه إلا جندياً يذود عن حياض أمته وبلده وشعبه.. فتمكن وبفضل الظروف العربية الدقيقة أن يكون لاعباً في فريق يقود  جناحيه اثنان من كبار العقول في المنطقة.. فاستزاد الشيخ محمد بن زايد منهما، وكان خير طالب للعلم وخير منفذا على ساحات المعارك السياسية والعسكرية.. فبلغ بصبره مبلغ القادة الكبار رغم حداثة سنه وتجربته، ونال من طموحه الكبير جزءاً يحسده عليه أقرانه في دول الخليج، حتى أصبح الشعب الاماراتي يراه اليوم أباً وأخاً لهم.. وهو الذي تعاظم عطاؤه ووفاؤه لرئيس الدولة الشيخ خليفة بن زايد رعاه الله، فلكل طامح للوصول إلى حب الشعوب ونيل ثقة الحاكم والمحكوم معاً، هذا نموذج محمد بن زايد يناديك فتعلم لتصبح مثله.

الأحد, 11 أكتوير 2015

النوم ساس اللوم يا حكومة

لأن أسئلة الأطفال مرهقة للكبار وتشكل صدمة في محتواها وطريقة صياغتها الممزوجة بالبراءة وشغف المعرفة، فإن مواجهة الكبار لها تعتمد على تكتيك الهروب والتهرب بطرق عدة، منها على سبيل المثال الجواب المعتاد «توّك صغير» أو «تكبر وتعرف»، ولكن واحداً من الناس جابه وواجه سؤالاً كبيراً من طفل صغير بطريقة مختلفة، حيث تقدم الطفل لوالده قائلاً: ما السياسة يا والدي؟ فقال الأب بعد ان اعتدل في جلسته: دعني يا ولدي أشرحها لك بطريقتي لكي تصل، السياسة.. أن أكون أنا مصدر رزق الأسرة لذا سأكون الرأسمالية، ووالدتك المدير المالي وسنسميها الحكومة، ونحن نهتم باحتياجاتك، لذا ستكون أنت الشعب، أما الخادمة فسنعتبرها الطبقة العاملة، وأخوك الصغير هو المستقبل.. هز الطفل رأسه ووافق على فهم هذه المسميات.. فقال له والده: الآن فكر في هذا ومع الأيام ستعرف السياسة من تلقاء نفسك.. ذهب الولد لفراشه يفكر فيما قاله والده.. وفي وقت متأخر سمع أخاه الصغير يبكي فقام ليرى ما به.. فوجده وقد بال في حفاظته فذهب لغرفة أبويه ووجد أمه نائمة وغارقة في الشخير، ولم تسمع نداءه فتركها وذهب لغرفة الخادمة فوجدها مقفولة،فاختلس النظـر فإذا بوالده على السرير مع الخادمة.. ضاق ذرعاً واستسلم الولد وعاد إلى فراشه، وفي اليوم التالي قال الولد لأبيه: لقد عرفت معنى السياسة. قال الأب بثقة المعلم: ممتاز، وكيف عرفتها. فقال الولد: «بينما تعبث الرأسمالية بالطبقة العاملة تكون الحكومة نائمة وغافلة فيصبح الشعب مهملاً والمستقبل في قمة القذارة».

في الكويت بماذا نفسر هذا النوم العميق من الحكومة تجاه أهل الرياضة،أمام صحوتها المبالغ فيها تجاه أجهزة الإعلام الخاصة، فلا يمر شهر دون دخول ممثل وزارة الإعلام للمراقبة المالية على القناة، رغم عدم تكفل الحكومة بربع دينار بدءاً من المبنى وانتهاءً بالقمر الصناعي، أمام إهمال ونوم متعمد تجاه أندية واتحادات تمتلكها الحكومة من المسمار إلى المسبار؟ كحال باقي الوزارات تتدافع لتسجيل مخالفات على القنوات كالتراخيص والكهرباء والمواقع بالبلدية، بينما الأندية تضج وتعج بمخالفات مليونية دون حراك من الحكومة وأجهزتها النائمة؟!

