جريدة الشاهد اليومية

د. أحمد طقشة

د. أحمد طقشة

السبت, 09 أبريل 2016

«فضيحة» أم «حالة»؟!

إلى الآن، فإن المحاور الأساسية في حالة- فضيحة «أوراق بنما» ستة، خمسة تتعلق بالموضوع المالي نفسه وممارسة السياسيين ورجال الأعمال والمشاهير واحتمالات الفساد، والسادس يخص الصحافة.
1 - مكتب المحاماة «موساك فونسيكا» يقدم خدمات قانونية لشركات وأشخاص يعتمدون الجنات الضريبية ملاذاً آمناً لأموالهم.
هذه العمليات ليست، بالضرورة، قذرة دائماً، بل يمكن أن تكون مشروعة، وتجارية عادية لتسهيل شراء بيت أو يخت مثلاً حتى لا تؤول نصف ملكيته بعد الوفاة إلى دولة ما،
أو تكون فاسدة وغير مشروعة فيها شبهة تبييض أموال، وتهرّب ضريبي، ورشا، وفساد، وإخفاء ثروات.
يحدّد المشروعية من عدمها قوانين بلد الشخص المودع.
2 - أكبر عملية تسريب بيانات واكبها أكبر عمل صحافي في التاريخ - ولا أقول أهم - البيانات والوثائق سرّبها «مصدر مجهول» إلى صحيفة «تسود دوتشيه تسايتونغ» الألمانية لم يطلب مالاً أو شيئاً لشخصه سوى إبقائه مجهولاً وحفظ أمنه. حجمها إلكترونياً 2.6 «تيرابيت»، يعني أكثر من 11.5 مليون ورقة وهي أكبر 1500 مرة من وثائق ويكيليكس المسربة 2010، وحجمها إلكترونياً 1.7 غيغابيت، لكن الشركة تنفي التسريب وتقول إن موقعها الالكتروني تعرض لقرصنة.
3 - الخائفون من التسريب هم السياسيون ورجال الأعمال والمشاهير الفاسدون أو الذين خرقوا القانون، وليس كل من يقصد جنّة ضريبية فاسداً أو مخالفا للقانون، وإن يكن معظهم كذلك!
4 - هل هناك غاية سياسية وراء التسريب؟ هذا الأمر غير معروف بعد، لكنه سؤال مبرر ومطروح بقوة، إذ يثير الريبة أن الوثائق المسربة لم تتضمن اسما أميركيا سياسياً أو رجل أعمال مع أن بنما هي حديقة خلفية للولايات المتحدة، كما ليس من المستبعد أن تستخدم هذه الأموال لتمويل تنظيمات إرهابية حول العالم.
5 - ماذا سيحدث في المستقبل؟ الأرجح أن رؤوساً ستتساقط خاصة في البلدان التي تحترم نفسها والقانون وتلتزم بمحاسبة المسؤول وتعطي للرأي العام قيمة، وإذا كان رئيس وزراء آيسلندا أول الضحايا فهناك ضغوط غير قليلة على الدائرة المحيطة برئيس الوزراء البريطاني.
المحور السادس، هو الإنجاز الكبير الذي حققته الصحافة المكتوبة.. فدراسة البيانات الضخمة والتثبت من مصداقيتها، وصحة المعلومات فيها، عمل صحافي استقصائي ضخم شارك فيه 400 صحافي يمثلون 200 صحيفة محترمة من 80 بلداً.
هذا الإنجاز يعيد الروح إلى الصحافة المكتوبة ويؤكد أهميتها ويضعف كثيراً المقولات عن اقتراب نهايتها.
ورغم المزاحمة والصعوبات المالية، يبقى العنصر الأهم المصداقية وثقة القارئ، أما المواقف المسبقة والتنكر للحقيقة فهي المسمار الحقيقي في النعش.
أليس غريباً، مثلاً، أن صحيفة عريقة كـ «النهار» اللبنانية عملت طويلاً على تكريس مصداقيتها لا ترى سوى «علاقة نظام الأسد بفضائح أوراق بنما»؟!

الثلاثاء, 05 أبريل 2016

المال السائب!

الأستاذ فهمي هويدي كاتب سياسي إسلامي متميز، وصديق قديم لإيران، على علاقة وثيقة بمسؤوليها ودوائر القرار فيها. فوجئت، وربما فوجئ كثيرون، بالمعلومات التي تضمنتها مقالته «هل تصبح إيران شيطان العرب الأكبر؟» المنشورة مؤخراً في موقع CNN بالعربية وصحيفة الشروق المصرية.

