جريدة الشاهد اليومية

أيمن محيي الدين

أيمن محيي الدين

الإثنين, 07 سبتمبر 2015

مزامير في المدرسة

من المفروض أن استراحة التلاميذ بين الحصص الدراسية أشبه ما تكون «باستراحة المحارب».

لكن الواقع كما يراه «مسعود» أن النقيض هو ما يحصل حيث تغدو الاستراحة أشبه بساحة حرب لا هوادة فيها.

ما بين كر، وفر، و«مهاوشات»، ومناوشات.

لا تنتهي الا بحضور المدرس حاملا عصاه الغليظة؟

ليعم السكون المكان وتضع الحرب أوزارها. بلا غالب، ولا مغلوب؟

ولا يخلو الأمر من بعض الجرحى وعدد من الاصابات المختلفة مابين الخفيفة والمتوسطة. من سحجات، وكدمات.

وصيحات من تهديد، ووعيد بان معركة قد انتهت.

وان الحرب مازالت مستمرة طيلة العام الدراسي. لينتظموا بعدها في الطوابير. عبر اشارات آمرة من تلك العصا.

أو ايعازات قاسية صادرة من حنجرة المدرس الحديدية. وتصدح الحناجر الورقية«للتلامذة المحاربين» بعبارات تعكس حالة الانصياع وعودة النظام الى ساحة المدرسة.

وغالبا ما يوحي له ذلك المشهد بنص دراسي قديم كان قد علق في ذاكرته عن الراعي ومزماره الطويل الذي ينظم القطيع ان تشتت قليلا أو سلك دربا خاطئا  عبر ذلك المزمار بايماءة قاسية منه أو نفخا من خلال حنجرته الحديدية  الشبيهة بحنجرة ذلك المدرس، ويرى «مسعود» شبها كبيرا يجمع مابين المدرس بعصاه الغليظة والراعي بمزماره الطويل؟


في العمل

يسود الهرج أوساط العاملين مابين معترض ومطالب فقد صدرت لائحة التعويضات والمكافآت التي طال انتظارها.

حضر مسؤول العمل محاولا التهدئة فزاد العمال في ثورة الاعتراض. بعد أن رأوه حاملا ملفا سميكا يحوي تلك اللوائح، حاول المسؤول الكلام بنبرة هادئة ومطمئنة فضاع صوته وسط ذلك الضجيج.

رأى «مسعود»أن المسؤول سوف يفقد أعصابه ولو بعد حين. لم يدم الموقف طويلا حتى راح ذلك المسؤول يرعد ويزبد بنبرة تسلطية لم تخلو من توبيخ وازدادت ثورته مزمجرا بشتائم تزامنت مع تلويحه بالملف السميك ضاربا فيه بعض العاملين الذين تجرأ بعضهم واقترب؟

رويدا رويدا انحسرت ثورة الاعتراض ليهدأ الجميع مظهرين حالة من السكون والانصياع التام.

لم يستغرب «مسعود» ما حصل فقد ظل على الهامش منصاعا منذ بدء الاشتباك رغم ورود اسمه ضمن قائمة المعترضين.

فقد أدرك بخوفه أن ادعاء الشجاعة هو شبه انتحار بالنسبة اليه ما استفاد منه بذلك الموقف انه قرر ضم ذلك المسؤول ذو الملف السميك الى المدرس ذو العصا الغليظة والراعي ذو المزمار الطويل؟


في الشارع

عبر زجاج الحافلة قدر «مسعود» أن وقتا اضافيا سيقضيه بذلك الازدحام فانحنى للرجل الجالس أمامه يستأذنه استعارة جريدة كان قد انتهى من تصفحها.

جال بعينيه صفحة تناولت أحداثا متنوعة من العالم فاستعرض اضرابا للعاملين في دولة غربية وتمردا افريقياوبضع مظاهرات متفرقة من باقي المعمورة.

توقفت الحافلة بشكل مفاجئ فتطاول مع باقي الركاب محاولين استطلاع ما يجري في الشارع.

تصاعدت أبواق السيارات ممزوجة بصراخ السائقين مستعجلين رجل المرور المنتصب بوسط الطريق تنظيم حركة الشارع وتخفيف ذلك الازدحام.

الذي نتج عن تعطل الشارة الضوئية مما سبب تلك الفوضى العارمة. أحس «مسعود»بحيرة رجل المرور وهو يمسك بجهاز وكأنه يطلب العون من أدارته.

