جريدة الشاهد اليومية

د. أحمد طقشة

د. أحمد طقشة

السبت, 31 ديسمبر 2016

«اللبننة» لا يُحتذى بها!

يتردد في أوساط سياسية وإعلامية عربية أن جهات دولية وإقليمية تروّج «الصيغة اللبنانية» حلاً للأزمات على مستوى الإقليم، وتحديداً في سوريا والعراق أولاً، ثم اليمن وليبيا تالياً. وترى أن «الصيغة صالحة بحسناتها وعلاتها نموذجاً يقتدى به» لإخراج الدول الأربع من أتون الحرب الأهلية، فهل يمكن فعلاً ان تكون «اللبننة» حلاً حقيقياً مناسباً؟!
«الصيغة اللبنانية» التي يتباهى بها لبنانيون، ويعتبرها آخرون «لعنة»، وتستوحيها الآن قوى فاعلة لتعميمها في الإقليم، أساسها دستور مدوّن، وميثاق وطني عبارة عن أعراف وتقاليد غير مكتوبة. والوثيقتان أساس لنظام طائفي يوزع السلطة بمنافعها ومواقعها والوظائف العامة بين طوائف البلد الـ18، ويصنّف المواطنين وفق طوائفهم لا وفق انتمائهم إلى لبنان الوطن.
طبعاً الحصة الأساسية للطائفة الأقوى وتستمد هذه جزءاً مهماً من قوتها من علاقاتها مع الخارج، في الإقليم أو على المستوى الدولي، وهي غالباً، بل دائماً، علاقة تبعية.
الموارنة كانوا هذه الطائفة حتى اتفاق الطائف 1989 الذي أنهى الحرب الأهلية، لكنه كرّس خسارتهم تلك الحرب، فنقل معظم الصلاحيات من رئيس الجمهورية الماروني الى مجلس الوزراء مجتمعاً الذي يترأسه سني. وأبقى الموقع الثاني، السلطة التشريعية، للطائفة الشيعية التي تتحول الى طائفة مهيمنة بفعل فائض القوة لدى حزب الله.
من علامات فشل أي حكم العودة الى أساليب الماضي وأنظمته وطرقه، فكيف في استنباط صيغة عمرها مئة عام إلا قليلاً، جلبت للبنان سلسلة من الحروب الأهلية،تبيع وهم الحرية،والتنمية والتقدم والتطور، بينما تدفعه حقيقة إلى الخلف كما تثبت التجارب الدموية المريرة.
تحوّل النظام الطائفي الذي يحمل بذرة العنف والتقاتل في أحشائه، إلى حكم زعماء طوائف وأمراء حرب، قسّموا الوطن إلى إقطاعات ومنافع بينهم. فإذا كان التنوع القومي الديني والطائفي مصدر قوة وازدهار لأي بلد، فإن الطائفية آفة ضعف وانهيار باعتبارها صيغة دائمة للتقاتل بين مكونات المجتمع،تجعل زعماء الطوائف أقوى من الدولة، وتفرض هيمنة الطائفة الأقوى، ما يدفع الآخرين، طال الزمان أو قصر، إلى مقاومتها لأن الهيمنة لغم قابل للانفجار دائما،ً لن تقر به طائفة.
لم تنجح «اللبننة» في دمج اللبنانيين وصهرهم في شعب واحد. أبقتهم جماعات طائفية متجاورة، يسميها بعض المفكرين «شعوباً» بينها «عيش مشترك» بدل «عيش واحد»، تلتقي حيناً وتتصارع حيناً على المكاسب والمغانم والمزايا.. كما عجزت الصيغة عن جعل اللبنانيين مواطنين متساوي الحقوق، وعززت طائفيتهم بدل أن تنّمي وطنيتهم.
«اللبننة» أو نظام المحاصصة الطائفية صيغة تتلاشى حسناتها من جيل إلى جيل، إذا كانت تلك الحسنات موجودة حقاً في وقت ما. أما علاتها البنيوية فباقية وتتفاقم حتى الانفجار الدموي، وتجعل مصير البلد نفسه في مهب الريح، وبالتالي فهي ليست صيغة جديرة بأن يُقتدى بها، ظاهرها رحمة موهومة، وجوهرها نقمة فعلية، ناهيك عن أنها تكرس حكم الطوائف وهذا ما أثبت فشله.
ما الحل؟
نظام علماني مدني، يضمن حقوقاً متساوية لجميع مكونات المجتمع العرقية والدينية والطائفية، تمثيلاً ومشاركة في الحكم وفق أحجامها، كمقدمة للانخراط والتكامل وإحلال المواطنة بدل الطائفة.
فهل يكون صمت السلاح الذي بدأ ليل الخميس مدخلاً لحل سلمي في سوريا، وصيغة للحكم تضمن حقوق الكل؟

الثلاثاء, 27 ديسمبر 2016

عنزة ولو طارت !