المعلومات مستقاة كما ذكر من «عدة لقاءات» مع مسؤولين على مستويات مختلفة في طهران، وفيها أن إيران «مستعدة للتفاعل مع الغرب والتقارب مع إسرائيل أكثر من استعدادها للتفاعل مع العالم العربي، وبين الإصلاحيين من يعلن ذلك صراحة».

ليست المرة الأولى التي تتعاون فيها إيران الثورة الإسلامية مع الدولة العبرية. فقد سبق أن تعاونا في الثمانينات، حين نقلت إسرائيل أسلحة أميركية، وأخرى منها إلى إيران خلال الحرب مع العراق في ما عرف بـ«إيران غيت».

فهل ينشأ في الفوضى التي يتخبط فيها العالم العربي، ومن خلال الصراع الناشب بين دوله، وفي داخل العديد منها، تحالف مباشر أو ربما تعاون ثلاثي غير مباشر بين إسرائيل وتركيا وإيران؟

النظام العربي يتساقط كأحجار الدومينو. كل الجمهوريات انهارت أو تخلخلت. دول عربية تتصارع فيما بينها، وأخرى تعيش حروباً أهلية طاحنة، فنتج فراغ يسعى الثلاثي غير العربي في المنطقة لملئه.

الهيمنة هدف إسرائيل فهي أساساً دولة عدوانية أطماعها من النيل إلى الفرات.

السلطنة وهم تركيا، حيث يجنح الحكم الإسلاموي فيها ورئيسها رجب طيب أردوغان وفريقه إلى إحياء الخلافة.

السيطرة حلم إيران، الحكم الديني فيها يسعى لتكريسها «قوة إقليمية عظمى».

أنقرة على علاقة وثيقة بكل من طهران وتل أبيب، مع أن تركيا تعادي الدول العربية الصديقة لإيران، فيما تعادي الأخيرة تلك الصديقة لأنقرة، لكن التعاون بينهما في منحى متصاعد، ويمكن للشريك التركي أن يكون القاسم المشترك بين الإيراني والإسرائيلي إذا وجد الطرفان حرجاً في علاقة مباشرة، فينشأ تعاون ثلاثي على قاعدة «حليف حليفي» التي ابتدعها رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري لتوصيف علاقته بالجنرال ميشال عون حليف حزب الله اللبناني الذي يحالف أيضاً الرئيس بري.

الدول الثلاث تتدخل في عمق قضايا العرب وشؤونهم، وتتبادل الأدوار أو تتوزعها «؟» تغيير أنظمة عربية, وفي استراتيجياتها وخططها مدّ نفوذها إلى المشرق ووراثة الرجل العربي المريض. فهل يستفيق من غيبوبته، ليملأ العرب فقط الفراغ العربي؟!

السبت, 02 أبريل 2016

تفرح لكنها لا تتفرج!

الواقع الأسود الذي انحط إليه العرب يسعد إسرائيل، لكنها ليست في موقع المتفرج. فهي غير سلبية تجاه ما يجري، بل تنخرط في عمل دؤوب سريع باتجاهين: ترسيخ مواقع لها في العالم العربي، وتصعيد عسكري ميداني وتشريعي لمحاصرة الفلسطينيين في الضفة وقطاع غزة وضرب النشاط السياسي لفلسطينيي الـ 48.
في الاتجاه الأول، فمن وراء الغيوم الكثيفة التي يثيرها إرهاب داعش والنصرة وأخواتهما من التنظيمات الإسلاموية المتطرفة، تتسلل اسرائيل إلى أكثر من بلد عربي، من سوريا والعراق ولبنان حتى تونس وليبيا مروراً باليمن والسودان والصومال، حيث أقامت في البلدان الثمانية ودول أخرى مراكز استخبارية وأنشطة سياسية واقتصادية، بعضها علني ومعظمها سري أو بأسلوب السر المكشوف.
بموازاة هذا التمدّد تصعّد الدولة العبرية هجومها عسكرياً وتشريعياً، في القدس والضفة الغربية وضد العرب الإسرائيليين في أراضي
الـ 48.
في الضفة الغربية، تمارس إسرائيل نهجاً قمعياً متزايداً في وحشيته، وصل حد «الاغتيال الميداني». بحيث تقتل قوات الاحتلال شباناً جرحوا برصاصها. ولا تزال تحتفظ بجثامين 15 شهيداً قتلتهم خلال هَّبة اكتوبر الماضي، خشية أن تتحول جنازاتهم الى هبات جديدة ضدها.
في الوقت نفسه، أقرت الكنيست على التوالي «قانون اللمّس» الذي يعطي الشرطة صلاحيات تفتيش الأشخاص جسدياً «في حال الاشتباه».كما نفضت الغبار عن مشروع قانون يسمح لليهود بأداء طقوسهم في الحرم القدسي الشريف وباشرت في مناقشته!
وآخر القوانين العنصرية التي أقرتها الكنيست مساء الاثنين الماضي «قانون الإقصاء»، الذي يسمح لها بإسقاط عضوية النواب العرب «عند القيام بنشاطات أو الإدلاء بأقوال معادية للدولة».
واضح أن القانون الذي قاتل لإقراره رئيس الوزراء نتانياهو يمس بحق المواطنين العرب في اختيار ممثليهم ويضع مصيرهم في أيدي غير ناخبيهم، ويمنح ذلك الحق لأكثرية الكنيست، ما يعتبر تفريغاً للديمقراطية من جوهرها، وتصفية كاملة لتمثيلهم البرلماني المحدود، ولوجودهم السياسي، بعد فشل التطهير العرقي ضدهم ثم  محاولات التدجين.
المضحك المبكي أن عرب فلسطين يواجهون الهجوم العنصري المتصاعد وحدهم، لم يتحرك أحد من العرب مؤكدين أن فلسطين لم تعد قضيتهم المركزية، أو حتى قضية وطنية كبرى.
درس جديد يتأكد: تبرز التيارات الإسلاموية المتطرفة فتنحرف البوصلة وتضيع قضايا الأمة وتغرق فلسطين في النسيان.