وضع غريب ومريب أن تنام الحكومة طوال الليل بيما أهل الرياضة يسهرون مع صديقاتها وتتعالى أصوات الضحكات بينهم، وذات الحكومة تفيق في الصباح لتحمر العين على شارع الإعلام الخاص، على الرغم من عدم إشرافها عليه مالياً؟ حتى أصبحت المعادلة مقلوبة فمتى يعود أهل الرياضة لفراش الحكومة فتعود الأمور إلى نصابها في البلد؟

الخميس, 08 أكتوير 2015

الذئاب والكلاب

إن لم نكن كلنا نعلم بحكاية قطيع الغنم والذئاب والكلاب، فمعظمنا قد سمع بها أو قرأها يوماً من أيام حياته، وكثيراً ما يرددها الرعيل الأول في نصائحهم للجيل الذي يليهم، وهي قصة مغزاها كبير، وفائدتها متراكمة، والعبرة فيها جمة لكل من أراد ويريد تدشين مرحلة من مراحل حياته العمرية، أو يود الدخول في مشروع بناء شخصيات أولاده أو أقرانه. ولمن يريد التذكر أو إعادة ذكرياته أكتب:

يروى أن تاجر أغنام وقطعان من الماشية ليست بالقليلة قد كان يشغله أن الرعاة لديه يعانون من الذئاب التي تأتي ليلاً لافتراس ما توافر لها من ماشيته، فمنهم من قام بحساب ما يفقده التاجر بسبب الذئاب، وتوصل إلى ان كل الرعاة يخسرون أسبوعياً 5 من الماشية تفترسها الذئاب، وقد اقترح الرعاة مجتمعين ان يذهبوا إلى تاجر المواشي لإقناعه بضرورة شراء كلاب تحمي القطعان من نهم الذئاب في افتراسها للماشية، وحين وصلوا للتاجر وسمع منهم قال لهم: سيكلفنا جلب وشراء الكلاب مبلغاً من المال، وستتضاعف التكلفة مع مرور الوقت، من توفير مأكل لها من ذات الحلال، فلا فائدة سنجنيها من ورائها بل الخسارة الحتمية.

فدعوا الذئاب تأكل 5 رؤوس، أفضل من أن نأتي بكلاب تحرس الماشية وتأكل 10 رؤوس. هنا انتهت القصة ولم تنته تساؤلاتي!! أولاً: لماذا تخشى الذئاب من الكلاب؟ وهل قبول التاجر بسطوة الذئاب ضعف أم استسلام؟ وكيف للرعاة أن يكونوا سلبيين في قبولهم لرأي أمام آرائهم؟ والسؤال الأهم من كل هذا: لماذا قبلت أميركا بأداء دور الكلب والذئب معاً؟

فمن يطفئ لي نار الأسئلة التي اشتعلت ولا يكفي لها ألف صحيفة؟ لذلك أختم مقالتي ببيت من الشعر للنابغة الذيباني أقنعني نوعاً ما، وقد يقنعكم، حيث قال:

تعدو الذئاب على من لا كلاب له

وتتقي مربض المستنفر الحامي

فمن الكلاب ومن الذئاب في مجتمعنا؟

واللي يفهم يفهم.

ومش شكراً.

الأربعاء, 07 أكتوير 2015

من يكتب مذكرات من؟..

في مكتب إحدى الشخصيات الاجتماعية البارزة التقيت شابا يافعا ينضح بالطاقة، ويسيل منه وهج الطموح، يبدو لي أن والديه أحسنا تأديبه، وساعداه على تطوير ذاته باتجاه الأدب والثقافة... كان حديثه بالمجمل لا يمل، وفي كل مرة يلوح لي ذكاؤه المغلف بالحذر، وقد غادرت المكان وفي ذهني من حديث الشاب جملة تأبى الرحيل للذاكرة، وتصر على أن تسكن أمام عيني طوال الوقت، حيث ونحن نتحدث عن الشأن العام للدولة والأحداث السياسية قفز الشاب بجملة «مذكرات»، متسائلاً: كيف لنا كشباب الاستفادة من رموزنا الوطنية، وعلى رأسها سمو الأمير؟ كيف لنا معرفة الأحداث التي عايشوها وأكسبتهم خبرة واسعة في حلحلة كبار المشاكل؟! يقول الشاب: كيف لنا أن نصل إلى تفاصيل الحكايات التي واكبها هؤلاء الرموز في مجالات عملهم السياسي والاقتصادي، من بناء الدولة الى يومنا هذا، إن لم يكتبوا للجيل الحالي والأجيال اللاحقة مذكراتهم وقصصهم كما فعل عظماء البشرية كافة؟!

نعم، وأنا أقدم التساؤل على لسان الشاب ولساني وقلمي.. كم من قصص يرويها لنا بعض الديبلوماسيين وبعض العارفين ببواطن الأمور عن أدوار لعبها هؤلاء ثبتت دولا، وأنقذت رؤساء، وجاءت بالخير والمنفعة على الأمة العربية والأمة الإسلامية.. فمتى ينبري احدهم ليقول لنا: لقد قررت تسليمكم عقلي وذاكرتي، فأسبروا غورهما لتطلعوا على ما يفيدكم ولتؤسسوا للعمل كما أسسنا وتعبنا؟! فنبادله القول: شكراً جزيلاً على كل ما قدمتموه للأمة والوطن. وتبدأ رحى البحث تدور ليقوم جيل آخر يحمل معه أمانة المسؤولية، فنكون معاً وإن غاب الكبار لمواصلة دروب التميز.

