جريدة الشاهد اليومية

د. أحمد طقشة

د. أحمد طقشة

الثلاثاء, 16 مايو 2017

اقتباسات

• الفقير يشتري الجريدة، والغني يشتري رئيس التحرير.
ليونيد شيبارشين

• الحظ لا يأتي عندما تعلّق حدوة الحصان على جدارك،بل عندما تنزع عقل الحمار من رأسك.
مثل عالمي

• سابقا كانوا يصنعون الأسلحة لشن الحروب،اليوم يصنعون الحروب لبيع الأسلحة!
ارنوداتي روي

•نحن لا نعاني من نقص في الأموال،بل من زيادة في اللصوص.
ادواردو غاليانو

• نحن نقوم بشنق صغار اللصوص،ونعيّن كبارَهم في المناصب الرسمية!
ايسوب

• هلكت أمة تموت بفردٍ وتحيا بفرد!
أحمد شوقي

ويل لأمةٍ تكثر فيها المذاهب والطوائف وتخلو من الدين.وويل لأمة قُسِّمت الى أجزاء وكل جزءٍ يحسب نفسه فيها امةً.
جبران خليل جبران

• اذا كنت تعتقد ان التعليم باهظ الثمن،فعليك ان تجرب الجهل!
ديريك بوك

• اوقعتني الشجاعة في مأزق لم أنج منه الا بمزيد من هذه الشجاعة.
اميل حبيبي

• أن تكون انت ..يا لها من مهمة شاقة!
بول فاليري

• السلطة لا تفسد الرجال،إنما الاغبياء إن وضعوا في السلطة يفسدونها!
برنارد شو

• عجبتُ لأناسٍ يسمعون نصفَ الحديث، ويفهمون ربعه،ويتكلّمون أضعافه!
غير معروف

السبت, 13 مايو 2017

العمل مقدسُ فاتركه!

في كل رمضان كان يداهمني هم متلازمة الكسل وسوء العمل .بعض الزملاء يرون الحديث عن ثالوث شرير بإضافة الارهاب اليهما. هذا الهم ،ولله الحمد،سقط عن كاهلي ،ويتحمله اخي وزميلي نبيل الخضر مدير تحرير الشاهد المثال الراقي على الجلد والصبر وسعة الصدر والافق، ما يجعلني اتحدث عن هذه المتلازمة، كمراقب يده في الماء ،فيما يد ابو بدر في معمعة معالجة آثارها السلبية تحت مظلة الحديث الرائع «العمل عبادة» ،وإن كنت ألاحظ ان حجمها يبقى في نطاق المحتمل لان «الشاهد» , وتحديدا آلية عملها في رمضان، بمنأى عن اعراض تلك المتلازمة التي تصيب ،فيمن تصيبهم،الصحف الكويتية بمرض اسمه الصدور الرمضاني او المبكر.اما الحديث عن الثالوث فيعنينا كلنا لانه يهددنا دون استثناء.
أول اعراض المتلازمة ما تفعله الصحافة الكويتية منذ ما يزيد عن ربع قرن.دور الاعلام ,والصحافة لا تزال ركنه الاساسي،ان يجعل المتلقي يعرف اكثر،بأن يقدم له احدث الاخبار عن بلده ومنطقته والعالم حوله.للاسف تتخلى الصحف الكويتية عن هذا المبدأ المهني الرئيسي ،واختارت بدعة الصدور المبكر في رمضان. تطبع وتوزع قبل الافطار او معه او بعده بقليل.فتقدم لقرائها عدد الاحد مساء السبت . اتحرج من تسمية ذلك خدعة واكتفي بوصفه صحافة بالمقلوب، لان واجبها ان تقدم الاجدد، لكنها ، للاسف، فضلت التجاري على المهني،وهو ما لم تخضع له «الشاهد». تحافظ على دورة عملها الطبيعية ،دون اغراء الصدور الرمضاني ومردوده اعلانيا او توزيعا.
المنظمات الارهابية تمادت هذا العام في غلوها بسوء العمل والاجرام.القاعدة في اليمن ،وتحديدا في مدينة تعز،تنظم بمناسبة الشهر المبارك ،مسابقة لكسب انصار ومؤيدين جدد . وزعت مئات آلاف الاستمارات باسئلة تعكس مفهومها الدموي للاسلام، ونظمت حملة ترويجية واسعة لحض اليمنيين على المشاركة، وحددت الاماكن التي يتم فيها توزيع استمارات الاسئلة او استلامها.الجائزة الاولى رشاش كلاشينكوف صيني الصنع الثانية دراجة نارية ،والثالثة لاب توب.
الاغرب من المسابقة ، ان مكاتب تنظيم القاعدة ومقراته تنتشر بكثرة في انحاءالمدينة وتعمل علنا، فأين عنها الطيران الحربي الاميركي الذي لا يغيب عن اجواء اليمن؟!
لم يترك داعش غريمه في الارهاب وحده . فقرر تجاوزه في الممارسات الارهابية بزيادة عدد الاطفال الابرياء من الجنسين الذين يحضرهم ليكونوا انتحاريين يفجرون انفسهم بأبرياء آخرين .
يغسلون ادمغة الاطفال في معسكراتهم وكهوفهم في مناطق سيطرتهم في العراق وسوريا،وربما في بعض مناطق سلسلة جبال لبنان الشرقية على الحدود السورية، يدربونهم على استخدام الاسلحة مع التركيز على الاحزمة الناسفة والسترات المفخخة. يحشون ادمغتهم بخرافات انها ارادة الله تقضي بتفجير الاعداء والكفرة.يحولون الاطفال الى ادوات للقتل.قتل انفسهم والآخرين!
ومع انحسار مناطق سيطرة داعش، فإن هذا النوع من العمليات سيزداد.وما ليس مفهوما ومستغربا كما في حالة اليمن،لماذا لا يسرّع الجيش الاميركي مع عشرات الجيوش الحليفة تحت قيادته،وتيرة مكافحة داعش في العراق والمناطق الموكلة اليه في سوريا ؟!
وعود على بدء لمتلازمة الكسل والتهرب من العمل،وهما الوجه الآخر للارهاب، فيصبحون معا ثالوثا رهيبا للقتل والتخلف،لان الانتاج هو اهم قيمة يصنعها الانسان ويرتقي بها المجتمع والذي كلما تقدم وازدهر اضمحلت نزعات العنف والارهاب فيه وتحليل دم الآخر المختلف،فلقد وصلتني من الصديق الخبير الدستوري د.محمد الفيلي رسالة لطيفة تشخّص الكسل وتبرره على النحو التالي:
1 - اجعل هدفك في الحياة  الراحة والاسترخاء.
2 - حب سريرك فهو مملكتك الوحيدة.
3 - ارتح في النهار لتتمكن من النوم بسهولة في الليل.
4 - العمل شيء مقدس، لذلك لا تقترب منه ابدا.
5 - لا تؤجل عملك الى الغد طالما يمكنك تأجيله الى بعد الغد.
6 - اعمل أقل ما يمكنك عمله، وحاول ان تجعل غيرك يؤدي عملك.
7 - لا تقلق لن يموت احد اذا لم تفعل شيئا، بالعكس قد يتأذى البعض عندما تعمل.
8 - اذا أحسست بأن لديك رغبة في العمل، فاسترخ قليلا حتى تزول تلك الرغبة.
9 - لا تنس: العمل مفيد للصحة، لذلك اتركه دائماً للمرضى.


