جريدة الشاهد اليومية

د. أحمد طقشة

د. أحمد طقشة

ابنتي أسيل من مواليد براغ عاصمة تشيكوسلوفاكيا حينها، واليوم عاصمة تشيكيا وحدها بعدما انفصلت عنها سلوفاكيا بود وسلام.

درستُ مع زوجتي هناك، وكأجانب سجلنا الطفلة في السفارة اللبنانية، لترسل الاوراق الى الخارجية اللبنانية في بيروت، كي تحيلها الى دائرة النفوس التي تمنح المولود الجنسية والهوية اللبنانية.

كانت دائرة النفوس تقع في مبنى العازارية الشهير وسط بيروت.

وكان التنقل صعباً لا يخلو من المخاطرة، بسبب الاحتلال الإسرائيلي يومها تطوع صديقي صبحي زعيتر زميلي في العمل وجاري في السكن، أضف انه كان يملك سيارة، ليقلني الى العازارية.

ذهبنا صباحاً، ورافقتنا زميلة فرنسية تتقن العربية جيداً، أرسلتها صحيفتها الى بيروت لتغطية الحدث اللبناني.

سألت الموظف عن حاجتي، فبحث في دُرجه وردّ بالإيجاب. وأخرج ملفاً،فتحه وعلق: نعم. حظك مثل الصخر، فلا معاملات تصل هذه الأيام، مبروك لديك «أشيل أحمد طقشة»، ذهلت عندما سمعت الاسم.

«أشيل» رددت في داخلي ثم ارتفع صوتي بغضب: «اسمها أسيل لا أشيل.. من أين جئت بالاسم؟!

- لكنها في الملف عندي «أشيل».

أضاف ببرودة زادتني انفعالاً وعصبية.

• هل تعرف معنى «أسيل»؟! وهل تعرف من يسمّى «أشيل»؟!

- نعم، أعرف الخد الأسيل، الخد الناعم الجميل. حتى عبدالوهاب يغني «بوسة على هالخد».

قاطعته بحدة: وأشيل اسم عبري يهودي.

- اعرف لكن اعذرني ماذا في يدي استطيع أن أفعله؟!

سنوات طويلة لم أكن قد تعاطيت مع اي دائرة حكومية، وقفت محتاراً حتی «لكزني» صبحي بحركة تحثني على القيام بـ «الواجب»!

أخرجت 50 ليرة لبنانية من جيبي وكانت تساوي يومها نحو 15 دولاراً أميركيا. ناولتها للموظف دون أي تستر، فعلق: يا أستاذ أحمد هذه تمحو نقطة واحدة فقط!

رغم ثقل الموقف، انفجرنا بالضحك، صبحي وانا وقهقهنا عاليا، إذ كانت  النكتة مهضومة، سألتُ: يمكن إزالة ثلاث نقاط بسعر اثنتين؟ ابتسم الموظف بدوره ولم انتظر جوابه، وأخرجت من جيبي 50 ليرة اخرى كانت اخر ما فيه اصلا، ناولته إياها وأنا مبتسم وأقول «الله يعينك.. الثلاث بسعر اثنتين. وأعد الشين سيناً» فوافق.

كان مرتشيا مهضوما فطار طربوش النقاط المزعج وعاد الاسم الجميل ممهورا بخاتم الدولة اللبنانية الرسمي: أسيل.

نظرت الى زميلتنا الفرنسية الواقفة الى جانبنا طوال الوقت فاذا هي عابسة منفعلة، وقد غزا الاحمرار لون عينيها الزرقاوين، ولم أتأكد ما اذا كانت تقاوم دمعة فيهما.

كنت احترمها كثيرا، فهي صحافية متميزة سريعة البديهة، شجاعة صاحبة قلم جريء وعبارة جميلة، عميقة الثقافة أكبر سنا مني، ربما كانت في عمر صبحي.

ترددتُ ان أسأل خشية ان اكون قد جرحت شعورها بحركة لم اقصدها او جملة عفوية قلتها، اذ كثيرا ما أقع في ذلك. لكنها قطعت حيرتي، وقالت بصوت متهدج مشبع بالألم: مضى عليكما 72 يوما تعيشان حصار بيروت واحتلالها، وتكتبان يوميا ضد الاحتلال وتدعوان لمقاومته وطرده، وانت يا أحمد تحدّيت رئيس الجمهورية وكتبت له «افعلها» بصيغة الامر، وأن يقول لا للاحتلال ويدعو شعبه لمقاومته والآن ماذا فعلت أنت؟!

