د. أحمد طقشة

د. أحمد طقشة

لك الله يا ريما خلف!
تصرفت بكرامة وشجاعة. أصررت على أن تسمي الأشياء بأسمائها: إسرائيل دولة عنصرية، تمارس الأبارتهيد أبشع انواع التمييز العنصري.
واجهتِ ضغوط الدولة العبرية وحليفتها واشنطن وضعف الأمم المتحدة وأمينها العام الجديد أنطونيو غوتيرس بموقف مشرف.
لم ترضخي وتمسكتِ بتقرير علمي موضوعي يقول الحقائق ولا يلتف عليها. يصنف إسرائيل كما هي دون تجميل، احتلالها لفلسطين والجولان السوري واراضٍ لبنانية أسوأ أشكال الاستباحة الخارجية للحقوق والكرامة العربية، و«أسسّتْ نظام أبارتهيد يهيمن على الشعب الفلسطيني بأكمله، ويضطهده ويعتمد استراتيجية تفتيته».
تقرير ينسف مقولة الاحتلال ويؤكد ان الشعب الفلسطيني واحد، قضيته واحدة، وهدفه واحد، العودة والدولة المستقلة. وإن كانت قوى سياسية فيه تمعن في تقسيمه إلى ضفة وقطاع، وبعضها الآخر يبدي التعب والملل من الكفاح ويكتفي بشهوة السلطة.
أنت التي تحملت بشرف وأمانة مسؤولية تجاوز التقارير السابقة التي كانت دون لون ولا طعم ولا رائحة، وحملت مسؤولية ثقيلة لتقرير حقيقي اخترت للاشراف عليه خبيرين أميركيين، لضمان العلمية والدقة.. الأول ريتشارد فالك عالم القانون المشهود له بالكفاءة والنزاهة، كبير الخبراء السابق في الأمم المتحدة لشؤون حقوق الإنسان، والثانية الأميركية أيضاً فيرجينا تيللي استاذة العلوم السياسية في جامعة الينوي الجنوبية.
خبيران أميركيان اشرفا على التقرير الأول من نوعه يصدر عن احدى هيئات الأمم المتحدة ويخلص بوضوح وصراحة على أساس تحقيق علمي وأدلة لا يرقى إليها الشك الى توصيف اسرائيل كما هي دولة عنصرية بطبيعتها وممارساتها.
النتيجة الناصعة أغضبت اسرائيل وحليفتها أميركا، فاتهماك بما ليس فيك وأنك وضعت «منشورا دعائيا نازيا معادياً بشدة للسامية»، لكن أغضبهما أيضاً العنوان الذي حمله التقرير: «التكامل العربي: سبيلا لنهضة إنسانية».
التكامل العربي سبيل العرب الى النهضة والى تجاوز آثار ويلات الربيع العربي الكارثية، هو التحدي الأكبر لاسرائيل وأميركا يقضي على أطماعهما في التقاتل واشعال الحروب الاهلية والقبلية بينهم لتكريس تقسيم العرب وتفتيتهم.
رأيت من واجبك الا تكتمي شهادة حق عن جريمة ماثلة، وأصررت على كل استنتاجات التقرير، فرفضت سحبه، واستقلت من منصبك الدولي الرفيع رئيسة للاسكوا.
قلتِ حقيقة اسرائيل.. لكنك أيضا شخصت حقيقة العرب كشفتِ عجزهم وعريت عقمهم، فلم يحاولوا حتى الدفاع عنك وحمايتك ولديهم ادوات الضغط على الأمم المتحدة ويمكن أن تكون فاعلة لو استخدموها!
الا تستخدم الادارات الأميركية المتعاقبة بما فيها الحالية، الدعم المادي أداة للضغط على المنظمات الدولية، فلماذا لم تستخدمه الدول العربية اداة لحمايتك وابقائك في منصبك؟!
الإعلام العربي نفسه، التقليدي منه والحديث، أثبت عجزه هو الآخر عجزه لم يرتق الى مستوى التقرير ولا الاستقالة. التقرير موجود ومتوافر، فلم تنشره وسيلة اعلام عربية كاملا. ولم يجعل استقالتك قضية عامة لا تنطفئ في أيام.
لقد انشغل اعلامنا المأسوف على دوره التنويري الطليعي، بأغنية  نموذج للسفاهة حظيت مريام كلينيك و«أغوالها» بمتابعة تجاوزت كثيرا متابعة التقرير عن مستقبل العرب وعنصرية اسرائيل.
سنبقى نصرخ موجوعين.. انه عصر العجز والانحطاط.
لكنك غرست برعماً أخضر .. سيزهر يوماً
 