الثلاثاء, 29 مارس 2016

موت صحيفة!

آلمني مشواري الأخير إلى بيروت. عشت أجواء إقفال صحيفة «السفير» العريقة، ثم قرار توقفها عن الصدور ابتداء من بعد غد الخميس، والذي بقي معلقاً، إلى أن أعلن ناشرها الزميل الصديق طلال سلمان أول أمس الأحد أن الجريدة مستمرة «ولو كانت مدة الاستمرار شهراً أو شهرين».

حدث غير عادي أن يسكت صوت إعلامي، وينطفئ منبر سياسي وثقافي، شكّل الركن الأساسي الثاني مع «النهار»، في هيكل الصحافة اللبنانية.

ومحزن أن يصبح مصير 150 زميلاً وصحافياً لي بينهم أصدقاء عشنا وعملنا معاً، في مهب بطالة قاسية، فيما الصحافة الورقية كلها تعاني.

إلى هذا الشعور العام، تربطني بالسفير علاقة شخصية، فهي التي استضافت فريق «النداء» اللبنانية التي كنت فيها رئيساً لقسم الشؤون العربية والدولية، بعدما طوقت الدبابات الإسرائيلية مبناها أثناء الاحتلال الإسرائيلي لبيروت عام 1982، ما جعل الوصول إلى مقر الجريدة مستحيلاً، فاستقبلتنا السفير في مكاتبها ومطابعها، في لفتة تضامن مهني جريئة وحميمة، كي لا تتوقف «النداء»، وتستمر في الصدور رغم الاحتلال ويبقى صوتها قوياً في مواجهته.

أضف أن «السفير» كانت جزءاً من أطروحتي للدكتوراه عن تأثير المال السياسي في الصحافة اللبنانية.

القاعدة كانت حتى الآن، أن وسيلة إعلامية جديدة لا تلغي القديمة. الراديو لم يلغِ الصحافة المطبوعة، واستمر كلاهما مع التلفزيون. كانت الوسيلة تغير دورها وتتعايش مع خلفها. هذه القاعدة تتبدل مع ظهور الإعلام الإلكتروني، واتساع نفوذه.

يعيد أصحاب الصحف أزمتها إلى سببين موضوعيين: الشح المادي نتيجة تراجع الإعلان والبيع، ومنافسة الإلكترون الذي يجذب المزيد من المتابعين خاصة في أوساط الأجيال الشابة.

لا شك في منطقية الأسباب المالية والتقنية لأزمة الصحافة التي يبدو أنها ستكبر مع الأيام. لكنها ليست وحدها، فهناك برأيي أسباب ذاتية أيضاً تكمن وراء الأزمة، عنوانها أزمة ثقة القارئ. إن الصحافة المطبوعة، خاصة في لبنان، عادت أو تكاد، صحافة منحازة ومنخرطة في الصراع السياسي - الطائفي تتخندق مع هذا الطرف أو ذاك، ففقدت الكثير من موضوعيتها ومصداقيتها، وهنا مقتل الإعلام، أياً كانت وسيلته.