بينما امسك بيده الأخرى أداة تشبه بشكلها الهراوة. ملونة بالأبيض والأسود. محاولا بلا جدوى الاشارة للسائقين لتنظيم حركتهم مابين الجهات الأربع التي يسلكونها.

رأى «مسعود» أن رجل المرور بدأ يفقد أعصابه من سيل السيارات القادم اليه من كل اتجاه. وعدم التزام بعض السائقين باشارات الهراوة الملونة.

وما زاد الأمور تعسيرا وجود مجموعات من المشاة والذين آثروا العبور بشكل عشوائي توفيرا للوقت.

عند ذلك الحد انتفض رجل المرور واخرج ثورة الغضب لديه عبر نفخه من «صفارته» أوقفت وأخرست الجميع.

تخيل «؟مسعود» أن رئة الرجل قد تمزقت.لولا رؤيته للهراوة الملونة وقد عملت عملها بين جموع المشاة. وأرتال السيارات.

فتارة يضرب فيها مؤخرة السيارات. وتارة أخرى يلوح بها أمام وجوه المارة.

ولم يمض سوى برهة من الزمن حتى استوت ا لأمور. ومشت بحال أفضل من وجود الشارة الضوئية ذاتها؟

أدرك «؟»

بضرورة ضم الهراوة الملونة تلك الى عصا المدرس الغليظة. وملف المسؤول السميك. وزمارة الراعي الطويلة؟


في المنزل

تسمر «مسعود» أمام الشاشة متجاهلا ثرثرة زوجته وتذمرها من حركة ولده الصغير الدائمة، وعدم تعاونه في تهدئته قليلا كي تتم اعداد الطعام.

شده ما تعرضه الشاشة من أخبار كان قد تابعها قراءة في الحافلة. وها هو يراها مجموعات من البشر.

تروح جيئة وذهابا مابين هجوم تقوم به بعد انحسار رجال الأمن.ليأتي من بعدها فرار جماعي من وقع العصي والهراوات التي تنزل بأجسادهم.

لم يقطع عليه المنظر سوى عودة زوجته تحمل الطفل بيد ومغرفة كبيرة تستخدمها للطبخ في يدها الثانية.

تلوح بها مهددة الطفل بموجة من غضب تضمنت عبارات قاسية تخص «مسعود» أكثر مما خصت فيها الطفل.

تمادت في الثرثرة المصحوبة بالايماء بمغرفة الطعام الكبيرة في وجهه. بينما بقي «مسعود» صامتا؟

يسترجع أحداث يومه بدءا من قصة الراعي المدرسية، مرورا بعصا المدرس، الى الملف السميك، والهراوة الملونة، انتهاء بمغرفة زوجته المتسلطة.

في حين مازالت الشاشة تعرض صورا لمتمردين ومتظاهرين ووقع الأدوات المختلفة التي تبطش بهم وتردعهم.

في تلك اللحظة لم ير  بخياله سوى أن تلك الجموع هي قطعان من الخراف التي تدعي الشجاعة.

أراد «مسعود» أن يكون الرد على زوجته رداقاسيا رادعا يخرجه عن صمته وها مشيته.

نظر الى مغرفة الطعام الكبيرة كأداة محرضة؟ محاولا استخراج اكبر قدر من الشجاعة أمام هذا الموقف المصيري.

استجمع ما في حنجرته ورفع رأسه باتجاه زوجته المنتصبة أمامه.

وانفجر بـ «ما آ آ آ آ ع» لم تمض سوى ثوان حتى تصاعدت  اصوات من أسفل البناء الى أعلاه بـ«ما آ آ آ آ آ ع» ثانية، ليرفع الطفل رأسه بعفوية «ما آ آع»؟

الجمعة, 04 سبتمبر 2015

لوحات

عند الحاجز
ذكرى وحنين
حقيبتان تحت لوحة تنامان
على اللوحة كتبوا
يسمح بادخال حقيبة واحدة
• • •
حضور
في جدول التفقد
كتبوا تحت اسمه غياب
كان اسمه وطن
• • •
اعتراف
خلف تلك العينان
أبجدية عشق لم تكتشف بعد؟
ما زلت كسولاً في التاريخ
• • •
مواسم
تنمو المسافات في صحارٍ بلا أفق 
وسماء حلمت بغيمة لقاء
فجاء الحلم بأيامٍ عجاف 
سنابل أسى وبيادر من لوعة
حصادي في غربتي  
لم أجن فيه سوى أنين غياب
وشوقا لذاك اللقاء
• • •
لوحتي فر منها العصفور
ربما أتاك والتقى عيناك
فآثر الصمت ولم يغرد بالعتاب
نعم قطفت منه ريشةً لأرسم لك
حلماً من ربيع
وحفنةً من باقي الفصول
ومن صباح الشرفات
غزلت لك أرجوحة عشق
بضفائر من ياسمين
فيها تجلسين
مهما ابتعدت
سوف تقتربين

