جريدة الشاهد اليومية

د. أحمد طقشة

د. أحمد طقشة

السبت, 12 مارس 2016

أعجبتني قدرتك على الحب

لم يُسعفني القلم في رثاء صديق أحزن لفقده. فلم أكتب عن صديق رحل. عند الغياب يعصى الألم على القلم. يرفض أن يُصَب على الورق ليبقى في القلب وجعاً، وفي المقلة دمعة.
كافحتُ لأتجاوز عناد الألم عند فراق أحد أصدقاء العمر والزميل السند، حتى عندما تتباين رؤانا، سهيل عبود، فكتبت في رثائه كلمتين فقط لأخبره أنني «فجعتُ به».
وها أنا أكافح عشرة أيام لأكتب عن صديق وزميل رائع من زمن الصحافة الجميل زهير الدجيلي أبوعلي.
كان بعيداً هناك في أميركا عندما طلب الحضور إلى الكويت: «أحبّها ولي فيها أحبة، وهناك أكون أقرب - يقصد إلى العراق - وهذه رغبة أم علي أيضاً».. وهكذا كان.
عرفته من أغانيه ومسلسلاته قبل أن التقيه خاصة تلك التي غناها زميل الدراسة الموسيقار الصديق كوكب حمزة. ثم تصادقنا سنوات عملاً وعائلةً. إنسان حبيب، وفيّ،خدوم، كريم، مثقف، فنان متعدد المواهب، صحافي شامل، سخي الإنتاج والعطاء لعمله وللناس حتى في أصعب لحظات المرض.
أسرني في أبي علي أنه من النادرين الذين يقولون رأيهم بصراحة أعجب السامع أو لم يعجبه، ويقول الحقيقة دائماً في الوجه. لم يطعن ولم يستغب.
شخصية استثنائية في الإخلاص للمبادئ الإنسانية، وإنسان رقيق راقٍ في الموقف والتعبير والنقد والابداع، لم أعرفه قاسياً إلا في حالتين: في كفاحه من أجل سقوط صدام حسين، ثم في موقفه من الحكم الذي قام محل الديكتاتورية.
فرح لسقوط صدام، لكنه أصيب بخيبة أمل من الحكم الجديد بسبب الفساد الذي استشرى، والطائفية التي انتشرت، والعجز الذي تفشى حتى أضاع العراق. فعبّر بقوة لاذعة، وكثيراً ساخرة، عن الحسرة والندم والألم وهو يرى بلده الذي أحبه ووهبه حياته وعمره يتفتت طوائف وقبائل وقوميات ويعود مئات السنين إلى الوراء.
تدخلتُ لديه، مرّة، بطلب من صديق مشترك- دون أن تكون تلك قناعتي- أن يخفف حدة نقده للحكم في العراق، المالكي أولاً ثم العبادي. فرفض معلقاً بلهجته المحببة «عيني أبوأسيل، هل ما أكتبه أقسى مما يفعله هؤلاء؟!».
شجرة باسقة وارفة الأغصان عميقة الجذور، بغيابها يزداد التصحر في الصحافة والفن والثقافة. فيتمدد الجدبُ في المساحة الفارغة. «متصحيفون» و«متثيقفون» يزيدون معاناتها قحطاً ومحلاً.
أحببت زهير الدجيلي واحترمت صداقته وزمالته وحزنت لرحيله، وسأفتقد ابتسامته الدائمة وحبّه للحياة.
لك الرحمة أبا علي، وللأخت العزيزة رفيقة دربك السيدة أم علي خالص العزاء.

رغم أهمية النتائج التي أسفرت عنها انتخابات مجلسي الخبراء والشورى في إيران أواخر فبراير الماضي، إلا أن من المبالغة اعتبارها منعطفاً
أو تحولاً في السياسات الإيرانية داخلياً وخارجياً. الأرجح انها ستنعكس أولاً في المجال الاقتصادي، وتطرح في الوقت نفسه أسئلة مهمة عن نهج إيران الإقليمي، الذي من المستبعد أن يشهد تغييرات.

أهم الملاحظات داخلياً، ان تحالف التيار الإصلاحي والمحافظين المعتدلين حقق تقدماً لم يرتق إلى فوز وبقي أقلية، وتراجع التيار المحافظ المتشدد دون أن يُمنى بهزيمة وبقي أكثرية في المجلسين.

تُعطي هذه المعادلة الإصلاحيين دوراً ملحوظاً في اختيار المرشد الأعلى المقبل، إذا بقي هذا المنصب مُعتَمداً بعد المرشد الحالي.

حصانا الرهان لدى المعتدلين في هذه المعادلة الرئيسان الحالي حسن روحاني والأسبق هاشمي رفسنجاني اللذان اخترقا مجلس الخبراء المتشدد حتى الانغلاق مع مجموعة أعضاء يُصنّفون على أنهم من طلاب الشهيد محمد باقر الصدر المعروف بانفتاحه ونهجه الإصلاحي، وكانا السبب في اقدام صدام حسين على قتله.

الانتخابات التي كرّست رفسنجاني «ثعلب السياسة الإيرانية» رقماً صعباً، ان لم يكن أولاً، في التيار المعتدل، أعطت الإصلاحيين في المجلس، مساحة هي الأوسع منذ 2004، توفر لهم حرية أكبر للتحرك، وفي رصيدهم الاتفاق النووي مع
الـ 5+1 للانفتاح على الغرب، اقتصادياً وتجارياً.

تأمل طهران من هذا الانفتاح أن تتجاوز التركة الثقيلة للرئيس السابق أحمدي نجاد التي اغرقت البلاد في كارثة اقتصادية كبرى. ذلك هو السقف الأعلى للإصلاحيين، يعيدون تواصل إيران مع المجتمع الدولي، وهذا انجاز مهم إذا تحقق، لكنهم أكثر ليونة من أن يكونوا مؤهلين، أو قادرين على إصلاحات جذرية وحقيقية في الاقتصاد والسياسة والاجتماع.

أما الأحلام الوردية للمغالين في التفاؤل عن تنمية وازدهار اقتصادي على الأبواب، فتبدو أن لا واقعية فيها.

السلطة الدينية في إيران، كأي سلطة دينية أو عسكرية وشمولية، لا يمكن ان تنتج تنمية أو حداثة تحتاجهما إيران بشدة، وهي، أي السلطة الدينية التي من هذا النوع، غير قادرة بحكم تركيبها وتفكيرها على الانفتاح والالتحاق بالعصر.

تُبقي التوازنات السياسية والعقائدية النخبة الايرانية الحاكمة في قبضة المتشددين من رجال دين وحرس ثوري وأجهزة أمنية.