سجّلت نهاية معركة حلب منعطفاً جديداً في الأزمة السورية: فوز للسلطة المركزية وحلفائها، في مقدمتهم روسيا، هزيمة كبرى للتنظيمات الإرهابية والتكفيرية ولحلفائها، في مقدمتهم تركيا، أما الخاسر الأكبر فهو سوريا، كما هي نتائج الحروب الأهلية دائماً.
شعبُها بقتلاه وجرحاه ومشرديه ولاجئيه، عمرانُها تحوَّل معظمه إلى خراب، اقتصادها فقد أكثر من نصفه وجعل سوريا أكبر خاسر عالمي بسبب الحروب وطار 54 في المئة من قيمته خلال سنوات الحرب الخمس، والحبل على الجرار.
إلى كل هذا جُرحت سيادة سوريا وتراجع دورها الإقليمي، وتضاءل تأثيرها في الصراع العربي- الإسرائيلي لمصلحة الدولة العبرية،وهذا خسارة للعرب جميعاً.
هذه الصورة الواقعية فرزت معسكرين استمراراً للاصطفاف الداخلي والعربي والإقليمي والدولي بشأن المسألة السورية، التي تشبه حرباً عالمية ساخنة وباردة من حيث القوى والمصالح المنخرطة فيها.
معسكر طليعته واللاعب الأول فيه روسيا، يحظى وفقاً لما تشير المعطيات، ولو ضمناً، بدعم أميركي وأوروبي، ويرى أن حلب وفّرت الفرصة للعمل على تسوية بين النظام والمعارضة غير المصنّفة إرهابية في الداخل والخارج وحافظت على شعاراتها في الحرية والكرامة وقيام نظام علماني يمثل جميع مكونات الشعب السوري بتنوعه، وهو تعهد يضع مصداقية موسكو على المحك، التي ستواصل في الوقت نفسه العمل العسكري حتى إنزال الهزيمة النهائية بالتنظيمات الإرهابية خصوصاً «داعش» والقاعدة.
المعسكر الثاني، محوره في الداخل السوري الجماعات الإرهابية، وفي الخارج داعموها في الدول العربية والإقليم، والتنظيمات الإسلامية والجماعات الطائفية. يصرّ هذا المحور على التأجيج، يذرف دموعاً كاذبة على حلب، يصبّ الزيت على الحريق الطائفي، ويبذل جهوداً استثنائية لإبقائه مشتعلاً في سوريا، قطعاً للطريق على أي حل سياسي قادم، ويعمل في الوقت ذاته على مدّه إلى دول عربية ظلّت بمنأى حتى الآن، لأنه يدرك أن هزيمته النهائية في سوريا والعراق، تعني نهايته في المشرق العربي كحركة منظمة لها قواعدها وكيانها، وإلا ماذا يفهم من تهديد داعش الخليج العربي «بحدث قريب»؟!
للأسف، بإدراك أو من دونه،ينخرط في هذا التوجه موتورون طائفيون قصيرو النظر أصحاب مرض وغرض، ومخلصون يأخذهم الحماس، فيصنّفون كل دعوة لحل سلمي في سوريا على أنها موقف طائفي منحاز لنظام الأسد وروسيا وإيران وحزب الله اللبناني، وكأن مأساة حلب لا يشعر بها كل إنسان أيا كان دينه وعقيدته، بينما هم يريدون من بوابتها إحياء مشروعهم الإلغائي على حساب سوريا كلها وعلى حساب بلدانهم أيضاً.
اثنان من قادة المعارضة السورية البارزين، إسلامي وليبرالي يردون على هؤلاء.
الشيخ معاذ الخطيب الرئيس السابق للائتلاف المعارض والشخصية التي تحظى بالتقدير قال في ما أسماه «بق البحصة» عن التنظيمات الإرهابية والتكفيرية: «هذه التنظيمات لم تأت من فراغ، بل هي أدوات دول إقليمية، وان أسوأ ما قامت به هو شيطنة الإسلام كله، وتخريب سوريا في كل مفاصلها، لفرض فكر التكفير والذبح والدم».
أما ميشال كيلو الشخصية المحترمة في المعارضة الليبرالية فيرى أن التنظيمات التي سيطرت على المعارضة «متخلفة ومعادية للحرية لا تملك فكرة العدالة وتجهل فكرة الدولة والمجتمع ولا تؤمن بمساواة الناس».
وهذا ما أسماه كيلو «المشروع البديل للديمقراطية الذي لم يوافق العالم عليه، لذا أصبح بشار الأسد هو الخيار الأفضل للعالم».
ليتوقف العقلاء في التنظيمات الإسلامية عن سياسة «عنزة ولو طارت»، فكفى خراباً تتسبب فيه تنظيماتهم وما فرّخته من إرهاب وتكفير!
 