معركة تحرير الموصل في مراحلها الأخيرة. سيفقد تنظيم داعش الإرهابي درة التاج وأهم مدينة في دولة خلافته. المصير ذاته تنتظره عاصمتها الرقة السورية، وان كانت معركتها
لا تزال في طور التحضير غير واضحة النتائج، لأن أميركا تريد تحقيق انتصار عسكري في سوريا بشكل منفرد، من دون مشاركة دمشق وحلفائها ما يطرح علامات استفهام حول السلطة البديلة التي تسعى إليها واشنطن في تلك المناطق بعد تحريرها من داعش.
أما الموصل، فستعود بعد التحرير إلى كنف الدولة العراقية، إلا إذا كانت واشنطن تبيت نوايا أخرى لا تفصح عنها.
باستعادة المدينتين تُكتب نهاية دولة داعش ككيان ذي أرض ومؤسسات عسكرية ومدنية وسيطرة على سكان وموارد.
ومع أهمية المعركة العسكرية وضراوتها والخسائر البشرية والمادية والتضحيات الباهظة، فلن تكون كافية وحدها لتحديد مستقبل العراق وقدرته على تجاوز الحرب الأهلية والفوضى والعنف، والانخراط في التنمية والبناء بعد سنوات طويلة صعبة ومهدورة منذ سقوط النظام الديكتاتوري 2003 وخلال حقبة حكمه.
الانتصار الحقيقي لن يأتي من فوهات المدافع، بل تصنعه خطة شاملة لما بعد الموصل، أساسها وطني غير طائفي، فهل لدى الحكومة العراقية والأحزاب الدينية المسيطرة مثل هذه الخطة،
أم أن النهاية ستعود إلى حيث كانت البداية وتؤسس لكارثة جديدة؟
من نافل القول وتكراره الممل، أن في جسد العراق ورماً خبيثاً قاتلاً، نظام طائفي صلف، فشل في دمج مكونات المجتمع في لحمة وطنية، بل كرّس انشطارها العمودي الطائفي والعشائري والمناطقي، ووضعها في مواجهة بعضها، شرّع الأبواب لكل أنواع الفساد حتى أصبحت بلاد الرافدين أكثر دولة فاسدة في العالم، وتنكّر لموجبات صيانة السيادة الوطنية. فكانت تلك أسباب سيطرة داعش على مناطق واسعة الرمادي والفلوجة والموصل ثاني أكبر مدن البلاد، والحاق هزيمة مذلة بالجيش العراقي وحكومة نوري المالكي.
«الدولة الإسلامية» هي أولا فكرة. قتل دعاتها ومقاتليها أو طردهم من مدينة أو موقع، لا يعني أن الفكرة التي كانت في أساس نشوء التنظيم الإرهابي ستختفي. من يبقى من الإرهابيين متخفياً أو فاراً أو متحصناً، يبقى يحمِلُها ويحاول تطبيقها مجدداً في العراق وسوريا وفي الدول المحيطة.
التحدي الأكبر ليس من يحمل الفكر المتطرف، بل البيئة الشعبية الحاضنة والمناخ الملائم إذا ما توفرا.
لقد أخفق النظام العراقي مرة في معالجة العنف في البلاد التي عاشته قبل نشوء داعش وسيطرتها، لأنه لم يعالج السرطان الذي ينخره ويفتك بالعراق كله. الطائفية، والفساد، والاستهانة بالسيادة الوطنية. وهو يحظى الآن بفرصة جديدة من أبرز سماتها ليس فقط الدعم العسكري الدولي بقيادة أميركا، انما كذلك الدعم العربي، خصوصا الخليجي.
لذا لابدّ من نهج جديد جوهره الاقلاع عن فكرة الهيمنة والاستئثار الطائفي مهما كانت الذرائع فمن المستحيل وليس المطلوب أبدا اخضاع أي من مكونات المجتمع.
واذا ما استمر النهج الحالي، فإن المناطق التي تتحرر اليوم ستعود مجدداً حاضنة للتطرف وتفريخ الإرهابيين وتجنيدهم فالمسألة ليست مجرد إلحاق هزيمة عسكرية بالإرهاب، بل المطلوب بالحاح معالجة الأسباب وهي واضحة ومعروفة.

الثلاثاء, 14 مارس 2017

المتهم الأول

تواجه البشرية، ومنطقتنا تحديداً، أسوأ أزمة إنسانية منذ العام 1945، بعد الحرب العالمية الثانية. 20 مليون إنسان مهددون بالموت جوعاً، وأكثر منهم بالموت بأمراض مختلفة وفي مناطق قريبة جداً منا  وتجاورنا: اليمن، الصومال، جنوب السودان، نيجيريا. المنظمات الدولية المتخصصة تحتاج إلى 4.4 مليارات دولار لوقف الكارثة، بينما المتوافر حتى الآن كسر بسيط. 
90 مليون دولار فقط، حصلت عليها الأمم المتحدة رغم الوعود المبالغ فيها من المانحين.
في اليمن يموت من الجوع طفل كل 10 دقائق وغيره كثيرون من كبار السن. في جنوب السودان
5 ملايين إنسان، أي ربع السكان، يحتاجون مساعدة غذائية فورية. ويخيم شبح المجاعة والموت على مئة ألف شخص.
الكارثة الأسوأ تعيشها نيجيريا حيث مع الجوع ينتشر وباء بوكو حرام المتطرفة، وحدها قتلت 15 ألف إنسان، وأجبرت مليوني شخص على الفرار وترك منازلهم. إضافة إلى 6 ملايين شخص ليس لديهم ما يكفيهم من الطعام.
من الصومال بدأت تصل أنباء عن ضحايا تزداد أعدادهم بسبب المجاعة التي كانت قد اجتاحت البلاد كذلك قبل 6 سنوات وحصدت يومها أكثر من ربع مليون شخص. الكارثة أكثر تعقيداً بسبب الجفاف الذي يأتي على الزراعة والثروة الحيوانية ما يجعل 6 ملايين صومالي بحاجة إلى مساعدات غذائية عاجلة.
ثلاثي الموت في البلدان الأربعة: الجوع وسوء التغذية والمرض، سببه الأول الحروب الأهلية والنزاعات الطائفية والقبلية فيها. كوارث ومآسٍ مشابهة في العراق وسوريا وليبيا، وإن كان الموت جوعاً لم يقرع الأبواب بقوة بعد، لكنه يدق بإلحاح.
عالم مجنون، قاسٍ، بشع، لكن الكارثة ليست ذنبه، وليس سببها ان ألوف ألوف أطنان الطعام تنتهي في النفايات يومياً، وإن كان التدخل الأممي والمساعدة الإنسانية ضروريين وملحّين، فليس الحل الجذري فيهما، لأن للشعوب عزتها وكرامتها. تمنعها الانفة أن تستعطي لتأكل وتشحذ لتعيش يومها. فليس شح الغذاء سبباً، كما التهجير، والهرب، وفقدان المسكن والمدرسة والسقف والموت. بل هي نتيجة. السبب أولئك الذين يحكمون. مسؤوليتهم عن مآسي شعوبهم أكبر كثيراً مما تتحمله الطبيعة وكوارثها: زلازل، وجفاف، وفيضانات. حكمهم كارثة لتلك البلدان.
تكمن أولاً، وقبل كل شيء في السياسات الفئوية، الديكتاتورية، احتكار السلطة وإلغاء الآخر، الطائفية والفساد.. حكم البلدان والشعوب
لا بثقافة البناء والتعمير، بل بشهوة النهب.
السلطات الفاسدة، هي أم الكوارث وصانعتها. وسبب معاناة بلدانها وشعوبها، ونموذج للعجز عن ادارتها: الفشل في توفير العمل والانتاج والغذاء، ومعالجة التكاثر، وقبلها توفير الأمن والاستقرار والتعايش.
لايُعفي المجتمع الدولي من مسؤولياته في إبعاد شبح الجوع والموت عن الملايين، لكن فساد الحكم في تلك البلدان وسوء ادارته هما المتهم الأول.
 