ويَبقى الحُكم بالتالي خاضعاً لمتلازمة رباعية العوارض، عارضان منها ورثتهما الثورة عن حكم الشاه هما القوة والعسكرة، وعارضان استجدا منذ الثورة هما المحافظة والتعبئة، واستمرت المتلازمة الرباعية تتحكم بنهج الجمهورية الإسلامية على حساب التنمية الاقتصادية والديمقراطية والانفتاح على الخارج والازدهار الاجتماعي.

هنا يكون السؤال الأكبر الذي يهمنا نحن العرب: ما تأثير نتائج الانتخابات على سياسة إيران تجاه الإقليم؟

لن تتخلى إيران عن طموحها وسعيها لأن تكون دولة إقليمية عظمى، وتعوف المكاسب التي تراهن على أن تجنيها من هذا الموقع.

ذلك يعني ان طهران ستسعى إلى توسيع تأثيرها في بلدان المنطقة، ولن تكتفي بامتداداتها الحالية، أو تتراجع عنها.

هذا الجنوح إلى دور لا يُقرّه الجيران سيبقي عنصر التوتر الدائم مع معظم البلدان العربية عموماً والخليجية خصوصاً، ويديم شبح عدم الاستقرار قائماً في أجواء الاقليم.

مع التقدير والاحترام للأخت الوزيرة هند الصبيح، إلا أنها لم تكن موفَّقة في قرارها منح جمعية الإصلاح حق إنشاء المدارس والجامعات لسببين: الأول مجتمعي، والثاني تعليمي.
بالنسبة للسبب الأول، فإن القرار سيفتح الباب أمام جمعيات أخرى بما فيها ذات الطابع المذهبي لطلب المعاملة بالمثل، وسيكون صعبا ردها، فلديها المبررات والمقومات التي لجمعية الإصلاح.
بذلك نكون كمن يذهب باختياره إلى حقل ألغام نراه كلنا، إذ إن «تطييف» التعليم، أي نسبه، أو جزء منه، إلى طائفة معينة، كذلك تسييسه، ليس ضارين فقط، بل هما خطيران جدا على التعليم وعلى البلد.
أما بالنسبة للسبب الثاني، فإن جمعية الإصلاح هيئة ذات نشاط سياسي إضافة إلى المروحة الواسعة من أنشطتها الأخرى الدعوية والخيرية والاجتماعية.
عملت الكويت وفق قاعدة جيدة، وتواصل العمل بها -رغم الملاحظات بشأن النتائج- وهي أن لا مكان للسياسة في التعليم،
ولا تنتمي إليه. عدة دول في العالم - وليس كلها - ذات أنظمة ديمقراطية، تتبع القاعدة نفسها وتمنع بصريح القانون نشاط الأحزاب والجمعيات والهيئات السياسية في المؤسسات التعليمية.
ومن الأسلم نظرا للظروف التي تزداد تعقيدا في المنطقة وتترك انعكاساتها على الكويت، التمسك بهذا المبدأ.. لأسباب عدة أولها أن السياسة في هذا القطاع، ستأخذ التعليم إلى مكان آخر، غير المراد له، وهو المهنية العالية في تعليم التلاميذ والطلبة وتنمية ثقافتهم ، كما ستؤثر سلباً على إصلاحه، وقد بات ضرورة ملحة، خصوصا في ما يتعلق بالمناهج.
طبعا ليست المؤسسات التعليمية (المدارس- الجامعات- التطبيقي) جزرا منعزلة عن مجتمعها ومحيطها، لذا فإن منع تدخل الأحزاب والهيئات المتحزبة في تلك المؤسسات، وإبعادها عن التأثير فيها، لا يعنيان الانغلاق والانعزال عن المجتمع، وعدم معايشة آماله وطموحاته وهمومه.
إن البيئة الأكاديمية ينبغي أن تكون مفتوحة للنقاش حول مختلف القضايا، بما فيها السياسة إنما عبر عملية منظمة، تشرف عليها وتديرها إدارات الجامعات والهيئات الطلابية فيها، بعيداً عن تدخل القوى السياسية
أو تأثيرها.
مؤسسات التعليم يفترض أنها مصانع للانصهار الوطني، والتفاهم المتبادل وتعزيز الهوية الوطنية وثقافة التنوع والانتماء إلى الكويت وطنا نهائيا لجميع أبنائه وبناته، تحضر طلبتها للتحصيل العلمي وللحياة المشتركة فيه.

الثلاثاء, 01 مارس 2016

عالم يبتلع الحقيقة!

نعيش في زمن إلكتروني جدا، امكاناته لم نكن نحلم بها حتى، له إيجابيات وسلبيات.. لكن الأخيرة تطغي في حالة البلدان العربية، والكويت بينها، حيث أصبحت تلك الأجهزة - النعمة في أيدي العرب أدوات لتسطيح المعرفة و«تقشير» الثقافة وتشويه السلوك.

جيلنا، نحن الكبار، غارق في واقع حقيقي مأساوي، مأزوم تسوده صراعات دموية أكثرها عبثي مسدود الأفق، فنهرب منه غالبا بارادتنا الى عالم افتراضي تصنعه تلك الأجهزة، نبحث فيه عن حلم إنساني جميل، رغم معرفتنا أن ذلك ليس سوى تهيؤات وخرافات.

الكارثة عند أطفالنا وأحفادنا فهم لا إراديا ودون اختيار واعٍٍ يعيشون في ذلك العالم الوهمي تصنعها شاشة كمبيوتر، أو ايباد، أو هاتف ذكي،أو سماعتان في الاذن ونوت باك، يتبادلون أحاديث في الهواء، فيسبوك، تويتر، مسجات،واتساب.. لا أصدقاء حقيقيين ولا تواصل واقعيا مع أتراب لهم من لحم ودم ومشاعر، يلعبون معا، يتناقشون، يتنافسون، يضحكون، يصرخون، يختلفون، يتعاركون، يمزقون ثياب بعضهم أو يلطخونها، يتخاصمون، وفي النهاية يتصالحون يعيشون طفولتهم واقعا وحقيقة.

السم الأخطر، هو كمية الألعاب المهولة، بأسماء مختلفة، وعناوين متعددة وبمضمون يكاد أن يكون واحدا: حضور طاغ لعنف استثنائي وعدوانية مخيفة، التوحش عادي، الرصاص عادي، الموت عادي، القتل عادي، الدهس حتى لأولئك الشبان الجدعان المكلفين بتأمين حياتنا وحماية أمننا عادي.