تجاوزت والدتي الحاجة أم أحمد الخامسة والثمانين، أطال الله في عمرها، وأمدها بالصحة وأدام عقلها المنفتح وهمتها الشبابية وعاداتها الجميلة التي تعوّدنا عليها منذ طفولتنا، ومنها تزيين بيتنا في مدينة صور بشجرة الميلاد التي سألت عنها الأربعاء الماضي فعلمت أنها في المكان الذي تتواجد فيه كل عام.
كنت في الصف الأول الابتدائي، أي في السادسة، عندما كان المرحوم والدي وهو ينتمي إلى عائلة مسلمة سنية من مدينة صيدا عاصمة جنوب لبنان، كان يعود أواخر كل عام من أحد البساتين التي يعمل فيها، حاملا فرعاً من شجرة سرو أخضر نضر، تعده الوالدة المسلمة الشيعية من جبل عامل، وتضعه في إحدى زوايا غرفة الجلوس على قاعدة تصنعها له.
لم يكن في الشجرة مصابيح تضيء وتنطفئ لأن مثلها لم يكن موجوداً آنئذ، وربما لأن الكهرباء غالية، لكن الشجرة على تواضعها كانت تضفي جواً مميزاً وتحمل البهجة والفرح لنا نحن الأطفال.. فهي مزينة بتفاح أحمر، وتحتها تين مجفف وجوز ولوز وزبيب.
ومع السنوات، أصبحت ألاحظ أن الوالد يحمل أكثر من غصن، يوزعها على الجيران الذين كانوا يطلبونها منه، ما يشعر أم أحمد بالبهجة لأنها السبب في تعميم شجرة الميلاد في الحي.
مع السنوات كبرنا وتوزعنا في أماكن الله الواسعة، لكن أم أحمد لم تتخلَّ عن عادتها في بيت العائلة، ومازالت مثابرة على نصب شجرة الميلاد، الفرق أنها أصبحت اصطناعية، مضاءة بالألوان والزينة، يلتف حولها بدلا من أولادها، أحفادها وأولادهم وأحفادهم، فتنتشي بالحبور والرضا من جَمّعتهم حولها، ومن الفرح الذي تصنعه لهم.
مضى ستون عاماً، نصبت خلالها أم أحمد ستين شجرة ميلاد، أحضر عددا منها
أبو أحمد حتى انتقل إلى رحمته تعالى. ولم أسمعهما يوماً يتحدثان، ولو من باب الشك، عن حلال أو حرام في ما يفعلان رغم التزامهما القوي بالدين صلاة وصوماً وزكاة وبقية العبادات والواجبات وتربيةً لأطفالهما.
لذا أستغرب ممن يحرّمون شجرة الميلاد اليوم. فهل يريدون أن أشكك بصحة إيمان والديّ، خصوصاً أن أبي كان من أوائل حفظة القرآن في مدينة صور،  وأمي حجت واعتمرت وزارت، ولم أسمع منهما أن الفرح والسعادة للصغار والكبار محرم؟
هل يريد دعاة التحريم حرماننا من سماع تراتيل الميلاد الجميلة بصوت فيروز يصدح منتصف ليل الرابع والعشرين من ديسمبر فنحلق معها في سمو الخلق وبهجته؟!
لنترك المشاعر، ونذهب الى السياسة، فهل يريد هؤلاء أن يستسلم أهلنا في فلسطين للاحتلال الإسرائيلي، فيتوقفوا مسيحيين ومسلمين، عن نصب شجرة الميلاد في كنيسة المهد، ، يفعلون ذلك معاً إيماناً  بوحدتهم وتحدياً للاحتلال وتمسكاً بالأرض التي بنيت عليها الكنيسة في موقع ميلاد السيد المسيح في بيت لحم؟!
هل يريدون أن نتوقف عن اعتماد الفرح بين وسائل مقاومة الإرهاب لنعيش في تورا بورا كما يحلمون ويسعون، فينتعش الإرهاب ويقوى ممارسوه؟!
علّمنا أهلنا أن الإسلام نور، وأن الدين هو ما أنزله الرحمن على رسله ينشرونه بين الناس، وليس الخزعبلات والخرافات يفصّلونها على مقاسات مصالحهم ثم يرفعونها من الأرض إلى السماء ويجعلونها ديناً يغلّفون به مصالحهم، وهذا ما يفعله سارقو الفرح، صانعو الشر والكراهية، قتلة الأبرياء.
شجرة الميلاد ليست حكراً على دين، إنها نتاج للحضارة والإنسانية، وجميع الناس يستحقون الفرح، حتى أولئك الذين
لا يقدّرونه، ويحاولون مصادرته وحرمان الآخرين منه.  كل الناس بغض النظر عن أديانهم وطوائفهم يحتاجونه لتكون الحياة أجمل، ويحتاجه أكثر العرب والمسلمون في ظروفهم المقيتة الآن، فكلما تزداد نسبة الفرح، تتقلص مساحة الإرهاب، ويتأنسن الإرهابيون ويتناقص عددهم وتتضاءل دوافعهم.
ميلاد مجيد وعام جديد سعيد لوالدتي ولكل من يصنع الفرح ويعيشه، أو يتمناه ويتوق إليه.

الثلاثاء, 20 ديسمبر 2016

تسطيل - تطييف

حسب صديق متخصص في علم الاجتماع، أنه لو قيد له أن يختار كلمة لوصف حالة العرب في عام 2016 لاستعار ما وصف به الألمان عامهم معدلة قليلا لتصبح «ما وراء المعقول وذروة الجنون».
«كلمة العام» ابتدعها الألمان منذ 1971 لتشخيص حال ألمانيا وشعبها والقضية الاساسية فيها ذلك العام.  فيعرف المجتمع نفسه، مشاكله ومعاناته وما عليه أن يتصدى له ويعالجه.
«العدوى الألمانية» الجميلة والمفيدة، انتقلت ليس فقط الى أمم متقدمة كثيرة، انما ايضا الى أمم طبيعية، يهمها ان تعرف حالها وأحوالها وكيف تفكر كجماعة، لكن العرب مازالوا بعيدين عن هذه المحاولة.
في أستراليا اختار المركز القومي للغة «ديمقراطية الصوصج» كلمة العام ربطا بالانتخابات النيابية في يوليو الماضي، حيث انتشرت امام مراكز الاقتراع اكشاك بيع الوجبات السريعة وكان اشهرها الصوصج المشوي.
مجمع اللغة الألمانية اختار «pastfakhtisk»، ومعناها التقريبي «ما وراء الحقيقة» ومضمونها أن الوقائع والحقائق الموضوعية أصبح تأثيرها أقل من المشاعر والانطباعات على تكوين الرأي العام.
اعتبرت الكلمة «رمزا للتحولات العميقة في المجتمع، تعكس عدم ثقة الناس بالنخب والسياسات القائمة ما يدفعهم الى تجاهل الوقائع وقبول الاكاذيب». يدعم هذا التفسير الزلزال الذي تمثل بـ «البركسيت» أو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ثم فوز دونالد ترامب بالرئاسة الأميركية.
يتفق المختصون ان ما عزز الظاهرة هو وسائل التواصل الاجتماعي، التي لا تُخضع ما تنشره للقواعد الصارمة المفترض أنها متبعة في الصحافة التقليدية، ما جعل المتلقي يبتلع الكذب والمعلومات المشوهة.
العرب لا دافع عندهم لمعرفة أنفسهم والوقوف على الجديد فيهم. مع ذلك أجريتُ اختبارا سريعا بين الاصدقاء والزملاء فكانت النتيجة تعدد كلمات العام: «تهبيل الأمة»، «تسطيل»، «تطييف»،«الانحطــاط الطــائـفي»، «تحطيم الدول والتفتيت»، «السباحة في الدم».
أما شخصيا فأحتفظ بالعبارة التي اخترتها لوصف عام العرب لأن اللسان اللبناني يستسهل استخدام المفردات والتعابير الاباحية، وانا
لا اريد ان اعرض «الشاهد» ونفسي للمساءلة .. فصدرُ قانون المطبوعات ضيق.. والنمامون التافهون قصيرو النظر سيرقصون في كل عرس كما فعلوا تجاه مقالي السبت الماضي عن حلب وسقوط تقسيم سوريا،ففسروه بماليس فيّ ولا فيه! لكني أريد القول ساخراً، إنه يكفي مقال آخر أو اثنان رفضاً للتغيير بالعنف والسلاح
أو تفتيت المجتمعات العربية طائفياً، لأني أحب شعبي وأمتي كإنسان، وأحترم الوقائع والحقائق كصحافي، حتى ينفجر المتصحيفون والطائفيون بشحنات «ما وراء الحقيقة» المفخخون بها، ليدمروا مستقبلنا جميعاً.