د.احمد طقشة

الثلاثاء, 09 مايو 2017

باقي هالشفة!

دُعيتُ مرة إلى عشاء في منزل الأديب الكبير الراحل أميل حبيبي في براغ عاصمة تشيكوسلوفاكيا آنذاك. كان ابنه سلام زميل دراسة.
اجتمعنا تلك الليلة، فلسطينيون من الشتات ومن أراضي الـ 48 ولبنانيون وأردنيون وكان البرنامج المرحلي الذي أقره المجلس الوطني الفلسطيني العام 1974 الطبق السياسي الرئيسي في السهرة وأساسه خيار «الدولتين» الفلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967 (الضفة الغربية وقطاع غزة) جنبا الى جنب مع اسرائيل، أي الاعتراف بالدولة العبرية.
كلما تقدمت السهرة كانت الاصوات ترتفع، وكان الأعلى صوتا الزملاء المنتمون يومها الى اتجاهات اسلامية، وبعض الحركات القومية.
تمسك هؤلاء بتحرير فلسطين كاملة من النهر الى البحر أو «من المي إلى المي».
انتبه المرحوم أميل حبيبي الى الجملة الاخيرة «من.. الى» فعلق بسخريته اللاذعة «حرروها وسأدعكم تركبون على ظهري من النهر الى البحر المتوسط».
تذكرت هذه القصة التي مضى عليها أربعة عقود وأنا أتابع وثيقة «حماس» الجديدة التي اعلنتها الاسبوع الماضي في الدوحة.
الوثيقة مفاجأة من النوع الثقيل. تكاد تكون نسخة طبق الأصل عن وثيقة منظمة التحرير قبل 44 عاماً والتي رفضتها حماس وبررت شرعية وجودها برفضها ووصل الأمر حد شق المقاومة الفلسطينية، وتقسيم الحكم الذاتي الواحد الى دويلتين: الضفة والقطاع.
أهم بنود الانقلاب التخلي عن «تحرير فلسطين من النهر الى البحر» الوارد في وثيقة تأسيس حماس العام 1988، والقبول بدولة فلسطينية في الضفة والقطاع، أما الانقلاب الكبير الثاني فهو اعلان حماس انها ليست فصيلا من تنظيم الاخوان المسلمين.
لماذا هذا الانقلاب الجذري ولماذا تتجرع حماس كأسا شديدة السم الآن؟
لن نتوقف عند سخرية بعض وسائل الاعلام العربية والعالمية التي شبهت بعض المقاطع المستجدة في «وثيقة الدوحة» ببيانات منظمات حقوق الانسان أو الحركات النسائية، المهم الوقوف على الأسباب الحقيقية التي اجبرت حماس على تغيير ميثاقها!
أول تلك الاسباب الفشل المتراكم لحماس على الساحة الفلسطينية وتحديدا في غزة التي تزداد أوضاعها تدهورا وتتفاقم معاناة اهلها تحت حكم الحركة، فضلا عن قناعة تترسخ وتتسع بأن حماس سببت بنسفها وحدة حركة التحرر الفلسطينية خسارة فادحة جدا للقضية الفلسطينية وأخرت لسنوات كثيرة ايجاد حل عادل لها، ووفرت للعدو الإسرائيلي أجواء تصعيد اجرامه وعدوانيته ضد الفلسطينيين.
من الأسباب الرئيسية سقوط الاخوان المسلمين في البلدان العربية. في مصر تلقت حماس حماما باردا اثر سقوط حكم الاخوان، تلتها أزمة كبرى مع القيادة السورية التي وفرت لها الملجأ والحماية لكن حماس انقلبت عليها عندما حسبت خطأ ان اخوان سوريا في طريقهم لإزاحة الاسد واستلام الحكم! أضف إلى تراجع الإخوان في الإقليم (الأزمة التركية).
كثير من دول العالم بما فيها عربية وخليجية صنفت «الاخوان المسلمين» منظمة ارهابية، فلم يبق امام حماس سوى التهدئة وفك الارتباط بالاخوان ولو شكليا، لتقديم نفسها بصورة معتدلة.
الأهم من الكلام الفعل، المقياس الأول للمصداقية، خصوصا ان التحول الجذري لم يرتبط بأي نقد ذاتي ذي قيمة يقيّم الأخطاء والخطايا التي اضاعت 44 عاما من الفلسطينيين، ويتعهد بعدم التكرار.
الخشية ان تكرر حماس مشهد دريد لحام في «كاسك يا وطن» عندما سأله والده الشهيد عما بقي من القضية فأجابه «لم يبق منها غير هالشفة.. رح نشفها ونخلص منها».