واستطردت: ما جرى الآن يثير الحزن والأسى والألم، لا القهقهة والمزاح، ها قد طرد شعبكم المحتلين الاسرائيليين من العاصمة، وغداً ستستمر المقاومة فتتحرر باقي الاراضي اللبنانية.

لكن هذا الفساد،مَن يحرركم منه؟ وكيف يمكن ذلك طالما هو منتشر في الادارات والمواقع ومثلكم يشجعه وإن بحجة الضرورة وانجاز الحاجة؟!

الأخطر ان الفساد الذي ألمسه واتابعه في اجهزة الدولة ينتشر عرضا وطولا، أفقيا وعموديا، هذا هو الخطر الحقيقي على لبنان، لا اعرف كيف ستتخلصون منه؟!

تحرر لبنان من الاحتلال فعلاً، لكنه لم يتخلص من الفساد، بل يزداد هذا انتشارا كما تنبأت فرنسواز في كل الاتجاهات صعودا ونزولا، طولا وعرضا!

في ظل الاحتلال انتخب لبنان رئيسين للجمهورية ولاح امل  في وحدته، أما في ظل الفساد المستشري، فهو عاجز اليوم عن انتخاب رئيس للجمهورية ويتفتت الى مزارع واقطاعات وحكم سماسرة، وهو عاجز حتى عن التخلص من نفاياته. وتتوزع إقطاعاته بين ضاحية ورابية وعين تينه ومختارة وبيت وسط، ومعراب وبنشعي، مقرات الزعامات الاقطاعية. بينما القصر الجمهوري في بعبدا رمز الأمة فارغ.

في النهاية ورغم ان الحرب انتهت وهزم الاسرائيلي وانسحب السوري، انا هاجرت وأتيت الى الكويت التي استضافتني بود وتقدير.

أسيل حصلت على الدكتوراه من بريطانيا وهاجرت الى أبوظبي.

طارق درس في بوسطن وعمل في الكويت فترة. سميرة وحدها بقيت حارسة الأمل. نقلت حماسها الى طارق الذي عاد الى بيروت، وباشر مشروعه.. على أمل أن للفساد ساعة، ويردد مع والدته شعارهما الجميل: «لن نسمح لفساد بألا يترك لنا مكاناً في وطننا».

الثلاثاء, 12 يناير 2016

جمهوريات بيضاء ورايات سوداء

في القرون الوسطى كان الأوروبيون يعزلون مجانينهم ثم يرسلونهم بعيداً على سفن تجوب الانهار دون قبطان.

اليوم البشرية كلها تعيش في عالم مجنون يشبه سفينة تائهة في بحر ظلمات، نحن في الشرق الأوسط، جزؤه الأكثر جنوناً، وأول ضحاياه.

علمنا مجنون لأنه عاجز عن ايجاد حلول لخمسة وعشرين مشكلة كونية شاملة يواجهها حالياً وتهدد الكوكب كله، بزيادة مئتين وخمسين بالمئة عما كانت مشاكله الكبرى قبل ثلاثين عاماً حين كان عددها في ثمانينات القرن الماضي عشراً فقط!

الولايات المتحدة الأميركية وحدها غزت خلال خمسة عشر عاماً من القرن الحادي والعشرون الحالي سبع دول معظمها عربية وإسلامية ودمرتها!

متلازمة الفاشية والعنصرية وكراهية الأجانب، خاصة المسلمين والعرب، حقيقية وحية في الغرب كله، ويزداد اليمين المتطرف قوة وانتشاراً واتساع شعبية في الولايات المتحدة وأوروبا، وينفخ في شعار يتضخم يومياً المهاجرون واللاجئون المسلمون والعرب والأفارقة يغيرون أسلوب حياة الأوروبين!

نغمة واحدة تعزف على ضفتي الأطلسي: دونالد ترامب في أميركا أقوى المرشحين الجمهوريين في السباق الى البيت الأبيض، والذي كلما فتح فاهه تهجم على المسلمين فترتفع شعبيته، مارين لوبان رمز العنصرية في فرنسا على الضفة الأخرى، وبقية العازفين في الغرب على وتر معاداة الإسلام والعرب.

