جريدة الشاهد اليومية

د. أحمد طقشة

د. أحمد طقشة

الثلاثاء, 11 أبريل 2017

تفجير الكنيستين صناعة ترامب

«أشهر مسدسك، أطلق النار أولاً ثم اخترع أي مبرر»، تلكم القاعدة التي اعتمدها الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب لتنفيذ أول عمل عسكري في عهده استهدف القاعدة الجوية السورية في شعيرات.
مبرّر استخدام الغاز السام من قبل النظام السوري ضد المعارضة في إدلب واهٍ جداً عسكرياً وغير منطقي حد الجنون سياسياً. فلم يتأكد نوع الغاز المستخدم حتى يُعرف من يمتلكه ويمكن أن يستخدمه.
السؤال البديهي في أي جريمة هو من المستفيد؟
الجيش السوري يحقق مكاسب عسكرية، والإدارة الأميركية ذاتها أعلنت قبل الاعتداء أن إسقاط الأسد لم يعد أولوية بل القضاء على داعش والنصرة، وكان هذا مكسباً سياسياً للنظام الذي ظلت الإدارة السابقة تكرر عزمها على التخلص منه.
فهل من عاقل يمكن أن يفرط بهذه المكاسب مقابل عملية إجرامية مدانة سياسياً وإنسانياً وأخلاقياً وتافهة عسكريا لا جدوى منها؟!
المشكلة في الرئيس الأميركي نفسه الذي يتخبط داخلياً وخارجياً ويفشل، وفي ادارته المهتزة غير المستقرة، وتعاني من التخبط وعدم الثبات.
أولى سمات ترامب - وهذه مهمة وإن بدت شكلية - أنه نموذج صارخ لرجال الأعمال والتجار عندما يمارسون السياسة فهم يفعلون ذلك بكثير من التمثيل والاستعراض والبهرجة الفاقدة للعمق وبعد النظر. خلال أسبوع واحد فقط قلب ترامب موقفه من سوريا مئة وثمانين درجة،وارتكب عدواناً عسكرياً عليها.
فما الذي تغّير؟ ومن هو أو هم صانعو سياسة ترامب السورية؟ هل هم غير أولئك الذين كانوا وراءها أثناء حملته الانتخابية؟ وما هدف العملية العسكرية؟ وماذا بعدها؟
ترامب رئيس هاوٍ سياسياً، اختار عكس كل ما قاله حتى الآن عن أن العدو الرئيسي في سوريا هو المنظمات الارهابية. أراد أن يظهر نفسه سياسياً قوياً وصاحب قرار مختلف عن سلفه ويمتاز عنه بالإرادة والتنفيذ. وهو بأمس الحاجة إلى انجاز بعد الفشل الذريع داخليا في مسألتين رئيسيتين: القيود التي وضعها على الهجرة من سبعة بلدان عربية وإسلامية ورفضها القضاء، وفشله في إلغاء نظام التأمين الصحي «أوباما كير».
أما خارجياً فهو يحاول أن يقدم أميركا قوية وقادرة في رسالة إلى كثيرين: لاعبين كبار كالصين وروسيا، وإقليميين كإيران ومعها سوريا وحزب الله وكذلك كوريا الشمالية مع التزام حتى الآن بقاعدة أن لا حرب باردة كلاسيكية ولا حرب ساخنة، مع إشارة عن استعداد للتسخين، وهذا المرجح حصوله.
على هذه الخلفية، فالهجوم بحد ذاته كان رمزياً من حيث نتائجه، وتغطية للفشل داخلياً، واستعراضاً للقوة خارجياً. لكن هذا لا يعني أن إدارة ترامب ليست في صدد تغيير باتجاه المزيد من العمل العسكري والعنف. فالحروب المشتعلة والمتحركة في سوريا، وفي الشرق الأوسط عموماً، لا تتوقف عن إنتاج المفاجآت الساخنة والأشد سخونة. وفيما يحيي ترامب مبدأ أن القوة العظمى تفعل ما تشاء، أصبح هناك على الأرض قواعد عسكرية أميركية في العراق وسوريا وهي للاستخدام وليست للتخويف فقط.
الإدارة الأميركية لم تقم في الماضي اعتباراً لتعميم الفوضى والدمار ونسف الاستقرار ونشر الإرهاب حتى تقيم الآن.وها هو العدوان على سوريا يعطي دفعاً للإرهاب. ودفع الجهات الإرهابية والأصولية والمتطرفين للتحرك فوراً على الأرض السورية وفي ليبيا، وفي مصر حيث ارتكبت جريمتان وبربريتان ضد كنيستين وهما بيتان من بيوت الله، أسالتا دماء عشرات المصلين الأبرياء.
هذا هو ترامب، وهذه باكورة سياسته.