السبت, 06 مايو 2017

حلّوا عنّا !

مع أن مراكز الدراسات والأبحاث واستطلاعات الرأي، تلَقت ضربة جامدة في انتخابات الرئاسة الأميركية، وقبلها في انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي، أو البركسيت، ومازالت تترنح من الفشل وخيبة التوقعات والتنبؤات، فإن دراسة جديدة عن «نواعمنا العربيات» نُشرت الخميس وفيها ما فيها من استخفاف. بعض وسائل الإعلام العربية اعتبرتها «سابقة من نوعها»، وأطلقت عليها تسميات فاقعة على غرار «ماذا يعني أن تكون رجلاً في الشرق الأوسط؟».
أما الصحف الأجنبية التي أشارت إليها، فكانت أكثر تحفظاً، وربما خبثاً. فركزت عناوينها على «ان المرأة العربية مكانها البيت» بل «هي تستحق الضرب أحياناً»، وكرست الفكرة المسيئة في ذهن المتلقي الغربي: «الشرق باق في عصور التمييز بين الجنسين».
أجرت الدراسة أربع منظمات غربية أميركية وأوروبية، أشهرها «بروموندو للمساواة» وهيئة الأمم المتحدة وشملت نحو عشرة آلاف رجل وامرأة ما بين 18 و59 عاماً. في أربعة بلدان عربية: مصر والمغرب ولبنان وفلسطين، ركزت على سلوكياتهم والنظرة الى المرأة العربية بالذات.
أهم استنتاجات الدراسة أن بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لاتزال تخضع للتمييز بين الرجل والمرأة. وأن الرجال يعتبرون ان الكلمة الأخيرة لهم. وان شعوب المنطقة تفضل ان تبقى المرأة في البيت وان تكون تربية الأطفال والاعمال المنزلية مهمتها، وأن المرأة غير مؤهلة للقيادة. ولا بأس ان تُضرب عندما يستدعي الامر، ومن الأجدى التركيز على تعليم الذكور لا الإناث. وأن 90% من الرجال و58.8% من النساء يوافقون على هذه المقولات في مصر، والتي أتت في آخر القائمة، ولبنان في أولها، مع فروقات متدنية جداً.
الدراسة لم تكشف جديداً. بل اتى الاستنتاج «العبقري» الذي توصل اليه المسؤول عن الدراسة غيري باركر، وهو نفسه رئيس منظمة بروموندو،ليخبرنا «مازال هناك طريق طويل في المنطقة العربية كي يصلوا الى المساواة»!
طبعاً لم يقل  كم كلفت الدراسة التي اكتشفت الماء الساخن، وفسرت الماء بعد الجهد بالماء.
أهم من الدراسة التعليقات عليها وتحديداً معظمها، والنقاش الذي أثارته.
البعض ربط المشكلة بالإسلام، وعزف على وتر العنصرية المتنامية،ليكرر الموقف المفضل لدى اليمين المتطرف، أنه
لا مكان للمسلمين، وبمعنى ادق للمهاجرين واللاجئين، في العالم المتحضر!
ولكن نسبة مهمة من المساهمين في نقاش الدراسة من الاوروبيين تحديدا،تميزت بالعقلانية والواقعية.ركزت على ان المساواة سباق مسافات طويلة. عاشته أميركا وأوروبا ولم تتجاوزه حتى اليوم رغم الأشواط التي قطعتها.فمبدأ الاجر المتساوي للعمل المتساوي لن تصل القارة العجوز اليه الا في العام 2022. كما ان الدراسة لو طبقت في أميركا وأوروبا، فكم ستكون  نسبة الرجال الذين يتمنون سراً أو صراحة، ان يكون هذا أيضاً حال نسائهم،وكم نسبة اولئك الذين يرفضون المساواة موقفا او يضربون نساءهم فعلا؟!
لقد مرت نساء العالم المتقدم بالحالة نفسها، والكنيسة ،وقبلها اليهودية، ساهمتا في ذلك. فالتخلف يؤدي إلى النتائج نفسها.فالتقاليد البالية أو المتخلفة مرحلة يمر بها كل مجتمع او حضارة بغض النظر عن الديانة. 
بوهم الربيع العربي وفرض النموذج الغربي للديمقراطية، انتهت المنطقة العربية إلى الحروب الأهلية والطائفية والفوضى. والآن تتكرر المآسي من أبواب أخرى. هذه بلاد العرب وثقافتهم وحضارتهم، فبأي حق يتدخل الغرب ليحدد لهم ما الصح وما الخطأ في السياسة أو الاجتماع أو الثقافة والتقاليد؟!
ليست النخب العربية،أو فئات وازنة منها على نحو ادق،اقل ايمانا بالمساواة بين المرأة والرجل، ونضالها الطويل وتضحياتها الكثيرة شاهد. فحلوا باسقاطاتكم عنا.
نعرف انه كلما ارتفع مستوى الثقافة، وتقدم العلم، وازدهر الاقتصاد ومستوى الحياة في البلدان العربية، وأصبح العمل والانتاج القيمة الأهم في المجتمع، فسيرتفع مستوى المرأة العربية والرجل العربي، والعرب كلهم نساء ورجالا.
التغيير ينبغي ان يتم من الداخل لا أن يفرض من الخارج. وكلما فهم الغرب هذه الحقيقة، كان أحسن له وللعرب.