هؤلاء يعتبرون الهجرة واللجوء «غزوا إسلامياً منظماً» للقارة العجوز، وليست عملية اضطرارية تسببها الويلات والنكبات والحروب التي تعيشها البلدان التي تهرب منها شعوبها، ويستغلون عمداً إرهاب داعش واخواتها ليعمموا اتهام جميع المسلمين في كل العالم، فيببررون أهدافهم العنصرية! حتى المستشارة الألمانية انجيلا ميركل لم تسلم من عدوانيتهم، فوصفوها بـ«الجنون» و«خيانة» أوروبا بسبب موقفها الإنساني والاخلاقي من أزمة اللاجئين والفارين رغم أن موقفها انقذ ما يمكن من شرف أوروبا.

هذا هناك عندهم في الغرب، فماذا هنا عندنا في الشرق؟

نبدأ من الأحدث ففي أجواء الصعود الخطير للفاشية الجديدة يعلن سلطان انقرة رجب أردوغان رغبته في تغيير تركيا إلى النظام الرئاسي مستلهما «المانيا هتلر» الناجح برأيه! نسى أن هذا النظام ارتكب أكثر الجرائم دموية في التاريخ، الحرب الكونية الثانية التي بلغ ضحاياها 75 مليون إنسان وادت إلى تدمير أوروبا وخراب بلدان كثيرة خارجها ليس مهما التوضيح اللاحق ان التصريحات قد انتزعت من سياقها، القلق الحقيقي هو من قناعة اصيلة لدى السلطان تنتج عنها سياسات تداهن داعش وتجد مساحات تعاون مشتركة معها.

هنا أيضاً تستمر مجازر الطغاة ضد شعوبهم وبلدانهم، وتتفشى الطائفية وصراع الطوائف والقبائل، وتنهار الدول وتدمر البلدان وتتمزق الشعوب وتتشرد من أوطانها.

وبموازاة جرائم  هؤلاء، يفجر مجرمو التنظيمات الإرهابية في داعش واخواتها، ابشع مجازر الابادة والتهجير، ضد المسلمين والمسيحيين وأهل أي عقيدة أخرى أو رأي مخالف يستبيحون كل المحرمات وتمتد جرائمهم لتشمل ابرياء في انحاء العالم من باريس إلى بروكسل حتى مصر ونيجيريا، بذلك تصب الماء في طاحونة فاشية الغرب وتمنح شعاراتها العنصرية مبرراً وشرعية.

تهجير من الشرق إلى الغرب ومن هناك إلى هنا مسلمون هنا ومسيحيون هناك «جمهوريات بيضاء» نقية في الغرب هدف فاشية وعنصرية، و«خلافة رايات سوداء» صافية في الشرق شعار إرهابية ودواعشة عند ذلك لا تبقى ابادة الاضعف، المسلمين والعرب طبعاً، من قبل من يملك وسائل الابادة، إذا وصل دواعش الغرب إلى السلطة، مجرد خيال علمي.

العرب في سيناريوهات صراعات عالم اليوم قد يتعرضون للابادة.

احتمال مجنون. لكن عدم التفكير فيه جنون ايضا، السنا في عالم فقد عقله؟!

أشعر بالحرج وأنا أكتب هذه الأسطر من أن تفُسَّر بأنها تدخل في شأن داخلي، لكن النقاش الذي انطلق بعدالحكم بعدم دستورية مرسوم إنشاء هيئة مكافحة الفساد لانتفاء الضرورة منه، دفعني لتسجيل رأي تبلور من موقعي كصحافي يتابع الحدث الكويتي منذ ثلاثين عاماً، ما سمح بالاطلاع على خلفيات كثيرة، وآليات عمل متعددة وسياسات من قبل السلطة والقوى السياسية المعارض منها على درجات، كما الموالي على مستويات.