السبت, 08 أبريل 2017

قصة حقيقية من الشام

القصة أدناه تلقيتها من الصديق عبدالصمد العوضي الخبير النفطي في لندن والمتابع باهتمام للأزمة السورية. تذكّرتها عندما رواها لاحقا الزميل جعفر محمد في اجتماع مجلس التحرير المسائي. ولأني معجب بأسلوبه كمقدّم متميز وحكواتي طبيعي بانفعالاته، جذبني وهو يبرز عمق ولاء السوريين لوطنهم، ما يفتقده المنخرطون في الحرب الأهلية وتخريب سوريا الذين كشفت المخابرات المركزية الأميركية تبعيتهم لها، ومنها يتلقون أسلحتهم ورواتبهم وتمويلهم وينشطون بإمرتها.
• • •
«في عام 1898 زار الامبراطور الألماني غليوم الثاني دمشق فخرجت المدينة عن بكرة أبيها واستقبلته استقبالا حافلا.
خلال الاستقبال وعند مدخل القلعة، لاحظت الامبراطورة زوجة غليوم حمارا ابيض جميلا، فأثار انتباهها وطلبت من والي دمشق حينها مصطفى عاصم باشا ان يأتيها به لكي تأخذه معها ذكرى الى برلين.
راح الوالي يبحث عن صاحب الحمار، وكان يدعى أبوالخير تللو، فطلب اليه اهداء الحمار الى زوجة الامبراطور فاعتذر. غضب الوالي وعرض على أبوالخير شراء الحمار، ولكنه أصر على الرفض وقال: «يا افندينا، لدي ستة رؤوس من الخيل الجياد، ان شئت قدمتها كلها الى الامبراطورة هدية دون مقابل، أما الحمار فلا».
استغرب الوالي هذا الجواب وسأله عن السبب، رد تللو مبتسما: «سيدي اذا اخذوا الحمار الى بلادهم ستكتب جرائد الدنيا وسيسأل الناس منين هالحمار؟ فيردون: «من الشام»، ويصبح «الحمار الشامي» حديث كل الناس، وربما معرضاً للسخرية، ويقول الناس: هل يعقل ان امبراطورة ألمانيا لم تجد في دمشق ما يعجبها غير الحمير؟ لذلك لن أقدمه لها ولن ابيع».
نقل الوالي الخبر للامبراطور والامبراطورة فضحكا كثيرا، واعجبا بالجواب، وأصدر الامبراطور أمره بمنح تللو وساما رمزيا.
العبرة: رحم الله أجدادنا فقد كانوا يخافون على سمعة بلادهم من ان تمسها الألسن بالسوء.
أما اليوم فهناك حمير تبيع البلد بما فيه».
• • •
ومن عبدالصمد ايضا ومن اليمن المضحك المبكي التالي:
«كنت مسافرا من دولة كافرة الى اخرى، وفي المطار سألني رجل اجنبي يبدو عليه الوقار والكفر:
• من أين أنت؟
- قلت: من اليمن.
•  فقال: من رئيسكم؟
- قلت: لدينا رئيسان.. الأول لا يستطيع دخول اليمن، والآخر لا يستطيع الخروج منها، فضحك وضحك المسافرون، وشعرت ان الطائرة قد ضحكت ايضا حتى انقلبت على ظهرها من الضحك!
• • •
هل كان المتنبي سيكتفي بأنها أمة ضحكت من جهلها الأمم؟!

الثلاثاء, 04 أبريل 2017

نهاية الربيع والدومينو؟

أيا تكن زاوية النظر إلى قرار واشنطن «التخلي عن ازاحة الرئيس بشار الأسد لأن مصيره يحدده الشعب السوري، وهدفنا الرئيسي هو هزيمة داعش ودولته»، فهو تحوّل جذري في السياسة الأميركية تجاه الأزمة السورية. بل لعله أول قرار واقعي يتعلق بأزمات الشرق الأوسط طوال 16 عاماً، خلال إدارتي الرئيسين السابقين الجمهوري جورج بوش الابن، وسلفه الديمقراطي
باراك أوباما.
سوقت كونداليزا رايس وزيرة الخارجية في عهد بوش لما أسمته «الشرق الأوسط الجديد» فأرادت اجراء عملية تغيير شاملة في المنطقة. وفي عهد أوباما كررت وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون الهدف نفسه بالمضمون ذاته تحت مسمى «الربيع العربي» الذي فجّر حروبا أهلية وطائفية وقبلية ضحاياها ملايين القتلى والجرحى والمشردين والمهجرين وخرَّب البلدان التي هبّ فيها.
إدارة بوش أسقطت نظام الديكتاتور صدام حسين الذي كان ظهره مكشوفا، لا تغطية عربية ولا دولية، معزول على الصعيدين. إلا أن ازاحته أسفرت عن نظام عراقي جديد طائفي فيه كل صفات الديكتاتورية والاستبداد والقمع والفساد والتمييز بين قوميات الشعب الواحد وطوائفه، وانعدام العدالة والمساواة بين المواطنين.
أما اقليميا فكان اسقاطه بداية تساقط حلقات كثيرة في النظام العربي. استكملت إدارة أوباما التخريب وتخلصت من أنظمة تونس وليبيا واليمن (ومصر قبل ان يستدرك الجيش)، وفجرت الأزمة السورية. لكنها أخطأت في تقدير دعم روسيا وإيران لنظام الأسد عسكريا يضاف إليهما الصين سياسيا، ما ثبّته وابقاه لاعبا رئيسيا رغم إصرار واشنطن على سياسة التخلص منه، وان استمرت الحرب إلى ما شاء الله، ورغم الدمار والموت.
عقدان من الزمن مخضبان بالدم والدمار، احتاجهما الأمر لتأتي إدارة أميركية جديدة برئاسة مثل دونالد ترامب البراغماتي لعودة شيء من الواقعية والتحول في السياسة الأميركية.. فيؤكد بقراره أن العدو الأول هو داعش والفصائل الارهابية.
أعلن هذه القناعة أثناء حملته الانتخابية وبرأيه أن العرب غير مستعدين بعد لديمقراطية وفق النموذج الغربي وان الاصرار على ذلك لا يعني سوى السيناريو الليبي والعراقي واليمني والسوري. وتحويل البلدان التي يُفرض فيها الى اشلاء وخراب، وبيئة ينمو فيها التطرف والارهاب ومنها يصدران إلى انحاء العالم.
حسب ادارة ترامب فإن «ديكتاتوريين معتدلين يفصلون بين السياسة والدين ولو بالحد الأدنى، أفضل من الفوضى التي غرق فيها العالم العربي بعد الربيع والديكتاتوريات الدينية التي انجبها».
مع نقد لاذع لسياسة إدارة أوباما، تؤكد الإدارة الجديدة أن أحداً لم يعطها تفويضاً للتدخل وتركت حيث تدخلت بلدانا خرابا مدمرة، أقامت فيها أنظمة أكثر استبدادا وعنفا وأقل ديمقراطية وعدالة.
مازال من المبكر طبعا انتظار أي شيء نهائي ومؤكد من واشنطن، لكن الواقع فرض عليها تغيير الأولويات، كما لمعظم الدول الأوروبية الفاعلة التي تميل تباعاً لمواقف أكثر واقعية، وهذا بحد ذاته تحول جذري يحمل دلالات رئيسية في الأزمة السورية وامتدادها العربي.
أولى الدلالات أن مشروع داعش وأخواته من المنظمات الإرهابية كالنصرة في طريق مسدود ويسير إلى نهايته، بعدما لحقت واشنطن وموسكو في تصنيف تلك الفصائل العدو الأول.
ثانيها: ان المنطقة العربية تعود بعد ثلاثين عاماً إلى دائرة تقاسم النفوذ بين أميركا وروسيا رغم أن واشنطن سعت إثر سقوط الاتحاد السوفيتي في التسعينات الى فرض هيمنة أحادية عليها.
وأهم تلك الدلالات ربما، انه كما كان سقوط نظام صدام بداية تساقط أحجار الدومينو في النظام العربي، فإن تثبيت نظام الأسد سيكون منطلقا لتثبيت حلقات ذلك النظام التي صمدت أمام عواصف الربيع وصدتها، وربما أيضاً لمنظومة عربية إقليمية جديدة.
 