هذا النهج الحزبي للإعلام تسبب أيضاً في تراجع المستوى والنوعية، مهنياً ومضموناً، بينما قارئ الصحافة المكتوبة متطلب، لا يعذر صحيفته متى تراجعت في أدائها وتخلت عن دورها.

ويبقى من المفارقات الملفتة أن عدداً من الصحف يتوقف، لصعوبات مالية، بينما يزداد أصحابها ثراء.

لبنان يخسر أجمل ما فيه: التنوع والتعدد، صدره يضيق، وإذا غابت «السفير» تصبح مساحة الحريات فيه أصغر بصحيفة.

السبت, 26 مارس 2016

إسلامستان!

اذا كان مفكرون أميركيون وأوروبيون اعتبروا سقوط الاتحاد السوفياتي ودول الستار الحديدي عام 1989«نهاية التاريخ»، اعتبر آخرون اعتداءات القاعدة على «توأمي» نيويورك والبنتاغون الأميركي في سبتمبر 2001 «نهاية نهاية العالم».
المقولة الأولى تضمنت أن الصراع بين الرأسمالية والشيوعية انتهى  بهزيمة الأخيرة،أما المقولة الثانية فجوهرها أن التاريخ يشهد نوعا جديدا من الصراع، صراع  بين الحضارة والإرهاب.
مع الأوضاع الجديدة والمفاهيم التي واكبتها، بدأت تتبلور، خاصة في أوروبا، ظاهرتان: فوبيا الاسلام ونهوض الفاشية واليمين المتطرف.
منذ ذلك التاريخ والظاهرتان يتسع مداهما وتشتد خطورتهما على الاسلام والعرب، وتقويان مع امتداد الاجرام الإرهابي الى أوروبا، الذي أدماها بوحشية في اكثر من مكان، آخرها عاصمتها الوديعة بروكسل.
اليمين المتطرف والفاشية يستفيدان من الاٍرهاب، وهو في جانب اساسي منه صناعة أوروبية، لتعميق  معاداة العرب والمسلمين، فيقدم الامر على انه «حرب دينية هدفها فرض الشريعة على أوروبا لتدمير حضارتها، وإلغاء الحرية أهم قيمة في تلك الحضارة وإقامة «اسلامستان» على أنقاضها».
الأكثر غرابة، أنه فيما كانت الفاشية الأم في مرحلة الحرب العالمية الثانية تعتبر اليهودية واليهود عدوا رئيسيا كالشيوعية،يقول الفاشيون الجدد في أوروبا إن «اليهود لا يهددون العالم» ويحصرون العداء في الإسلام والمسلمين!
وقد وصل تطرف منظري هذا التيار حد التشكيك في أن يكون الإسلام دينا إلهيا، بل يصنفونه «حركة إرهابية تجسدها القاعدة وداعش والنصرة ، ولا يمكن هزيمة الإرهاب إذا بقي الدين الإسلامي ،فهذا هو الخطر الحقيقي!».
لا يكفي القول إنها قمة التطرف والعدوانية، ففي ظلال هذا البناء الفكري العنصري، يتبلور أكثر فأكثر في أوروبا واقع يثير مشاعر ومواقف وإجراءات معادية للإسلام والمسلمين. يؤججها إرهاب إجرامي تمارسه داعش والنصرة والقاعدة في بلدان عربية وإسلامية يشمئز العالم من بشاعته،ويتمدد بوحشيته إلى بلدان أوروبية.
ردت أوروبا التنوير والحضارة على جريمة بروكسل بصور كبيرة لصبي بروكسل الصغير Manneken  Pis وهو يبول على متفجرات الإرهابيين،يبقى السؤال: ماذا يفعل العرب فكريا وثقافيا وإعلاميا واقتصاديا لملاقاة قوى التنوير  في أوروبا ومواجهة قوى التحريض فاشية كانت، أو يمينة متطرفة، أو  صهيونية الهوى معادية بطبعها للعرب  والمسلمين كما أنظمة التشيك والمجر وسلوفاكيا وبولندا وبلغاريا التي نسيت الاشتراكية ولم تتعلم الرأسمالية بعد إنما تغرق في عنصرية كريهة ؟!

الثلاثاء, 22 مارس 2016

رياح غير مؤاتية

مع خطر داعش على العرب والمسلمين، يكبر على ضفتي الاطلسي ، خطر مواز يتمثل في نمو حركات يمينية متطرفة تتمثل في قوى فاشية أو شعبوية أبرز سماتها فوبيا الاسلام ومعاداة المسلمين.