السبت, 11 مارس 2017

ترامب - أردوغان

لم أحسم أمري في أيهما يذكرّني بالآخر: الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالتركي رجب أردوغان أو العكس. لكنهما متشابهان تجمعهما الكثير من السمات السلبية،أتحدث عن الصفات السياسية  لا الشخصية, فهذه لا تهمني وأنا لا أعرفهما الا من خلال السياسة والاعلام.
وإذا بدأت من المجال الأخير، فكلاهما مغرم بالتواجد الدائم في وسائل الإعلام على أنواعها. رغم ان كليهما معاد لها. ترامب يرفض التواصل مع الصحافيين ويهاجمهم يوميا تقريبا، ويرفض دخول بعضهم إلى البيت الأبيض، وإذا صدف أن دخل من لا تعجبه أسئلته، يشير الى حراسه باخراجه بعيدا، ويعتبر الإعلام «عدواً للشعب».
أردوغان يفعل الشيء نفسه، ويزيد أنه يضع عشرات الصحافيين وراء القضبان، يصادر وسائل إعلام مطبوعة ومرئية ويشرد العاملين فيها، لأنها تنتقده وترفض التطبيل ومسح الجوخ، يتهمها «بدعم الإرهاب». الأول مفتون بالشهرة من خلال الانترنت والتغريد، والثاني يصرخ كلما رأى ميكروفونا، علّ الصوت العالي والتهديدات الموزعة في كل اتجاه ترفع شعبيته وتقوي سلطته.
ترامب يبتّز العالم ويطلب منه الجزية لـ «حمايته». أردوغان يهدد بأنه «سيقلب العالم رأسا على عقب»، اذا لم يتجاوب مع شهوته السلطوية الجامحة.
الرئيس الاميركي جعل المستشارة الألمانية ميركل اول من انتقدهم من قادة العالم، لم تعجبه سياستها ذات الطابع الانساني في تأمين مأوى للاجئين الفارين من الحروب الأهلية التي دمرت بلدانهم فيما الذئب الاميركي ليس بريئا أبداً من الدم والخراب اللذين تعيشهما البلدان المصدرة للمهاجرين.
الرئيس التركي يصب يومياً الزيت لاشعال النار مع ألمانيا ومستشارتها، حتى وصل حد وصفها بـ «النازية» و«الهتلرية»، متناسياً أنه هو نفسه في مسعاه لتكريس حكمه السلطوي استشهد بهتلر بالذات، لم يمنعه من ذلك أن النظام الفاشي والدموي الذي أقامه أشعل حرباً عالمية ضحاياها 70 مليون انسان ودمار أوروبا! المستشارة الحكيمة اكتفت بدعوة «السلطان» الجديد الى «الهدوء».. وهو ما لا يتقنه إلا على الطريقة الروسية، اي التشدد معه.
ترامب يريد «اميركا الاقوى»، وأردوغان يحلم بإحياء السلطنة العثمانية ومدّ سلطانها الى خارج حدود تركيا. استفز الاول معظم دول العالم، ومثله فعل الثاني مع الجيران أولا من العراق وسوريا ومصر واليونان وروسيا قبل أن تلوي ذراعه.
ترامب يتهم المؤسسة الأميركية بالفساد وهو نتاجها.
اردوغان يستخدم مبرراً آخر وإن مُستهلكا، لاحلال نظام سلطوي يمسك هو شخصيا بكل مفاتيحه. ويروج أن النظام الرئاسي، أي الذي يتيح له جمع السلطة بيديه هو الذي يحقق أهداف تركيا في التنمية والتقدم وهذه طبعا مقولة عفى عليها الزمن فالديكتاتورية لا تصنع تنمية وازدهاراً إنما هو الوهم المترتب علىأيديولوجية الاخوان المسلمين وكل الاحزاب الدينية، لذا فإن النظام الرئاسي حلم العمر لاردوغان لا يعني سوى اتاتورك أقل واردوغانية اكثر أو ديمقراطية وحريات أقل وتسلط وقمع أكثر، وهو ما سيتكرس في استفتاء شهر ابريل المقبل بشأن تعديل الدستور حتى يتكرس في تركيا النظام الرئاسي.
بين المستجدات التي يحملها الدستور التركي الجديد تخفيف الطابع العلماني عن المناهج التركية والغاء الساعات المخصصة لتعليم نظرية التطور والارتقاء لشارل داروين. المشترك في هذا مع الرئيس الاميركي ان المنهج التركي الجديد سيبعث بقوة العنصرية التركية وهو ما يفعله ترامب في اميركا.

الثلاثاء, 07 مارس 2017

أسلحة أكثر.. استقرار أقل!