يستحيل ان يكون  الصحافي كالطبيب يعزل الثاني نفسه عن موضوعه،اي المريض، ليشخص حالته ويصف له العلاج. أما الصحافي، مهماً كان موضوعياً وحياديا، فلا يمكنه أن يفصل نفسه كلياً، عن موضوعه، أي الحدث. من واجبه أن ينقله بموضوعية ودقة ولا يضع فيه نفسه لكنه لا يمنعها من الأحاسيس والانفعالات التي يولدها فيه الحدث، إيجابا أم سلبا، خصوصاً عندما يقيم الحدث ويعبر عن رأيه فيه.انه كتلة مشاعر لذا اعمار الصحافيين قصيرة.
عندما تعثر الرئيس اللبناني ميشال عون الأربعاء الماضي في قمة البحر الميت، توترت وتألمت،  شعرت بضيق إذ عادت الى مخيلتي تلك اللحظة البشعة التي استشهد فيها رئيس وزراء لبنان رفيق الحريري. تجمد تفكيري للحظة التي احتاجها عون كي ينهض مجدداً ويقف.
تعاطفت مع عون الإنسان أولاً. ولأنه رئيس جمهوريتي، أكن له الاحترام والتقدير. تعجبني صلابته واستقامته، وما أعلنه في خطاب القسم يوم تبوأ سدة الرئاسة عن محاربة الفساد، وإعادة توحيد لبنان واعماره والنهوض به من جديد. عندما تعثر شعرت بأن الجمهورية نفسها تتعثر. واستعدت تلك الفكرة التي رددتها قبل اثني عشر عاماً: قتلوا الحريري ليغتالوا لبنان، مع فارق ظرف الحدث وزمانه ومكانه، والتعمد الإجرامي في الأول والصدفة في الثاني  يتعرض له رئيس او خفير.
مشاعري السلبية محتها أخرى ايجابية مجبولة بالفرح تجاه تعثر عون ونهوضه، اما مشاعري تجاه حدث آخر، وأصحابه وفعلتهم،  فتترسخ سلبية عنها وعنهم ،كلما فكرت في ما فعلوه، والاصح فيما ارتكبوه وجنوه.
خمسة رؤساء لبنانيين سابقين، اثنان للجمهورية وثلاثة للوزراء، بعثوا إلى القمة نفسها التي كان الرئيس عون أحد نجومها المميزين، برسالة سموها بيانا لاعطاء قيمة لانفسهم تنقل إلى القادة العرب هماً لبنانياً صرفاً يتعلق بحزب الله وسلاحه ودوره.
الخمسة:امين الجميل وميشال سليمان وفؤاد السنيورة ونجيب ميقاتي وتمام سلام، سجلوا على انفسهم سابقة سلبية غير حميدة لا تبررها الممارسات السياسية اللبنانية المزدحمة بالحزازات والمليئة بـ«الحرتقات». لفد نقلوا قضية لبنانية داخلية إلى خارج لبنان. ذلك ليس خروجاً عن الحدود الجغرافية فقط،
بل أسوأ لأنه خروج عن أصول السياسة.
الخمسة باستثناء اخرهم، تمام سلام، لا ينظر إليهم اللبنانيون بارتياح بل بمرارة وخيبة امل. ففي عهودهم ارتكبت أخطاء وخطايا سياسية واقتصادية ومالية. رسالتهم إلى القمة آخر تلك الخطايا، لانها خطيئة وطنية، إذ تستدرج وصاية خارجية إلى شأن داخلي. بينما هم يزعمون أنهم يسعون لوقف تدخل خارجي إيراني في لبنان  فيما يفعلون الشيء نفسه.وذكروا بتبعية الساسة اللبنانيين للخارج، بينما وجدان كل لبناني ينبض بالرغبة في استقلال بلده وتكريس سيادته تجاه الخارج كله بدون استثناء.
مشاركة الرئيس عون في القمة وكلمته التي خاطبت القادة العرب من الوجدان إلى الوجدان، اكدت عودة لبنان بقوة إلى حضنه العربي. أما رسالة الخمسة المفخخة فقد ارتدت على أصحابها. كشفت حنينهم الى السلطة واشتهائها لكن طريقهم اليها اصبح مسدودا، وعرت يأسهم وشعورهم بأنهم أصبحوا من الماضي: رؤساء سابقين.