الأجهزة الحديثة اصبحت جزءا من حياتنا يفترض أن تسهلها وتحسن نوعيتها لكن الواقع غير الإفتراض، أصبحت تشوه انسانية أطفالنا تخلق لديهم انطباعا بل قناعة بأن ما يرونه فيها هو العالم الطبيعي فيحرمون مما هو واقعي.التواصل الحقيقي مع الآخر محادثاته الاختلاف أو الاتفاق معه، الحب، المشاعر، الأحاسيس، العواطف وتنشيط الذهن والعقل والمهارات.

وكلما انغمسوا أكثر في عالم الخيال تسرب عالم الواقع بجماله وقباحته من بين ايديهم واصيبوا بالمرض الذي أصبح العلماء يصنفونه على أنه ادمان الأجهزة، عوارضه خطيرة كتلك المترتبة على الادمان على المخدرات والكحول، الأجهزة تستعبد الطفل تصادر شخصيته وحريته وتضعف إنسانيته، تقتل وقته تقضي على مهاراته وتجعلها محصورة في كبس الازرار.

ليس معروفا للأسف عدد الأطفال المدمنين على الأجهزة في الكويت ولا إذا كانت توجد ابحاث في هذا الشأن لكن الملاحظة المجردة لعدد الأطفال والمراهقين الذين يتعاطون مع الأجهزة المختلفة ولسلوكهم في البيت أو الشارع أو السيارة، أو المجمعات تشي بأنه مرض واسع الانتشار.

هل هناك حلول؟

لست مختصا لأعرف الإجابة لكني أعرف أن الحل يبدأ عند الاهل.. فأسلوب تعامل الطفل مع الاجهزة وحدوده هي واجبهم ومهمتهم، مسؤوليتهم أن يراقبوا المضمون الذي يتابعه الطفل.. وأن يحددوا الوقت الذي يقضيه أمام الشاشة أو مع الجهاز وحسب العلماء إذا تجاوز الساعة فتلك أول علامات الإدمان.

بعد الأهل تأتي مسؤولية الجهات المختصة، خاصة التربية والمجلس الوطني للثقافة والفنون.

بعض البلدان اعتمدت نظام المخيمات الدورية الإجبارية للأطفال التي تمنع فيها الأجهزة كليا بينما اعتمدت بلدان أخرى نظام الكتاب الشخصي للأطفال لينمي فيهم الرغبة في القراءة.

في هذا النوع من الكتب المعدة حسب المراحل السنية حتى 15 - 16 عاما، يكون الطفل نفسه أو المراهق هو الشخصية الرئيسية في الكتاب فتسمى باسمه وتطلق اسماء زملائه أو أشقائه وشقيقاته على بقية الشخصيات، موقع الحدث فهو بيته أو مدرسته أو ملعبه على أن يُكتب بأسلوب جذاب فيه المغامرة، والخيال، والمرح والتحفيز، وتنوير العقل، وتغذية المواهب.

أطفالنا أغلى وأجمل وأهم من أن نترك العالم الافتراضي، يبتلع عالمهم الحقيقي.

الثلاثاء, 23 فبراير 2016

نار روما

الرئيس التركي رجب أردوغان هو الخاسر الثاني في النزاع السوري بعد الرئيس بشار الأسد، وهو يستمر في مراكمة الخسائر.

خسر الأسد سوريا بلداً وشعباً ودولة. البلد تمزقه حرب أهلية مستمرة منذ خمس سنوات، يجري فيه وعليه صراع دموي عنيف. الشعب يعاني كارثة الحرب الأهلية ومأساة الموت أو التشرد، والدولة انهارت وفقدت دورها في المنطقة. خرج عن سيطرتها 75 في المئة من أرضها والكلمة أصبحت فيها لقوى غير سورية، أولها روسيا.

أردوغان لم يخسر بهذا القدر، لكن خسارته جسيمة في كل الأحوال سياسياً واقتصادياً ومستقبلاً.

خسر أولاً أحلامه وطموحاته الامبراطورية بأن تعود تركيا رائدة الحضارة الإسلامية وقيادتها وبات واضحاً ان الحنين إلى استعادة «الدولة العَليّا»، والسلطنة العثمانية يتبخر ويصبح وهماً.

وكلما تبدّد الحلم تفقد النخبة التركية الحاكمة صوابها، وتغرق في سياسة انفعالية مرتجلة غير احترافية، تزيد الخصوم والاعداء وتقلّص دائرة الحلفاء والاصدقاء.

النظام السوري عدو، والمصري والعراقي خصمان.

روسيا التي كانت قبل عام واحد فقط صديقاً مقرّباً سياسياً وأهم شريك اقتصادي وتجاري، كادت أن ترتقي العلاقة معها إلى حد التحالف، أصبحت خصماً لدوداً، يتصاعد يومياً توتر عسكري معه إنفجاره خطر قائم.

الحلفاء في الأطلسي وأوروبا يتعرضون لتهديدات يطلقها أردوغان شمالاً ويميناَ. فأميركا برأيه «عمياء تدعم الإرهابيين» فيخيرها بين تركيا وهؤلاء، والغرب «يريد التأثير سلباً على تركيا»، فيهدد أوروبا بأنه «سيترك اللاجئين كلياً» يتجهون نحوها لخنقها.

يواكب ذلك منزلق خطير تسير فيه تركيا، وهو المزيد من تأجيج النزاع التركي - الكردي بالعدوان المتواصل على المناطق الكردية - السورية.

عدوان تغيب عن أردوغان مخاطره كونه عدوانا على سوريا والقومية الكردية فيها.

اسرائيل وحدها التي يغازلها أردوغان ويتقرب منها، ويعزز العلاقات معها رغم أنه يحكم باسم حزب إسلامي.

يواكب هذه الخسائر ردود فعل مدانة. حيث رفع الإرهاب خلال العامين الماضي والحالي وتيرة عملياته الإجرامية في تركيا خاصة أنقرة واسطنبول.

إلى هذا، يعاني أردوغان وطأة الاتهام بمساعدة تنظيم داعش الإرهابي بدل مقاومته.

يرفض أردوغان التأقلم مع الوقائع المستجدة في الميدان السوري، والتبدل في ميزان القوى الذي فرضه التدخل العسكري الروسي. تزداد عصبيته فيهرب إلى الأمام بالمزيد من التوتير دون احتساب الخطوات ونتائجها.

يتمثل ذلك الآن في الترويج لعملية عسكرية برية في سوريا دون موافقة حكومتها. يدعو الولايات المتحدة ودولاً أخرى للمشاركة فيها لأنه «من غير الممكن إنهاء الحرب السورية دون هجوم بري» حسب قوله.