 

السبت, 17 ديسمبر 2016

وسقط التقسيم

حفلات الزار «نصرةً لحلب» معروفة الدوافع مكشوفة الأهداف. آخر ما يعنيها طرد العفاريت، بل هي تستحضرها بتأجيج طائفي يشعل المزيد من النار ويلتهم المزيد من البشر والحجر.

القوى التي تنظم هذه الحفلات وتتعهدها -ليس المقصود طبعاً المشاركين فيها. فكثيرون منهم مثاليون تحركهم دوافع التضامن الانساني الحقيقي- تلك القوى تعرف أن عودة ثاني المدن السورية الى الدولة طعنة استراتيجية كبرى لها، ولمشاريع التقسيم والتفتيت، خصوصاً أنه سيتبعها قريباً تحرير الموصل وعودتها إلى الدولة العراقية.. وبذلك تفقد القوى الظلامية أهم موقعين لها في المشرق العربي وتُمنى بأكبر هزيمة تحجّمها، وتحولها إلى مجرد فلول وعصابات وخلايا إرهابية معزولة. هذا الألم الناتج عن الخسارة الكبرى هو الدافع الأساسي للصراخ من استانبول إلى عواصم عربية محدودة العدد. وليس هناك عربي حريص أو مسلم أو إنسان من أي دين لا يتعاطف مع مأساة حلب وسوريا كلها والعراق واليمن وليبيا. وهو يريد أن تبقى هذه البلدان موحدة.
أما الهدف الحقيقي فليس بالتأكيد حلب فهذه قد سقطت ولم يعد البكاء على الأطلال ينفع، بل هو اختبار مكشوف للقوة، وقياس قدرة القوى المتأسلمة على التعبئة والحشد استعدادا للدخول في مواجهات في أماكن أخرى غير سوريا والعراق.يصرخون ضد روسيا، ويقدمون الخدمات الجليلة للثلاثي الأميركي - الإسرائيلي- التركي.
أما الأصوات الليبرالية، بما فيها وسائل الإعلام التي تقدم نفسها بهذه الصفة هنا وهناك، فهي تبتلع الطعم مرة جديدة، فتؤكد عجزها أو قصورها، ليس فقط عن الفعل، بل وقبل ذلك عن الفهم. تعتبر «أن الأسد يربح حلب ويخسر سوريا»، في استعادة هزلية مشوّهة لمعادلة المغني الشعبي الثائر الشيخ إمام عندما صرخ في مواجهة كمب ديفيد بين مصر وإسرائيل «يا خوفي من يوم النصر، ترجع سينا وتروح مصر».
ينسى هؤلاء «الليبراليون» أن التنظيمات الإرهابية التي تقاتل في حلب وسوريا كما في الموصل والعراق ليست في موقع صراع أو مواجهة مع إسرائيل، لأن فلسطين بما فيها القدس، لم تكن يوماً جزءاً من استراتيجيتها ولا حتى في تكتيكها ولو من باب ذر الرماد في العيون.
ليس مفهوماً كيف تقع قوى تسمي نفسها ليبرالية في مستنقع التأجيج الطائفي، وصب المزيد من الزيت على نيرانه! وكيف يغيب عنها أن ما فرضته قوى التخلف والإرهاب على السياسة والمستقبل في العالم العربي ليس خياراً بين الحسن والأحسن، إنما بين السيئ والاقل سوءاً.
المنظمات التي سيطرت على حلب قبل أربع سنوات، هي أساساً تنظيم القاعدة وغيره عشرات المنظمات الإرهابية والمتطرفة وعصابات مرتزقة من أوروبا وأميركا وأنحاء الأرض. أما الليبراليون السوريون والمناضلون من أجل الحرية والكرامة أو المعارضة المعتدلة فقد اضطهدهم هؤلاء، وفرضوا عليهم الانضمام إليهم أو الهرب، فهم الآن موجودون في المكاتب خارج سوريا، في أوروبا وأميركا، لا في ساحات القتال التي تركت لأشد التنظيمات رجعية وتطرفاً وإرهاباً، وهذه حكماً لا تؤمن بتلك الشعارات النبيلة والمحقة.
بتحرير حلب، يكون النظام السوري قد استعاد «سوريا المفيدة» أو «قلب سوريا» أي المدن الخمس الكبرى الغنية اقتصادياً والكثيفة بشرياً وعمرانياً، فسقطت بالتالي خطة أميركا وإسرائيل وتركيا التي تنفذها المنظمات الارهابية لتقسيم سوريا والعراق، إلى كيانات طائفية صغيرة لا حول لها ولا قوة، تبرر الكيان العنصري في إسرائيل.
كما أنها أطلقت يد السلطة المركزية استعداداً لمعركة إدلب، وهي مع الرقة آخر مواقع مهمة تحت سيطرة داعش وبقية الفصائل الإرهابية.