لتركيا أن تدير سياستها، داخلية كانت
أو خارجية، وفقاً لمصالحها. ولرئيسها رجب طيب أردوغان الحق ذاته، ولكن ليس من حقهما مطلقاً، أن يعلنا مواجهة بين الهلال والصليب، أي بين المسلمين والمسيحيين.
يسعى أردوغان لتأكيد سلطته المطلقة بتغيير النظام البرلماني القائم في تركيا إلى نظام رئاسي يتيح له جمع المفاصل الأساسية للحكم التركي بين يديه.
هو يرى أن النظام الذي سيجري التصويت عليه في 16 ابريل المقبل، الأنسب لتركيا، لانه برأيه «يقضي على بؤر الوصاية التي يفرزها النظام البرلماني».
بينما لا ترى فيه شرائح واسعة من المجتمع التركي سوى طموح سلطوي لأردوغان.
ويعتبره كثيرون مساراً حتمياً لكل نظام أيديولوجي كحال النظام التركي ذي التوجه الديني، ففي كل حكم من هذا النوع نزعة أصيلة لإحتكار السلطة والتفرد بها، وهو ينتهي دائماً إلى الديكتاتورية.
هكذا تجربة الاحزاب الشيوعية في أوروبا الشرقية السابقة، وتجربة حزبي البعث في العراق وسوريا، وكذلك حكم رجال الدين في إيران.
حلم أردوغان في نظام رئاسي لا يوّحد الاتراك. فكثيرون يرون فيه رغبة في تحجيم الكمالية والتقليل من علمانية الدولة والتعليم والمجتمع، وزيادة جرعة الأردوغانية الدينية والسلطوية فيه.
أردوغان سياسي مجرّب، صعد من الشارع إلى أعلى قمة في السلطة، وخاض معارك الإخوان المسلمين في تركيا وبلدان المنطقة، وهو يدرك تلك الحقيقة، فاختار تكتيكا قديماً معروفاً: يصنع عدواً داخلياً وخارجياً لشد عصب جمهوره. حتى يأتي الاستفتاء بنتيجة كاسحة لمصلحته. لذا لا يوفر تهديداً أو شتيمة لقادة محترمين في أوروبا كالمستشارة انجيلا ميركل أحد أبهى نماذج الديمقراطية المعاصرة، وأبرز رجال دول الحاضر.
لم يحصل أردوغان في الانتخابات الرئاسية عام 2014 سوى على 56% من أصوات الأتراك، واذا ما كرر هذا الرقم في الاستفتاء الجديد فيكون قد حقق مجرد فوز عددي، وليس انتصاراً سياسياً بحجم تغيير دستور الدولة ونظامها. ويوحي تكتيكه بأنه غير واثق في الحصول على النتيجة المرجوة سياسياً. فهو يستشعر، عن حق، أن تعديل الدستور يواجه معارضة ملموسة
ولا يحظى بتأييد شريحة لا بأس بها حتى داخل حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه.
يتعزز شعور أردوغان هذا، بأزمة عامة يمر بها نظامه. فيضّيق على الحريات في الداخل، ويخوض الصراعات العبثية على معظم الجبهات في الخارج، وتتزايد عدوانيته في الاتجاهين. تزيدها حدة مؤشرات اقتصادية سلبية تتجلى في ركود متزايد وتراجع في النمو.
أردوغان حرّ في ما يتبعه من تكتيك إلا التبشير بحرب بين الهلال والصليب، فهو بذلك يحشر الإسلام في مواجهة مع المسيحية غير واقعية
ولا موجودة أصلا، ولا يريدها المسلمون لأنها لعبة خطيرة جداً.
النزاعات المسلحة والحروب الأهلية التي تعيشها مناطق عدة من العالم، أولاها المنطقة العربية، ليست حرباً دينية على الإطلاق، إنها حرب مصالح، تخوضها قوى دينية متطرفة وإرهابية كثير منها حليف لأردوغان تغلفها برداء ديني وطائفي.
الهلال والصليب برمزيتهما الدينية، ليسا في حرب ونزاع، انهما معاً ضد شيطان التطرف ووحش الإرهاب، والكفاح ضدهما لا يجري أبداً ولا يكون على أساس ديني.
 

السبت, 25 مارس 2017

لو تُعيد صفاء النظر!