لا يدرك أردوغان بسبب الأعصاب المثارة والسياسة المتهورة التي تحجب الرؤية، أن الحرب البرية مغامرة وخيمة العواقب على القوات التركية وأي قوات تشارك فيها.

أولى العواقب أن القوات البرية التي ستدخل سوريا ستكون مكشوفة بدون غطاء جوي، لأن الطيران والصورايخ الموجهة الروسية هي سيّد الأجواء السورية ومالك سمائها، كما ان تصعيداً في هذا الاتجاه لن يكون نزهة، بل يحمل في طياته خطر انفجار حرب روسية - تركية قد تتسع الى المنطقة كلها، وربما تمتد ولا تبقى محصورة فيها، ما يعني أن عملية من هذا النوع ستكون بمثابة انتحار للقوات البرية.

والأرجح أن العرب لن يتجرعوا احتلالاً تركياً جديداً للمزيد من الأراضي السورية العربية، وهم لم يهضموا حتى الآن احتلال لواء الاسكندرون السوري.

أردوغان كبقية اللاعبين في الصراع السوري، حلفاء الأسد أو خصومه، لا يطرح المسألة من مبدأ كفى لسفك الدماء السورية، وقد آن وقت وقفها. فمغامرته البرية إذا وقعت، تعني المزيد من سفك الدماء وإطالة زمن الحرب.

فليتوقف الرئيس التركي عن اللعب بالنار والنفخ فيها. نار روما إذا أججها تدخل بري، لن تبقى محصورة فيها!

مفارقتان يظهرهما تطور الحرب الأهلية في سوريا: عدم فاعلية التحالف الدولي بقيادة أميركا، وجريان الريح في أشرعة روسيا. فيما الثابت المشترك بين اللاعبيّن الرئيسيين أن القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية والتخلص منه نهائيا ليس على جدول أعمالهما.

فرغم أن عمليات التحالف الدولي العسكرية،ضد تنظيم داعش سبقت بعام كامل تلك الروسية، التي تستهدف جميع التنظيمات التي تقاتل النظام السوري، يستمر الهجوم المكون من قوات أربعين دولة دون أسنان، إلا أن موسكو حصدت حتى الآن، عدة نقاط أهمها ثلاث:

1 - منع انهيار النظام السوري الذي اقترب كثيراً قبل التدخل الروسي، ومساعدة رئيسه بشار الأسد على امتطاء الحصان مجدداً، ليبقى مصيره ورقة بيد الرئيس فلاديمير بوتين محترف المفاجآت، بينها أنه قد يستبدله لاحقاً بمكسب أكبر.

2 - تعزيز هدف روسيا الدائم نحو العودة إلى الشرق الأوسط من خلال البوابة السورية، وتكريس وضعها الجيو - سياسي فيه.

3 - فك العزلة العالمية المفروضة على موسكو منذ غزو أوكرانيا واحتلال القرم، وصرف الأنظار عن حربها هناك على الحدود الشرقية لأوروبا.

داعش يقدم الهدية تلو الأخرى لبوتين الذي يستفيد منها بمهارة، من تفجير الطائرة الروسية فوق سيناء إلى الهجوم الإجرامي في باريس، وهي أيضاً هدايا للرئيس باراك أوباما لكن دون استفادة تُذكر.

تطرح هذه المعطيات على الأرض سؤالاً بسيطاً: هل تبذل الولايات المتحدة والغرب ومعهما العرب ما يكفي في القتال ضد داعش وبقية التنظيمات الإرهابية؟

الأرجح أنه سؤال مزعج من وجهة نظر إدارة أوباما، فداعش اليوم قوة منتشرة حول العالم، ومصيره البقاء معنا أكثر احتمالية من نهايته. فصارت هزيمته، وتدميره تماما، هدفين غير واقعيين، أو صعبين جداً. أما الأكثر واقعية والأقل كلفة حسب واشنطن، التركيز على احتوائه وجعله أكثر مرونة.

هذه السياسة سبق للإدارة الأميركية أن اتبعتها مع طالبان، وهي تطل برأسها مجدداً وتُبحث في دوائر القرار الأميركي - الغربي مع تجنب الحديث عنها علناً.

على هذا النحو، وإذ نراقب أداء اللاعبيّن الأساسييّن في المسار والمصير السوري، نكون أمام المشهد التالي: ليس لدى واشنطن الإرادة السياسية للقضاء على داعش، إنما تكتفي مع حلفائها بتطويقه وحصر تواجده في سوريا وشمال غرب العراق، والحيلولة دون تمدده وتوسعه حتى لا يصبح تنظيماً عالمياً يتجاوز إمكانية السيطرة عليه، بعد أن تكوّنت نواة جدية لمثل هذا الوحش، تشمل ليبيا ونيجيريا وسيناء، مع روافد في 35 بلداً حول العالم بايعته مؤخراً.

هذه الخطة القائمة على إضعاف داعش وكسر معنوياته مع الحد من موارده المالية الهائلة، تحدد نوعية العمليات العسكرية التي ينفذها التحالف بنصف شهية، تصيب فتجرح لكنها لا تقتل.

في المقابل، تستهدف عمليات موسكو المعارضة السورية بجميع فصائلها وليس تنظيم الدولة الإسلامية والنصرة وبقية التنظيمات المصنفة إرهابية فقط، هدفها تكريس معادلة: النظام السوري يقابله داعش وعلى العالم أن يختار. طبعاً سيكون خياره محسوماً بعد أن يضطر للمفاضلة بين إجرامين: وحشي وأكثر وحشية.

إذاً، حول عدم القضاء على داعش حالياً، تلتقي خطتا أوباما وبوتين، وإن يكن لكل منهما هدف استراتيجي مختلف. فأي الخطتين الأوفر حظاً؟

ربما نشهد سيناريو ثالثاً، ذلك غير مستبعد أبداً، فالشرق الأوسط يتغيّر بوتيرة فائقة السرعة، ويشهد تحالفات مفاجئة وزيجات عقل مصلحية غير متوقعة، لا تلبث أن تنهار لتنشأ تحالفات وزيجات أخرى غيرها، بأهداف ومخططات مختلفة، ترسم مصائر العرب وبلدانهم وهم يجهلونها!

الثلاثاء, 09 فبراير 2016

كمن يسجن نفسه!

ليس حدثاً عادياً أن يعلن المرجع الشيعي الأعلى آية الله السيستاني اعتزال السياسة، وأنه سيتوقف عن الخطب السياسية الأسبوعية، فذلك ليس فقط من باب عودة إلى عهد الحوزة الصامتة في النجف، المعنى الأهم أن الأوضاع في العراق، خطيرة جداً،وأخطر مما يظهر على السطح.