فهل سنرى يوماً ما مذكرات أحدهم في متناول يد الشاب وأقرانه؟؟

الله أعلم.

الثلاثاء, 06 أكتوير 2015

عودة الزعفراني

كوني أحد مدمني القراءة، وهذا ليس سراً في مجتمعي ومحيطي، فغالباً ما تتراكم الكتب في مكتبتي، إما لضيق الوقت أو لعدم جودة الكتب المهداة إلي من أصحابها، فأنا لا أقتني كتباً إلا وقد اطلعت على محتواها بشكل سريع، وأعتمد كثيراً على نصيحة الأصدقاء الذين يعلمون ميولي، كما أعلم ميولهم لعناوين وفهارس ومواضيع محددة.. ولأن القراءة تعتبر زاد العقل وغذاء النفس فأنا الجائع دائماً والمتزود على الدوام منها، تارة في السيرة وتارة أخرى في الأدب والثقافة، وكثيراً في القصة، وعميقاً في الشعر، إلا أنني لاحظت تراجع الإنتاج الكويتي من الكتّاب عن مكانتنا المعتادة في الكتب القيمة التاريخية، وحل محلها قصص وروايات لشباب وفتيات ملؤها السذاجة، بلا مضمون ولا رائحة أدبية، وقد يكون هؤلاء قلة قليلة من كثيرين لم يطبع إنتاجهم الأدبي، أو لم يستطيعوا بلوغ الغاية بسبب شح الوسيلة، وبين هذا  وذاك يتفذلك المتفذلكون بإصدارات عائلية مفبركة تحمل بين دفيتها معلومات مغلوطة وتواريخ مزورة وأحداثا ليس لها وقع الحدث أبداً، فترى القبيلة الفلانية وقد أعدت كتاباً عن فرسانها الوهميين، وشعرائها السارقين للشعر، وكيف كان جدهم أفصح من لبيد، وتخرج علينا عائلة من العوائل التي أدقعها الفقر ونزحت للكويت فيقول عنها المؤرخ المزعوم إن أملاكهم تبتدئ في البصرة وتنتهي في سرقسطة، وشخص آخر يطبع شجرة عائلته ليصل بها إلى سيدنا إبراهيم، بينما هو لا يعرف اسم جده الرابع .. وهنا لا أدري من ألوم؟ الدولة أم القارئ؟ أم من الذي يتحمل وزر هذا الكذب المنمق المسمى زوراً «تأريخ»؟

فعلى المتلقي أن يفعل كما فعلت، وألا يتقبل مثل هذا النوع من الإهداءات لتفويت الفرصة على مرضى الأصل والفصل الجديدين في مجتمع كلنا عيال قرية وكلمن يعرف أخيه، كما نعرف تماماً من الذي بصق الوالي في وجه جده، كما قال الزعفراني.

وشكراً.

فهد الشليمي ضابط سابق في وزارة الدفاع، طرق باب المعرفة والعلم في مجال الدراسات الاستراتيجية والخبرة الأمنية، ففتح له الباب على مصراعيه من الدولة والمؤسسات ذات الصلة، وعلى مدى سنوات عدة أصبح له رأي يحترم من المسؤولين في القطاعات الأمنية في الكويت والخليج مؤخراً، وللأمانة له إسهامات اجتماعية جميلة لا ينكرها أحد، ولكنها الشهرة وأضواؤها الخاطفة التي تجعل صاحبها في بعض الاحيان أعمى لا يرى إلا زهو نفسه واستغناءه عن الرأي الآخر، ما جعل فهد  الشليمي يكبو مرة تلو الأخرى، لا عن جهل، ولكن عادة الجواد الأصيل أن يكبو حين تخدعه خيلاؤه فتسرع به الأرض ويصبح سقوطه محتماً عليه، وهذه دعوتي أوجهها لأبي محمد بأن يعود للراحة ويعتزل.. مؤقتاً.. ساحة الإعلام لأخذ أنفاسه التي تكاد أن تقتل إبداعه.. وهي ذات النصيحة التي قدمتها لرئيس المجلس المبطل الثاني الأستاذ علي الراشد حين ترك منازل التشريع والرقابة وسكن في حواري الإعلام ردحاً من الزمن، فكانت خطاياه تدهس أخطاءه، وتقلل من شأنه، على الرغم من سلامة مقاصده.. حتى بات علي الراشد يريد طرد الكويتيين من الكويت، والتكفل بتذاكرهم، وكما أراد فهد الشليمي في إسباغه لعنصر الوطنية ومن حيث لا يعلم هبط إلى خطاب لا يصدر منه، ولا يفترض ان يتسيده، حتى وإن فاق فهمه للعامة في ما يقصد.. ولأنني أعتز بصداقة ومعرفة علي وفهد، حيث سنحت لي الفرص بالتقائهما عبر شاشات الإعلام، فقد عز عليّ أن يكونا في هذه المواقف.. فمراجعة النفس واجب على طالبي العمل العام ،وهم ليسو ملكاً لأنفسهم، ووجب عليهم التروي قبل التصريح، والتأني قبل إرضاء الرأي العام.