وأنا أتابع التصريحات الغزيرة للأخت الفاضلة النائبة  صفاء الهاشم واقتراحاتها لمعالجة مشاكل الهدر في المال العام، والاختلالات في عمل مرافق الدولة والوزارات والأجهزة الحكومية ولاحظت كما الكثيرين غيري، إصرارها على شيطنة الوافدين واعتبارهم كأنهم بقعة سوداء في الثوب الكويتي، قرأت بالصدفة تقريراً حول مشكلة تتفاقم في اليابان والحلول التي تطرح من قبل السلطات المعنية والعاملين في الشأن العام والناس العاديين علاجاً لها.
حسب التقرير،تعاني اليابان من ارتفاع حوادث السير والوفيات الناجمة عنها، وحددت  معالجة المشكلة هدفا.
اولا أخضعت المعضلة لدراسة علمية معمقة، فاكتشفت أن كثرا من كبار السن سبب تلك الحوادث، حيث يقعون في خطأ متكرر اذ هم  يدوسون على دواسة الوقود بدل الفرامل.
بعد نشر التشخيص انطلق  نقاش  عام على الصعيد الوطني الياباني بلور اقتراحات عديدة، بينها إقناع كبار السن بالتخلي طوعاً عن رخص قيادتهم  مقابل مميزات منها تخفيض نفقات الدفن، وأجرة التاكسي، والمصحات.
واقتراح آخر بوضع حد أقصى لعمر السائق،أو إخضاع كل من يقود سيارة،بغض النظر عن عمره، لاختبار دوري: عملي في القيادة ونظري في قواعد السير كل خمس سنوات،وكذلك أن تكون رخصة القيادة ميزة وليست حقاً مكتسباً.
الملاحظ أن القاسم المشترك الأبرز بين كل المقترحات،التشديد على  ضرورة تطبيق القانون بحزم على الجميع دون استثناء او واسطة من أي كان ولأي سبب كان.
في الكويت، كما في أي بلد،مشاكل منها ما هو مرتبط بالنمو لذا فهي طبيعية، وأخرى سببها سوء الادارة والبيروقراطية وغياب المحاسبة، وهناك نقاشات جدية بشأنها تتمخض عن اقتراحات ريادية وفعالة اذا وجدت طريقها للتطبيق، لكن بعض المواقف «فرسانها» نواب ديدنهم دغدغة مشاعر الناخب، تخلو، للأسف، من تشخيص موضوعي للمشاكل ونهج علمي لمعالجتها. الاستسهال فيها سيد الموقف، يلقون المسؤولية على كاهل الوافدين، فيأتي الحل  عشوائيا سهلا : تخلصوا منهم،وتشددوا في معاملتهم وقللوا التقديمات المقدمة لهم او حتى الغوها وارفعوا تكاليف معيشتهم، فتنفروهم وكفى الله ضرورة الاجتهاد والبحث الجدي عن حلول حقيقية مفيدة للكويت. الشعبيوية والإثارة والتأليب يمكن ان تكون بضاعة رائجة لبعض الوقت لكنها حكما عاجزة عن معالجة مشكلة.
الوافدون  يأتون إلى الكويت لأنها بلد خير وأمن وأمان. يعملون فيها ويجدون  ويجتهدون ويكسبون، يقدمون قوة عملهم وخبراتهم ومعارفهم، مقابل أجر او شراكة. أما تحميلهم مسؤولية اختلال التركيبة السكانية فمبالغة فجة. العدد الفائض من الوافدين او العمالة الهامشية  أو البطالة المقنعة افراز تجارة اقامات او رغبة في زيادة المعروض من  العمالة لتخفيض أجرها، اذن الوافدون  هم، قبل غيرهم، ضحايا هذا الخلل لا سبب له.
أزمة السير وراءها سلسلة أسباب أصغر حلقاتها هم الوافدون.  اما  كون الطرقات تُستهلك أو يتطاير حصاها  فمن سوء خلطة الإسفلت المستخدم في تعبيدها،وعدم مطابقته للمواصفات.اما رقم الاربعة ملايين وافد الذين سيصادرون فرحة اهالي الجهراء بطريقهم الجديد فتحريض ليس في مكانه وتلاعب بالرقم يفترض الا يمر على الاخت صفاء وهي اقتصادية تعرف ان الدقة صفة ضرورية في الارقام التي تبنى عليها المواقف الجادة.
واذا   ذهبنا الى  الهدر الكبير  في وزارة الصحة يستحيل لمنصف ان يرميه على الوافد المقيم، وهو بالمناسبة يدفع ضماناً صحياً لإصدار إقامته ورسما لمراجعة المستوصف أو المستشفى.وقس على ذلك بقية المشاكل والاختلالات التي لن يتوج البحث على حلول لها بنتائج جدية اذا نظر اليها بعين واحدة لا ترى الا الوافد لإرهاقه بالرسوم والضرائب ومختلف اشكال الجباية.
نعم، يمكن عدم استقدام الوافد لانعدام الحاجة إليه. فهذا أمر منطقي بالنسبة للمؤسسات العامة والخاصة. ويمكن الاستغناء عنه عندما تنتفي الحاجة لعمله. أما عندما يأتي الوافد إلى الكويت ليعمل ويقيم وينتج بطريقة مشروعة فدخله الذي يتقاضاه والحقوق التي يكتسبها مقابل جهده وعمله، فلا يمكن مصادرتها.  كما لا يمكن الإساءة إليه وتجريحه والاعتداء على كرامته الشخصية وعزته الوطنية وتحميله مسؤولية لا يتحملها أبداً. يمكن ان يكون ذلك اسلوبا لكسب انتخابي او اعلامي،لكنه فيه اولا اساءة للكويت نفسها،وهي البعيدة عن هذا التفكير، اشتهرت  منذ وجدت بانفتاحها على أمم وشعوب واعراق وديانات مختلفة ومتنوعة ومتعددة.
أمضيت ثلاثين عاماً من عمري في الكويت أي أكثر مما أمضيته في وطني لبنان. هنا ربيت ولديّ، ومما جنيته علمتهما وزوجتهما، وساعدت أهلي، وبنيت بيتي واشتريت بستاناً ومزرعة وأرضاً، وأسست مشروعا يديره ابني بنجاح وان تعثر بسبب الأوضاع المتأزمة في لبنان.
وفي الكويت حققت مكانة مرموقة اعتز بها لدرجة ان مقربين جدا من السيدة صفاء وصفوني برئيس التحرير الفعلي لجريدة القبس التي كنت مديرا لها لربع قرن، واقمت صداقات من كل المستويات اعتز بها وأفتخر، دائماً إلا قلة قليلة جداً.
لذا، لا أبالغ ولا أتزلف فهذا ليس من طبعي، عندما أعتبر الكويت بلدي الثاني.
وانا متأكد ان الوافدين مثلي  يحبون الكويت ويكنون لها العرفان والتقدير، لأنها حقاً بلد خير وتسامح وانفتاح وأمن وأمان. فحبذا، لو تقلع القلة من أبنائها وبناتها عن قول ما ليس أصيلاً فيها، فمحبتها لا يمكن التعبير عنها بإبداء الكراهية للآخرين، والاستهتار بحقوقهم.