الثلاثاء, 02 مايو 2017

الرئاسة الإيرانية: في أمل؟!

الاحتياط واجب تجاه أقوال السياسيين والتدقيق فيها ضروري خصوصاً عندما يدلون بها في مناسبة انتخابية، أو لإثارة الجمهور.
وقد علمتني مهنتي أن تصريحات السياسيين تصنّف إلى ثلاث فئات: صحيحة، كاذبة، غير مثبتة. الأولى هي الأقل والثانية هي الأكثر.
لهذه القاعدة استثناء تؤكده أقوال مرشحي الرئاسة الإيرانية الستة  في ندوتهم الأولى يوم الجمعة الماضي. لم يكن أمامهم سوى تشخيص الوضع الراهن في إيران، فقدموا صورة مؤلمة عن حجم المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والادارية والثقافية. ولا أظنهم قد بالغوا. فالمرشحون جميعاً أبناء النظام ومن أركانه. لكن الواقع أقوى من تجميله. وإن كنا نتمنى لإيران أفضل مما هي فيه. فازدهارها عامل رئيسي للتعايش مع محيطها في الخليج والعالم العربي. ونموها ورفاهها يساهمان حتماً بحسن الجوار والتعايش السلمي والتعاون.
الندوة إحدى ثلاث ندوات آخرها الجمعة الثاني عشر من مايو الحالي لانتخاب الرئيس في التاسع عشر من الشهر نفسه، وركزت على الداخل.
معروف التباين في النظرة للانتخابات الإيرانية وأهميتها فهي بالنسبة للبعض حاسمة لتحديد الاتجاه الذي ستسير فيه الجمهورية الإسلامية خلال أربع سنوات هي مدة الرئاسة.
أما بالنسبة لأكثرية المهتمين والمتابعين، فصحيح ان السياسة الداخلية خصوصاً، والخارجية على نحو أقل،  تتأثر إلى هذا الحد أو ذاك بشخص الرئيس، لكن نتائج الانتخابات لا تغير جذرياً ولا حتى كثيراً، فإيران وإن توافرت عناصر ديمقراطية في نظامها السياسي، هي دولة دينية، السلطة الأساسية فيها بيد المرشد الأعلى، والمؤسسات الحاكمة الفعلية، كالأمن والقضاء، يسيطر عليها المحافظون.
اخترت أن أنقل التشخيص كما اورده المرشحون الستة، دون أي تدخل سوى الجمع والتصنيف، والاختصار طبعاً، جميعهم اتفقوا على:
-1 تعيش إيران الكثير من المشاكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأمنية والثقافية والبيئية.
-2 المستوى المعيشي متدن، والعدالة غائبة عن المجتمع.
-3 تفاقم التفاوت الطبقي حتى أصبح مصدراً للخلل والمشاكل، ويعيش المجتمع شرخاً طبقياً مستفحلاً.
-4 تعيش البلاد انكماشاً اقتصادياً ادى إلى بطالة متفاقمة خصوصاً بين الشباب، وأصبحت فرص العمل شبه معدومة، ما يعزز اليأس لدى  الشباب الذين يفقدون الأمل في المستقبل، وينتشر بينهم عزوف خطير عن الزواج.
-5 هجرة كبيرة من الريف إلى المدن الصغيرة، ومنها إلى المدن الكبيرة، وتوسع العشوائيات في أطراف هذه المدن.
-6 مشكلة سكن يعاني منها الكثير من المواطنين ومعها غلاء السكن.
-7 تفشي البيروقراطية والالتفاف على القانون.
-8 قيود زائدة على المواطنين، وسيطرة الأمن والشرطة على المؤسسات والبلد، ومخاوف من نظام سلطوي يتسيد فيه العنف والتطرف.
-9 مشاكل بيئية معقدة، شح مياه الشرب، وأتربة وغبار وتلوث كان يقتصر سابقاً على عدد قليل من المحافظات، لكنه يشمل اليوم محافظات البلاد كلها.
-10 لا اهتمام كافياً بالصحة والتعليم والثقافة والضمان الاجتماعي.
-11 انتشار عصابات تهريب المخدرات.
أتألم وأنا أنقل واقع إيران على لسان قادتها. لاشك ان الرئيس الحالي حسن روحاني كان الأكثر صراحة ووضع يده على خلل رئيسي في النظام الإيراني نفسه. سلطة العسكر والأجهزة الأمنية والميليشيات، وتدخلها حتى في الاقتصاد، وحتى اختيار السفراء أو فرضهم. المحافظون يأخذون البلاد في اتجاه العسكر والتعبئة والتجييش، فيما الذي تحتاجه إيران التنمية والازدهار ورفع مستوى معيشة شعبها وسعادتهم.
 

السبت, 29 أبريل 2017

لهذا أحب البابا!