السيستاني من كبار الفاعلين في عراق اليوم، العارفين بواقع الحال واتجاه الأمور، دفعه اليأس من معالجة الأزمات المتراكمة بلا حلول في العراق، أو ربما رغبته في الضغط على أصحاب القرار، إلى ما يشبه الانسحاب العلني من الحياة العامة إبراء للذمة على قاعدة «لا رأي لمن لا يطاع».

أحدث الأمثلة الفاقعة على العجز والتخبط،الحماس لبناء جدار عازل يوازيه خندق حول بغداد طوله
100 كم، «للحد» من هجمات داعش وعملياته الإرهابية ضد العاصمة وسكانها. ويبقى الأمر خطيراً وتخبطا رغم الإعلان الرسمي عن وقف المشروع، دون أن يُعرف بعد مصير الفكرة نفسها!

رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي اضطر للتراجع سريعاً عن تنفيذ المشروع المثير للجدل والاستياء والمخاوف في آن معاً. وربما كان قرار السيستاني من الضغوط التي مورست في هذا الاتجاه.

لكن يبقى مقلقاً أن الجدار فكرة تعتمل في ذهن القيادة العراقية التي تضعها في الحسبان منذ سقوط الموصل وسيطرة التنظيم الإرهابي على محافظات واسعة غنية بالماء والنفط، تساوي ثلث البلاد في صيف العام 2014.

بقيت الفكرة سراً حتى انكشافها الأسبوع الماضي بإعلان وزارة الداخلية عن البدء في تنفيذها قبل أن ينفيها العبادي،فأتى الخبر صاعقة، لم تولّد المخاوف والحذر فقط، إنما أضاءت مجدداً على الفشل الذريع المستمر للنظام العراقي في جميع المجالات وعلى مختلف المستويات حتى أغرق البلاد بالمتلازمة الثلاثية: الطائفية والفساد والإفلاس المالي.

الفشل أولاً في عدم قدرة الحكام الحاليين - وربما عدم رغبتهم أصلا - في إقامة عراق جديد طمح إليه العراقيون ومعهم أكثرية العرب طويلاً، وفي عدم تقديم تجربة جديدة، بل تتكرر تجربة الديكتاتور صدام ونظامه الإجرامي، وإن بأدوات جديدة وبالممارسات نفسها زائداً. فسادا كبيرا فاجعا لم يعرف مثله بلد من قبل، وثانيا لجوء النظام إلى طائفية جديدة،واستبداد وقهر كانا أيام صدام يستهدفان العراقيين جميعاً، فأصبحا اليوم موجهين أساساً ضد مكون عراقي بعينه، لكنهما ليس فقط ضده وحده. فالمآسي تعم العراقيين كلهم خارج جنة الحكم، يتوازى كل ذلك مع تبعية صارخة متمادية لم يألفها العراقيون منذ قيام الجمهورية قبل ستين عاماً. ما يجعل تفتيت العراق وتقسيمه احتمالا واقعيا.

أليست هذه العوامل هي نفسها التي ساهمت في نشوء تنظيم داعش الإرهابي من قبل، وما لحق ذلك من تبعات مدمرة؟!

ثم جاء مشروع الجدار العازل ليثير الهواجس والمخاوف، ليس بشأن جدواه فقط، بل حول ما يخطط له في الكواليس لبلاد الرافدين عموما ولمدينة السلام خصوصا.

لا يمكن للباطون والكونكريت أن يحميا بغداد، بل إن تجارب الجدران العازلة من جنوب أفريقيا أيام الحكم العنصري، إلى جدار برلين زمن النظام الشمولي، حتى جدران العزل التي تقيمها إسرائيل حولها، كانت دائما تعني شيئاً رئيسياً: من يقيم الجدران والأسلاك يعتبر أن كل من وراءها عدو له، ناهيك عن تجربة القيادة العراقية نفسها التي انعزلت في ما يسمى المنطقة الخضراء، فابتعدت عن شعبها وأحلامه وهمومه، وخاب أمله فيها.

فكرة جدار بغداد، تتضمن خطأ استراتيجياً مميتاً وآخر تكتيكياً فاشلاً، يتمثل الأول في أن الجدار يعزل العاصمة - التي يتساوى فيها الآن تقريباً عدد الشيعة والسنة - عن بقية المناطق السنية في الوسط والشمال، فيبرر الخشية منه والنظر إليه على أنه بداية الشروع في تنفيذ المخطط المعد للعراق، القاضي بتقسيمه إلى ثلاث دويلات: شيعية في الجنوب، وفي حالة الجدار ستكون عاصمتها بغداد، وسنية في الوسط ستكون محرومة من عاصمة الرشيد، وكردية في الشمال.

الأنكى انه حتى لو حسنت النوايا، وان هذا البعد الاستراتيجي غير وارد في فكر القيادة العراقية وان المخاوف غير مبررة، فإن مشروع الجدار، اذا ما عادت الحكومة العراقية اليه في المستقبل  أو ظلّ معششا في فكرها، يبقى خطأ تكتيكياً فاحشاً يعطي عدة اشارات سلبية، أولها أن القوات العراقية ليست مهيأة لتحرير الموصل وبقية المناطق التي يحتلها التنظيم الإرهابي والتي فقدتها بطريقة مذلة، وأن داعش باقٍ لمدة طويلة، وان هزيمته احتمال منعدم او غير وارد في المدى المنظور، والأخطر ان الاستمرار في سياسة التمييز ضد مكون عراقي رئيسي، وعدم السعي الجدي لإدماجه في العملية السياسية والاعتراف بحقوقه، ومشاركته في الحكم بحصص عادلة ومنصفة، ستؤدي إلى خلق داعش أو ما يشبهه في قلب بغداد نفسها،كما كانت العوامل بالذات أحد الأسباب الرئيسية لخلق داعش أصلا.

صحيح ان داعش يقوى ويتمدد وتبايعه تنظيمات إرهابية عديدة حول العالم، وصلت الـ 35، وأن هزيمته ليست مهمة العراق وحده، بل هي مهمة تحالف دولي واسع، لكن بغداد لا تستطيع ان تتهرب من مسؤولياتها الكبرى في هذه المعركة التي لا يمكن أن تكون عسكرية أو أمنية فقط، بل إن أولى مهمات الحكومة العراقية في المواجهة العالمية ضد الإرهاب تقديم رؤية واضحة عن كيف سيكون العراق بدون داعش، أو بعد هزيمته، تتضمن هذه الرؤية نزع كل عوامل التمييز والإقصاء والادماج الفعلي-لا الشكلي- لجميع المكونات العراقية في الحكم، فتكون عندها مواجهة الإرهاب، والتخلص منه واستعادة الأراضي المحتلة، بوحدة وطنية صلبة يشارك فيها العراقيون بجميع أطيافهم.