د. أحمد طقشة
 

الثلاثاء, 13 ديسمبر 2016

أبو وضاح والغواصات !

كان لي صديق بعمر والدي، في صدره قلب طفل وحماسة شاب، عشقه العدل والمساواة بين الناس قاده إلى الاشتراكية، ومنها إلى نصير متحمس للاتحاد السوفياتي، وربما أسعفه القدر أنه رحل قبل أن يعيش سقوطه لأنه لم يكن النموذج الأمثل للحلم الذي عاش 80 عاماً من أجله.
ذهب أبو وضاح مرة ضمن وفد إلى باريس، وعندما كان يتمشى في شوارع عاصمة النور، شاهد شباباً وشابات يتبادلون العناق والقبل علانية وأمام الناس حتى طفح الكيل به، فانطلق يشتم «الأفعال الفاضحة» و«قلة الأدب والانحطاط»، واستنتج من ذلك «أن الرأسمالية ليست فقط تدمّر حقوق الناس بل أخلاق المجتمع أيضاً، وهذا الفسق العلني هو الدليل على بشاعة الرأسمالية وانعدام أخلاقها».
من باريس، انتقل الوفد إلى موسكو، قبلة أبي وضاح وعاصمة الدنيا بالنسبة له. هناك أيضاً يتعانق الشبان والفتيات ويتبادلون القبل في الأماكن العامة، توقع الجميع أن تكون المشاهد صدمة لزميلهم وأن يكون رأيه فيها مطابقاً لرأيه في ما رآه في باريس، لكن أبا وضاح فاجأهم بتفسيره: «انظروا ماذا تصنع الاشتراكية بالناس. تجعلهم يحبون بعضهم، تزرع فيهم الحنان والمحبة، وهم يتفاخرون بهما، ولا يتحرّجون في التعبير عنهما علناً».
ما فعله أبو وضاح تكرره وسائل إعلام ناطقة باسم إيران أو قريبة منها بشأن صفقة
3 غواصات ألمانية إلى إسرائيل، لكن الحكاية مع الأول طرفة ومع الثانية مأساة، لأنها تجعل الإعلام وسيلة تضليل.
اعتبرت تلك الوسائل الصفقة «خرقاً إيرانياً» لأمن اسرائيل، و«صدمة إسرائيلية من يد إيرانية»، وصولاً إلى أن هذه  اليد «تزلزل طاولة القرار الإسرائيلي»، ذلك كله دون أي قرينة أو إثبات سوى أن لإيران أسهما في الشركة الألمانية المصنعة للغواصات.
إنها مجرد صفقة تجارية بين الشركة الالمانية ولا علاقة لايران بها. ملكيتها فيها قديمة تعود إلى عهد الشاه انخفضت من 7.5 ٪ الى 4.5 ٪ بضغط أميركي واخرج بالتالي ممثلها من مجلس الادارة.
تلك معلومات منشورة في الشبكة العنكبوتية ومتاحة لأي كان، فكيف بالنسبة للموساد الإسرائيلي وهو من اكفأ أجهزة المخابرت في العالم؟!
منطق الحماس الزائد والانتصار الانشائي يعني أن إيران على علم بالصفقة وأعطت الضوء الاخضر لاتمامها أو سكتت عن ذلك ولم تعترض لسببين:
الأول أن تكون الصفقة مدخلا لمعرفة أسرار عسكرية إسرائيلية وهذا مستحيل لأن المساهمة الإيرانية مكشوفة ومعروفة
ولا تخولها الاطلاع على أسرار الشركة، وغير ذلك يؤدي إلى افلاسها.
أما الاحتمال الثاني، فإن إيران التي تعرف أن تل أبيب تعرف، قد تكون أرادت أن تبعث للدولة العبرية برسالة عن استعدادها للتعاون.. وأن مبالغة وسائل إعلامها وتضخيمها الكسب الإيراني إنما الغاية منهما حجب هذه الحقيقة بالذات.
لا داعي للبحث كثيراً عن الحقيقة الضائعة!
 


 

الثلاثاء, 06 ديسمبر 2016

«حرب عصابات» حتى آخر سوري!