كلما ارتفع منسوب تدخل رجال الدين، أي دين أو طائفة، في الحياة العامة خصوصاً السياسة، يتأكد ان شيئاً ما «غير صحي» في البلاد التي تشهد مثل هذه الظاهرة. وكلما اتسعت المساحات المعطاة لهم واحتلوا المزيد من الشاشات والمنابر على حساب أصحاب الرأي والسياسيين والمفكرين والعلماء والأدباء والشعراء والفنانين والفنانات تفاقمت العلة إلى مرض عضال.
لا يحتاج الأمر إلى أدلة. فالأمة تُشوى على نار الطائفية والكراهية والعنف.وتُحرق بالشحن الطائفي والتحريض. الموجة الطائفية العاتية والكراهية المدمرة تستفيد من عجز في تحقيق الطموحات الوطنية: فشل في التنمية،كما في الانصهار الوطني، وفساد وطغيان وتسلط فئوي تنخر النظام العربي حتى عصفت بكثير من حلقاته.
هذه التربة الخصبة مكّنت القوى الظلامية من استهداف العيش،والتعدد والتنوع والتكامل. اي اهم أسس الحضارة  والنمو والازدهار والتقدم. وبمواكبة هذه الجريمة، تدك هذه القوى مبدأ السيادة والاستقلال، فمعظمها مرتبط بجهات خارجية ويخدم مصالحها.
وبدل التعدد القومي والديني ، والتنوع الفكري والثقافي، والاندماج والتكامل بين عناصر الامة ، انتشرت رايات القاعدة وداعش والنصرة وبقية التنظيمات المموهة بحجاب الدين ، فأصبح العرب و«حال الضيم حالهم»: حروب أهلية وطائفية تأتي على الأخضر واليابس من بشر وحجر. حتى عادوا مئات السنين الى الوراء ، وصاروا يعيشون حالة ما يسمى «هجرة شعوب» عبر الصحاري والبحار. يذكّرون بأيام البحث عن الماء والكلأ، وجعلوا اللجوء أكبر ثاني تجارة رابحة بعد المخدرات!
وسط هذا الظلام الدامس من التزمت والفئوية ورفض الآخر، يأتي صوت رجل دين نموذج في الموقف والعمل المتوج بالتضامن لمواجهة المأساة .بابا الفاتيكان فرنسيس الذي كرس في الكنيسة الكاثوليكية، قاموساً خاصاً عنوانه الاخوة الانسانية والحياة الحرة الكريمة  للإنسان ماديا ومعنوياً.
لم يصبح البابا فرنسيس من اكثر رجال دين عصرنا مدعاة للاحترام والاعجاب من باب السياسة، مع ان جهات كثيرة تضغط ليندفع الى هذا الحقل. لكنه يصر على ان تبقى المثل الانسانية رايته وهدفه.
رغم جريمة الابادة البربرية التي يتعرض لها مواطنونا المسيحيون في الشرق على ايدي برابرة العصر، رفض بقوة مقولة الحرب بين الاديان وصفاً  لما يجري في بلداننا. انها  تسمية مزيفة فما يجري حرب مصالح وسيطرة ومد نفوذ.
صرخ في اوروبا كلها: افتحوا ابوابكم واستقبلوا اللاجئين الهاربين من الجحيم فلهم حق الحياة وان كانوا عرباً أو مسلمين.
اعترف بفلسطين «دولة» متمسكاً بحل الدولتين. لم يرتعد امام القصف الاسرائيلي بأنه بابا ماركسي وثوري يحيي لاهوت التحرير الذي عرفته اميركا اللاتينية في سبعينات القرن  الماضي ضد  الديكتاتوريات اليمينية واليسارية
وباسم الانسانية رفع صوته مجددا الاسبوع الماضي فشبه معسكرات اللاجئين بمعسكرات الاعتقال النازية ما طير صواب اسرائيل، وكأن لا بشر يعيشون عذابات  ومآسي تصل الى ما عاناه اليهود على يد هتلر.
لم تفارق الابتسامة الآسرة محيّا بابا الفاتيكان، أصر على استكمال زيارته التاريخية لمصر رغم الاعتداءات الإرهابية التي أدمت مسيحييها بل المصريين كلهم. جاء في رسالة سلام ومحبة وتكامل على اختلاف الأديان فأثبت مجدداً انه يعرف ان يقود. يضع الانسانية في مكانها الرفيع. ومن منصة الأزهر خاطب العرب والمسلمين «السلام عليكم».

الثلاثاء, 25 أبريل 2017

بمَ نصحت إليزابيث ترامب؟!