ليس صحيحاً أن الولايات المتحدة الأميركية غير قادرة على أن تربح حرباً لأن جيشها وترسانة أسلحتها «في حالة يرثى لها» كما يقول الرئيس دونالد ترامب، الذي قدم ذلك مبررا لزيادة ميزانيته العسكرية 10 ٪، وتحديداً 50 مليار دولار وليس 30 ملياراً كما كان وعد من قبل فتصبح 654.5 ملياراً وهي اكبر ميزانية للجيش الأميركي، وأي جيش آخر، في التاريخ.
إنها إشارة البدء لجولة جديدة من سباق التسلح. بضغط أميركي، أعلنت ألمانيا زيادة 30 مليار دولار على ميزانيتها العسكرية، وستفعل ذلك تباعا الدول الاوروبية الأعضاء في حلف الأطلسي.
الصين مصممة على التحول إلى قوة عسكرية عظمى وعدم البقاء عملاقاً اقتصادياً فقط وتسير بخطى حثيثة على هذا الطريق، خصصت 7 ٪ من ميزانيتها الجديدة لجيشها. النسبة من رقم واحد هي الادنى خلال أربعة عقود، فمنذ 1980 وحتى العام الماضي، كانت ميزانية الجيش 18 ٪ والهدف «الوصول إلى مستوى الغرب عسكرياً». واللافت ان بكين امتنعت هذا العام عن نشر المخصصات الملموسة لكل قطاع عسكري كما كانت تفعل حتى الآن.
لروسيا، وهي قوة عسكرية عظمى ميزانية ضخمة وان كانت أقل مما تصرفه أميركا والصين. لكنها المنافس الأول عسكرياً للولايات المتحدة.
سباق التسلح يثير المخاوف، لانه كلما ارتفعت المبالغ المخصصة للآلة الحربية، زادت عدوانية من يمتلكها، وغالبا ما يسعى لاستخدامها خصوصاً ان مقولة ترامب عن واقع الجيش الأميركي ليست صحيحة على الإطلاق.
لقد مني هذا الجيش بهزائم مذلة خلال القرن العشرين الماضي، وأقساها في فيتنام. لكن ومنذ مطلع القرن الحادي والعشرين الحالي كسب عسكرياً جميع الحروب والنزاعات التي كان طرفاً فيها. وان يكن الاميركيون فشلوا في إحلال الاستقرار والسلام في البدان التي حاربوا فيها أو غزوها واحتلوها. والارجح ان المبلغ الخيالي للاعتمادات العسكرية لن يغير شيئاً في هذه الحقيقة.
هذا ما حصل في العراق وافغانستان. في البلدين حقق الجيش الأميركي نصراً عسكرياً باهراً لكنه مني بفشل سياسي ومعنوي ذريع. الأمر نفسه ينطبق على ليبيا وسوريا واليمن، فشيء ان تكسب حرباً ومسألة اخرى ان تجلب الاستقرار والسلام.
العكس تماماً هو الحاصل. الحروب والاعتداءات الاميركية في الشرق الاوسط دمّرت السلطات المركزية، وصنعت أو كرّست أنظمة طائفية، ومن فوهات مدافعها خلقت فوضى وخراباً وفساداً، وولدت بيئات حاضنة للتطرف والإرهاب، وشجّعت الحروب الأهلية وتسبّبت فيها، وشرّعت الابواب لتدخل القوى الاقليمية كتركيا وإيران، كي تنتزع مواقع لها في المنطقة العربية مستفيدة من حروب واشنطن وسياساتها والانقسام العربي الذي يستعين بالخارج للسيطرة على الداخل.
في ظل سباق التسلح الجديد وزيادة الاعتمادات العسكرية الارجح ان تزداد الفوضى ويتسع حجم الخراب والدمار. فالأسلحة الأميركية، التقليدي منها والحديث، لم تجلب السلام والتنمية للشرق الاوسط وشعوبه ولن تجلبها الآن. فحتى يوفر مصادر ميزانية الجيش الأميركي، عمد ترامب إلى تقليص 37 ٪ من الميزانية المخصصة لمساعدة الشعوب التي تعاني من ظروف المعيشة وكوارث الطبيعة والحروب.
يستتبع ذلك حتما مزيدا من الضغط على بلدان المنطقة لشراء اسلحة اكثر وتحويلها الى بؤر مشتعلة لتكون الزبون الأمثل، وفي الوقت نفسه ميداناً لتجربة الترسانة الاميركية مباشرة أو عبر اسرائيل أو بحروب قائمة، أو تندلع لاحقاً.
قبل 8 سنوات تفاءل العرب بأن الرئيس القادم يومها باراك اوباما سيعالج ما تسبب به سلفه جورج بوش من مآس في المنطقة. فشل اوباما وتبدد حلمهم. ولعلهم سينتظرون رئيساً آخر في البيت الأبيض لمحو الكوارث التي تتسبب بها سياسات ترامب. والثمن سيكون هذه المرة أيضاً فادحاً جداً.
 

السبت, 04 مارس 2017

عرب وين وطنبورة وين؟!