أكثر العرب لا يتعلمون. لا عِبرة من الماضي، ولا درساً من الحاضر. فيأتي المستقبل من سيئ إلى أسوأ، يصنعه سياسيون عاجزون عن رؤية المصالح الحقيقية لأوطانهم وشعوبهم، تُزين لهم «بوقيةٌ» تعطل عقول النُخب وتشوه الإعلام ودورهما الريادي والتنويري، فينتج كل هذا مزيداً من الجنون يتجسد الآن في الدعوات لحرب عصابات في حلب.
ليست الدعوة لهذا النوع من الحرب، بينما توشك معركة الشهباء على النهاية، مجرد دموع تماسيح تذرف كذباً بل غايتها إبقاء نار الأزمة مشتعلة. إنها «طفولة سياسية» إذا حسنت النوايا -وهذا مستبعد- لأن جهنم مبلطة بأصحاب النوايا الحسنة. هي في جوهرها تحريض على القتل حتى آخر سوري، واستكمال تدمير سوريا حجراً وبشراً وركائز دولة. إنها باختصار، دعوة شريرة للانتحار.
لا ينطلق رفض هذا النوع من القتال، والذي هو مواصلة للحرب الأهلية بوسائل أخرى، من فذلكة الظروف الموضوعية والذاتية المهيأة أو غير المهيأة، إنما من موقف مبدئي يرفض أساساً، استخدام العنف والسلاح والحروب في الخلاف بين المكونات المجتمعية للدول العربية مهما سمت الأهداف وكانت المطالب مشروعة ومحقة، واشتد الصراع بشأنها. فمحاولات التغيير بالعنف، إن جاء بغزو خارجي كحالة العراق وليبيا، أو بصيغة حرب أهلية كما حدث في لبنان سبعينات القرن الماضي، ويحدث الآن في اليمن وسوريا، لا يمكن أن تنتهي إلا بالموت والتشرد والخراب، وحال البلدان الخمسة شاهد صارخ على هذا الاستنتاج.
الحروب الأهلية لا تنتهي بمنتصر ومهزوم. كل المشاركين فيها خاسرون. التجربة تثبت أن التغيير بالعنف غير ممكن، وإذا حصل بقوة التدخل الخارجي الذي أسقط النظامين العراقي والليبي، فنتيجته كارثية، لأن النظام الجديد يأتي تابعاً وعاجزاً عن إعادة بناء البلد الذي يبقى كسيحاً، وفي حالة حرب أهلية دائمة.
كما لا يمكن لسلطة، مهما كان جبروتها، أن تدّعي الفوز على شعبها وخنق مطالبه في الحرية والكرامة ورفض التسلط والاستفراد بالحكم، وإبعاد الآخر المختلف وقهره. فمطالب من هذا النوع المصيري
لا يمكن أن تموت، تبقى ناراً تحت الرماد، تشتعل في كل وقت وزمن حتى تتحقق وتصبح واقعاً.
أما القوى المدعوّة لإطلاق حرب عصابات، فمجموعات صغيرة منها معتدلة، تضم مناضلين حقيقيين تحركهم المثل للوطنية والإنسانية والمستقبل الأفضل لسوريا، لكن مثل هذه المعارضة أصبحت هامشية جداً، أما أغلب تلك القوى فمنظمات إرهابية عمودها الفقري «النصرة» التابعة «للقاعدة»، وجماعات مسلحة فرختها بالعشرات تركيا ودول عربية، جندت فيها الإرهابيين والمرتزقة والمجرمين من المنطقة كما من بلدان أجنبية كثيرة. جماعات في جوهرها وآيديولوجيتها معادية لكل طموح نبيل يريده الشعب السوري، وهدفها الحقيقي إسقاط دولته ومؤسساته المدنية والعسكرية، والوطن السوري نفسه، لإقامة دولة داعشية وطالبانية نموذجها دولة البغدادي.
لا حلول سهلة لواحدة من أعقد الأزمات العالمية في عصرنا. ولكن من المؤكد أن حلها لا يمكن إلا سلمياً، على أساس سوريا دولة علمانية غير طائفية لا استحواذ فيها ولا إلغاء تصون حقوق جميع طوائفها وأعراقها.
 

رد موسكو السريع على سقطة الرئيس رجب أردوغان بأن القوات التركية دخلت سوريا للإطاحة بالرئيس بشار الأسد، ألقى الكثير من الأضواء على معركة حلب المستعرة الآن.
لم تكن هذه المرة الأولى التي تتكشف فيها العدوانية العثمانية، والأزمة المتفاقمة التي يتخبط فيها أردوغان، ويحاول حتى اليأس، أن يصدّرها للخارج. مرة إلى الاتحاد الأوروبي، وأخرى إلى العراق، وغالباً إلى سوريا.
لكن موسكو وردود دمشق وطهران فرضت عليه التراجع، كالعادة، فأعلن أن عسكره في سوريا «يستهدفون الإرهابيين فقط وليس أي شخص محدد».
يبقى الأهم من الشكل، أن موسكو حددت الهدف من معركة حلب، وكذلك رؤيتها لمستقبل سوريا. فهي تسعى مع دمشق وحلفائها إلى «تطهير المدينة من الإرهابيين تماماً كما يجري في الموصل والرقة. ونسعى إلى إنجاز هذه المهمة قبل نهاية العام». ما يعني أن الموعد مرتبط مع تسلم الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب مهام منصبه في 20 يناير المقبل. وأصبح معروفاً أن روسيا على تواصل مع فريق الرئيس الجديد بشأن سوريا.
موسكو ربطت بذكاء تحرير المدينتين الموصل وحلب. فالشبه بينهما كثير من حيث التركيبة السكانية، والأهمية الاقتصادية، والتاريخ العريق، وكلاهما المدينة الثانية بعد العاصمة. معركة تحرير الأولى كرّست أميركا اللاعب الرئيسي في العراق، وتكرّس معركة الثانية روسيا اللاعب الرئيسي في سوريا. والمدينتان يمكن أن تكونا مدخلاً لتسوية الازمة في كل من البلدين.
فعودة حلب إلى كنف السلطة تحقق جملة أهداف استراتيجية.
-1 تسقط مخطط تقسيم سوريا إلى ثلاثة كيانات سنية، علوية،كردية. ما يعني إفشال فرض خارطة جيوسياسية جديدة.
-2 تتغير حكماً الهيكلية التنظيمية والسياسية للنظام. ويجري الاعتراف بحقوق جميع مكونات المجتمع كشركاء متساوين في المواطنة والحكم.
-3 يرُجّح، بل مؤكد، أن نقاشات تجري في هذا الشأن على قاعدة أن القديم يستحيل أن يعود ويجب أن يتغير، بين روسيا وقوى تقاتل في حلب، وبمتابعة أميركا، تمهيداً لإطلاق حوار شامل بين السوريين، كما تقول المصادر الروسية.
إن سوريا تعيش في إعصار لعبة الأمم، وصراع القوى العظمى ويمكن ان تكون استعادة حلب، على ما فيها من مآس بشرية وكوارث اقتصادية وعمرانية، بداية الخروج من التراجيديا السورية.
هنا تأتي أهمية رؤية روسيا لمستقبل سوريا التي تراها موسكو «دولة علمانية حرة، تعيش فيها كل المجموعات الدينية والأثنية بسلام ووئام». ومن الصعب أن تتملص موسكو من هذا الالتزام وهي التي جاءت إلى سوريا لتبقى في الشرق الاوسط.
 