أكثر رموز الشعبوية فجاجة في أميركا دونالد ترامب المرشح الرئاسي المثير للجدل بسبب اتجاهاته المتطرفة المعادية للعرب والمسلمين. وإذا كان شخصه تافها لا يعدو أن يكون مسيحا دجّالا، الا أن ورقته الرئيسية في حملته الانتخابية توفر له تأييدا شعبيا ملحوظا. وهذا خطر لأنه واقع قائم يؤثر على السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط، وسيكبر اذا وصل ترامب الى البيت الأبيض.

الصورة في أوروبا تثير قلقا أعمق. ففي القارة العجوز تعطي الأوضاع الاقتصادية السيئة والسخط الاجتماعي المتنامي بسببها،حوافز قوية لنمو اليمين المتطرف والفاشي واتساع تأثيرهما خصوصا في أوساط الشباب المحبط والقلق .

تتغذى هذه الأسباب ايضا من ارهاب داعش، وبعض سلوك المسلمين في أوروبا وموجات الهجرة واللجوء الكثيفة الان.

نمو الفاشية يشمل القارة العجوز كلها دون استثناء. من اليونان في جنوبها الى السويد في الشمال، ومن روسيا في الشرق الى ألمانيا وفرنسا وإيطاليا في الغرب،مرورا بالمجر وبولندا والنمسا في الوسط.

الملاحظ انه الى وجود حاضنة شعبية للحركات الفاشية تزداد اتساعا،ان تلك الحركات تتمثل في كثير من البرلمانات ما يعني مساهمتها في وضع القوانين، وفي عدة حكومات أي مشاركتها في صناعة السياسات، فتصبغها حيثما تستطيع بمعاداة الاسلام والعرب.

يواكب هذه الحركات السياسية تيار فكري متطرف ايضا موغل في عدائه العرب والمسلمين، يستقطب مفكرين وباحثين وإعلاميين وناشرين من مستويات مختلفة، تدعمه أوساط في الكنيسة،ينشط في ظل مقولة ان «الهجرة واللجوءسيغيران أوروبا ويلغيان حريتها» وأنهما «حملة عربية واسلامية» عليها في اتجاه معاكس للغزو الصليبي!

يتناسى هذا التيار الدمار الذي سببته الفاشية لاوروبا، ويطرح مقولات تركز العداء على الاسلام لتبرير الفاشية الجديدة. فيتحدث عن « عَرْبنة أوروبا» او ما يسميه «اورابيا» او Eurabia، ومضمونها»مسلمون اكثر،اسلام اكثر، اسلمة اكثر».

ومن اللافت ان هؤلاء حتى يربطوا الاسلام بالشمولية لتشويهه نظرا لما عانته أوروبا من الفاشية والشيوعية، فقد جعلوا الاخوان المسلمين ومؤسسها حسن البنّا مادة دائمة في أبحاثهم. فاستُخدموا مفهوم « الاسلاموية» الذي ينسبونه الى البنّا استوحاه من موسوليني وهتلر ويصنفون الاسلاموية «ايديولوجية متطرفة تشبه الفاشية والشيوعية».

أخطر ما في الامر ، ان منظري الفاشية الجديدة يروّجون لمقولة ان الفاشية هُزمت بحرب عسكرية هي الحرب الكونية الثانية ، وهُزمت الشيوعية بالحرب الباردة، مع ما توحي به مقولتهم بضرورة الحرب وسيلة لهزيمة تلك «الاسلاموية». وهذه ستكون بالتأكيد اذا ما نشبت حربا على العرب اولا وعلى المسلمين عموما.