أرسل لي صديق قديم بقي في أوروبا من أيام الدراسة، يوتيوب تضمن «أغرب 5 فتاوى في العالم العربي»، حسب عنوان الشريط نفسه. ولأنه يعرف أنني أفضل مشاهدة ما يمتع فعلاً ويسلّي، فقد فهمت رسالته،  يتحسر بأسلوب  المثل الشعبي:«عرب وين وطنبورة وين؟» وهم ينحدرون الى هاوية سحيقة   مليئة بالتفاهات والبلاهة والسفاهات المغلفة غالبا  بثوب الورع والتدين.
الفتاوى الخمس، وهي بالمناسبة صادرة عن مشعوذين من الطائفتين، شملت الجواهر التالية:
«لحم الأرنب حرام لأن الأرنب حشرة والحشرات عموماً محرمة»، «الغسالة الأوتوماتيكية لا تطهر الملابس.. هذه تشيل الصابون.. الغسالة تحط فيها ملابس نجسة فتتنجس»، «ميكي ماوس شر مطلق، يقتل في الحل  والحرم»، «السمبوسة محرمة فهي تحتوي أضلاعاً تشبه اضلاع الثالوث المقدس المسيحي»، «الواتساب حرام» لأن الجني يمكن ان يستخدمه وقد أرسل فعلاً مقطعاً لمريضة وهي تئن»!
هذا الكم من الهراء المثير للاشمئزاز لا يصدر الا عن عقول مريضة، ونفوس معتلة، منعدمة الثقافة، ناهيك عن العلم والتمدن، بل اللياقة والذوق بأبسط أشكالهما. عقول تنتج فتاوى ترفع  التافه من أمور الحياة إلى مستوى قضايا أمة تستحق نشرها والتثقيف بها!
الإسلام، كما بقية الاديان  السماوية، من أبهى سمات الحضارة والتمدن والرقي، واستمرت كذلك طالما كان المبشرون بها ودعاتها يؤمنون بخير الانسان وتقدمه في اتجاه لولبي الى الأعلى، لكن دعاة اليوم يهوون به من درك الى آخر اسفل لاسباب  متعددة، لعل من أهمها تحكم التريف والمتريفين وسيطرتهم عليه.
العسكر الذين حكموا  معظم الدول العربية هم في غالبيتهم الساحقة متريفون، محدودو الأفق والطموح، يجهلون ثقافة بناء الدول،  تتحكم فيهم نزعة السيطرة على بلدانهم وشعوبهم وحكمها بالطغيان والاستبداد والقمع والالغاء،فقادوها إلى الخراب والتفتت، وأعادوها الى العصور الحجرية.
التجربة المرة تتكرر الآن بستار ديني. متريفون وأعراب  بعمامات وعباءات واحزاب متأسلمة، يسيطرون  على مؤسساته، ويفرضون سطوة احزابهم باسمه، فيواصلون الانحدار بالامة بفكر وسلوك متلازم الصفات والعناصر: دموي متطرف وتافه سخيف. «القاعدة» و«النصرة» و«الدولة الإسلامية»  وغيرها من  أنظمة دول،وتنظيمات تسعى الى السلطة والحكم،نتاج التخلف والنهج الدموي معاً. يريدون الأمة مصدر اجرام  وانحطاط على صورتهم.
المصيبة فيهم نعم. لكن المصيبة الأكبر في الفكر والسياسات التي صنعتهم، وتستمر في استيلادهم وتغذيتهم، لتوسيع انتشارهم.
وحتى لا يبقى الكلام عمومياً، او بدون فاعل ،فإن معظم الفتاوى التافهة المليئة بالسفاهة وبث الكراهية ومعاداة كل ما هو راق وحضاري، مصدرها محطات فضائية  ومؤسسات إعلامية عربية كبرى  ميزانياتها السنوية بالملايين، وقنوات تنتشر كالفطر، اقل قدرات مالية وانتشارا محصورة بطوائفها،لكنها مثلها مصانع للحقد والتخريب والتخلف.
هذا الرأي  ليس دعوة للرقابة. بل اعادة التأكيد على حقيقة بدهية هي ان وسائل التواصل الجماهيري ادوات مهمتها الإعلام والتنوير والثقافة والتسلية والإمتاع.. أي تقديم كل ما يساهم في تطوير عقل الإنسان وحرياته بأسلوب مهني فعال،والرقي في مخاطبة العقل والنفس، على أسس واضحة من الأخلاق المهنية.
فأين هذه المقاييس في معظم البرامج الدينية التي نتابعها على الشاشات أو الصفحات المتخصصة في تعميم التحريض والتفاهة والسخف والتجهيل، والحقن الطائفي والفئوي الكريه، وعندما لا تتوافر هذه المبادئ، فمن المنطقي ان تكون الوسيلة المعنية موضع حساب او حتى غياب!
زمان كنا «نفش الخلق» فنصف من ينحط الى هذا الدرك «بالصحافة الصفراء»، لكن ماذا نسمي اليوم هذا الكم من الشاشات والصفحات ووسائل التواصل بعدما اصبحت ادوات تخريب
وكراهية ؟!
لم اجد افضل من العنوان أعلاه. أمتنع عن تفسيره لا ترفعا عن تعبير مستحق لرؤوس الدجاج التي تطل على المتلقين بعدة شغل النصب الديني كلها، انما ابتعادا عن مزيد من وجع الرأس مع قانون إعلام هو ايضا واقع في الفخ، خصوصا ان ليس على رأس وزارة الاعلام وزير اصيل بل مكلف،  واللي فيه كافيه!!
على كل، الشرح الوافي موجود على «الإنترنت» بإسهاب. أنصح بقراءته لانه ممتع.

الثلاثاء, 28 فبراير 2017

احتكاك كلامي فقط؟!