غير هذا، تكون الحكومة العراقية تسجن نفسها، وانها لم تتعلم بعد، للأسف، من تجربة المنطقة الخضراء في بغداد، أن الحجارة والأسلاك مهما امتدت أو ارتفعت لا تحمي بلداً ولا حكماً.

الثلاثاء, 02 فبراير 2016

حكاية عن رجلٍ نبيل

هذه الحكاية، تأخرتُ عن كتابتها عشر سنوات، احتراما لرغبة الشخصية الرئيسية فيها، المرحوم ناصر محمد الخرافي.

خلال العدوان الإسرائيلي على بلدي لبنان في يوليو العام 2006، اضطررت لمغادرته على متن طائرة شحن عسكرية أردنية، نقلتني مع زميلي عدنان قاقون من مطار بيروت المدمر والمعطل بسبب الغارات المتكررة التي استهدفته، إلى عمان ومنها عدنا إلى عملنا في الكويت. حيث سعيت للالتحاق بالعمل تجنباً لوقوع أي خلل في وقت صعب وحساس.

غادرت وقلبي على وطني وأهلي، ومعهما قلقي على ابنتي أسيل التي كانت تتابع دراستها العليا في جامعة يورك لكنها كانت وقتذاك في زيارة إلى لبنان، لاستكمال جمع البيانات لأطروحتها حول الشروط البيئية في الصناعة اللبنانية.

لقد جلب العدوان الموتَ والدمار لوطني وشعبي. وكانت المصانع بين ضحاياه، إذ حولتها غاراته إلى ركام وأزالت معظمها من الوجود،وباختفائها انتفى أيضاً موضوع أطروحة أسيل، ولم يعد له أي مبرر علمي ولا جدوى عملية.

لم أكن قلقاً على موضوع الرسالة، فأسيل كانت طالبة متفوقة لن تعجز عن إيجاد بديل لبحثها. كنت أولاً قلقاً على سلامتها كما على سلامة بقية أهلي، ومهموماً بطريقة خروجها من لبنان، ثم على كيفية توفير تكاليف دراستها مجدداً لمدة ثلاث سنوات، بعدما بدد العدوان ما دفعته خلال عام ونصف من دراستها، وكان مبلغاً كبيراً بالنسبة لميزانيتي.

كتبت أسيل إلى إدارة الجامعة عما جرى والمستجدات، فقرر مجلسها الأعلى، تضامنا، تخصيص منحة تُحسَم من قيمة القسط،بينما طلبت أنا سلفة طويلة السداد استجابت لها مشكورة إدارة صحيفة القبس.

علم المرحوم ناصر الخرافي الذي كان يشرف على الأمور الإدارية والمالية في الجريدة، بأمر السلفة، دون أن يعرف السبب، فاستدعاني إلى مكتبه. سألني إذا كان راتبي غير كاف، أو إذا كنت أواجه ضائقة مالية. فنفيت الأولى وقلت إني مكتف براتبي، وأوضحت السبب الرئيسي لطلب السلفة والذي زادته إلحاحا تكاليف تهجير أهلي من الجنوب.

كان مر حوالي عشرين عاما على معرفتي بأبو مرزوق، واقتربت منه أكثر عندما أصبحت، ربما بالمصادفة، بمثابة صلة وصل بينه وبين رئيس التحرير، حيث اختارا التواصل عبري في معظم الأحيان، وأزعم أني كنت رسول خير بينهما.

خلال تلك السنوات الطويلة، عرفت المرحوم ناصر الخرافي، رجلاً استثنائياً، شديد الذكاء، مستقيماً، صادقاً، صريحاً، مثابراً، مبدعاً، طاقة جبارة على النشاط، شجاعاً، فارساً في الموقف، قدرة مميزة على الابتكار والتجديد واستنباط الحلول لأصعب المشاكل، يقيَّم الأشخاص وفقاً لقدراتهم وأدائهم بعيداً عن الإساءة لذواتهم.

تلك الصفات تلازمت مع تواضع لافت وعطاء إنساني واستعداد للمساعدة دون مِنّة، وروح مرحة شغوفة بالنكتة والفرح.

وقف بقامته الفارهة من وراء مكتبه وجلس إلى كرسي قبالتي، وقال بعتب: «ليس هذا العشم بو طارق، فنحن أهلك. ثم كيف تتصور أن ندع مدير تحرير جريدتنا يستلف ليعلم ابنته وهي أيضاً ابنتنا؟! أنت قدَّمت للقبس الكثير ونحن نقدر ذلك. فلا تشيل هماً».

ولأني خجول بطبعي، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمال، تباطأت في التعليق، فسبقني متابعاً: «أسيل ستكمل دراستها. مؤسستنا لديها صندوق للطلبة، وهو سيتكفل بالأمر. أبلغ كمال درويش (مدير مكتبه) عن المبلغ وكيفية الدفع.. ونلتقي إن شاء الله الأحد (موعد اجتماع لجنة مجلس الإدارة)».

دفع أبو مرزوق كل تكاليف الدراسة. وعندما توفي رحمه الله، كانت قد بقيت تكاليف فصل واحد فقط، سددّته اللجنة التي شكلت لقيادة مؤسسة الخرافي برئاسة المرحوم جاسم الخرافي.

انتقل ناصر الخرافي إلى جوار ربه دون أن تسنح لي الفرصة لشكره على الجميل الذي سأحمله إلى الأبد، كما لم تتسن لشكر المرحوم أبو عبد المحسن على استكماله.

وإن لم يسعف القدر لأشكر صاحب معروف على موقف فروسي ودعم نبيل، يبقى من الواجب أن أرفق حكاية هذا المعروف بشهادة حق ليس فيها ذرة مبالغة،إن ناصر الخرافي لم يطلب مقابله شيئاً أبداً، لم يسألني عن موضوع أو قضية أو موقف أو أي أمر يتعلق بـ«القبس»، سوى ما كان يريد أن ينقله عبري إلى رئيس التحرير الذي هو صاحب القرار.

كنت أظن قبل أن أتعرف إلى ناصر الخرافي، تغمده الله برحمته، أن الذين يعيشون في الأعلى تصيبهم برودة المشاعر. ناصر الخرافي أكد عدم صحة هذا الظن، وأنه عندما يكون الإنسان إنساناً يظل كذلك حيثما يكون ومهما ارتفع.

الثلاثاء, 26 يناير 2016

مع التغيير ضد البديل!

قبل ست سنوات بدأ الربيع العربي.. وانتهى!