حتى لو كانت قوة الريح هي التي حرفت مسار حاملة الطائرات كارك فينسن، فإن الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقع في حرج مخجل والنتيجة نفسها ستحصل لو كان قائد الحاملة واثقا من أنه سيصل الى سواحل كوريا الشمالية لو سار في أي اتجاه لأن الأرض كروية!
الحادث إن كان حقيقيا أو مفتعلا، فهو أحد الأمثلة على تخبط ترامب وإدارته، وحالة القلق التي تخلقها تصرفاته غير المتوقعة.
فهو مَنْ أمر الحاملة ومجموعتها الهجومية بالتوجه الى مقربة من السواحل الكورية لتخويف الديكتاتور كيم وردعه، فربما يرغمه استعراض القوة على التعقل والكف عن الاستفزاز.
لكن «الجيش العرمرم» تاه عشرة أيام، تبيّن بعدها أنه كان يسير في الاتجاه المعاكس نحو استراليا، فانفجرت موجة ساخرة من التعليقات على الحاملة «المصابة بمرض النوم أثناء السير». واكبت السخرية حالة خوف من الكيفية التي تُدار بها السياسات في البيت الأبيض وآلية اتخاذ القرار، وكيف يكون العالم آمنا وحقيبة الازرار النووية بين يدي صاحب هكذا قرار!
روسيا استفادت من الحدث حتى تروج لقدراتها في التشويش، وان تقنياتها في هذا المجال حيّدت الحاملة التي تسير بالدفع النووي، وجعلتها تائهة بلا فاعلية.
بيونغ يانغ هدّدت بأن «قواها الثورية مستعدة لاغراق الحاملة، التي سمّتها حيوانا عملاقا بضربة واحدة».
الإعلام أيضاً نال نصيبه من النقد والسخرية. فهو كان فيما مضى زمن الاحترام يتبع تقليدا احترافيا، فيتأكد من الأخبار قبل نشرها، لكنه الآن «تابع» الحاملة عشرة أيام بلياليها، وذهب حتى الى وصف كيف تلاحقها السفن الحربية الروسية والصينية، دون أن تكون هناك أصلا قطع حربية من أي نوع!
البيت الأبيض نفسه أظهر حيرته وحمّل المسؤولية للبنتاغون التي «زودت الرئيس بمعلومات خطأ»!
خبراء لم يستبعدوا أن تكون واشنطن مارست التضليل كتكتيك عسكري معروف ومتبع.
صديق يعرف بواطن السياسات وسلوك الحكومات ومتابع للارتباك والفشل الذي تتخبط فيه إدارة ترامب داخلياً ودولياً ما جعل المائة يوم الأولى من حكمه الأسوأ في تاريخ الرؤساء الأميركيين،أرسل طرفة شديدة التعبير عن واقع الحال في البيت الأبيض تقول:
التقى ترامب الملكة اليزابيث الثانية فسألها: «جلالتك كيف تشكّلين حكومة كفؤة وفعالة؟ بماذا تنصحينني؟».
أجابت ملكة بريطانيا: «حسنا،الأهم أن تحيط نفسك بأناس أذكياء».
انفعل ترامب وسأل: «كيف يمكن أن أعرف من هم الأذكياء حولي؟»
ارتشفت الملكة قليلا من الشاي وقالت: «هذا سهل. اطلب منهم الاجابة عن لغز ذكي». ضغطت على الانتركام وطلبت رئيسة الوزراء تيريزا ماي.
جاءت ماي: «نعم جلالة الملكة»؟ فابتسمت وسألتها: «تيريزا، لأبيك وأمك ولد ليس أخوك ولا اختك فمن هو»؟
أجابت تيريزا فورا: «أنا»، عقّبت الملكة.. «نعم ممتاز».
عندما عاد ترامب الى واشنطن، استدعى نائب الرئيس مايك بنس وسأله السؤال نفسه، فرد هذا «لست متأكدا، دعني أسأل وأعود بالاجابة لاحقا»!
جمع بنس مستشاري البيت الأبيض وسألهم فلم يجد الاجابة. في الليلة التالية التقى على العشاء سارة بيلين حاكمة الاسكا التي رشحها جون ماكين لمنصب نائب الرئيس فعرفت الاجابة فورا: «إنه أنا».
شكرها بنس وذهب مزهواً الى ترامب وأخبره أنه أجرى «بحثا معمقا» وتوصل الى أن الولد المقصود هو سارة بيلين!
غضب ترامب وصرخ منفعلا: «لا يا غبي.. إنها تيريزا ماي»!
فعلاً، كيف تُشكّل حكومة كفؤة؟! سؤال مهم جداً في العالم العربي.
 