كيف سينعكس «التخبيص» الذي يمارسه دونالد ترامب على الشرق الأوسط؟! وهل باتت المنطقة على حافة حرب جديدة؟ وهل التهديدات المتبادلة حالياً بين حزب الله اللبناني وطهران من جهة وإسرائيل من جهة أخرى وكذلك التصريحات والتسريبات من واشنطن وطهران والضاحية الجنوبية لبيروت، والحرب الكلامية المتصاعدة الحدة ستبقى كذلك، أم ستتحول إلى حرب فعلية؟!
ينهي ترامب اليوم أسبوعاً سادساً مشحوناً رئيساً للولايات المتحدة، لا يمكن لأي مراقب أن يتهمه بالكسل أو حتى التريث. بل هو يسعى يومياً ليثبت أنه رئيس حيوي نشيط وفاعل، رجل أفعال لا اقوال- مع انه ثرثار بامتياز - مصمم على تنفيذ وعوده الانتخابية، يعمل أكثر ما يمكن في أسرع وقت ممكن، رغم الفوضى العارمة التي يثيرها.
ورغم أن كثراً يعتبرون كل ذلك نتيجة متوقعة من شخص لم يسبق له طوال 70 سنة من عمره أن تولى منصباً سياسياً أو عاماًَ، إلا أنه من الضروري ألا يغطي كل الغبار شيئاً مما قد يحضر للمنطقة!
خارجياً هو واضح جداً في التعاطف مع إسرائيل، والتعالي على دول الخليج التي يعتبرها مجرد خزنة ليس فيها إلا المال، والتصعيد المتواصل ضد إيران، ومع الطرفين الاخيرين  احتك كلامياً، ويميزه أيضاً العداء الصريح للدول التي يعتبرها مصدراً للمهاجرين، وهذه في معظمها عربية أو إسلامية.
وبعيداً عن قراءة في بلورة سحرية للنتائج المتوقعة لسياسته في الشرق الأوسط،  يمكن استشراف بعض المؤشرات من قراءة تسريبات الأوساط القريبة من واشنطن، وتلك المقربة من طهران، أما إسرائيل فهي تنفخ في النار دائماً.
تسرّب أوساط واشنطن أحياناً وتصرّح حيناً بأن هدف إدارة ترامب هو إعادة إيران إلى داخل حدودها بدون أي أذرع خارجية، في العراق ولبنان وسوريا واليمن والبحرين وأي مكان آخر. هذه الدول لا مكان لإيران فيها، وإذا كان لابد من عراق شيعي مثلاً، فينبغي ألا يكون تابعاً لطهران بل نداً لها، وهي، كما يصفها البعض، رغبة في «صدام شيعي». وتعتقد تلك الاوساط أن تحقيق هدف واشنطن لن يتم إلا بعد ضربة عسكرية قوية جداً لإيران. وتتردد معلومات بأن طهران قد تبلّغت هذا التوجه، ما يفسر التصعيد خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، وذروته تهديد السيد حسن نصر الله أمين عام حزب الله اللبناني بقصف مفاعل ديمونة النووي الإسرائيلي، ما اعتبرته إسرائيل تصعيداً بالغ الخطورة، وأوساط عديدة بأنه «مبالغة غير موفقة»، وراجت على أثره إشاعات بأن هناك توجهاً إيرانياً لاستبدال نصر الله.
أما الأوساط القريبة من إيران، فترى أن «القراءة الخفية» للمشهد في المنطقة هي أن ترامب الآن في مرحلة «الجباية الحثيثة» من الخليج ولا ضربة لإيران أبداً، بل مجرد ضغوط فقط، وتعرف إيران ذلك بدقة، لأن الضربة تعني حرباً شاملة في المنطقة. أما استبدال نصر الله فغير منطقي أبداً حتى إن استبدال المرشد خامنئي أكثر معقولية، وأن ترامب يريد أن يحلب لا أن يقتل.
سلوك ترامب في السياسة الخارجية يشير إلى أنه يسعى  لحل الأزمات بسرعة، وهو ميال بطبعه إلى القوة الصلفة والضغط، كلامياً حتى الآن، وربما فعلياً لاحقاً.
مع ترامب لم يتوقع أحد مسبقاً ماذا سيأتي لاحقاً، الواضح فقط أنه يظهر أسناناً حادة ويتصرف كثور هائج في محل خزف.
 

السبت, 25 فبراير 2017

حرب تقرع الأبواب!

لا يحتاج الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب مهلة المئة يوم للتعرف على شخصه،  وتعامله مع الأزمات العالمية والإقليمية المختلفة .
إن تصريحاته ومواقفه خلال عام من حملته الانتخابية، ثم الأسابيع الخمسة التي قضاها حتى الآن في البيت الأبيض، كشفت الكثير: شخصياً هو إلى السذاجة أقرب، يتعامل مع موقعه الخطير والمهم كما لو أنه بيزنيس، مدعٍ، استعراضي، معادٍ للصحافة أهم وسائل الحريات، نصاب يضيق بالرأي الآخر، إلى بقية الصفات التي تجعله أقرب إلى ديكتاتور مبتدئ. عماده  المال الذي يجمع إليه الآن أقوى سلطة في العالم،  وهذه خصائص تساهم في تكوين شخصية فاشية سلطوية وتبرر له الكذب  ،أضف الى حشد  غير مسبوق من الجنرالات في ادارته.
آخر الأمثلة على الكذب، عندما فاجأ ترامب العالم قبل اسبوعين وهو يتحدث أمام أنصاره في فلوريدا عن خطر الهجرة وارتباطها بالإرهاب، ليحثهم على دعم إجراءاته ضد المهاجرين إلى أميركا: « انظروا كيف عانت ألمانيا... وماذا حدث أمس في السويد.. من كان يتوقع أن يحدث هذا؟ السويد؟!».
ذهلت السلطات السويدية، فلم تكن لديها معلومات عن اي حادث امني حصل أمس. شَغَل المسؤولون السويديون رؤوسهم دون نتيجة. حتى وزير الخارجية السويدي السابق كارك بدلوت علق مستغرباً:«السويد؟ هجوم إرهابي؟ هذا الشخص ماذا يدخن؟!». واستفسرت ستوكهولم رسمياً من واشنطن عما جرى.
بدا أن ترامب يكذب كعادته. لكن بعد مضي 48 ساعة وبحلول الاثنين، وقعت أحداث عنف بين مهاجرين والشرطة في إحدى المدن السويدية .. فطغى احتمال آخر أن المخابرات الأميركية كانت بحوزتها معلومات عن حدث ما، لكن ترامب أفشاها قبل وقوعها.
هذا النموذج غير المسؤول في التعاطي، سيعممه ترامب تجاه أزمات أكبر.
معروف ان نظرية « الركاب المجانيين» تعود إلى الرئيس السابق باراك اوباما، كان يقصد بها دول الخليج، فأخذها ترامب ووسعها لتشمل كل اصدقاء أميركا وحلفائها. فالخليجيون«ليس لديهم إلا المال» وعليهم أن يمولوا مشاريعه، أولها الآن مناطق آمنة يريدها في سوريا، كذلك دول حلف الأطلسي التي عليها أن تدفع مقابل تأمين الحماية الأميركية لها. وان تدفع الاثنين في المئة من دخلها القومي الإجمالي لميزانية الحلف.
السذاجة التي يقارب فيها ترامب الأوضاع الدولية والضغوط التي يمارسها على حلفائه وغيرهم من الدول للتخويف والابتزاز، تكشف عن نهج أكثر خطورة، وتحديداً إطلاق جولة جديدة من سباق التسلح الذي ارتاح منه العالم لحوالي ربع قرن منذ انتهاء الحرب الباردة، وما سينتج عنه من حروب ساخنة إضافية حول العالم، يواكبها حتما تأجيج حرب باردة جديدة غير معروف مداها بعد.
ترامب نفسه أعطى إشارة البدء لسباق تسلح جديد، وباخطر أنواع الأسلحة وأكثرها فتكاً أسلحة الدمار الشامل. عندما أعلن « إن المخزون النووي الأميركي يتخلف... علينا أن نعيد بناءه ليكون الأفضل مما لدى الجميع»، واتهم موسكو بأنها «تخرق معاهدات الحد من التسلح وتخفيضه»، وفي الوقت نفسه نشر أنظمة صواريخ أكثر تطوراً في اليابان وكوريا الشمالية، ودول البلطيق المجاورة لروسيا.
أوروبا بدأت ترضخ . أعلنت ألمانيا أنها سترفع ميزانيتها الدفاعية إلى 2 في المئة من اجمالي انتاجها. وستزيدها تالياً 30 مليار يورو. وستكون برلين  نموذجاً يدفع دولاً أوروبية أخرى كي تحذو حذوها، وتنخرط بحجم أكبر في سباق التسلح.
موسكو المنتشية بالتطورات العالمية لم تتأخر في الرد. فأحيت مقولة قديمة كان يرددها القيصر إلكسندر الثالث:«حليفان وفيان لروسيا..الجيش والأسطول..».
وزادت روسيا بوتين حليفاً قويا هو المجمع الصناعي العسكري: ليصبح الحلفاء ثلاثة: قوة وحرب واستعداد لخوضها.
أما الجديد الذي سيزيد سباق التسلح اشتعالا، هو أن الجيش الصيني استطاع اللحاق بالآلة العسكرية الغربية، نمر من ورق وبلا أنياب أصبح مستعدا  لمقارعة الخصم بكفاءة، بعدما وظفت فيه ميزانيات كثيرة لجزء من النمو الذي شهدته الصين خلال السنوات الثلاثين الماضية، فأصبح قوة صاروخية وجوية خاصة. وفرض شبه سيطرة كاملة على بحر الصين الجنوبي بإنشاء جزر اصطناعية حولها إلى مخازن صواريخ وقواعد عسكرية جوية.
الشرق الأوسط، حتماً، جزء لا يتجزأ من هذا التوتر المستجد المتصاعد، وصعب أن يكون الخليج بعيداً عنه.
المنطقة أمام سباق تسلح، وإعادة تقاسم نفوذ.