كأن أي ربيع لم يأت، فلا صيف أعقبه يُعقد فيه الزهر، ولا خريف ينضج الثمر.. ولا شتاء يشعر العرب بأن الطبيعة تسير في مستقرها وتكتمل فصولها.

ربيع عندما اعتقدنا أنه بدأ لم تسعنا فرحة. لقد دقت الساعة كي تستيقظ هذه الأمة الخاملة المنبطحة تحت أقدام العسكر تعاني وحشية الفقر والجهل، وهم مصنع كذب عليها يواصل إنتاج الأضاليل بطاقته القصوى.

قال العسكر اسكتوا لنحرر فلسطين فأضاعوا ما بقي منها. صرخوا اخرسوا لننجز التنمية فتحولت البلاد التي حكموها بانقلابات إلى خلاء قاحل لا نهضة فيها ولا بناء ولا تنمية. وسّعوا السجون، وعلّوا المعتقلات وزادوا العسس وأجهزة الأمن والمخابرات والمباحث والتجسس على الناس ليكتموا الأنفاس ويمارسوا أبشع إرهاب الدولة وقمعها ويصادروا الحريات، كلما كانت مشاريعهم تغرق في الفشل والخذلان.

جاء البوعزيزي في تونس فردّ الروح، وهبَّت مصر أم الدنيا، فصرخنا كبيرة يا مصر، يامة يا بهية.. انتفض الليبيون والسوريون وتلاهم اليمنيون، فانتشينا وقلنا إذا كان الظلم ساعة، فإن العدل وإنسانية الإنسان حتى قيام الساعة، حلمنا: حرية، نهضة، عدالة، حكم قانون، مساواة في الحقوق والواجبات، فرص عمل، ثقافة، علم، عمل، المواطن الإنسان، حق المواطنة، أطفال لهم مستقبل، وأمة تعود إلى مجرى التاريخ تبدع وتنجز بعدما عاشت طويلاً مجروحة يائسة مقهورة.

كم توهمنا! وكم أخطأنا التقدير! وكم كان الحلم كذبة كبرى! الحلم بأن الطغيان قد ولّى، والاستبداد قد ذهب، والديكتاتوريات من الماضي، والفساد عشناه ولن نراه، والضعف والهوان والإذلال أهانوا الأمة وأدموها، عصر تخلف مضى وانقضى، وحتمية التاريخ لها منطق آخر، منطق التقدم والرقي. لكن ها نحن بعد سنوات ست عجاف لا نفهم ماذا جرى وما يجري وإلى أين نحن ذاهبون، وغرقنا مجدداً في لجة الشعور بالخزي والعار والهوان!

استيقظنا بعد تلك السنوات الطويلة، ولا أعرف إذا كنا قد قمنا من سباتنا العميق فعلا، فإذا الحال هي الحال بل أسوأ.

الطغيان صامد، والاستبداد مستمر، والفساد أبشع، والدماء تستباح كما لم يحصل من قبل، شعوبنا تترك أوطانها وترحل، تسلّم مفاتيح بلدانها للمستبد الظالم التابع المرتهن العاجز عن التفكير، المنعدم الرؤية والثقافة والطموح، وإذا بحكم العسكر يعود بأشكال أخرى، دُمى ولّت، ودُمى توّلت!

إذاً ما الذي حصل؟!

هل كنا سُذّجا إلى هذا الحد؟ أو وقعنا في سذاجة الأميركيين والأوروبيين ورهانهم على أن الديمقراطية آتية الى العرب فصدّقنا كذبتهم؟!

مع كل التقدير لكل من سقط شهيداً وهو يسعى للمثل التي آمنا بها،  ولكل من دفع ثمنا اعتقالاً أو طرداً من عمل أو جرحاً ليصنع للعرب ربيعاً وينتشلهم من طينهم الآسن، لكل شاب صرخ، ولكل أُم دمعت، ولكل أب خنقته اللوعة والعبرة، ولكل صبية وصبي خيبنا أملهما، مع كل التقدير والوفاء لهؤلاء فرداً فرداً، نعتذر كيف لم ننتبه، ولم تدرك النخبة الطليعية المثقفة علامات وإشارات تشي بأن الدرب بعيد، والهدف غير الهدف، لعل أبرز تلك الإشارات التي فاتتنا حالة العشق الغريبة المريبة، بين الإدارة الأميركية والإخوان المسلمين، والتي كانت من أبرز سمات ذلك الربيع!

هل جاءت ثورة متأخرة جداً؟ أو هل أتت مرتبطة بتغيير مواقع قوى عظمى وسعيها لملء فراغ حدث بعد انتهاء الحرب الباردة؟

هل نشأت عقبات ومطبات عرقلت التحول الديمقراطي ولم نعرفها بعد بعقولنا المحدودة وحماسنا قصير النظر؟!

أما السؤال الأخطر والألح والأكثر جدوى وجدية: هل ما جرى جزء من عملية إنتاج خرائط جديدة لدول قائمة وأخرى ستنشأ، تعود بالبنيان العربي الهش إلى أصله القبلي والطائفي والمذهبي وغيرها من عناصر التفتت والتفتيت؟!

تفتيت تحكمه متلازمة داعش وشريعة ليست شريعة ديننا السمحاء إنما شريعة غريبة عنا لم نعرفها من قبل، وقوى من الماضي السحيق تتستر بها؟!

متلازمة تعيدنا مئة عام إلى الوراء، إلى عهد سايكس - بيكو معاهدة رسم خرائط نهاية الحرب العالمية 1916.

عودة مئة عام إلى الوراء تحصل. فكيانات الدول لم تعد مصونة ولا معترفاً بها، والحدود تتحطم كما يحصل على يد داعش بين العراق وسوريا
أو كما تظهر ملامح مماثلة في ليبيا واليمن والسودان وداخل العراق نفسه بتزايد احتمالات قيام دولة كردية في شماله.

نتألم ست سنوات.. لكن هل تعلمنا شيئا؟

ربما أربع حقائق: أولاها أن ثورة الربيع خيبت الآمال، والثانية أننا نعود إلى الوراء، والثالثة عودة الطغيان والديكتاتورية والاستبداد والفساد بأدوات مختلفة، أما الحقيقة الرابعة فهي أن صوت الشعب ليس بالضرورة أن يكون دائماً صوت التقدم.

يبقى الأهم أن نحاول معرفة ماذا يجري وأن ندرك أي خرائط جديدة ترسم لأوطاننا العربية، إذا بقي لنا بعض من قدرة على الإدراك والمعرفة، أو إذا بقيت لنا أوطان!