الثلاثاء, 29 نوفمبر 2016

شعوذة الإعلام!

يعرف المعلقون الأذكياء أن التنبؤ غير ممكن في الإعلام، لكن بعض الزملاء في أيامنا
لا يستطيعون تجنب هذا المرض، وينقلونه إلى «الميديا» علّ وعسى يصيب منهم توقع فينقلهم إلى خانة المشاهير، كما يفعل العرافون، لا يهمهم التلاعب بالعقول، أو حتى تحقير أدوارهم.
هذه الممارسة الغريبة عن دور الإعلام في نشر الحقائق والتعليق على الوقائع والمواقف، أصبحت تعاني منها كثرة من صحف العالم، وانتقلت على نحو مشوّه إلى الصحافة العربية، خصوصاً اللبنانية، في محاولة لمعالجة أزمتها واسترجاع ما يمكن من القراء. وبلغت حداً لافتاً مع فوز دونالد ترامب بالرئاسة الأميركية، والعماد ميشال عون باللبنانية. في العالم يتعاملون مع التنبؤ كأحد أبواب التسلية والامتاع، لكن بعض الصحافة اللبنانية ربطته بمواقف سياسية مؤذية للبنان، مسّت سيادته،وللرئيس الجديد، لأنها تشكك باستقلاليته.
بعد فوز ترامب، انتشرت معلومة أن المسلسل الكرتوني الأميركي «سيمبسون» تنبأ بفوز ترامب قبل 16 عاماً، وتحديداً في حلقة بثت العام 2000، عممتها مواقع التواصل الاجتماعي، وعمدت مطبوعات مرموقة إلى اعتمادها غلافاً.
اعتبر البعض الأمر حقيقة. وربطه آخرون بتخطيط مسبق للأحداث العالمية، تصنعه حفنة خفية مخابراتية أو ماسونية أو مجمعات صناعة الأسلحة والمال. قليلون انتبهوا أن شخصية سيمبسون الذي جسّد ترامب نُشرت في السابع من يوليو العام الماضي وليس قبل 16 عاماً، وكان ترامب قد ترشح للرئاسة منذ 15 يونيو، أي قبل بث الحلقة بثلاثة أسابيع، وبالتأكيد لن يكون صعباً على منتجي المسلسل المحترفين تقليد حركات ترامب وسط حشده الانتخابي الذي التقط صوراً بهواتف آيفون الذكية، وهذه لم تصنعها شركة أبل سوى في العام 2006.
«الاندبندنت» اليومية و«ديلي اكسبرس» الأسبوعية البريطانيتان، ذهبتا أبعد من ذلك، واعتبرتا فوز ترامب تحقيقاً لنبوءة توقعها المنجم الفرنسي نوستراداموس في القرن السادس عشر، أي قبل مئات السنين، ودليلاً على اقتراب نهاية العالم. وذهبت «النهار» اللبنانية في المنحى نفسه وترجمت عنهما.
وسائل الإعلام أدوات تنوير أساساً،والامتاع أحد أدوارها الجانبية.حال العرب البائس جعل قارئي الطالع والمنجمين نجوما، رغم الخيبات والمطبات الكثيرة التي يقعون فيها. كما حصل مع العرافة اللبنانية السيدة ليلى عبداللطيف التي تقول أن كثيرين من المسؤولين العرب وشخصيات سياسية واقتصادية واجتماعية يلجأون إليها لمعرفة مستقبلهم، توقعت فوز سليمان فرنجية أو جان عبيد في لبنان، وهيلاري كلينتون في أميركا، فأخفقت هنا وهناك.
ربما مثل هذه البرامج تسطح تفكير المتلقي، وتبعده عن قضايا جوهرية. لكنها في النهاية تسليه.
المشكلة في التبصير السياسي الذي يسعى غالبا لتمرير مواقف مسبقة منحازة لفكرة معينة، بغض النظر عن عدم صدقيتها وعمّا تحمله من إساءة وضرر. أبشع نماذجه محاولات التنجيم في الصحافة اللبنانية المستمرة منذ انتخاب عون رئيساً. ومحورها التساؤلات شبه اليومية «عمّن التزم للسعودية بسرقة عون من المحور؟» والمقصود المحور الإيراني
- السوري- حزب الله، ليتواصل التنجيم بأن الأخير «مطمئن لأن الرياض لن تنجح باجتذاب عون!»، ناهيك عن أن فوزه هو انتصار «لخطنا» و«محورنا»! مقصود بنون الجماعة هنا الثلاثي الوارد أعلاه.
يتجاوز هذا النوع من التنجيم حدود الإمتاع والتسلية، فهو إساءة خالصة للبنان السيد المستقل ولرئيسه، حينما يضعه بخفة في هذا المحور أو ذاك بدلاً من أن يكون رئيسا لشعب مرفوع الرأس بعزته الوطنية.
يفسد الإعلام عندما يكون تابعاً وعندما يستسهل الإعلامي الشعوذة والسحر بدل الحقيقة.