اعتاد زميل قديم أن يكرر سؤاله عما سأكتبه. هذا الأسبوع عدل عن السؤال لإخباري أن ترامب سيوفر على الصحافيين والمعلقين عناء البحث عن موضوع لأنه سيوفر لهم مادة دائمة للتعليق. فبرأيه ان الرئيس الأميركي ليس من أولوياته ان يكون سياسياً محترفاً، بقدر جموحه لأن يصبح نجماً دائماً في الإعلام طوال سنواته الاربع المقبلة في البيت الأبيض، وكذلك في السنوات الاربع التي تليها.
ترامب يُتعب أي معلق. فهو «مولينكس» كلام، لذلك توقف جون ماكين أحد أشهر السياسيين الجمهوريين ومنافسي ترامب على الرئاسة عن التعليق على كل ما يقوله الأخير، «فمن الصعب اللحاق به».
ويقول معلقون تهكماً «يجب ان تكون سكراناً كي تأخذ تصريحات الرئيس الأميركي الجديد على محمل الجد، رغم خطورة الكثير منها»، فضلاً عن اداء ترامب المرتبك، والاسابيع السوداء الخمسة التي مرّت عليه في البيت الأبيض، وتبشير ادارته بحربين كبريّين في عهده، إحداهما في بحر الصين، والثانية في الشرق الاوسط طبعاً. وليس مستبعدا أن يكون الخليج، لا سمح الله، مسرحها، تحت شعار «إعادة إيران إلى حجمها». وتكرير الإهانة السمجة لدول الخليج التي يكرر انها «لا تملك شيئاً سوى المال»!
ولأن السكر في الكويت نادر للارتفاع الجنوني في اسعاره اخترت أن استكمل «كلمات» السبت الماضي عن الحب والفرح، مكرراً قناعتي أننا في أشد الحاجة إليهما، وان أعداء الفرح هم أعداء الإنسان، والعكس صحيح أيضاً. يثيرون الكراهية والحقد والحروب والخراب والموت. لا يستطيع أحد منهم أن يكتب شعراً، أو يتذوق لوحة، أو يستمتع بموسيقى، أو يبدع لحناً، أو يفرح برقصة شعبية، أو يرقص في عرس، أو ينتشي بأغنية أو موال، أو يستوعب فكرة. فتتفجر قلوبهم السوداء بمعاداة كل ما هو جميل، ويشدّون الأمة والإسلام إلى أبشع مهاوي التخلف والانحطاط.
بعد نحو  18 عقداً من الفالنتاين الذي صب عليه أعداء الحياة حقدهم الاسبوع الماضي، ينخرط علماء في اكثر من بلد متحضر في اكتشاف عوامل لتسهيل ظروف الحب وتعميقه بين الجنسين عبر معادلات اجتماعية ونفسية.
ويجري علماء بريطانيون تجارب مخبرية يفترض ان تنتهي إلى وضع قواعد تساهم في توفير أسباب الحب، وتشيع التقارب بين الجنسين.
يعتمد الاختبار أسئلة محددة، رغم ادراك العلماء القائمين عليه أن الحب ظاهرة معقدة من الصعب اخضاعها لقياسات علمية وقواعد منطقية صارمة. لكنهم يأملون في أن تمكن تجربة الـ 36 سؤالاً الأشخاص الخاضعين للتجربة أن يقيموا فيما بينهم علاقات عميقة حميمة.
سُميّت التجربة «أسئلة للعاشقين».. ويشارك فيها حتى الآن عشرات الوف الاشخاص، في مؤشر واضح على كم يحتاج الناس، بغض النظر عن الجنس والدين والعرق، إلى هذا الشعور الرباني الراقي.
وبما أن الشيء بالشيء يذكر، فإن آخر الإبداعات البريطانية توجيه العاملين في وزارة الصحة الى استخدام تعبير «إنسان حامل» بدل «امرأة حامل».. أخذاً في الاعتبار ان الحامل قد يكون رجلاً يريد ان يساعد شريكته ويتحمل جزءاً من معاناتها أو متحولاً جنسياً، فتجرح التسمية شعوره وينزعج
ما يؤثر سلباً على الجنين!
 