ابنتي أسيل من مواليد براغ عاصمة تشيكوسلوفاكيا حينها، واليوم عاصمة تشيكيا وحدها بعدما انفصلت عنها سلوفاكيا بود وسلام.

درستُ مع زوجتي هناك، وكأجانب سجلنا الطفلة في السفارة اللبنانية، لترسل الاوراق الى الخارجية اللبنانية في بيروت، كي تحيلها الى دائرة النفوس التي تمنح المولود الجنسية والهوية اللبنانية.

كانت دائرة النفوس تقع في مبنى العازارية الشهير وسط بيروت.

وكان التنقل صعباً لا يخلو من المخاطرة، بسبب الاحتلال الإسرائيلي يومها تطوع صديقي صبحي زعيتر زميلي في العمل وجاري في السكن، أضف انه كان يملك سيارة، ليقلني الى العازارية.

ذهبنا صباحاً، ورافقتنا زميلة فرنسية تتقن العربية جيداً، أرسلتها صحيفتها الى بيروت لتغطية الحدث اللبناني.

سألت الموظف عن حاجتي، فبحث في دُرجه وردّ بالإيجاب. وأخرج ملفاً،فتحه وعلق: نعم. حظك مثل الصخر، فلا معاملات تصل هذه الأيام، مبروك لديك «أشيل أحمد طقشة»، ذهلت عندما سمعت الاسم.

«أشيل» رددت في داخلي ثم ارتفع صوتي بغضب: «اسمها أسيل لا أشيل.. من أين جئت بالاسم؟!

- لكنها في الملف عندي «أشيل».

أضاف ببرودة زادتني انفعالاً وعصبية.

• هل تعرف معنى «أسيل»؟! وهل تعرف من يسمّى «أشيل»؟!

- نعم، أعرف الخد الأسيل، الخد الناعم الجميل. حتى عبدالوهاب يغني «بوسة على هالخد».

قاطعته بحدة: وأشيل اسم عبري يهودي.

- اعرف لكن اعذرني ماذا في يدي استطيع أن أفعله؟!

سنوات طويلة لم أكن قد تعاطيت مع اي دائرة حكومية، وقفت محتاراً حتی «لكزني» صبحي بحركة تحثني على القيام بـ «الواجب»!

أخرجت 50 ليرة لبنانية من جيبي وكانت تساوي يومها نحو 15 دولاراً أميركيا. ناولتها للموظف دون أي تستر، فعلق: يا أستاذ أحمد هذه تمحو نقطة واحدة فقط!

رغم ثقل الموقف، انفجرنا بالضحك، صبحي وانا وقهقهنا عاليا، إذ كانت  النكتة مهضومة، سألتُ: يمكن إزالة ثلاث نقاط بسعر اثنتين؟ ابتسم الموظف بدوره ولم انتظر جوابه، وأخرجت من جيبي 50 ليرة اخرى كانت اخر ما فيه اصلا، ناولته إياها وأنا مبتسم وأقول «الله يعينك.. الثلاث بسعر اثنتين. وأعد الشين سيناً» فوافق.

كان مرتشيا مهضوما فطار طربوش النقاط المزعج وعاد الاسم الجميل ممهورا بخاتم الدولة اللبنانية الرسمي: أسيل.

نظرت الى زميلتنا الفرنسية الواقفة الى جانبنا طوال الوقت فاذا هي عابسة منفعلة، وقد غزا الاحمرار لون عينيها الزرقاوين، ولم أتأكد ما اذا كانت تقاوم دمعة فيهما.

كنت احترمها كثيرا، فهي صحافية متميزة سريعة البديهة، شجاعة صاحبة قلم جريء وعبارة جميلة، عميقة الثقافة أكبر سنا مني، ربما كانت في عمر صبحي.

ترددتُ ان أسأل خشية ان اكون قد جرحت شعورها بحركة لم اقصدها او جملة عفوية قلتها، اذ كثيرا ما أقع في ذلك. لكنها قطعت حيرتي، وقالت بصوت متهدج مشبع بالألم: مضى عليكما 72 يوما تعيشان حصار بيروت واحتلالها، وتكتبان يوميا ضد الاحتلال وتدعوان لمقاومته وطرده، وانت يا أحمد تحدّيت رئيس الجمهورية وكتبت له «افعلها» بصيغة الامر، وأن يقول لا للاحتلال ويدعو شعبه لمقاومته والآن ماذا فعلت أنت؟!

واستطردت: ما جرى الآن يثير الحزن والأسى والألم، لا القهقهة والمزاح، ها قد طرد شعبكم المحتلين الاسرائيليين من العاصمة، وغداً ستستمر المقاومة فتتحرر باقي الاراضي اللبنانية.

لكن هذا الفساد،مَن يحرركم منه؟ وكيف يمكن ذلك طالما هو منتشر في الادارات والمواقع ومثلكم يشجعه وإن بحجة الضرورة وانجاز الحاجة؟!

الأخطر ان الفساد الذي ألمسه واتابعه في اجهزة الدولة ينتشر عرضا وطولا، أفقيا وعموديا، هذا هو الخطر الحقيقي على لبنان، لا اعرف كيف ستتخلصون منه؟!

تحرر لبنان من الاحتلال فعلاً، لكنه لم يتخلص من الفساد، بل يزداد هذا انتشارا كما تنبأت فرنسواز في كل الاتجاهات صعودا ونزولا، طولا وعرضا!

في ظل الاحتلال انتخب لبنان رئيسين للجمهورية ولاح امل  في وحدته، أما في ظل الفساد المستشري، فهو عاجز اليوم عن انتخاب رئيس للجمهورية ويتفتت الى مزارع واقطاعات وحكم سماسرة، وهو عاجز حتى عن التخلص من نفاياته. وتتوزع إقطاعاته بين ضاحية ورابية وعين تينه ومختارة وبيت وسط، ومعراب وبنشعي، مقرات الزعامات الاقطاعية. بينما القصر الجمهوري في بعبدا رمز الأمة فارغ.

في النهاية ورغم ان الحرب انتهت وهزم الاسرائيلي وانسحب السوري، انا هاجرت وأتيت الى الكويت التي استضافتني بود وتقدير.

أسيل حصلت على الدكتوراه من بريطانيا وهاجرت الى أبوظبي.

طارق درس في بوسطن وعمل في الكويت فترة. سميرة وحدها بقيت حارسة الأمل. نقلت حماسها الى طارق الذي عاد الى بيروت، وباشر مشروعه.. على أمل أن للفساد ساعة، ويردد مع والدته شعارهما الجميل: «لن نسمح لفساد بألا يترك لنا مكاناً في وطننا».

الصفحة 12 من 13