حفَّزني النقاش ليس فقط من حيث الموضوعات التي يثيرها، والمحاور التي يركِّز عليها خاصة القصور لدى المستشارين الذين لم يقرأوا على نحو سليم مفهوم الضرورة في الدستور وملاحظات اخرى، بل لسببين: أحدهما سريع متعلق بالحدث نفسه، والثاني جوهري مرتبط بتحول ايجابي مهم في ادارة شؤون البلاد أتجرأ على وصفه دون تردد بأنه تاريخي ومفصلي تميز به عهد صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد حفظه الله.

للأسف، لم تلحظ النقاشات حول دلالات حكم ا لمحكمة الدستورية هذا التحول على اهميته، فحصرت نفسها، اضافة الى مسؤولية المستشارين عن الحرج الذي تسببوا به للسلطة السياسية، وهم مسؤولون بالفعل، في نتائج الحكم الدستوري والبلبلة الحاصلة من الغاء هيئة مكافحة الفساد، وانعكاساته على بقية مراسيم الضرورة للحد منها، كما يجري التركيز على كيف ان السياسيين، خاصة من الحكومة، يرحّلون ما عليهم القيام به الى ساحة القضاء، فيحمّلون السلطة الثالثة أعباء ايجاد حلول ينبغي أن يبحث عنها ويجدها أو يجترحها غيرها من السلطات، تحديدا السلطة التنفيذية.

الانطباع السريع هو أن النقاش رغم القصور الذي يعتريه، فإنه مؤشر صحي على حيوية تتميز بها الحياة السياسية في الكويت، فيما هي نادرة أو شبه غائبة في بلدان عربية كثيرة، ومنعدمة في بلدان أخرى.

أما الملاحظة الرئيسية الغائبة عن النقاش، انه لم يلحظ التحول الايجابي والمهم الذي جرى في ادارة شؤون البلاد، خلال السنوات العشر الماضية، وتكرَّس اثناءها. والمتمثل في تصميم صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد على التمسك بالدستور، واعتماده حَكَماً في القضايا الخلافية، وكانت كثيرة في العقد الفائت، وعلى رفض تجاوزه أو تخطيه، وهو ما يمثله تكرار اللجوء الى المحكمة الدستورية، بشأن تلك القضايا، والالتزام بأحكامها، بغض النظر في مصلحة من أتت تلك الأحكام.

أن ترتقي ادارة شؤون البلد الى هذا المستوى الراقي، فهو انجاز مفصلي، بل وتاريخي. وهذه سياسة تتضاعف حكمتُها وضرورتها أيام الأزمات الحادة التي مرَّت بها الكويت، خاصة منذ 2009 حين خيَّم على البلاد تلاشي اسلوب الحوار وانسداد مسالكه.

يُصنَّف التوجه المبدئي المتمسك بالدستور علاجا للازمات وخروجاً من انفاقها التي سُدَّت اكثر من مرة، ضمن إنجازات عهد سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد البارزة والمهمة، ويجسد بُعد نظر سموه، وحنكته وتجربته الغنية، وقبلها الحرص على الكويت.

هذا التوجه مكسب في غاية الاهمية للحياة السياسية في الكويت. فهو اولا يعكس قناعة الحكم بالالتزام بالدستور والقانون والاعتماد على القضاء حَكَما ويوفر دفعا قويا نحو استقلاليته، وثانيا، يعزز النظام السياسي في الكويت ويزيده قوة ومناعة، ويبلور اخيرا مستقبلاً جديداً ومتطوراً للعمل السياسي في البلاد أساسه الدستور والقانون، فيما تنهار دول من حول الكويت، وتتفتت وتغرق في الفوضى والانقسام، بعدما أدرات الأنظمة فيها الظهر للدساتير، وأمعنت في تجاوز القوانين وخرقها، حتى سادت لغة السلاح  وخطرها الجسيم لحسم الخلافات.

واذ وفَّر هذا التحول المهم زخما وحيوية للعمل السياسي في البلاد، وجدد آلياته من خلال الصوت الواحد، ينبغي القول إن المعارضة في الكويت، مع الاحترام لكثير من مكوناتها وشخصياتها، لم تنتبه، أو حتى لم تدرك للأسف، قيمة الإنجاز الذي تحقق في عهد سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد، وكان يمكن للجميع الاستفادة منه، بما ان الجميع يعمل في هدي الدستور وتحت مظلة القانون.