أعطى قرار الرئيس فلاديمير بوتين سحب معظم القوات الروسية من سوريا، أملاً في أن حلاً سياسياً للصراع الدموي العنيف أصبح احتمالاً ممكناً بعد خمس سنوات من القتل والخراب والتهجير.
ورغم تعدد القراءات للقرار المفاجئ، إلا أن القاسم المشترك بينها النظر إليه بإيجابية، وأنه جاء نتيجة وقائع وضغوط واحتمالات.
في الوقائع، حقق التدخل الروسي خلال خمسة أشهر ونصف منذ بدئه، نتائج مهمة لموسكو ودمشق عكست تغييراً واضحاً في موازين القوى.
فاستعاد النظام مناطق عديدة خرجت عن سيطرته، وثبت الرئيس بشار الأسد في الملعب بعدما كاد أن يخرج منه بضغط المعارضة.
كرست موسكو نفسها لاعباً أول في سوريا بعد مساهمتها الفاعلة في مكافحة التنظيمات الإرهابية خصوصاً داعش والنصرة وإنزال خسائر عسكرية بها وتدمير جزء أساسي من بنيتها الاقتصادية.
وفي المعطيات، إن الانجاز الروسي الذي يتضمن ضغطا على الأسد ورسالة حسن نوايا تجاه المعارضة، تحقق في ظل توافق روسي- أميركي أرست دعائمه اللقاءات الكثيرة بين وزيري الخارجية جون كيري وسيرغي لافروف وأساسه احترام خطوط التماس الحالية سياسياً وعلى الأرض، وقيام أميركا وروسيا بدور متفق عليه لإرغام النظام السوري والمعارضة على التوصل إلى تسوية، بالإضافة إلى دور الدولتين العسكري في الحرب على الإرهاب.
هذا التوافق، يقابله برود إن لم يكن جفاء في العلاقات الأميركية- السعودية، بينما تتحسن علاقات موسكو والرياض، ويواكبه تراجع فعالية الدورين الإيراني والتركي لأسباب مختلفة.
في الضغوط، وأبرزها الكلفة المالية العالية لبقاء القوات فيما الاقتصاد الروسي يعاني بسبب المقاطعة الأميركية- الأوروبية، وتراجع أسعار النفط والغاز.
كما أن إسقاط طائرة حربية سورية مؤخراً بصاروخ من الأرض، يؤشر إلى أن المعارضة باتت تملك صواريخ قادرة على إسقاط طائرات روسية أيضاً مع ما يعني ذلك من احتمال تورط روسيا في حرب طويلة الأمد وهو ما تجنبه بوتين بالانسحاب.
في الاحتمالات، تريد موسكو البناء على هذا التوافق، منطلقاً لتحقيق مكاسب في سوريا والمنطقة عموماً والرهان على فك عزلتها بسبب أوكرانيا. لذا فهي تعجل بدفع الأمور لإنجاز اتفاق في عهد الرئيس اوباما الباقي على ولايته تسعة أشهر، وهذه فرصة قد لا تكون سانحة في أي عهد أميركي قادم، أكان الرئيس الجديد ديمقراطياً
أو جمهورياً، ويطمح أوباما أيضاً في تسجيل إنجاز في سوريا قبل مغادرته البيت الابيض. وكما جاء قرار بوتين التدخل في سوريا في توقيت مناسب لأهدافه، يأتي قرار الانسحاب، مع أمل مُرتجى في أن تخرج من كارثتها. والارجح أن ذلك سيكون عبر سوريا فيدرالية.

الثلاثاء, 15 مارس 2016

لبنان يغرق

مئات اللبنانيين، رجالاً ونساء وأطفالاً، يرقدون في المستشفيات يعالجون من أمراض التنفس والحساسية بحالات متفاوتة بما فيها الصعبة والمميتة، والآلاف يعانون في منازلهم وأعمالهم.

السبب؟

أكوام، بل جبال النفايات والأوساخ والقاذورات من كل نوع تتكدس منذ ثمانية أشهر في الشوارع، والطرقات وحول المنازل، تنشر في الهواء مع الروائح الكريهة أشد أنواع الجراثيم والأوبئة فتكاً وتتسرب إلى المياه، فأصابت صحة اللبنانيين، بعد أن لوثت أكلهم وشربهم والهواء الذي يتنفسونه والبحر الذي يسبحون فيه ويأكلون أسماكهم منه.

في صالة جناح الحساسية والأمراض التنفسية لأحد مستشفيات بيروت حيث داومت طوال الأسبوع الماضي، لا أحاديث لمرافقي المرضى وزوارهم سوى عن الكارثة التي يعيشها لبنان واللبنانيون.

بلد الإشعاع والنور والهواء العليل والجو الجميل، جعله الفساد مكباً للنفايات ومرتعاً للجريمة وساحة للقهر والعوز، وحاصر شعبه المعروف بعزته وكرامته وكرمه وعلو رأسه وطموحه وعنفوانه، في أسر العوز والفاقة والحرمان والمرض.

فساد كبير تغرق فيه الطبقة السياسية الحاكمة، فتسطو على المال العام بوقاحة قل نظيرها لا يضاهيها فساد سوى الطبقة المهيمنة في العراق التي سجلت في رصيدها الفساد الأكبر في العالم.

وفساد صغير ينخر الجهاز الحكومي والموظفين على مختلف المستويات. ولو كان علم الاجتماع أوجد تصنيفات أخرى لأنواع الفساد وأشكاله لتجسدت كلها في حكام لبنان وزعمائه وأمراء طوائفه واقطاعاته ومناطقه.