السبت, 26 نوفمبر 2016

دولة كسيحة أخرى!

سوريا، البلد، الشعب، الناس، جرح غائر وألم. أهلها الطيبون أهلي وأحبتي، فرحت عندما هتفوا بالحرية والكرامة. فهم شعب كريم مقدام يستحقهما.

أثناء الغزو الإسرائيلي لبلدي لبنان صيف 1982 واحتلال بيروت، تلقى العاملون في جريدة «النداء» وأنا منهم، تعليمات بإخراج زوجاتهم وأطفالهم من العاصمة، وبقاء الرجال لضمان استمرار الصدور دون أعباء وهموم عائلية. ولأن زوجتي كانت حاملاً في الأشهر المتقدمة لم يسمح الطبيب بسفرها الى تشيكوسلوفاكيا حيث درسنا، ولأن مدينتي صور الجنوبية أصبحت محتلة، رفضت هي الذهاب الى أهلي هناك كي لا تشاهد الجنود الإسرائيليين. بقيت دمشق، وإليها ذهبت سميرة مع أسيل التي كانت في الثانية من عمرها.
عندما أزف الوقت، تلقيت برقية للحضور فوراً ونقلنا سميرة الى مستشفى لم أعد أذكر اسمه. استمرت الولادة نحو ست ساعات حتى أبصر طارق النور. خرج الطبيب منهكاً وطمني باسماً: «مبروك ولد، الأم سليمة والطفل خرج بصعوبة لأنه كان طويلاً».
عندما حان وقت الخروج والعودة الى منزل العائلة التي استضافتنا، تقدمت الى الصندوق للمحاسبة ردت الموظفة: «لا شيء»، فوجئت وطلبت الطبيب لأعرف ماذا يجري.. كرر: أبداً لا شيء. الحمد لله على سلامتهما. هذا أقل ما يمكن أن نقدمه لإخوة لبنانيين في محنتهم.
لم نكن قد التقينا أبدا ولا نعرف بعضنا. لم يسألني عن ديني أو مذهبي. ولم اسأله طبعاً سوى عن اسمه. عرفت لاحقاً انه خريج فرنسا، مسيحي من بلدة معلولا، البلدة الوحيدة في الشرق التي ما زالت تتحدث لغة السيد المسيح. نهبها إرهابيو المنظمات الإسلامية. حلم الكرامة والحرية التي شارك كثيرون السوريين فيه عندما هتفوا به، صار أبشع مآسي العرب عندما حُوِّلت الحركة السلمية أو تحولت الى حرب أهلية مسلحة. نتائجها مرعبة، وضعت مصير سوريا. كياناً ودولة وشعباً على محك أن تبقى أو لا تبقى.
لم تكن سوريا يوماً بلداً منقسماً دينيا أو مذهبياً. وهي البلد العربي الوحيد الذي حكم فيها رئيس وزراء مسيحي، وآخر كردي. في هذه اللحظة يعاني السوريون جميعاً من نار الحرب الأهلية ونتائجها المرعبة.
نصف مليون قتيل، 200 ألف مفقود لا يعرف عنهم شيء. 300 ألف معتقل في سجون الحكومة أو داعش وبقية التنظيمات الإرهابية. 12 مليونا هُجّروا من منازلهم تعيش أغلبيتهم في مخيمات البلدان المجاورة في ظروف غير إنسانية، وجزء منهم ركب أمواج الرعب والموت مهاجراً الى أوروبا وأميركا واستراليا. مليون طفل لم يذهبوا الى المدارس طوال خمس سنوات فصاروا أميين، عدد المسيحيين تراجع من مليونين الى 100 ألف نسمة في أسوأ الأحوال، ونصف مليون في أحسنها، نصف الشعب السوري تصنفه الأمم المتحدة ضحايا. عرباً، أكراداً، أرمن، مسلمين، مسيحيين، سنة، علويين، شيعة.
في سوريا مأساة إنسانية، لا مأساة دينية أو طائفية. تقسيم الناس الى قوميات ومذاهب، كرّسته المنظمات الإرهابية. وهذا نتاج أجندة سياسية في دهاليز حكومات ومخابرات الغرب وإسرائيل لأهداف سياسية محددة. انضمت اليها تركيا، وبلع بعض العرب الطعم.
الحروب الأهلية في لبنان والجزائر واليمن أرهقت جيوش بلدانها، الغزو الأميركي للعراق أزال جيشه من الوجود. عدوان الاطلسي والحرب القبلية دمرا الجيش الليبي، ففقدت أحد أهم مقومات وركائز وجود الدول وهو المصير الذي يراد للجيش السوري الآن.. وسيدفع العرب جميعاً الثمن.

الصفحة 3 من 12