لكن هنا حصلت المفارقة اللافتة: السلطة تتمسك بالدستور، وتلتزم بأحكامه، فيما قوى معارضة متمرسة وذات خبرة واسعة، وجماهيرية ملحوظة، تنكرت لهذا الانجاز، وهو في الأساس مطلب رئيسي لها، فلجأت الى المبالغة والغلو والخيارات الخطأ، واكثرها سلبية عليها، كان مقاطعة الانتخابات بعد إقرار نظام الصوت الواحد رغم تحصينه دستورياً.

ولأن لا اخطاء سياسية دون ثمن، فهي تدفع حتى اليوم أثماناً باهظة خاصة لخيار المقاطعة، ولبقية خياراتها التي جنحت للتطرف وعدم الواقعية وصولا الى التشكيك بالقضاء نفسه: تفككاً وتشرذماً وانحسار شعبية وتقوقعاً وبعداً عن الفعل السياسي الإيجابي. وستستمر على هذه الحال اذا لم تراجع تجربتها وتستخلص العبر وتتعلم من اخطاء الماضي.

في السياسة كما في الحياة لا يصح إلا الصحيح.

الثلاثاء, 29 ديسمبر 2015

تعرف كل شيء..وتنتظرنا

تقول ويكيبيديا « أنا اعرف كل شيء» ويقول فيسبوك «أنا أعرف الجميع» ويمازحهما غوغل «وأنا اجد كل من وما تعرفانه».

مع ان الاميركيين جيمي ويلز ولاري سانغر تعرضا للسخرية عندما اسسا موسوعة معلومات شاملة على الانترنت العام 2001 وتوقع كثيرون فشل المشروع الا ان ويكيبيديا اكتسبت بعد سنوات قليلة اهمية ضخمة واصبحت اليوم مصدر المعلومات رقم واحد في العالم وربما هي للعرب اكثر اهمية لان الموسوعات الشاملة بالعربية ذات المستوى قليلة جدا ونادرة.

الدليل على اهمية ويكبييديا العربية انها اصبحت تحتوي نصف مليون مادة حول مواضيع عربية كثيرة ومتنوعة وقادة وشخصيات ذوي وزن وحتى اشخاص عاديين الخ وتتلقى النسخة العربية حوالي 2 مليون سؤال يوميا اضافة إلى العرب الذين يمكن ان يبحثوا عن معلومة بلغات اخرى ويأتي ترتيب الكويت من حيث المرتادين في المرتبة 11 من اصل 26 دولة عربيةاو يرتاد العرب منها تلك الموسوعة.

هذا يعني انه تقريبا لا يوجد شخص يعرف القراءة لا يبحث عن معلومة في ويكييديا يستخدمها خاصة الطلبة الجامعيون وتلامذة المتوسط والثانوي ولم يعد استخدامها محظورا في الاوساط الاكاديمية شرط الاشارة للمصدر, وحتى نحن الصحافيين نلجأ اليها رغم اننا نشتمها احيانا للاخطاء في بعض معلوماتها.

الاخطاء حتما واردة وموجودة وكذلك عدم الدقة في احداث ووقائع وتفسيرات وكذلك تحيز في بعض المحتوي هنا وهناك عندما يتعلق الامر بالعرب والمسلمين فهذه الموسوعة العظيمة صورة مصغرة عن ديموقراطية الكتابة ونشر المعلومات وتداولها دون حدود لان النشر فيها متاح للجميع ولأي كان طالما يلتزم بالقواعد المهنية التي تعتمدها ومنها الثقة بمن يكتب ذلك لا يمنع احيانا وجود شوارعي او صاحب غرض يتعمد نشر سخافات وتفاهات لكن ترهاته تكتشف في وقت قصير من خلال آلية الحرص على الحقيقة والفرملة والالغاء.

هذا الكم الهائل من المعلومات لم يعد من المناسب ان يترك للعشوائية والارتجال او للهواة وحدهم مهما حسنت نواياهم وبغض النظر عن مستواهم ولان ويكييديا اصبحت مزدحمة بالفعل فإن الجهات المعنية في عدة دول اختارت التركيز على تدقيق المعلومات المتعلقةبها وتنقيتها من الشوائب والاخطاء واعادة صياغتها باسلوب اجمل وتعتبر المانيا وبولندا والولايات المتحدة والدنمارك رائدة في عملية تصحيح المعلومات التي تخصها.