وعلى غرار علي الراشد يجب على فهد الشليمي لزوم الهدوء والابتعاد النوعي عن إثارة مثل تلك التصريحات التي وإن رفعتهم مرة إلى سماء النجومية فستخسف وتهوي بهم إلى رعاع المجتمع قليلي الفهم، وأنا والله أحسبهم غير ذلك كمحب لهم، يعاتبهم عتاب الصديق الحافظ لهم، ولقد اخترت نصحهما علناً من باب أن الإعلام رسالة العامة لا يجب أن يقيدها الشأن الخاص.. وشكراً.

في ايطاليا العريقة بانتصارات روما وبمدينة ميلان الزاهية ذات الأناقة في كل شيء، يقام معرض إكسبو الذي تشارك به الكويت، مررت هناك بفضولية الصحافي التواق وبعقلية الكويتي الواثق من أن بلاده الصغيرة كبيرة في كل شيء، فماذا وجدت؟ وماذا عاينت؟ كانت تلك الـ «ماذا» يرددها عقلي ويردها إليه قلبي.. فأنا العاشق الدنف لبلاده التي يود رؤيتها باهية زاهية جميلة في كل عواصم الكرة الأرضية.. وسرعان ما انفرجت أساريري برؤية جناح وطني المهيب الرخيم يتوسط بشموخ وعزة جناحي أميركا وألمانيا..يرفرف العلم الكويتي خفاقاً وتتردد معه أصوات فرقة التلفزيون الكويتية تشيل في حناجر أعضائها:

ياالله الوالي

يا واحدٍ يفرج ليا ضاق معبوده

الوطن غالي

حنا حماة الدار درع الدار وجنوده

فامتزجت أجواء ميلانو بأجواء الفخر لوطن عطاء ابنائه دفاق بالحب والعمل على رفعته.. وفي جنبات المعرض يقبع التاريخ والتراث العريق لمجتمع الكويت المتآلف المتكافل منذ القدم..نعم آنساتي سيداتي سادتي.. كما يقول «الحربان» لقد تفوق ابناء الوطن على انفسهم في معرض إكسبو ميلانو بعيداً عن الحسد والحقد ونبرة الصوت العالي.. قريباً من الالفة والتعاون والعقل المفكر بهدوء.

وما اجمل ولا اجمل من أن يزور جناح الكويت اكثر من مليون زائر من مختلف الشعوب المتواجدة هناك، ما ترك بصمةً عميقةً في نفوسهم، رأيتها بعيني عندما تهافت الزوار لأخذ «باچ» أو أي ذكرى معهم.. ولن اسهب في التميز الذي لاقاه القائمون على جناح الكويت لانهم يستحقون كلمات الشكر والتقدير في مواكبتهم لموضوع «إكسبو ميلانو» تحت عنوان «غذاء الكوكب طاقة الحياة» والذي جعل اختيارهم «لموضوع المياه» مصدر اعجاب كل الدول.. فهنيئاً للكويت بأبنائها البررة على جهدهم المميز الذي لم يذهب سدى.. وشكراً لكل من عمل في ابراز دور الكويت في إكسبو ميلانو بدءاً من سفيرنا في روما الشيخ علي الخالد، مروراً بالمفوض السيد فيصل المتلقم،انتهاءً بالمميز الخلوق مدير الجناح الأستاذ بدر المطيري على سعة صدورهم وعطائهم السخي، والشكر موصول للجميع.. فأن تكون بين اميركا وألمانيا وتتميز فلابد انك تمثل الشعب الكويتي وأمير الانسانية الذي اعطى قيمة مضافة لجناح الكويت.

شكراً ثم شكراً ثم شكراً جزيلاً

الصفحة 34 من 38