د.أحمد طقشة

لك الله يا ريما خلف!
تصرفت بكرامة وشجاعة. أصررت على أن تسمي الأشياء بأسمائها: إسرائيل دولة عنصرية، تمارس الأبارتهيد أبشع انواع التمييز العنصري.
واجهتِ ضغوط الدولة العبرية وحليفتها واشنطن وضعف الأمم المتحدة وأمينها العام الجديد أنطونيو غوتيرس بموقف مشرف.
لم ترضخي وتمسكتِ بتقرير علمي موضوعي يقول الحقائق ولا يلتف عليها. يصنف إسرائيل كما هي دون تجميل، احتلالها لفلسطين والجولان السوري واراضٍ لبنانية أسوأ أشكال الاستباحة الخارجية للحقوق والكرامة العربية، و«أسسّتْ نظام أبارتهيد يهيمن على الشعب الفلسطيني بأكمله، ويضطهده ويعتمد استراتيجية تفتيته».
تقرير ينسف مقولة الاحتلال ويؤكد ان الشعب الفلسطيني واحد، قضيته واحدة، وهدفه واحد، العودة والدولة المستقلة. وإن كانت قوى سياسية فيه تمعن في تقسيمه إلى ضفة وقطاع، وبعضها الآخر يبدي التعب والملل من الكفاح ويكتفي بشهوة السلطة.
أنت التي تحملت بشرف وأمانة مسؤولية تجاوز التقارير السابقة التي كانت دون لون ولا طعم ولا رائحة، وحملت مسؤولية ثقيلة لتقرير حقيقي اخترت للاشراف عليه خبيرين أميركيين، لضمان العلمية والدقة.. الأول ريتشارد فالك عالم القانون المشهود له بالكفاءة والنزاهة، كبير الخبراء السابق في الأمم المتحدة لشؤون حقوق الإنسان، والثانية الأميركية أيضاً فيرجينا تيللي استاذة العلوم السياسية في جامعة الينوي الجنوبية.
خبيران أميركيان اشرفا على التقرير الأول من نوعه يصدر عن احدى هيئات الأمم المتحدة ويخلص بوضوح وصراحة على أساس تحقيق علمي وأدلة لا يرقى إليها الشك الى توصيف اسرائيل كما هي دولة عنصرية بطبيعتها وممارساتها.
النتيجة الناصعة أغضبت اسرائيل وحليفتها أميركا، فاتهماك بما ليس فيك وأنك وضعت «منشورا دعائيا نازيا معادياً بشدة للسامية»، لكن أغضبهما أيضاً العنوان الذي حمله التقرير: «التكامل العربي: سبيلا لنهضة إنسانية».
التكامل العربي سبيل العرب الى النهضة والى تجاوز آثار ويلات الربيع العربي الكارثية، هو التحدي الأكبر لاسرائيل وأميركا يقضي على أطماعهما في التقاتل واشعال الحروب الاهلية والقبلية بينهم لتكريس تقسيم العرب وتفتيتهم.
رأيت من واجبك الا تكتمي شهادة حق عن جريمة ماثلة، وأصررت على كل استنتاجات التقرير، فرفضت سحبه، واستقلت من منصبك الدولي الرفيع رئيسة للاسكوا.
قلتِ حقيقة اسرائيل.. لكنك أيضا شخصت حقيقة العرب كشفتِ عجزهم وعريت عقمهم، فلم يحاولوا حتى الدفاع عنك وحمايتك ولديهم ادوات الضغط على الأمم المتحدة ويمكن أن تكون فاعلة لو استخدموها!
الا تستخدم الادارات الأميركية المتعاقبة بما فيها الحالية، الدعم المادي أداة للضغط على المنظمات الدولية، فلماذا لم تستخدمه الدول العربية اداة لحمايتك وابقائك في منصبك؟!
الإعلام العربي نفسه، التقليدي منه والحديث، أثبت عجزه هو الآخر عجزه لم يرتق الى مستوى التقرير ولا الاستقالة. التقرير موجود ومتوافر، فلم تنشره وسيلة اعلام عربية كاملا. ولم يجعل استقالتك قضية عامة لا تنطفئ في أيام.
لقد انشغل اعلامنا المأسوف على دوره التنويري الطليعي، بأغنية  نموذج للسفاهة حظيت مريام كلينيك و«أغوالها» بمتابعة تجاوزت كثيرا متابعة التقرير عن مستقبل العرب وعنصرية اسرائيل.
سنبقى نصرخ موجوعين.. انه عصر العجز والانحطاط.
لكنك غرست برعماً أخضر .. سيزهر يوماً
 