وبما ان المعلومات عن الكويت كثيرة جداً في الموسوعة الالكترونية ونظرا لموقعها المتقدم من حيث الرواد المهتمين بهذه المعلومات اصبح من الضروري ان تولي الجهات المعنية, وزارتا الاعلام والتربية وجامعة الكويت ومؤسسة الكويت للتقدم العلمي, اهتماما مستحقا بما يوجد عن الكويت في الموسوعة لتضمن صحته ولا يبقى امره متروكا على غاربه وحتى يكون للكويت في ويكييديا موسوعة علمية كاملة المواصفات تكون مرجعا موثوقا فيه لكل من يبحث عن معلومة في اي شان كويتي كان.

الثلاثاء, 22 ديسمبر 2015

نلتقي من جديد

وهكذا انتهت أطول إجازاتي وأجملها على الإطلاق.. قطعها حنين إلى الكويت وعرض كريم فاجأني من الشيخ صباح المحمد الصباح.

بالتأكيد، أنا لا أشكو من اجازة استمرت عاما الا اياما، بل أشكر القدر الذي منحني رفاهية التوقف،فوفّر لي ان اعيش فرحة وسعادة حرمت منهما، وما كانا ممكنين في ايامي السابقة،ووهبني الفرصة كي أنجز أشياء أحبها وما كنت قادراً على إتمامها وأنا غارق في دوامة العمل اليومي الذي لا ينتهي، بوتيرته السريعة جدا،وآليته المرهقة،منتجة التوتر، ومستنفدة الطاقة والصحة،ومستهلكة التفكير جله،واحيانا كثيرة كله،بأي شيء غير كيف تصدر الصحيفة غدا بمضمون لائق وشكل جميل،وكيف سيكون العدد الذي يليه.

علمتني التجربة ان الصحافة لا تقبل ضرة معها ابدا، فهي ليست مهنة المتاعب فقط كما يشاع ويتردد،انها اكثر من هذا وأخطر.  محرقة حقيقية لمن يُخلص لها، ويعمل فيها بحماس واندفاع، ويُسخّر كل طاقته للنجاح،وللارتفاع بها ومعها،ولا يكون فيها عابر اوراق وأحبار بلا طعم ولا لون. والأنكى انها تستهلك كل هذا ولا تتوقف عن طلب المزيد وهي تبتسم وربما تَسخَر، ولكن من الانصاف القول انها ليست أنانية،بل تأخذ وتعطي وترفع من يرفعها.وتبادل من يحبها حبا بحب.

ورغم أني جهدت لمواصلة بذل كل ذلك دون تراخٍ او تهاون،وجاهدت كي لا اتهاوى عند خط النهاية،أو بالقرب منه، وهو بدأ يلوح في الأفق منذ زمن،إلا أن المتعة اللذيذة،وإن متعبة، من المهنة التي درستها، ثم مارستها بحب وصل حد العشق والشغف، بدأت تنفد  شيئاً فشيئاً، حتى تلاشت ووصلت إلى القعر، وإن كانت القدرة ،أو بعض منها،مازالت موجودة.

ولأني ألزم نفسي بأن تقدم دائماً أفضل ما لديها، وهو ما أطلبه من زملائي الذين أتوسم فيهم الموهبة، ولست من النوع الذي يسعى إلى بناء مكانة بدون ثمن، أو بأي ثمن،فقد شكرت القدر مرة ثانية لأني شعرت وأدركت أني توقفت في اللحظة المناسبة.وهذا بحد ذاته انجاز لا نوفق فيه جميعنا.

تعززت هذه القناعة وأنا أطالع الكتب التي تكدست في مكتبتي خصوصا تلك التي تحاول فهم الاسباب التي اوصلت العرب الى يومهم التعيس البشع هذا، كما وأنا أعيش نمو أسيل الصغرى،وأمحو الغصة ،وربما العَبرة،التي اجتاحتني لمّا لم تتوافر لي اجازة،ولو خاطفة،الى بيروت،لأشهد قدوم أول احفادي وأعيش فرحة اللحظة،طارق صار أبا،وسميرة وأنا صرنا جدين.