أيام دراستي الجامعية في بلد أوروبي كاثوليكي لم أسمع بفالنتاين، ولا عندما بدأت حياتي العملية في صحيفة يسارية شيوعية في بيروت.. المفاجأة أني سمعت به، لأول مرة، هنا في الكويت.
لا أذكر متى بالضبط. الأرجح أن ذلك كان بعد تحرير الكويت. عندما بدأت تطغى أجواء تطرف ديني، شملت أشياء جميلة كثيرة، بما فيها كل ما هو أحمر، من ورد وقلوب ودببة، ليس لأنه لون الشيوعية، وكانت وقتها بدأت تتراجع وتنهار، بل لأنه رمز لذلك الفالنتاين. ما دفعني للبحث عنه والتعرف إليه. وقد أعجبت بذلك القديس واحترمته من يومها.
اكتشفت انه راهب مفعم بحب الإنسان والخير له. قاوم الظلم والاستبداد. لم يأبه للموت تكريساً للحب، فواجه الإمبراطور مانع زواج المحبين، وزوّجهم في كنيسته معرضاً نفسه للموت. لم يفرق بين مسيحي ووثني، فالحب عابر للأديان.
وبهذا الإيمان طوّبته الكنيسة أحد قديسيها. وأصبح مع الزمن محبوباً  للناس كلهم، خصوصاً الشباب. لكنه لم يصبح بهذه الشهرة مع أنه كان موجوداً قبل نحو 1750 عاماً.. فماذا جرى؟
لاشك أن الإنسان منذ وجد يحتاج الحب. وفي أيامنا الصعبة يحتاجه أكثر، وهذا ما انتبه إليه أباطرة أيامنا في العرض والطلب في التجارة والدين معاً وحولوهما إلى مصدر كسب.
التجار جعلوا القديس مناسبة يتربحون منها مادياً بسلع ارتبطت بها يروجونها كل عام، من الوردة وحتى الذهب والماس اللذين لم يكن المسكين حتى يحلم بهما أو يهمانه.
تجار الدين يتربحون معنوياً بشحن الاتباع وزراعة المزيد من التطرف والتوحش والكراهية في نفوسهم بدعوى الدفاع عن الإسلام وإبعاد المسلمين عن الوقوع في لهيب البدع والضلالة والنار!
الفئتان تعرفان مبدأ العرض والطلب جيداً. تتكسبان به ومنه بحرفنة. المأساة في القطيع، وتحديداً في بعضه، الذي يعتبر ان في إهداء وردة حمراء وقلب أو دعوة للفرح البريء، فساداً وحراماً وهلاكاً، وكأن الحب ليس شعوراً سماوياً، بل شيطانياً بالنسبة لهم!
لو قدّر لي الرحمن، سأنقهر إن عادت واحدة من حفيداتي وقد أصبحن مراهقات إلى المنزل وليس معها  وردة حمراء، وإذا لم يقدم أحد من أحفادي هدية حمراء.
• • •
وبما أن نتائج الحب بالحب تذكر، فإن رئيس تحريرنا الشيخ صباح المحمد، لا يفوت فرصة للحديث عن فيض الحب المخزون بحراً وحتى محيطاً لدى مديرنا الزميل نبيل الخضر.
لم أوفق في معرفة نوع الحب الذي يقصده الشيخ، فهو صاحب نكتة وتورية، أفضل ألا أحشر جمله في معنى واحد، فيحشرني بالمثل الذي يردده: كل يرى الناس بعين طبعه. فأنا عرفت أبا بدر من زمان علماً إعلامياً معلمَ مهنة أستاذاً، وبعدما تعرفت إليه عن قرب، اكتشفت فيه صفات إضافية، نبع إنسانية وعفة لسان وحب الزملاء، وعصبية لا تصل حكماً إلى ما عندي، ينهيها دائماً بعبارة محببة «جواد اشتغل زين»، مرفقة بابتسامة طبيعية تبدد أي توتر، وكأنه يصوغ بهزلية شفوية أحد مقالاته الساخرة الجميلة.
بالطبع لا يوفر الرئيس، الملاكين عن يمينه ويساره، الزميل جعفر محمد وأنا «الإذاعة الاسرائيلية» كما يسمينا لكثرة تعليقاتنا ومشاغبتنا الكلامية. لكنه غير منصف. فشخصياً أضع الزميل أبا أنور أولاً. أسطوانة لا تتوقف بحكم المهنة. مقدم برامج متفوق، بثقافة دينية وتراثية وفنية وموسيقية وشعرية عميقة ومميزة تعززها ذاكرة أمسك الخشب على حضورها وحديديتها. يضاف إلى تلك المواهب «ثعلبة» بريئة.
بين مطرقة صباح المحمد وجعفر محمد، وجد نبيل الخضر نفسه بسبب جملة أقفل بها مقالته الجمعة الماضي نصها: «لمن اتهمني بكتابة مقالات رئيس التحرير الشيخ صباح المحمد، أقسم بالله العظيم أنه يكتبها بنفسه بالفاصلة والضمة».
«الخباثة» فسرّت العبارة بأنها من باب «تأكيد المؤكد»، فما الداعي لها، بينما قالت «الزغالة» إنه «تأكيد في معرض النفي»، فيما انا اشهد أن نبيلاً صدق في ما ذهب إليه.
كنت ممن توهموا عن بعد أنه يفعل ذلك. لكني بعد انضمامي إلى أسرة «الشاهد» عرفت جديداً أعجبني وقدرته. وهو أن صباح المحمد رئيس التحرير الوحيد ممن عملت معهم يكتب افتتاحياته بنفسه. وهو أول من كرس استخدام اللهجة العامية الكويتية في الافتتاحية.
براءة أبا بدر. لكن أرجو مشاركتك في  اقناع رئيس التحرير بأن تنتظم افتتاحياته، فهو لم يقتنع بذلك بعد مني. فنستفيد على الأقل من غزله الذي لا يتوقف فيك.

الصفحة 4 من 15