فساد عمم الحرمان بأبشع صوره، الحرمان المادي من متطلبات حياتية أساسية وبديهية ومنها الحفاظ على نظافة البلد الذي يهاجر منه من يتمكن من شبابه، ويهجره السواح والضيوف خصوصاً الخليجيون الذين يبيعون بكثافة عقاراتهم وممتلكاتهم.

والحرمان المعنوي من أبسط الحقوق في التنمية والصحة والتعليم واحترام الدستور والنظام الديمقراطي.

تمادى الفساد في لبنان فعطل الجمهورية التي أصبحت بلا رئيس ودون رأس منذ نحو عامين إلا قليلا، وحكومة عقيمة عاجزة عن إيجاد حل لأي مشكلة حتى طمرت النفايات البلد، ومجلس نواب معطل لا يمارس رقابة ولا تشريعا سوى التمديد لنفسه خلافاً للتفويض المعطى له من الشعب.

لبنان الذي تضمحل دولته وتتلاشى، تختنق فيه الحريات وتضيع العدالة، ويضيق الصدر أكثر تجاه الآخر وحقوقه، وتسود أنانية الطوائف والأحزاب والزعامات التليد منها والمستحدث.

لبنان في محنة كارثية ، فإما أن ينتهي الفساد أو يُنهي البلد.

السبت, 12 مارس 2016

أعجبتني قدرتك على الحب

لم يُسعفني القلم في رثاء صديق أحزن لفقده. فلم أكتب عن صديق رحل. عند الغياب يعصى الألم على القلم. يرفض أن يُصَب على الورق ليبقى في القلب وجعاً، وفي المقلة دمعة.
كافحتُ لأتجاوز عناد الألم عند فراق أحد أصدقاء العمر والزميل السند، حتى عندما تتباين رؤانا، سهيل عبود، فكتبت في رثائه كلمتين فقط لأخبره أنني «فجعتُ به».
وها أنا أكافح عشرة أيام لأكتب عن صديق وزميل رائع من زمن الصحافة الجميل زهير الدجيلي أبوعلي.
كان بعيداً هناك في أميركا عندما طلب الحضور إلى الكويت: «أحبّها ولي فيها أحبة، وهناك أكون أقرب - يقصد إلى العراق - وهذه رغبة أم علي أيضاً».. وهكذا كان.
عرفته من أغانيه ومسلسلاته قبل أن التقيه خاصة تلك التي غناها زميل الدراسة الموسيقار الصديق كوكب حمزة. ثم تصادقنا سنوات عملاً وعائلةً. إنسان حبيب، وفيّ،خدوم، كريم، مثقف، فنان متعدد المواهب، صحافي شامل، سخي الإنتاج والعطاء لعمله وللناس حتى في أصعب لحظات المرض.
أسرني في أبي علي أنه من النادرين الذين يقولون رأيهم بصراحة أعجب السامع أو لم يعجبه، ويقول الحقيقة دائماً في الوجه. لم يطعن ولم يستغب.
شخصية استثنائية في الإخلاص للمبادئ الإنسانية، وإنسان رقيق راقٍ في الموقف والتعبير والنقد والابداع، لم أعرفه قاسياً إلا في حالتين: في كفاحه من أجل سقوط صدام حسين، ثم في موقفه من الحكم الذي قام محل الديكتاتورية.
فرح لسقوط صدام، لكنه أصيب بخيبة أمل من الحكم الجديد بسبب الفساد الذي استشرى، والطائفية التي انتشرت، والعجز الذي تفشى حتى أضاع العراق. فعبّر بقوة لاذعة، وكثيراً ساخرة، عن الحسرة والندم والألم وهو يرى بلده الذي أحبه ووهبه حياته وعمره يتفتت طوائف وقبائل وقوميات ويعود مئات السنين إلى الوراء.
تدخلتُ لديه، مرّة، بطلب من صديق مشترك- دون أن تكون تلك قناعتي- أن يخفف حدة نقده للحكم في العراق، المالكي أولاً ثم العبادي. فرفض معلقاً بلهجته المحببة «عيني أبوأسيل، هل ما أكتبه أقسى مما يفعله هؤلاء؟!».
شجرة باسقة وارفة الأغصان عميقة الجذور، بغيابها يزداد التصحر في الصحافة والفن والثقافة. فيتمدد الجدبُ في المساحة الفارغة. «متصحيفون» و«متثيقفون» يزيدون معاناتها قحطاً ومحلاً.
أحببت زهير الدجيلي واحترمت صداقته وزمالته وحزنت لرحيله، وسأفتقد ابتسامته الدائمة وحبّه للحياة.
لك الرحمة أبا علي، وللأخت العزيزة رفيقة دربك السيدة أم علي خالص العزاء.