معركة تحرير الموصل في مراحلها الأخيرة. سيفقد تنظيم داعش الإرهابي درة التاج وأهم مدينة في دولة خلافته. المصير ذاته تنتظره عاصمتها الرقة السورية، وان كانت معركتها
لا تزال في طور التحضير غير واضحة النتائج، لأن أميركا تريد تحقيق انتصار عسكري في سوريا بشكل منفرد، من دون مشاركة دمشق وحلفائها ما يطرح علامات استفهام حول السلطة البديلة التي تسعى إليها واشنطن في تلك المناطق بعد تحريرها من داعش.
أما الموصل، فستعود بعد التحرير إلى كنف الدولة العراقية، إلا إذا كانت واشنطن تبيت نوايا أخرى لا تفصح عنها.
باستعادة المدينتين تُكتب نهاية دولة داعش ككيان ذي أرض ومؤسسات عسكرية ومدنية وسيطرة على سكان وموارد.
ومع أهمية المعركة العسكرية وضراوتها والخسائر البشرية والمادية والتضحيات الباهظة، فلن تكون كافية وحدها لتحديد مستقبل العراق وقدرته على تجاوز الحرب الأهلية والفوضى والعنف، والانخراط في التنمية والبناء بعد سنوات طويلة صعبة ومهدورة منذ سقوط النظام الديكتاتوري 2003 وخلال حقبة حكمه.
الانتصار الحقيقي لن يأتي من فوهات المدافع، بل تصنعه خطة شاملة لما بعد الموصل، أساسها وطني غير طائفي، فهل لدى الحكومة العراقية والأحزاب الدينية المسيطرة مثل هذه الخطة،
أم أن النهاية ستعود إلى حيث كانت البداية وتؤسس لكارثة جديدة؟
من نافل القول وتكراره الممل، أن في جسد العراق ورماً خبيثاً قاتلاً، نظام طائفي صلف، فشل في دمج مكونات المجتمع في لحمة وطنية، بل كرّس انشطارها العمودي الطائفي والعشائري والمناطقي، ووضعها في مواجهة بعضها، شرّع الأبواب لكل أنواع الفساد حتى أصبحت بلاد الرافدين أكثر دولة فاسدة في العالم، وتنكّر لموجبات صيانة السيادة الوطنية. فكانت تلك أسباب سيطرة داعش على مناطق واسعة الرمادي والفلوجة والموصل ثاني أكبر مدن البلاد، والحاق هزيمة مذلة بالجيش العراقي وحكومة نوري المالكي.
«الدولة الإسلامية» هي أولا فكرة. قتل دعاتها ومقاتليها أو طردهم من مدينة أو موقع، لا يعني أن الفكرة التي كانت في أساس نشوء التنظيم الإرهابي ستختفي. من يبقى من الإرهابيين متخفياً أو فاراً أو متحصناً، يبقى يحمِلُها ويحاول تطبيقها مجدداً في العراق وسوريا وفي الدول المحيطة.
التحدي الأكبر ليس من يحمل الفكر المتطرف، بل البيئة الشعبية الحاضنة والمناخ الملائم إذا ما توفرا.
لقد أخفق النظام العراقي مرة في معالجة العنف في البلاد التي عاشته قبل نشوء داعش وسيطرتها، لأنه لم يعالج السرطان الذي ينخره ويفتك بالعراق كله. الطائفية، والفساد، والاستهانة بالسيادة الوطنية. وهو يحظى الآن بفرصة جديدة من أبرز سماتها ليس فقط الدعم العسكري الدولي بقيادة أميركا، انما كذلك الدعم العربي، خصوصا الخليجي.
لذا لابدّ من نهج جديد جوهره الاقلاع عن فكرة الهيمنة والاستئثار الطائفي مهما كانت الذرائع فمن المستحيل وليس المطلوب أبدا اخضاع أي من مكونات المجتمع.
واذا ما استمر النهج الحالي، فإن المناطق التي تتحرر اليوم ستعود مجدداً حاضنة للتطرف وتفريخ الإرهابيين وتجنيدهم فالمسألة ليست مجرد إلحاق هزيمة عسكرية بالإرهاب، بل المطلوب بالحاح معالجة الأسباب وهي واضحة ومعروفة.

الثلاثاء, 14 مارس 2017

المتهم الأول

تواجه البشرية، ومنطقتنا تحديداً، أسوأ أزمة إنسانية منذ العام 1945، بعد الحرب العالمية الثانية. 20 مليون إنسان مهددون بالموت جوعاً، وأكثر منهم بالموت بأمراض مختلفة وفي مناطق قريبة جداً منا  وتجاورنا: اليمن، الصومال، جنوب السودان، نيجيريا. المنظمات الدولية المتخصصة تحتاج إلى 4.4 مليارات دولار لوقف الكارثة، بينما المتوافر حتى الآن كسر بسيط. 
90 مليون دولار فقط، حصلت عليها الأمم المتحدة رغم الوعود المبالغ فيها من المانحين.
في اليمن يموت من الجوع طفل كل 10 دقائق وغيره كثيرون من كبار السن. في جنوب السودان
5 ملايين إنسان، أي ربع السكان، يحتاجون مساعدة غذائية فورية. ويخيم شبح المجاعة والموت على مئة ألف شخص.
الكارثة الأسوأ تعيشها نيجيريا حيث مع الجوع ينتشر وباء بوكو حرام المتطرفة، وحدها قتلت 15 ألف إنسان، وأجبرت مليوني شخص على الفرار وترك منازلهم. إضافة إلى 6 ملايين شخص ليس لديهم ما يكفيهم من الطعام.
من الصومال بدأت تصل أنباء عن ضحايا تزداد أعدادهم بسبب المجاعة التي كانت قد اجتاحت البلاد كذلك قبل 6 سنوات وحصدت يومها أكثر من ربع مليون شخص. الكارثة أكثر تعقيداً بسبب الجفاف الذي يأتي على الزراعة والثروة الحيوانية ما يجعل 6 ملايين صومالي بحاجة إلى مساعدات غذائية عاجلة.
ثلاثي الموت في البلدان الأربعة: الجوع وسوء التغذية والمرض، سببه الأول الحروب الأهلية والنزاعات الطائفية والقبلية فيها. كوارث ومآسٍ مشابهة في العراق وسوريا وليبيا، وإن كان الموت جوعاً لم يقرع الأبواب بقوة بعد، لكنه يدق بإلحاح.
عالم مجنون، قاسٍ، بشع، لكن الكارثة ليست ذنبه، وليس سببها ان ألوف ألوف أطنان الطعام تنتهي في النفايات يومياً، وإن كان التدخل الأممي والمساعدة الإنسانية ضروريين وملحّين، فليس الحل الجذري فيهما، لأن للشعوب عزتها وكرامتها. تمنعها الانفة أن تستعطي لتأكل وتشحذ لتعيش يومها. فليس شح الغذاء سبباً، كما التهجير، والهرب، وفقدان المسكن والمدرسة والسقف والموت. بل هي نتيجة. السبب أولئك الذين يحكمون. مسؤوليتهم عن مآسي شعوبهم أكبر كثيراً مما تتحمله الطبيعة وكوارثها: زلازل، وجفاف، وفيضانات. حكمهم كارثة لتلك البلدان.
تكمن أولاً، وقبل كل شيء في السياسات الفئوية، الديكتاتورية، احتكار السلطة وإلغاء الآخر، الطائفية والفساد.. حكم البلدان والشعوب
لا بثقافة البناء والتعمير، بل بشهوة النهب.
السلطات الفاسدة، هي أم الكوارث وصانعتها. وسبب معاناة بلدانها وشعوبها، ونموذج للعجز عن ادارتها: الفشل في توفير العمل والانتاج والغذاء، ومعالجة التكاثر، وقبلها توفير الأمن والاستقرار والتعايش.
لايُعفي المجتمع الدولي من مسؤولياته في إبعاد شبح الجوع والموت عن الملايين، لكن فساد الحكم في تلك البلدان وسوء ادارته هما المتهم الأول.
 