السبت, 22 أبريل 2017

انكسارُنا المُذل

كنت بصدد الكتابة عن الاستفتاء في تركيا الذي حوّل نظامها من برلماني إلى رئاسي كخطوة إضافية نحو الأوتوقراطية، ليس من باب التلاعب وانعدام الشفافية والفوز بطعم الهزيمة للرئيس أردوغان، بل من زاوية تغلّب الريف على المدينة، وزحف التريف إلى الحياة العامة والنظام السياسي في تركيا، كما في أكثر بلدان الإقليم، ما يعني زيادة موجة المحافظة والانغلاق في نظامين دينيين إقليميين مجاورين للعرب، (تركيا وإيران) والانعكاسات السلبية الكثيرة لذلك عليهم.
لكن تقريراً صادماً لجامعة هارفارد عن مأساة الأطفال المشردين في اصقاع اليابسة والبحر، وغالبيتهم من بلدان عربية، دفعني لعرضه. فبدل أن يكون لأطفالنا الأحسن والأفضل والأجمل، فإن المآسي التي نصنعها نحن أو نحياها حروباً أهلية وموتاً وخراباً وطائفية واستبداداً وقهراً، يعود النصيب الأكبر منها إليهم.
ما يدمّر بأيدينا وأمام أعيننا، بسكوتنا وعجزنا وتفاهتنا، ليس يوم العرب وحاضرهم فقط بل يدفن معه غدهم ومستقبلهم!
في العام الماضي، كشفت  الشرطة الأوروبية (الأوروبول) أن عشرة آلاف طفل لاجئ اختفوا بعد وصولهم إلى أوروبا. انتهوا تحت سيطرة عصابات اجرامية تسيء استخدامهم وتستعبدهم جنسياً.
أطفال سوريون وعراقيون وليبيون ويمنيون يركبون البحار والمحيطات حتى بدون عائلاتهم أو رفيق راشد هرباً من الجوع والموت والتشرد، فيقعون في مهاوٍ إضافية من المآسي ويدفعون ثمناً غالياً جداً للكوارث التي تضرب أوطاننا المبتلاة بالمصائب من كل نوع.
لا تتحدث دراسة هارفارد عن المال ثمناً. إنما عن أطفال يُرغمون على تقديم أجسادهم ليتقدموا خطوة اضافية من اليونان باتجاه أوروبا الغربية.
مطلع عام 2015 كان كل واحد من عشرة لاجئين طفلاً دون سن الـ14 عاماً، لكن بعد ثلاثة أشهر فقط،  أصبحت النسبة طفلاً غير بالغ لكل ثلاثة فارين. اجتاز اليونان 500 ألف طفل، تعرض من تعرض منهم للاستغلال الجسدي والجنسي، وبقي حتى الآن نحو ثلاثين ألف طفل عالقين في الجزر اليونانية. يعيشون مأساة إنسانية فظيعة حتى بالمقارنة مع الأطفال اللاجئين خلال الحرب العالمية الثانية. وتكشف الدراسة واقعاً صارخاً فـ«الاستغلال الجنسي» الذي يُجبر عليه هؤلاء الأطفال أصبح «استراتيجية للبقاء على قيد الحياة».
الأطفال التائهون لا يملكون مالاً يدفعونه للمهربين، فيضطرون للدفع بطريقة أخرى. يبيعون أجسادهم مقابل 15 يورو. فيما المهرب يتقاضى ألف يورو لينقل الطفل غرباً من اليونان. فكم يتعرض هذا الطفل للاغتصاب حتى يجمع المبلغ؟!
«لم نعد نستطيع الجلوس دون أن نفعل شيئاً، واللاجئون الأطفال يُجْبرون على بيع أجسادهم في وضح النهار وعلى مرأى من الجميع في شوارع أثينا»، أو عندما تتواصل مأساتهم في إيطاليا والسويد وفرنسا وبقية المدن الأوروبية، كما تصرخ مؤلفة الدراسة الدكتورة فاسيليا ديجيدك في وجه أبشع أنواع انتهاك حقوق الإنسان، أما نحن العرب المقهورين بالعجز والوهن والعقم، فغير قادرين على حماية أطفالنا، فنجعلهم فريسة حتى تنتهك طفولتهم.
لا أمن ولا أمان لهم، يعيشون القهر والاذلال والموت يومياً: تحرش، اغتصاب، انتهاك، عنف ومضايقات جنسية وجسدية وتعرية.
لم نؤمن لهم بيتاً ولقمة، ولا مدرسة وثوباً ولعبة وفرحاً، نقتلهم وندفن أحلامهم، ونواصل انكسارنا ولا نرى له آخر.
ما نستحقه فقط هو «تفوه علينا». بصقة الشاعر الكبير سعيد عقل الذي رمانا بها بعدما عجزنا عن اشهار سيف القدس وضيعنا بغداد وأحرقنا الشام و....

الثلاثاء, 18 أبريل 2017

آخ

بعدما غادر الكاتب الكبير أمين معلوف بيروت واستقر في فرنسا وحصل على جنسيتها، طالما سُئل عمّا إذا كان يشعر بنفسه «فرنسياً» أو «لبنانياً»، حتى تفجرت الإجابة كتاباً بحثياً غنياً بالأفكار صارت اليوم أكثر حدة وإلحاحاً، رغم أن مبدعها تمنى ان تصبح سريعاً تاريخاً للذكرى وليس للعيش.. لأنها تتعلق بأزمة عميقة تعيشها أكثرية الشعوب العربية، الأزمة التي سماها معلوف «الهويات القاتلة»، لأنها تجسد اهتزار انتماء العربي اليوم وهويته وجنسيته.

ومع أن الكتاب «ليس دليلاً للأدوية» كما يقول الكاتب، لكنه يشخص المرض العضال الذي يزداد استفحالاً في الجسد العربي، وحوّل أكثرية بلدانه الى دول طاردة لمواطنيها، حتى لم يبق سوى دول عربية نادرة، تعد على أصابع اليد الواحدة تنعم بجنسية جاذبة ثمينة، الكويت بين تلك الدول، والأصح أنها في طليعتها.ففي الجنسية الكويتية سمات الكويت، دستورها، ديمقراطيتها، أمنها وأمانها، احترام المواطن ورفاهه، الاستقرار، المستوى المعيشي الراقي.
بعد فلسطين التي هجرت إسرائيل أهلها وشردتهم، كونها استعمارا استيطانيا يبتلع الأرض وينفي البشر، فجّر الاستبداد والقهر والاضطهاد السياسي والاجتماعي، والفشل في التنمية والعجز عن التقدم، معظم دول المشرق العربي ومغربه لأهلها وناسها وجعلها طاردة.
في المشرق ضربت النكبات المركبة والحروب الأهلية لبنان وسوريا والعراق، واليمن، والأزمات السياسية مصر والأردن، فجعلها دولاً طاردة لمواطنيها، يفرون ويهاجرون ويتشردون في بلاد الله الواسعة. الصورة المؤلمة نفسها في المغرب.. فدوله كلها المغرب والجزائر وتونس وأخيراً ليبياً وموريتانيا تطرد مواطنيها الى المنافي عبر الأطلسي.
تعكس أزمة الهوية في تلك البلدان أزمة أعنف وأقسى، أزمة وجود، هي أخطر نتاجات الحروب الأهلية والطائفية والقبلية. وأزالت في الوقت نفسه أي حلم عن التكامل والوحدة وجعلته حلماً طوباوياً.
سياسات الاستبداد والاضطهاد والحرمان هزّت الهوية وأضعفت الانتماء وجعلت الجنسية ورقة تُرمى، وجعلت حامليها يبحثون عن دار أمان واستقرار.
في المقابل، جعلت أزمة العرب وموجات التهجير، معظم دول العالم تتشدد في منح جنسيتها إلى القادمين الجدد، حتى أصبح الحصول عليها أكثر صعوبة مما كان ويصل حد الاستحالة، وعدلت دساتيرها بحيث لا تلزم دولها في تبرير عدم منح جنسيتها لطالبيها، ولا تشّرع منحها إلا في حالات محددة، تحدد أجهزة الدولة نفسها إمكانيتها وشروطها، لأن أولى واجبات الدولة وحقوقها هي حماية الدولة نفسها، وأساسها المواطنون أنفسهم.
الهويات الوطنية تضيع بالاحباط وفقدان الأمل  فيحصل الهروب منها ومن الوطن نفسه. لكن الهويات تضيع أيضاً بالإغراق والتخمة، ومن حق الشعوب أن تصون ذاتها وتحمي هويتها وجنسيتها.