رغم أهمية النتائج التي أسفرت عنها انتخابات مجلسي الخبراء والشورى في إيران أواخر فبراير الماضي، إلا أن من المبالغة اعتبارها منعطفاً
أو تحولاً في السياسات الإيرانية داخلياً وخارجياً. الأرجح انها ستنعكس أولاً في المجال الاقتصادي، وتطرح في الوقت نفسه أسئلة مهمة عن نهج إيران الإقليمي، الذي من المستبعد أن يشهد تغييرات.

أهم الملاحظات داخلياً، ان تحالف التيار الإصلاحي والمحافظين المعتدلين حقق تقدماً لم يرتق إلى فوز وبقي أقلية، وتراجع التيار المحافظ المتشدد دون أن يُمنى بهزيمة وبقي أكثرية في المجلسين.

تُعطي هذه المعادلة الإصلاحيين دوراً ملحوظاً في اختيار المرشد الأعلى المقبل، إذا بقي هذا المنصب مُعتَمداً بعد المرشد الحالي.

حصانا الرهان لدى المعتدلين في هذه المعادلة الرئيسان الحالي حسن روحاني والأسبق هاشمي رفسنجاني اللذان اخترقا مجلس الخبراء المتشدد حتى الانغلاق مع مجموعة أعضاء يُصنّفون على أنهم من طلاب الشهيد محمد باقر الصدر المعروف بانفتاحه ونهجه الإصلاحي، وكانا السبب في اقدام صدام حسين على قتله.

الانتخابات التي كرّست رفسنجاني «ثعلب السياسة الإيرانية» رقماً صعباً، ان لم يكن أولاً، في التيار المعتدل، أعطت الإصلاحيين في المجلس، مساحة هي الأوسع منذ 2004، توفر لهم حرية أكبر للتحرك، وفي رصيدهم الاتفاق النووي مع
الـ 5+1 للانفتاح على الغرب، اقتصادياً وتجارياً.

تأمل طهران من هذا الانفتاح أن تتجاوز التركة الثقيلة للرئيس السابق أحمدي نجاد التي اغرقت البلاد في كارثة اقتصادية كبرى. ذلك هو السقف الأعلى للإصلاحيين، يعيدون تواصل إيران مع المجتمع الدولي، وهذا انجاز مهم إذا تحقق، لكنهم أكثر ليونة من أن يكونوا مؤهلين، أو قادرين على إصلاحات جذرية وحقيقية في الاقتصاد والسياسة والاجتماع.

أما الأحلام الوردية للمغالين في التفاؤل عن تنمية وازدهار اقتصادي على الأبواب، فتبدو أن لا واقعية فيها.

السلطة الدينية في إيران، كأي سلطة دينية أو عسكرية وشمولية، لا يمكن ان تنتج تنمية أو حداثة تحتاجهما إيران بشدة، وهي، أي السلطة الدينية التي من هذا النوع، غير قادرة بحكم تركيبها وتفكيرها على الانفتاح والالتحاق بالعصر.

تُبقي التوازنات السياسية والعقائدية النخبة الايرانية الحاكمة في قبضة المتشددين من رجال دين وحرس ثوري وأجهزة أمنية.

ويَبقى الحُكم بالتالي خاضعاً لمتلازمة رباعية العوارض، عارضان منها ورثتهما الثورة عن حكم الشاه هما القوة والعسكرة، وعارضان استجدا منذ الثورة هما المحافظة والتعبئة، واستمرت المتلازمة الرباعية تتحكم بنهج الجمهورية الإسلامية على حساب التنمية الاقتصادية والديمقراطية والانفتاح على الخارج والازدهار الاجتماعي.

هنا يكون السؤال الأكبر الذي يهمنا نحن العرب: ما تأثير نتائج الانتخابات على سياسة إيران تجاه الإقليم؟

لن تتخلى إيران عن طموحها وسعيها لأن تكون دولة إقليمية عظمى، وتعوف المكاسب التي تراهن على أن تجنيها من هذا الموقع.

ذلك يعني ان طهران ستسعى إلى توسيع تأثيرها في بلدان المنطقة، ولن تكتفي بامتداداتها الحالية، أو تتراجع عنها.

هذا الجنوح إلى دور لا يُقرّه الجيران سيبقي عنصر التوتر الدائم مع معظم البلدان العربية عموماً والخليجية خصوصاً، ويديم شبح عدم الاستقرار قائماً في أجواء الاقليم.

الصفحة 12 من 14