الأربعاء, 02 سبتمبر 2015

انتظار

لغتي نحوك
أنا الساكن حرفا فيك
لا أكتم السر
ولغتي ليست خشبية
بوحي ليلي
والحب لديّ
بلام قمرية
• • •
انتظار
أنا المنفي
منزوع الجهات.
أنا المزروع في صمتي
عوسجا لمقاعد الانتظار
وأنا المصلوب
على عقارب الساعة
لو يخفقان
كجناحان
و بي يعودان
ذات المكان
ذات الزمان
• • •
شفتان على الفنجان
اسكبيني صباحا
في اغفائتك الطفولية
و اجعليني رشفة لقهوتك الصباحية
و انثر يني ترنيمة على الفنجان
ثم أقرئيني
تنهيدة
آه
على أحمر الشفاه.. !

الثلاثاء, 01 سبتمبر 2015

عائدون

وسلامي لكم يا أهل الأرض المحتلة يامنزرعين بمنازلكم، قلبي معكم وسلامي لكم.

وما أن تنتهي فيروز حتى يبدأ المذيع بصوته الرخيم بقراءة رسائل التحية والاطمئنان التي يتبادلها الفلسطينيون فيما بينهم. عبر الاذاعة السورية شتاتا أو من داخل الأراضي المحتلة.

«واننا لعائدون»

عبارة مقدسة يجب أن تزين خاتمة أي رسالة.

والزمان أوائل الثمانينات من القرن المنصرم والفصل شتاء.

أما المكان فهو في أحد أحياء ديرالزور البسيطة كما باقي أحيائها المتشابهة.

وقتها لم يظهر التلفزيون بعد ما يجعل المخيلة تبدع بتحويل الصوت الى مئات الأشرطة السينمائية المتخيلة.

تلك الذاكرة الصوتية جعلتني أتعاطف معهم بمأساتهم، بأحلامهم الموحدة بالعودة الى ديارهم وتصيبني الدهشة من طريقة مسنيهم في اختزال الأمل وتحويله الى مجرد مفتاح لمنزل مازالو يحتفظون به الى حين العودة الى حيفا الى يافا والى سائر الأراضي الفلسطينية.


أما الان فما أشبه اليوم بالبارحة

نعم مازلت أحتفظ بمفتاح منزلي

وأحتفظ بالصبر كمفتاح احتياطي ان صادفت الفرج يوما

وأعلم بأنهم لن يعيداني الى منزلي يوما

سوف أحتفظ بهما في نعشي وليدفنا معي

ولن أسمح لأولادي بأن يرثوا تلك التركة

المتمثلة بمفتاح أكثر ما يشبه اشارة استفهام

وليصنعوا هم مفاتيحهم الخاصة بهم لعلها تفتح لهم بابا من الاف الأبواب المغلقة التي تنتظرهم. أو تفتح لهم أبوابا لملايين الأسئلة المعلقة والتي تركتها لهم بلا اجابات.

لكن يبقى قلبي معهم وسلامي لهم.

الإثنين, 31 أغسطس 2015

إبحار

نزعت أزرار أشرعتي

أطلقت مرساتي

خلعت.. تواضعي

لم انحن للريح

•••

وحيدا.. عاريا

مع قاربي

لم يكن زادي

سوى ملح ذكرياتي

وفتاتا من أمل

•••

وقتها.. أطفأ البحر القنديل

وأغرق القمر

معلنا إعصار احتضار

•••

فتكسر الموج في يأسي

ورحت.. ألملم صدى صمتي

وأعلن.. لحظة موتي

•••

حنين

حين تأتين في حلمي وتغفين

أغافلك وأصحو

وأرى كيف نمت بعينيك غابات الهدب

وهل سقيتها دمعاً من عتب

وأفتح صدري وأنزع المنديل

معطراً بالياسمين

لتمسحي حين تصحين

من عينيك كحلاً حزين

لا يعلق برمش يمشط بالحنين