السبت, 15 أبريل 2017

الرقص بين البيض

ما أهمية التصريحات الحربية التي يطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن سوريا، وتتناقض وتتذبذب يومياً، وتفتقد الحد الأدنى من اللياقة الدبلوماسية، وتصل إلى تهديد روسيا باستخدام الضغوط السياسية والاقتصادية لاجبارها على التفكير بالطلاق مع الرئيس بشار الأسد؟
وهل تشي بخطة محددة تضمرها واشنطن تجاه سوريا؟ أو بمعنى آخر ماذا يمكن أن يعقب حرب التصريحات التي أعقبت العدوان الأميركي على مطار شعيرات العسكري السوري؟
حول هذه الأسئلة تبلورت حتى الآن ثلاث قراءات:
-1 لا أهمية لتلك التصريحات مهما بدت قاسية وتحذيرية في ظاهرها ولن تتبعها إجراءات عسكرية ضد النظام السوري.
-2 كلام لا يثير إلا العرب وعبارات تستفزهم وحدهم. فبين العملاقين الأميركي والروسي حواران: أحدهما للاعلام ولدغدغة من يدفعون ثمن إعادة تقاسم النفوذ.. والآخر بلا سماعات لا يعرفه الضحايا بل يلمسون آثاره. فكل الأمور يُتفق عليها بينهما قبل أي إجراء. وإلا وقعت الكارثة بينهما وهذه تعني حرباً كبرى.
-3 الكلام مؤشر على أن ترامب مستعد للذهاب إلى الحرب ويمهد لها، وهو يخطو على هذا الطريق، كلما زاد عدد الصقور في إدارته وارتفع صوتهم.
العدوان الأميركي على سوريا قبل عشرة أيام أكد أن ترامب لا يختلف جوهرياً عمن سبقه في البيت الأبيض. فالهجوم جاء برقاً ورعداً في سماء صافية جداً. ليس لأن أحداً لم ينتظره من الأميركيين بل لم ينتظره من ترامب بالذات. إذ سبق العدوان رسالة من الرئيس الأميركي إلى السوري ان يستعد للاتصال به، وإن اسقاطه لم يعد هدفاً لواشنطن، التي عليها ألا تتورط في الرمال السورية، وأن حل الأزمة المعقدة هناك تتولاه موسكو بالدرجة الأولى.
لكن فجأة أصبح ترامب محارباً وأمر بتنفيذ أول عمل عسكري بداية حكمه ضد دولة عربية. لقد أصبح حقاً رئيساً أميركياً بكل ما يحمله هذا المنصب من سمات، خصوصاً استعداده لإرسال جيشه إلى الحرب، وممارسة دور شرطي العالم وفرض سطوة الدولة العظمى بفوهات المدافع والصواريخ.
مع كل هذا، أعطى ترامب مؤشرات كثيرة على الفوضى الناجمة عن عدم التنبؤ بتصرفات الرئيس الأميركي الجديد والحسابات قصيرة النظر المترتبة على الارتجال والتخبط، ومحاولة اعطاء صورة مختلفة عن عهده الذي مني حتى الآن بفشل بعد آخر في السياسة الداخلية، وفظاظة وفجاجة غير مألوفتين في السياسة الخارجية. من تسليم فاتورة الـ 375 مليار دولار للمستشارة الألمانية انجيلا ميركل مديونيتها تجاه حلف الأطلسي، حتى وصف الرئيس السوري بـ«الحيوان»!
روسيا صبّت سريعاً ماءً بارداً على رأس ترامب الحار. أبلغته أنها سترد فوراً حال استهداف مواقعها العسكرية في سوريا. وعمدت إلى توسيع نطاق حمايتها الجوية فوقها ما يعني أن الخطوط الحمر في سوريا تحددها هي وليس واشنطن. وأن الرقص بين البي ض هناك هي لعبة الدب الروسي ولا الفيل الأميركي.
هذه المعادلة التي أدركها ترامب وإدارته بسرعة، لم يستوعبها قارعو الطبول الفارغة في العالم العربي. هؤلاء لم يدركوا بعد أن الدعوة لانسحاب روسيا من المواجهة في سوريا مجرد كلام فارغ، فهي اللاعب الأول توزع الأدوار والحصص وتحدد الأحجام.
يأسهم وبؤسهم ضيعا عليهم رؤية مَنْ السلطة البديلة لنظام الأسد؟ هل ستأتي من الـ 1200 فصيل مسلح التي تحارب النظام وتتقاتل فيما بينها على شارع وزاروب ومغنم، وراتب هذه المخابرات أو تلك؟!
غريب أن يضرب العمى إلى هذا الحد. وكأن النموذج العراقي والليبي واليمني إذا ما تكرر في سوريا لن يحمل الفوضى والخراب والتفتت ليس إليها فقط، بل إلى الأردن ولبنان معها؟!

الصفحة 3 من 15