السبت, 11 مارس 2017

ترامب - أردوغان

لم أحسم أمري في أيهما يذكرّني بالآخر: الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالتركي رجب أردوغان أو العكس. لكنهما متشابهان تجمعهما الكثير من السمات السلبية،أتحدث عن الصفات السياسية  لا الشخصية, فهذه لا تهمني وأنا لا أعرفهما الا من خلال السياسة والاعلام.
وإذا بدأت من المجال الأخير، فكلاهما مغرم بالتواجد الدائم في وسائل الإعلام على أنواعها. رغم ان كليهما معاد لها. ترامب يرفض التواصل مع الصحافيين ويهاجمهم يوميا تقريبا، ويرفض دخول بعضهم إلى البيت الأبيض، وإذا صدف أن دخل من لا تعجبه أسئلته، يشير الى حراسه باخراجه بعيدا، ويعتبر الإعلام «عدواً للشعب».
أردوغان يفعل الشيء نفسه، ويزيد أنه يضع عشرات الصحافيين وراء القضبان، يصادر وسائل إعلام مطبوعة ومرئية ويشرد العاملين فيها، لأنها تنتقده وترفض التطبيل ومسح الجوخ، يتهمها «بدعم الإرهاب». الأول مفتون بالشهرة من خلال الانترنت والتغريد، والثاني يصرخ كلما رأى ميكروفونا، علّ الصوت العالي والتهديدات الموزعة في كل اتجاه ترفع شعبيته وتقوي سلطته.
ترامب يبتّز العالم ويطلب منه الجزية لـ «حمايته». أردوغان يهدد بأنه «سيقلب العالم رأسا على عقب»، اذا لم يتجاوب مع شهوته السلطوية الجامحة.
الرئيس الاميركي جعل المستشارة الألمانية ميركل اول من انتقدهم من قادة العالم، لم تعجبه سياستها ذات الطابع الانساني في تأمين مأوى للاجئين الفارين من الحروب الأهلية التي دمرت بلدانهم فيما الذئب الاميركي ليس بريئا أبداً من الدم والخراب اللذين تعيشهما البلدان المصدرة للمهاجرين.
الرئيس التركي يصب يومياً الزيت لاشعال النار مع ألمانيا ومستشارتها، حتى وصل حد وصفها بـ «النازية» و«الهتلرية»، متناسياً أنه هو نفسه في مسعاه لتكريس حكمه السلطوي استشهد بهتلر بالذات، لم يمنعه من ذلك أن النظام الفاشي والدموي الذي أقامه أشعل حرباً عالمية ضحاياها 70 مليون انسان ودمار أوروبا! المستشارة الحكيمة اكتفت بدعوة «السلطان» الجديد الى «الهدوء».. وهو ما لا يتقنه إلا على الطريقة الروسية، اي التشدد معه.
ترامب يريد «اميركا الاقوى»، وأردوغان يحلم بإحياء السلطنة العثمانية ومدّ سلطانها الى خارج حدود تركيا. استفز الاول معظم دول العالم، ومثله فعل الثاني مع الجيران أولا من العراق وسوريا ومصر واليونان وروسيا قبل أن تلوي ذراعه.
ترامب يتهم المؤسسة الأميركية بالفساد وهو نتاجها.
اردوغان يستخدم مبرراً آخر وإن مُستهلكا، لاحلال نظام سلطوي يمسك هو شخصيا بكل مفاتيحه. ويروج أن النظام الرئاسي، أي الذي يتيح له جمع السلطة بيديه هو الذي يحقق أهداف تركيا في التنمية والتقدم وهذه طبعا مقولة عفى عليها الزمن فالديكتاتورية لا تصنع تنمية وازدهاراً إنما هو الوهم المترتب علىأيديولوجية الاخوان المسلمين وكل الاحزاب الدينية، لذا فإن النظام الرئاسي حلم العمر لاردوغان لا يعني سوى اتاتورك أقل واردوغانية اكثر أو ديمقراطية وحريات أقل وتسلط وقمع أكثر، وهو ما سيتكرس في استفتاء شهر ابريل المقبل بشأن تعديل الدستور حتى يتكرس في تركيا النظام الرئاسي.
بين المستجدات التي يحملها الدستور التركي الجديد تخفيف الطابع العلماني عن المناهج التركية والغاء الساعات المخصصة لتعليم نظرية التطور والارتقاء لشارل داروين. المشترك في هذا مع الرئيس الاميركي ان المنهج التركي الجديد سيبعث بقوة العنصرية التركية وهو ما يفعله ترامب في اميركا.

الصفحة 4 من 15