بدأت اجازتي فيما كان هذا المخلوق الآسر يحبو إلى عامه الثاني.. غمرني فرح لم أكن قد عرفته، وأنا أشاهد حفيدتي وأعيش كيف بدأت تقف، ثم تركض،تهرب، تختبئ،تسبح، تنطق كلمة، كلمات، بينها «جدو»، ثم جملاً أجملها على الاطلاق السؤال المدهش «شو هاي» (ما هذا) وهي تتعرف على الاشياء، والاحتجاج الحلو «يا عمي.!» ويواكب كل هذا عناد آسر « ما بدي..» (لا أريد).

الى أسيل الصغرى، عشت شهراً مع زياد الحفيد الثاني ،الطفل الأول لأسيل الكبرى، وهو يكبر الى عامه الأول، أكولٌ كما احبُّ الاطفال، هاوٍ للسباحة، فأضاف الى رياضتي التي أمارسها يومياً مزيدا من المتعة، وبعث فيَّ حماسا اضافيا لها.

ثم أتت ريم الابنة الثانية لطارق لتزيد الإجازة بهجة وجمالا.

لقد عشت الفرح والسعادة من أطفالي،اذ وهبني الرحمن أسيل وطارق.لكن الجد غير الأب. الحفيد هو فاكهة الحياة،ويجب ان اضيف اللذيذة جدا. نمو هذه المخلوقات الساحرة معجزة حقيقية.والدليل الأكيد على ان الحياة مستمرة،مهما يكن، إلى ما شاء الله.

في الإجازة أيضاً،أنجزتُ خطة مشروع إعلامي راق ومهم أفتخر به،واذا ما وجد طريقه الى التنفيذ،سيكون الاول من نوعه في البلدان العربية.

ومن النعم كذلك،أني وجدت الوقت لأباشر الإعداد لتحقيق حلم كنت اضطررت لتأجيله من عام إلى عام. بستان ورود وأزهار أتفرغ فيه. هيأتُ له الأرض، وجهدت لتنظيفها من ألغام وقنابل عنقودية تركها العدوان الإسرائيلي على بلدي عام 2006. وما إن ظننت أن الحلم أصبح قريباً حتى بدد الشيخ صباح المحمد هذا الظن.

أهم من العرض الذي قدّمه، كانت صراحة منه فاجأتني،والأصح انها أدهشتني، وطموح غامر نفخ فيَّ شرارة حبي للمهنة فأعاد إشعالها. وبعدما كنت قد قررت العودة الى الجذور، الأرض، أعادني إلى بحري الذي أسبح فيه وأهواه،الصحافة.

أما الصراحة المدهشة فأكشف عنوانها فقط.بعد السلام مباشرة،ومع اول رشفة قهوة،قال أبو محمد: «أقولها لك بنفسي قبل أن تسمعها من غيري ...» ورمى قنبلته  التي ادهشتني،لكني  أحتفظ بها لذاتي لأن المجالس أمانات.وأكتفي بتكرار قناعتي الراسخة في أن  من يقول الحقيقة في عينيك يفرض عليك احترامه. فنحن نعيش في زمن عجيب.. حيث «الثقافة» تقاس بمقدار الكذب،و«الشطارة» تحسب في التنكر لموجبات الصدق والصداقة، ومن يجرؤ على قول الحقيقة يعتبرونه متهوراً وربما مجنوناً.

أما الطموح والحماس والاندفاع، فقد انعكست في مشاريع ورؤى وتصورات تتزاحم في ذهن الرجل وأحلامه،وترافقه في يقظته ومنامه. رغبة متقدة في التطوير والتقدم والتوسع، وطموح قد يظنه البعض افلاطونيا،لانهم معاكس لما أصبح سائداً في صحافة الكويت وإعلامها. فبينما يزداد انكماشهما وانحصارهما الى حد الغرق في المحلية، يحلم راعي «الشاهد» ويعمل نحو  أفق منفتح واسع طموح يشمل العرب كلهم، خاصة مصرهم وخليجهم.

انه صاحب حلم إعادة الاعلام الكويتي الى أصله: جذور عميقة ضاربة في ارض الكويت،ممتدة مفتوحة على الافق العربي  الواسع.

كيف أتصور رحلتي الجديدة؟

آمل وأعمل كي تكون الإجابة في «الشاهد».

الصفحة 12 من 12